يا حبذا لو كان نيلسون ماندلا عراقياً

الفلسفة : حُب الحكمة         الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

—————————————————————————————

من أجل عراق لجميع العراقيين    وحكومة عراقية علمانية تضم جميع أطياف الشعب العراقي

  قبل ثمانية أشهر بالضبط ، وبالتحديد في 7 ديسمبر (كانون الأول) من عام 2013 نشرنا مقالنا (وإخترنا إسم قلمي هو حفيد ديوجانس البابلي) وبعنوان ” يا حبذا لو كان نيلسون مانديلا عراقياً ” . ولم يلتفت له السياسيون في العراق أو الأدق تجاهلوه . واليوم (6 تموز 2014) جاء ت مصداقية مقالنا عن مشروع نيلسون ماندلا لحل الكارثة التي يمر بها عراق الرافدين في برنامج إسبوعي مهم يُبث في صباح الأحد وعلى القناة الأمريكية المشهورة س ن ن ، وبتقديم  الأستاذ فريد زكريا وهو مصري – أمريكي ، والذي قال فيه الدكتور فوازجرجس وهو لبناني – أمريكي

أين نيلسون ماندلا من العالم العربي ؟

وللفائدة وتجديد الدعوة للعراقيين عامة ، وللشيخ مسعود البرزاني والإمام نوري المالكي ، أعيد نشر المقال القديم الجديد ، خصوصاً وإن العراق على ” حافة الهاوية ” أو إنه قريب جداً من ” حرب أهلية طائفية ” لا يعرف درجات خطورتها الإمام المالكي ولا يتصور مديات إنتشارها إلى منطقة كردستان الشيخ مسعود …

—————————————————————————————

رسالة آخر الليل :

يا حبذا لو كان نيلسون مانديلا عراقياً

الدكتور محمد جلوب الفرحان

حفيد ديوجانس البابلي

—————————————————————

إلى إبي إسراء والشيخ مسعود ورفاقهم الميامين

العراقيون يحبون السلام ويتطلعون للوصول إليه

هل فكرتم بجدية بوقف حمامات الدم اليومية

لقد كفر العراقيون بالسياسة والسياسيين

أما بعد

أنا عراقي مغترب ، يحب العراق والعراقيين دون تمييز

يحب جباله وأهواره ، سهوله الشرقية وهضابه الغربية

يتوضأ بمياه عراقية بحافات بابل المقدسة

مياه ممزوجة من دجلة الخير والفرات الخالد

وقام وشد العزم ليصلي للإله تموز

وتهجد بدعاء الصمت المقدس

وتبتل وسأل الإله تموز بحماية المرأة العراقية

من أعوان الأعور الدجال

وصكوك الزواج اللا مقدس

فقال الإله تموز همساً

وكأنه يقول :

أنا أحبُ وأحترم المرأة العراقية

فقد عانت الكثير من الضيم وضحت بالكثير

وفقدت الكثير

حقاً على خلاف ما يروج رجال الأعور الدجال

بأن الزمن توقف ، وغابت الشمس وتعطلت

حركة الكواكب والنجوم والأقمار

إن الزمن يدور وفصوله تتعاقب

 وستكونين قائدة وربان سفينة العراق

بعد إن فشل الرجال الميامين

وكادت تغرق

 إنهم أزلام الدمار

نقلوا العراق من خراب إلى أرض يباب

وأنا على يقين بأنك ستخلقين عراق جديد

يعيش فيه الجميع بسلام وآمان

ورهان العراقيين معقود عليك

فإنك حقاً صاحبة الزمان

ومهدية الآوان

….

أنا على يقين بأن أبا إسراء ورفاقه الميامين يعرف بالتفصيل ، وهو الأكاديمي بحدود ما ، عن قصة الرمز العالمي الكبير نيلسون مانديلا ، وكيف إنه حول جنوب أفريقا من دولة التمييز العنصري إلى دولة ديمقراطية يعيش فيها الجميع دون تمييز في لون الجلد والجندر …

وأنا على يقين بأن الشيخ مسعود عارف بدقائق الأمور عن شخصية القائد الأفريقي الأسود نيلسون مانديلا ، وكيف إنه رفض أن يكون زعيماً للعشيرة ، فختار أن يكون قائداً لكل المواطنين من بيض وسود وهنود .. وهكذا رفض بكل يقين الإنغلاق والإنكفاء على العشيرة والبيت وفضل الصعود بإنسانيته إلى الطوابق العليا ، حيث هناك يُعانق المجد والخلود …

والأسئلة تدور في دائرة التفكير ؛ هل فكر السياسيون في العراق العتيد بشخصية نيلسون مانديلا ؟ وإذا سجنوا وتعذبوا ، وهذه هي فرضيتهم التي تسد الطريق في الجلوس مع المعارضة (سياسي النظام السابق) على طاولة واحدة وفتح حوار حقيقي يحقن دماء العراقيين النازفة منذ سنين (ويبدو إنهم مهتمون بتأبيد الخلاف ولا يهمهم حقن دماء العراقيين)  ، فإن مانديلا هو الأخر سُجن سبع وعشرين عاماً ، وأصيب بالسل ، وتحمل التعذيب اللاإنساني ، وتعرض بصره للإنطفاء ، وفقد حياته الزوجية بعد إن غُيب في السجون ، وضاع عليه دفء العائلة  وهو في ربيع عمره … لم يُفكر مانديلا على الإطلاق بالإنتقام ، لأنه كان إنساناً عال الأخلاق ، وصاحب رسالة نبيلة … فأوقف حمامات الموت في أفريقيا ، وجلس مع خصومه البيض وصاحبي السياسات العنصرية يحاورهم ويفكر معهم في طريق جديد يخرج جنوب أفريقيا من مآزقها المكتوب وطريق الإقتلال والتحارب والعنصرية إلى مجتمع مدني إنساني يشمل الجميع  …

   والعياذ بالله من السياسات العنصرية ، فنحن مسلمون إنسانيون ، وليس في دستورنا تمييز في اللون والجندر ، فالتمييز العنصري حرام في ديننا والله الواحد القهار شاهد علينا وعلى ما نقول ونعمل شهيد منذ ما يقارب الألفية وست قرون .. ونحن مهديون برسالات وأخلاق السماء ، والملائكة شهود على أعمالنا ، وسجلاتها ستكون وثائق التجريم والإثابة يوم الدين ، فستسود وجوه وتبيض أخرى …

  والسؤال من جديد يدوي في المسامع والعقول ، ومفاده يقول ؛ هل فكر واحد من سياسي العراق بأن يكون نيلسون مانديلا أخر في العراق ؟ إنها عملية بسيطة تبدأ ببيان للجماهير (والبيان كلمة وعلمنا ديننا الحنيف إن الكلام توسط بين فعل اليد وتعاطف القلب وهو أضعف الإيمان)  ،  كلمة تقول : لكل العراقين من العرب والكرد والتركمان والأشوريين واليزيدية والصابئة الميامين . ندعوكم إلى رمي البندقية جانباً ، فقد غبر زمن الحرب والقتال ، وجاء زمن الحوار والإستماع إلى الأخر بعقل مفتوح وقلب متسامح ، فنحن إخوان في العيش المشترك ، وهذا قدرنا إننا نعيش في العراق الميمون … وبصدق إن دعوتنا تلزم جميع الأحزاب والأطراف ، بدعوة الجميع إلى تشكيل حكومة إئتلاف وطني ، تضم الجميع دون تمييز ، ولا تستثني من كان في السلطة أو في المعارضة ، حكومة إئتلاف وطني لمدة ثلاث سنوات ،  وخلالها يُفتح الحوار وعلى وسائل الإعلام وفي الساحات والمدارس والجامعات والأسواق والمقاهي ، والنوادي والجمعيات للدعوة إلى الإئتلاف والأخوة والعيش المشترك ، ونبذ العنف ، وحق الجميع في ثروات العراق ، وحق الجميع في إختيار شكل الحكم والدستور … ومن ثم تجري إنتخابات يقرر شكلها صندوق الإقتراع . وتعقبها فترة كتابة الدستور ، وأن يكون الشرط الأساس ، هو أن لا يسمح لرئيس الجمهورية من تداول السلطة أكثر من دورتين ، وهذا الحال يشمل رئيس الوزراء ..

أنا عارف بأن آذانكم تعودت إن لا تسمع رأي الأخر ، فرأي الأخر بدعة وكفر ، وبرأيكم إن البدعة زندقة ، وصاحبها زنديق ، وكل زنديق مارق يلعنه الواحد القهار ، ومهاده الأخير نار السعير .. ولكنكم بالمقابل شطار مخادعون ، تخدعون أنفسكم بالصلاة والدعاء إلى الواحد القهار … إنكم تعرفون أكثر من غيركم ، بأن جنة الله بعيدة عنكم بعد السماء عن الأرض .. وإنكم بصلاتكم وتهجدكم رسالة تدجيل تضحكون بها على الرعاع المغفلين .. إن السعير آت وربما قريب … والشعب المظلوم والجائع ، هو الذي يقرر شكل السعير … فعودوا إلى التاريخ وتعلموا منه العبر … وأحسب إنكم كنتم على حق عندما ذكرتم من سبقكم من الحكام بعبرة التاريخ (وهذا مُقيد ومُجير عليكم) ، ولكن بعد صعودكم إلى سدة السلطة ، أغفلتم عبرة التاريخ  التي كنتم تُحاجون بها ، وكأن حالكم يقول : يا تاريخ توقف عندنا  ، فسوف لن تكون لك قائمة من العبر بعدنا ، ولا تتحرك إنملة ، فنحن باقون في السلطة إلى الأبد ، يحمينا الواحد القهار …

2

وأنا أراقب المشهد السياسي العالمي من خلال جهاز التلفزيون ، شعرت بغبطة عالية ، ومشاعر لا حدود لها ، وأنا أتنقل من قناة تلفزيونية إلى أخرى ، لأكون شاهد العصر على وفاة هذا الرمز العالمي الكبير (أي نيلسون مانديلا) ، وأكون شاهد على إنشغال المشهد السياسي العالمي بإنجازات هذا الرجل المتواضع ، الذي قاد مقاومة سلمية خالية من أي أشكال العنف . وهكذا سجل التاريخ إسمه في لوائح الخالدين . بينما ذهب قتلة شعوبهم ، وممزقي أوطانهم ، وقتلة أطفال بلدانهم ، وسراق أموال الأرامل والمرضى والشيوخ إلى مزابل التاريخ ، تلاحقهم لعنات السماء والأرض . ويتوعدهم الواحد القهار بنار السعير ، ويلوح للفقراء بفردوس تجري من تحتها الإنهار … وبحور جنان وولدان مخلدون … *

  لقد خدعونا سياسي العراق كثيراً ، وطال حبل خداعهم …

مرة قالوا إننا جادون بحقن دماء العراقيين . وإننا جادون بأن يكون العراق للجميع ، وإننا سندعو الجميع للمشاركة السياسية ! ومرت الأيام والسنين بعد أن دمر بوش وربعه الميامين ، وهيأ لكل مفسدي وسفاك الأرض أن يعيشوا في العراق فساداً ونهباً ، فسرقوا الفرحة من أطفاله مثلما سرقوا كل شئ ، وأودعوها في بنوك الغرب ولا يخافون من غضب الله الواحد القهار ولا من الشعب والدستور ، وهكذا أمسى مشهد العراقيين ينتقل من حال سئ إلى أخر أسوء . وبالمقابل ضحكوا على العراقيين ، وقالوا : إنهم مساكين ، لا يعرفون الشطارة السياسية ، وقد فات على المساكين الدراويش ، بأننا نحن شطار السياسة وربانها ، والمبدعون لطرق جديدة في الشطارة والضحك على الذقون …

فأي عراق ، وأي عراقيين تتحدثون !

لقد تحولوا بإذن الواحد القهار إلى قطيع نسوقهم في الصباح من خلال أدعية الملا ميرزا ، ونعود بهم في المساء ، وهم يهتفون والتعب قد أخذ عقولهم ،  والعطش قد أغشى أبصارهم ، وعقد ألسنتهم .. إلا بشئ واحد ، وهو الدعوة لأبي أسراء والشيخ مسعود بطول العمر والبقاء وفي هذه الأثناء سمعت راعياً مخبولاً يردد مع نفسه هرطقة وحديث كفر (وهمست والعياذ بالله من كلام هذا الفاسق المخبول) ولكن الجنون فنون ، فقال :

أين الله ، الواحد القهار ؟ هل ترك العالم ، إني لا آراه ، بل إنه ترك هذا العالم غاضباً على أفعال العباد …  آه ماذا تقول : هل إنه مات ؟ كما يقول الزنديق الألماني نيتشه ، والعياذ بالله من نيتشه الزنديق وكل مارق جبار يلعب بأوراق الدين … إنهم فسقة زندقة مارقين مثل نيتشه …  وأدعيتهم فيها الكثير من التناظر وأناشيده الزرادشتية في كتابه المقدس هكذا تكلم زرادشت .

ثم صمت قليلاً ، وقال : من يدري ؟ ربما نيتشه كان هو العاقل الوحيد بين الناس ، وأردف قائلاً : كلا إن نيتشه بالتأكيد مجنون ، فكيف يموت الله ! وأبو أسراء والشيخ مسعود يصلون له في النهار ثلاث وخماس ، ويقومون في الليل مثل الزهاد والصوفية يبكون ويفكرون بالجائع والمحتاج وإبن السبيل . لا أصدق نيتشه ، فهو بالتأكيد مجنون ، ولكنني أصدق صلاة أبي أسراء والشيخ مسعود . وأشهد إن الله حي لا يموت . وإنه حي لأن أبي أسراء والشيخ مسعود يصلون له في النهار ، ويتهدجون له في الليل وبواكير الصباح ، ويتصدقون على الفقراء . وأشهد إنهم لا يسرقون أموال الشعب ، لأنهم يحرمون السرقة ، ويقيمون الحد على السارق ، فيكون مصيره قطع اليد أو غياهب السجون . فقال الراعي المخبول ، وهو يضحك ، ولم يدرك أحدُ : لماذا يضحك ؟ وعلى من يضحك؟ فقال وفاجأ القطيع : إني أضحك عليكم أيها القطيع ، لأني سمعت باليقين ، إن المجنون نيتشه في طريقه إلى نار جهنم ، تلاحقه لعنات الله الواحد القهار ، ودعوات الملائكة وشيخهم جبريل بالسعير لكل مارق كفار .

ثم صمت الراعي المخبول قليلاً ، وقال : إني أحب أبي أسراء والشيخ مسعود وأجلهم ، ولكنني أحب أبا أسراء وأجله أكثر ، لأن الشيخ مسعود كما قال أبو إسراء : لا يحب المهدي ! كيف لا تحب المهدي يا شيخ مسعود . ونحن منذ أكثر من ألف عام ، ندعو له بطول العمر والبقاء ، وإنه آت سيساعد أبا أسراء على محاربة الظلم والفساد وقتل الظالمين واصحاب الأعور الدجال ، وسيقيم مجتمع العدالة ودولة العدالة والإنصاف . وسيكون أبا إسراء وكيل المهدي في العراق ولا تعلو عليه راية الشيخ مسعود . ولكن أردف الراعي المخبول ، وهتف : فسلام على أبي أسراء والشيخ مسعود ، يوم ولدا ، ويوم يموتا ، ويوم يبعثا حيا ! وصمت الراعي المخبول وضحك بصوت عال وقال : إني أشهد أن أبا إسراء هو مهدي هذا الزمان ، وإن الشيخ مسعود هو عيسى ومسيح هذا الزمان ! وصمت الراعي المخبول قليلا ، وعاد ليُحدث القطيع برسالة فيها نبؤة جديدة ، فقال : هل تعلمون إن المهدي هو عيسى ومسيح أبي إسراء ؟ وإن المسيح هو مهدي الشيخ مسعود ؟ وداخ القطيع من الراعي وكلامه الملغوز ، فقال لهم الراعي المخبول هذه هي الرسالة اليقين لكل العراقيين من كرد وعرب وتركمان وإخواننا الأشوريين واليزدية والصابئة الميامين ، وليحفظكم الله الواحد القهار . وليحميكم من نار السعير ، وبالتأكيد يحمي لكم كل من أبي إسراء والشيخ مسعود … إلى أبد الأزمان ، فحقاً لقد توقف التاريخ وغابت الشمس وتعطلت حركة الكواكب والنجوم …

———————————-

* ينتمي نيلسون ماندلا إلى حركة المقاومة السلمية (اللاعنفية) والتي أسسها غاندي ، ومن ثم سار على الدرب وإستلهمها القس الأمريكي الدكتور مارتن لوثر كنك جنير ، ومن ثم سار عليها كذلك الرئيس نيلسن ماندلا . مع الأسف تمكنت العقول المنغلقة وأصحاب الفكرانيات الضيقة ، والقلوب الضعيفة الحاقدة من إغتيال غاندي ، وإغتيال القس الدكتور مارتن لوثر كنك . إلا إنهم لم يتمكنوا بل وعجزوا من إغتيال رجل السلام نيلسن مانديلا  الذي فاز بالخلود في هذا العالم ، فقد عاش خمس وتسعين عاماً . كما سيظل خالداً في ضمير الأجيال القادمة …  

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , ,

الطرف السياسي من عمل الأكاديمي الأمريكي اللبناني فؤاد عجمي

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

———————————————————————————-

الطرف السياسي من عمل الأكاديمي الأمريكي فؤاد عجمي

القسم الثاني

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

——————————————————————————–

تقديم :

  يكشفُ هذا الطرف من المقال عن ” محطة ” من محطات التحول الجذري التي حدثت في تفكير البروفسور ” فؤاد عجمي ” . وهي بالطبع محطة لا نحتفل بها على الإطلاق ، ولكن في الوقت ذاته نضعها على طاولة البحث والتأمل الأكاديمي الصارم . في حين نحتفل بالمحطة الأكاديمية الوحيدة من حياة البروفسور عجمي ، وهي المحطة الأكاديمية المبكرة ، والتي كان فيها ” أكاديمياً حُراً ” مستقلاً ، ديدنهُ (ناموسه) الوحيد هو الدفاع عن الحق والحقيقة ولا يهمه لومة لائم ولا يعنيه  ” رضاء وعدم رضاء الأهل والغريب ” . كما ولا تُخيفه ” سيوف الأخر الممشوقة على الرقاب وأيديهم على الزناد ” .

  وفعلاً وقف البروفسور عجمي وقفة الحق وإنتصر لشكل من أشكال ” الحكم الذاتي للفلسطينيين ” وهو في بداية مشواره الأكاديمي . غير إن فلك الدنيا دار ومن ثم تحركت الكواكب والنجوم وتبدل ” حال البروفسور فؤاد عجمي ” مع دورتها ودورانها في مسارات الفلك الجيوسياسي الأمريكي وحساباته . وعلى أساس هذا الفهم والتصنيف نُطلقُ على المحطات اللاحقة من حياة الأكاديمي البروفسور ” فؤاد عجمي ” إصطلاح ” محطات الأكاديمي الكاوبوي [1] الجمهوري ” والتي بدورها دشنت مرحلة جديدة من تاريخ تحوله من ” محطة الأكاديمي الحر ” إلى ” محطة الأكاديمي الورع ” ومن ثم نكوصه ودخوله إختياراً بل وتشربه حتى النُخاع من ” بلسم محطة التفكير الكاوبوي الجمهوري ” . 

  ونحسبُ إن كل هذا التحول حدث بعد إن سدت الجامعة أمامه كل أبواب ” العمل الأكاديمي الثابت ” وخلقت له حالة من الهلع والقلق الأكاديميين والتي تمت فيه ” مراجعة درامية وإنقلابية ، منها على مستوى الذات ومنها على رصيد الخط الأكاديمي العقلاني المتداول ، ومن ثم تتوجت بالإعلان عن نبؤة جديدة لا علاقة لها بالتاريخ والحاضر والمستقبل ” . وهذا حدث فعلاً وجاء ” إنجيل النبؤة العجمية ” والذي تجوهر بكتاب العجمي ” المآزق العربي : الفكر السياسي العربي وتطبيقاته منذ عام 1967 ” والذي كان ” صك التوبة وفك الإرتباط من مناصرة الفلسطينيين في قضية الحكم الذاتي ” والذي كان في الوقت ذاته  ” قرباناً على مذبح ” التحول إلى شواطئ الأمان ” الكاوبوي الجمهوري ” الذي ليس فيه آمان .

  وهكذا جاء نشر كتاب ” المآزق العربي … ” الذي حمل مشروع حل لمآزق الأكاديمي عجمي مع ” السلطات الأكاديمية الأمريكية ” والتي ” قرصت الأكاديمي فؤاد عجمي العديد من المرات ، ومن ثم قضت من مضجعه لما يُقارب العقد من السنيين ” . فكان عطاء التحول وفيراً والوعود كثيرة ، ومن ثم إنهالت عليه ” المكارم الأكاديمية ” . وفعلاً تخلى البروفسور عجمي عن منهج البحث الأكاديمي الحر ، وتحول إلى منهج البحث الورع ومن ثم أصبح جزءً من ماكنة الثقافة ” الكاوبوية الجمهورية ” التي يُديرها الرئيس جورج بوش الإبن ومن خلال وزيرة خارجيته الأكاديمية ” كوندليزا رايس ” والتي عمل لها البروفسور فؤاد عجمي مستشاراً وبالتحديد قبل إحتلال أمريكا للعراق وخلال فترة الإحتلال وما بعد ، ومن خلال نائب وزير الدفاع ” بول ولفوتس ” والذي كان بالطبع نائباً لوزير الدفاع ” دونالد هنري رامسفيلد ” [2] .

   إن في هذا التحول العجمي في البحث الأكاديمي من مضمار البحث الحر وإلى معاقل العمل السياسي الحكومي الكاوبوي الجمهوري ، تجسيد لمحنة كبيرة ، وفعل تراجيدي مؤلم في تاريخ أكاديمي ورع تحول إلى مسمار ثقافي إعلامي يؤذي الشعوب الأمنة ويتعاون إختياراً مع القيادة الكاوبوية الجمهورية التي إفتقدت العقل والمنطق وعملت بمنهج ” كاوبوي ” على إلغاء حق الشعوب في إختيار النظام السياسي الذي ترضاه  وطريقة الحياة التي تتطلع إليها … والأكثر من ذلك تحول البروفسور عجمي إلى قلم ” يُشجع على إحتلال العراق ” ويُبرر سياسات الإحتلال والإعتداء وتدمير شعب آمن لا علاقة له بجرائم القاعدة وأسامة بن لادن وكارثة سبتمبر 11 …

الأكاديمي فؤاد عجمي وعمله مع نائب وزير الدفاع الأمريكي

  ولد الطفل ” فؤاد عجمي ” في قرية عرجون اللبنانية القريبة من الحدود مع إسرائيل ، والتي إختارتها عائلته عندما هاجرت من إيران في عام 1850 وإستقرت لتعمل في الزراعة في ” قرية عرجون ” الجبلية المتاخمة للإراضي الفلسطينية يوم إستقرار ” أجداد فؤاد عجمي ” ومن ثم أصبحت ” أراضي المذبح الفلسطيني – الإسرائيلي ” قبل ولادة ” فؤاد عجمي ”  وتحولت بسبب الإحتلال ” جزء من الدولة الإسرائيلية ” مع السنوات ” السبع أو العشر الأولى ” من حياة الفتى عجمي ، وهي السنوات التي يتحدث عنها كثيراً وبإسهاب عالم التحليل – النفسي المشهور ” سيجموند فرويد ” والتي حسب فكرانيته النفسية تلعب ” دوراً أساسياً ” في تشكيل ” شخصية الإنسان ” فيما بعد .

   وهذا الحال يحملنا على القول إن هذه المنطقة الجغرافية تركت أثراً في إنشاء وتعميق نوع من العلاقات أخذت أشكالاً ملونة ، ومن ثم تحولت إلى حميمة مع ” جيران الماضي من الفلسطينيين ” و ” أصدقاء اليوم ” والتي تشمل ” عدد من الشخصيات الأمريكية من إصول يهودية ” وخصوصاً مع صديقه الحميم  ” بول ولفوتس ” (ولد في 22 ديسمبر عام 1943 فبول والبروفسور عجمي من جيل واحد) وكان بول ولفوتس نائب وزير الدفاع الأمريكي خلال حكم ” بوش الأبن ” [3] ، ومن ثم عمل بول ولفوتس ” عميداً لمعهد ” الدراسات العالمية المتقدم ” ، وهو جزء من جامعة ” جونز هوبكنز ” وهو من أعلى المعاهد الأكاديمية الأمريكية العالية والذي يُركز على ” العلاقات الدولية ” [4] . وهو الموضوع الذي كتب فيه البروفسور ” فؤاد عجمي ” إطروحته للدكتوراه .

  ومن ثم في عام 1980 (وهي سنة التحول في حياة وتفكير البروفسور عجمي ، والذي كان خلالها يعمل على تصحيح كتابه المعنون ” المآزق العربي …) وبالتحديد في مطبعة جامعة أكسفورد ، جاءت الأخبار بقبوله العرض الذي تقدمت به ” جامعة جونز هوبكنز ” ، وهو إن يعمل مديراً لمركز ” دراسات الشرق الأوسط ” [5] الذي كان جزءً من ” معهد الدراسات الدولية المتقدم ” والذي كان في فترة من الزمن عميده ” بول ولفوتس ” [6] . ومن ثم شغل عجمي رئاسة ” المركز المالي ” والذي سبق إن شغله البروفسور العراقي ” مجيد خدوري ” (1909 الولادة في موصل – العراق – الوفاة في أمريكا عام 2007)  [7] والبروفسور خدوري طيب الله ثراه [8] هو المؤسس لمعهد الدراسات الدولية المتقدم في جامعة جونز هوبكنز ، وهو الذي صاغ ” برنامج الدراسات العليا لمعهد دراسات الشرق الأوسط ” [9] .

هبة الأجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق

  ولعل من أهم كتب البروفسور عجمي التي نود أن نستشد بها في هذا المضمار ، كتابه المعنون ” هبة الإجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق ” ، والذي صدر في عام 2006 . وهو يدور حول إحتلال أمريكا للعراق [10] . وفيه يزعم البروفسور عجمي إن تلاشي نظام صدام حسين ، وهذا التلاشي بالطبع يشمل حسب ما نظن إنطفاء  ” فكرانية التوحيد العراقية ذات الطابع العلماني ” وغياب سطوة العراقيين الموحدة من الشارع ، وعودة ” فكرانيات التشرذم الطائفي ” قد جلبت ” نوعاً من الحرية للعراق ” وفي الوقت ذاته يعترف الدكتور عجمي ، بأن إحتلال العراق جلب كذلك ” الإمتعاض والفوضى ” ولكنه من طرف أخر خلق الأمل والذي تمثل في الإستقلال . إلا إنه يعود ويعترف في الوقت ذاته بأنه سبب اليأس والخيبة والذي تمثل بإندلاع أعمال ” العنف الطائفية ” و ” صراع حول السلطة السياسية ” . ومن ثم يتحول عجمي ليرمي بالقضية في عالم الوهم والتعتيم ، فيقول ” رغم ذلك فإن العراق يظل مُحيراً ولغزاً لأغلب دول العالم ” .

  ومن ثم يعود إلى لعبة السؤال ” وهو كيف إن تاريخ العراق (وبالطبع ليس الإحتلال الأمريكي المسؤول) قد قاد إلى الظروف الراهنة ؟ وما هي مخاوفنا وآمالنا من السنوات القادمات ؟ ربما يقول البروفسور عجمي الكثير ، ويتصور الكثير حول مستقبل العراق . لكن إحتلال العراق من قبل ” قوات داعش ” وسقوط المحافضات العراقية الواحدة بعد الأخرى بسهولة لم يشهد لها تاريخ الإنسانية من نظير ، وهروب القيادات العسكرية ووحدات الجيش التي دربها الأمريكان لمدة ” أحد عشر سنة ” وصرف عليها من ثروات العراقيين ” المليارات ” لعلها شاهد على إن أراء البروفسور السياسية وتكهناته قد جانبت الحق وظلت طريقاها وتحولت إلى أساطير تُرضي الذات و ” ستراتيجيات الكاوبوي الجمهوري ”  .     

  وعلى الرغم من الدور الإستشاري الذي لعبه البروفسور ” فؤاد عجمي ” في الحرب الأمريكية على العراق ، فإنه يعترف بإن هذه الحرب سببت ” العميق من الإرتباك للأمريكيين ، وخصوصاً مع حضارة الإرهاب التي وجدت لها موطأ قدم وأرضاَ صالحة في البلدان العربية ” [11] . كما ومن الملاحظ إن نائب الرئيس الأمريكي ” ديك شيني ” في عصر بوش الأبن ، وبالتحديد في آب 2002 وعندما تحدث للمحاربين القدماء ، فتأمل في الهواجس المتوقعة من إحتلال العراق . وخصوصاً ردود فعل الشارع العربي ، وإستشهد بتوقعات البروفسور ” فؤاد عجمي ” بعد التحرير ، وبالتحديد في شوارع البصرة وبغداد ، والتي ثارت فيها ” براكين الفرح ” وبالطريقة ذاتها التي إستقبلت الحشود في أفغانستان المقاتلين الأمريكان ورحبت بهم [12] .

    صحيح إن البروفسور إستفاد من مصادر أكاديمية عامة في كتابة مؤلفه المعنون ” هبة الأجانب … ” إلا إنه الكاتب ذو الإسلوب الشاعري ، والذي إعتمد في إنشاء مادة كتابه بصورة رئيسية على ” زياراته المتنوعة والعديدة ” ولقائاته بقيادات السنة ورجال الدين الشيعة والزعماء الأكراد . فهذه هي مصادره ، وفيها غياب ساحق لرجالات في الحكومة السابقة ، وعلماء ومفكرين وعلماء سياسة وإجتماع وفلاسفة ومؤرخين وعلماء نفس عاشوا لأكثر من ثلاثة أجيال تحت ظلال الحكومة التي أطاح بها الأحتلال الأمريكي . ألا كان من الإنصاف والموضوعية في نهج الأكاديمي الورع ، أن يترك لهم هامش للتعبير في كتاب كُتب بالإنكليزية للقارئ الأمريكي أولاً وللقارئ الإنكليزي على وجه العموم  . ولهذا نحسبُ إن حجب مواقف المعارضة العراقية للأحتلال الأمريكي للعراق ، يجعل من كتاب البروفسور عجمي كتاباً إعلامياً (بروبكندا) للإحتلال الأمريكي ، فتصور أيها القارئ الكريم ، صوت جيل كامل من العراقيين غائب في كتاب ” هبة الأجانب … ” الذي كتبه فؤاد عجمي . ومن هذا الطرف نحسب إن هذا الكتاب فقد  مشروعيته الأكاديمية ومثدولوجيته الموضوعية ، وتحول إلى نوع من البروبكندا المساندة للإحتلال الأمريكي للعراق . وفعلاً فإن البروفسور عجمي كان الحاصد المالي المحظوظ ، وبالتحديد من زياراته للعراق ومما دُفع له من ” خرجيات مالية ” ثمناً لكتاباته الأكاديمية (؟) .

   والواقع إن البروفسور عجمي يعترف في هذا الكتاب ، بإنه بعد سنوات معدودات ، زار العراق ، وجال في مناطق مختلفة بحكم كونه ” مستشاراً لزميلته الأكاديمية وزيرة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس ” [13] ، ومن ثم إلتقى بالعديد من القيادات ورجال الدين الشيعة (والذين يتحدثون في مجالسهم للشعب المسكين عن الشيطان الأمريكي …) ورجالات من السنة وزعماء أكراد ، وسياسيين وشعراء . كما إنه أجرى مقابلات مع ناس أدلوا بشهاداتهم عن الإنتخابات التي رتبتها وأشرفت عليها وباركتها مجموعة من الجنرلات العسكرية الأمريكية . إضافة إلى إن البروفسور عجمي إستمع إلى الجنود الأمريكان في العراق … إن كل هذه كانت مصادر البروفسور ” فؤاد عجمي ” في إنشاء كتابه المعنون ” هبة الأجانب … ” [14] .

     ونرى إنه من النافع أن نخبر القارئ العربي ، بأن منهجية البروفسور عجمي عندما تقترب في الحديث عن قوى  المعارضة العراقية والعربية للحرب على العراق وللإحتلال الأمريكي ينحو منحى عاماً ، ويتحدث بتسميات عامة فيها تعتيم على الحق والحقيقة وذلك من أجل الهروب من منطق تسمية الأشياء بأسماءها . فمثلاً هو يتحدث عن الحرب الدامية والدراماتيكية بين القوات والسلطة الأمريكية في العراق وما أسماهم ” القوات العربية الدينية ” . وهؤلاء في الحقيقة جيل ولد وتربى وتعلم وعمل وكتب وإشتغل في المؤسسة السياسية (وعمره الزمني أكثر من ثلاثين سنة مضافاً إليها أحد عشر سنة وهي فترة الإحتلال الأمريكي) فكيف وأنت الأكاديمي الورع تختصر هذا الوجود العراقي العربي النابت بثلاثة كلمات وتغادر الموضوع .على كل إنها موضوعية الأكاديمي ” الكاوبوي الجمهوري ” الذي رهن كتاباته لترويج مشروعية الإحتلال وسياسة التدمير وتفكيك وحدة العراق …

العراق ومستقبل العرب

   وفي مقال كتبه البروفسور عجمي وبعنوان ” العراق ومستقبل العرب ” والمنشور في المجلة الأمريكية الدورية ” قضايا أجنبية ” والتي يشرف عليها ” مجلس العلاقات الأجنبية ” ، يقول عجمي بصراحة وهو الصادق الأمين لسياسات الكاوبوي الجمهورية الأمريكية ولا تنسى بأن البروفسور عجمي قد عمل خلال حكم بوش الأبن : ” مستشاراً لوزارة الخارجية الأمريكية كوندليزا رايس ” ليس هناك أي وهم عند الحديث عن طبيعة المزاج العربي عندما تندلع الحرب ضد النظام العراقي . بالتأكيد هناك ” قلوب وعقول ” وهذا يتطلب ربحها ، وإن الدبلوماسية غير قادرة على إقناع الغالبية العظمى من العرب على إنها مجرد حرب وحسب . صحيح إن البعثة الأمريكية في الأمم المتحدة لفتت أنظار المفتشين حول خطورة مشروعات العراق النووية .. إلا إن الغالبية العظمى من العرب يرون بأنها مجرد محاولات الإمبريالية للوصول إلى عالمهم العربي ولصالح إسرائيل ، أو هو طريق الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على نفط العراق . ولا أحد من العرب يريد أن يسمع بأنها ” قوة أجنبية عظيمة “” [15]

تعقيب ختامي :

  نحسبُ إن فؤاد عجمي في إستخدامه لهذا المنطق المكسور ، وهذه المثدولوجية الغريبة على البحث الأكاديمي ، هو بالتأكيد ليس الأكاديمي فؤاد عجمي الذي عرفناه  ” في السنوات الأكاديمية العشرة الأولى ” . فقد كان إنساناً مختلفاً وأكاديمياً موضوعياً ولا ” يبخس حق الشعوب المظلومة ” . ولكن بعد ذلك تحول فؤاد إلى ” شخصية الكاوبوي الأمريكي الجمهوري ” . وفي هذه اللحظة مات الأكاديمي فؤاد عجمي الحُر وتحول تدريجياً ومن ثم بسرعة ملحوظة إلى الأكاديمي الورع ومن ثم إلى ” قلم سياسي كاوبوي جمهوري ” . لكن والحق يقال إن عجمي كان إنساناً مسالماً ، ولم نلحظه في يوم من الأيام يلوح بالسلاح ، ولم نرى يده على الزناد مثلما هو الحال في مشاهد تلفزيونية ” لصقور الكاوبوي الجمهوريين  ” وهم يحملون السلاح وأيديهم دائماً على الزناد والجمهور الأمريكي يتذكر حوادث ” ديك شيني ” [16] وإطلاقه النار وصور الكاوبوي الجمهوري للسنتور ” ليندزي غراهام ” (ولد في 9 تموز 1955) وهو يحمل بندقيته على كتفه ومدجج بأحزمة من أعتدة السلاح التي تلف أكتافه وهو يزور العراق في بواكير الإحتلال الأمريكي للعراق .

  وبالمقابل نحتفل بصورة ” رئيس الأركان الجمهوري ” ووزير الخارجية الأمريكي والشاعر ” كولن باول ” والذي تخلى عن بزته وتاريخه العسكري وتحول إلى ” مواطن أمريكي مدني ” . إن صورته تشع بشعاع إنساني عارم ، فقد رفض  كولن باول [17] الإستمرار في حكومة ” بوش الإبن ” وقدم إستقالته وظل رمزاً للرفض لسياسات بوش الإبن الكاوبوية المتمادية على حقوق الشعب الأمريكي وحقوق شعوب العالم عامة والشعب العراقي المسكين خاصة . وكانت نتيجة حروب بوش الإبن حصاد وموت عدد كبير من الجنود الأمريكان وهلاك أجيال من العراقيين وإنهيار الإقتصاد الأمريكي الذي لم يعرف ” الصحوة والعافية ” منذ الأحتلال الأمريكي للعراق وحتى هذه اللحظة  .

    وإن الإمثلة كثيرة والدالة على ” ماصدقية ” منطق فؤاد الكاوبوي  . منها منطقه المكشوف وذلك عندما وصف ” القوات العربية الدينية ” بكونها مجموعة ” متطرفين سياسيين ” [18] ويصرُ بصورة مطلقة على رفض تسميتهم بأسماءهم الحقيقة ، ونقول له بصراحة إنهم ” العراقيين العرب ” . كما إن تسمية عجمي لقوى المعارضة العراقية للإحتلال الأمريكي بالقوات العربية الدينية مرة و المتطرفين السياسيين مرة ثانية ، هو بالطبع إصطلاح عجمي مُظلل ، وفيه كثير من التعتيم على حقيقة القوة العراقية النائمة لمدة أحد عشر سنة ، وهي القوة العراقية الرافضة للإحتلال الأمريكي ، ولكونها هُمشت تماماً وعانت الكثير من الضيم والظلم والحرمان وإفتقدت الأخضر واليابس وحرمتها سلطة الإحتلال (وكذلك رجالات النظام الذين فرضتهم على رقاب العراقيين والذين جاءوا بالدبابة الأمريكية) من حقها في التقاعد والتمتع بخيرات العراق الوفيرة (والتي سرقها الأواغد من سياسي التشرذم والطائفية) ، فهي في حالة إنتظار وترقب للحظة الإنتفاض والثورة .

  إن الحل الوحيد لمأساة العراق والعراقيين بسيط لكل عراقي صاحب ضمير ويحب العراق ويتطلع إلى تجديد ” الإخوة العراقية ” ، وهو الإنفتاح على جميع العراقيين ، وصياغة دستور عراقي جديد تُحدد فيه المواطنة العراقية وفصل الدولة عن ” الحسينية ” و” المسجد ” و” الكنيسة ” وتحريم تدخل ” المسجد ” و ” الحسينية ” و ” الكنيسة ” في العمل السياسي ، والدعوة إلى عملية حوار حقيقي وتأليف ” حكومة وحدة وطنية ” تضم جميع أطياف المجتمع العراق دون إسثناء أحد ومن بعد خمس سنوات يتم الدعوة لإنتخابات حرة لا تُشارك فيها ” الأحزاب الدينية ” على الإطلاق ، وإنما الشرط الوحيد للمشاركة في الإنتخابات وإدارة الدولة العراقية أن يكون مشروطاً للأحزاب المدنية فقط ، وترك حرية العبادة للشخص وإعتبارها ” قضية شخصية ” وإن المواطنة لا علاقة لها بالعقيدة والمذهب وإنما بالولاء للعراق … وخلاف ذلك فإن السفينة مهددة بالغرق والخاسر الوحيد هو الشعب العراقي المسكين … والتاريخ والمستقبل ودماء العراقيين النازفة هي الفيصل في تحديد هوية العراقي الإصيل والدعي الدجال .

  وفي الختام نرى إن العراقيين كافة بحاجة ماسة إلى تجديد قراءة سورة من القرآن وجعلها مفتاحاً أساساً لدستور العراقيين الجديد  :

بسم الله الرحمن الرحيم

قُل يأيها الكفرون (1) لا أعبدُ ما تعبدون (2) ولا أنتم عبدون ما أعبدُ (3) ولا أنا عابدُ ما عبدتم (4) ولا أنتم عبدون ما أعبد (5) لكم دينكم ولي ديني (6) .

  صحيحُ إن هذه السورة بآياتها الست جزء من القرآن ولا يستطيع من إمتلك سلطة دينية (من السنة والشيعة والمذاهب الإسلامية الأخرى) أن يشطبها من القرآن وستظل تُشكل تحدياً كبيراً لكل دعاة التشرذم الطائفي ومن كل مذاهب ” الإسلام السياسي ” ، وهذه السورة مكون أساس من مكونات القرآن وظلت خالدة محفوظة رغم ” القيل والقال حول الناسخ والمنسوخ ” . وفيها يكمن جوهر ” علمانية القرآن ” الذي جاء يحمل رسالته للأنسانية كافة ، وبالطبع تؤكد على  ” علمانية الإسلام ” المتسامح والذي يرفض كل شكل من أشكال الطائفية والتشرذم .

إننا لم نختار عقيدتنا الدينية على الإطلاق وإنما ورثناها ، كما إننا لم نختار مذهبنا الديني المُحمل بالكثير من الأطراف الميثيولوجية في تضخيم الذات والرموز الإنسانية وتقديسها وهي مجرد رموز إنسانية تنازعت وتراشقت وإرتكبت الكثير من الأخطاء وتزوجت الجواري وأنجبن رموزاً فيها الكثير من التلفيق والإختراع … ومن ثم تسرب كل ذلك إلى العقيدي والمذهبي وأصبح هو الأصل في حين تلاشى الأصل ووضع على هُامش المذهب وكاد يدخل في ذمة التاريخ . وكل هذا المصطنع جاء من خلال قنوات ومصادر متنوعة معروفة (وهنا أذكر أمثلة وبالطبع هذه القضية تحتاج إلى أبحاث موسوعية لتكشف عن دور الذات الفارسية المهزومة في تلوين المذاهب الإسلامية بألوان مختلفة عن لون الإسلام عصر الرسالة ، منه مثلاً دور السلاجقة المؤثر على الإسلام السني (صحيح إنهم أتراك لكن صياغة مشروعهم المذهبي تم صياغته في إيران  السنية يومذاك . كما ولعب رموز إيرانيين كبار في صياغة البرنامج السلجوقي السني) . ودور البويهيين المؤثر على الإسلام الشيعي معروف ومشهود ، والسلاجقة إيرانيون في التكوين المذهبي والبويهيون إيرانيون) . وعلى هذا الأساس ندعو العراقيين الشيعة إلى قبول العراقيين السنة والتعايش معهم . وندعو العراقيين السنة إلى قبول العراقيين الشيعة والتعايش معهم في ظل ” عراق علماني موحد يعيش فيه الأخوة بسلام ” يحكمه عقد سياسي علماني فيه إنتصار للمواطنة العراقية التي لا يعلو عليها مذهب وطائفة .

  إننا ندعو من خلال هذه السورة القرآنية إلى تشجيع خط التسامح والتعايش والتراحم ، ونحسبُ إن إسلام الوحي غريباً عليه هذه ” التقسيمات من مثل إسلام السنة وإسلام الشيعة … ولعل من السخف الحديث عن قرآن السنة وقرآن الشيعة ، ولعل من الجنون الكلام عن الله السني والله الشيعي ، كما إن من العيب والعار على كل مسلم الحديث عن النبي محمد رسول الله للسنة وحدهم أو النبي محمد رسول الله للشيعة وحدهم … خافوا الله يا رجال ” الإسلام السياسي ” والله ورسوله كانوا ولازلوا شهوداً على من يكفر الناس ويمنح نفسه سلطة الله ورسوله ويحاكم الناس في هذا العالم ، والله رحمته واسعة وفيها إنتظار لمحاسبة البشر يوم القيامة . وليس لأي شخص الحق في محاسبة الأخرين في هذه الدنيا ، وإن الله هو الوحيد القادر ولا شريك له في محاكمة الناس ” يوم الدين ” وتقرير مصيرهم .   

————————————————————————————

الهوامش والتعليقات

 – الكاوبوي تعني ” راعي البقر الأمريكي ” الذي هو دائماً يده على “زناد بندقيته ” ويرجح القوة والبندقية حلاً للأمور مع الأخر وهو إصطلاح  [1]

سياسي ثقافي نستخدمه اليوم للإشارة إلى ” قيادات الحزب الجمهوري الأمريكي وصانعي أيدلوجيتهم وثقافتهم العسكرية ” والتي تتمثل في الأمس القريب بعائلة ” الرئيسين الأمريكيين بوش الأب والأبن ” وهي تشمل كذلك ” ببعض من قيادات الحزب الديمقراطي الأمريكي ” التي تهدد بقوة السلاح في حل مشكلات العالم . ولاحظنا إن الكلمة الإنكليزية ” كاوبوي ” لها جذور في اللغتين الأوربيتين الأسبانية واللاتينية ، والتي تشير وتدلل وتصف  ” عصر رعاة البقر ” و ” عمل رعاة البقر ” وهي في الوقت ذاته تعلن عن إنبثاق ثقافة جديدة هي ” ثقافة رعاة البقر ” والتي تتضمن  ” جغرافية رعاة البقر ” والتي لا تعترف في الأصل ” بحدود وغير ذلك من إصطلاحات جغرافية للكيانات السياسية والأوطان “… للتفاصيل أنظر :

أ – جون نيكلسون ؛ رعاة البقر : عالم يتلاشى (بالإنكليزية) ، دار نشر مكميلان 2001

ب – ريتشارد سلتا ؛ موسوعة رعاة البقر (بالإنكليزية) ، نشرة جامعة أوكلاهوما 1987

 – ولد رونالد رامسفيلد في 9 تموز عام 1932 ، وفي الأصل جاء من عائلة ألمانية – أمريكية هاجرت في السبعينيات من القرن التاسع عشر . وبعد [2]

تخرجه من الثانوية ، إلتحق بجامعة برنستون ، وحصل على منحة دراسية جزئية ، ومن ثم أكمل درجة البكلوريوس في عام 1954 . وخلال سنوات جامعة برنستون كان صديقاً لفرانك شارلز كارلوسي ، الذي أصبح وزيراً للدفاع للفترة من 1987 وحتى 1989 . وتولى رامسفيلد وزارة الدفاع في 1975 ومن ثم تقاعد . وبتوجيه من الرئيس الأمريكي رونالد ريغن ، وبالتحديد في 20 ديسمبر زار رامسفيلد العراق وقابل الرئيس صدام حسين وطال اللقاء ساعة ونصف ناقشا فيها الحرب مع إيران وإحتلال سوريا إلى لبنان . ورامسفيلد هو الذي إقترح على الحكومة الأمريكية على تحسين العلاقات مع العراق . كما هو الذي إقترح على الحكومة العراقية على مد إنبوب النفط العراقي إلى الأردن لتغطية مشروع تسليح الجيش العراقي . وخلال حكم الرئيس بوش الأبن يُعد رامسفيلد واحداً من المخططين ” الصقور – الكاوبوي الجمهوريين ” للحرب على أفغانستان والحرب على العراق رداً على الهجوم الذي نفذته ” القاعدة – أسامة بن لادن ” في 11 سبتمبر 2001 . ورامسفيلد مشهور بفضيحة ” سجن أبي غريب ” الذي تم فيه تعذيب السجناء العراقيين وإغتصابهم ، والتي إهتز لها ضمير العالم وندد بها . ومن ثم أخذ نجمه يتلاشى . وفعلاً في أواخر عام 2006 قدم إستقالته . ومن ثم نشر سيرته الذاتية ، التي تًعد مصدراً مهماً وإن فيه تجميل وتخفيف في جوانب وجه لها النقاد الكثير من الضوء وتضخيم لجوانب البطولة … للتفاصيل أنظر : 1 – رونالد رامسفيلد ؛ المعروف واللا معروف : ميموار (سيرة ذاتية) (بالإنكليزية) ، دار نشر بنجوين 2011 (وتألف من 726 صفحة) . 2 – أندرو كوكبورن ؛ رامسفيلد : صعوده وسقوطه والأرث الكارثي ، دار نشر سكرايبنرز 2007 .

 – أنظر : أدم شاتز ؛ الخبير الأصلي (مصدر سابق) [3]

 – أنظر : جولدفارب زكريا ؛ إرتباط ولفوريتس بالدبابة والأكاديمي الزائر ، مجلة نيويورك الجديدة ، 3 تموز 2007 [4]

 – أنظر : الأخبار الأمريكية وتقرير العالم (مصدر سابق)[5]

 – هو ” بول دنداس ولفوتس ” ولد في نيويورك وجاء من عائلة يهودية بولندية محظوظة ، فكانت من العوائل القليلة التي نجت من المحرقة النازية .[6]

وكان والده ” بروفسوراً ” في النظرية الإحصائية في جامعة كورنيل . وبول شارك مع والدته في مسيرة الحقوق المدنية التي نظمها مارتن لوثر كنج جينير في آب 1963 ، وبعد ذلك حصل بول على درجة البكلوريوس في الرياضيات والكيمياء من جامعة كورنيل ، وبالتحديد في عام 1965 . ومن ثم ضد رغبة والده ، قرر دراسة العلوم السياسية . وفعلاً إلتحق بالدراسات العليا في العلوم السياسية بجامعة شيكاغو . ومن ثم درس فصلين دراسيين مع فيلسوف العلوم السياسية الألماني – الأمريكي ” ليو ستراوس ” (1899 – 1973) . ومن ثم بدأ بكتابة إطروحته للدكتوراه في العلوم السياسية وتحت إشراف ” ألبرت هولستر ” (1913 – 1997) وخلال هذه الفترة بدأ يدرس في قسم العلوم السياسية في جامعة ييل . وكان واحد من طلابه ” لويس سكوتر ليبي ” رئيس موظفي نائب الرئيس الأمريكي ” ديك شيني ” . وفي عام 1972 حصل ولفوتس على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة شيكاغو . وكان عنوان إطروحته ” إنتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط ” . ويتقن ولفوتس العديد من اللغات ، مثل الإنكليزية والعربية ، والفرنسية والألمانية والعبرية والأندنوسية … للتفاصيل أنظر : ملف بول ولفوتس : مدير البنك العالمي ، مركز العلاقات الدولية ، 19 أبريل 2007 .

 – أنظر : الأخبار الأمريكية وتقرير العالم (مصدر السابق)  [7]

 – وهو ” الأكاديمي العراقي مجيد خدوري ” (27 سبتمبر 1909 – 25 كانون الثاني 2007) تجاوزت كتبه التي كتبها باللغتين الإنكليزية والعربية [8]

35 كتاباً ، ومئات المقالات . ولد البروفسور خدوري في مدينة الموصل وظل يعيش في العراق حتى عام 1928 ، وهي السنة التي تخرج منها بشهادة الثانوية ، ومن ثم شد الرحال إلى لبنان ، حيث الجامعة الأمريكية في بيروت ، ودرس فيها وحصل على درجة البكلوريوس عام 1932 . ومن ثم إستمر بدراسة الدكتوراه في ” القانون الدولي والعلوم السياسية ” وحصل على الدكتوراه عام 1938 . ومن ثم عمل للفترة ما بين 1939 و 1947 في وزارة التربية العراقية ، وبروفسوراً في القانون في كلية  ” دار المعلمين العالية ” . وفي عام 1946 كان مندوب العراق الأول في الأمم المتحدة ، وساعد في صياغة  ” ميثاق ” منظمة الأمم المتحدة . وعمل عميداً في العام 1957 في الجامعة الليبية .

  وبعد خبرته في الأمم المتحدة عاد إلى الولايات المتحدة الأمريكية ، وعمل بروفسوراً في جامعات ، إنديانا ومن ثم شيكاغو وإستقر في جامعة جونز هوبكنز  حيث إلتقى فؤاد عجمي . وخلال الفترة من 1960 و 1980 قدم العديد من الفصول الدراسية الأولى من نوعها في الجامعة والتي تدور حول ” مفهوم القانون الإسلامي ” . ومن المشاهير من طلابه : إيلي سلام وزير خارجية لبنان السابق ، وسليمان سوليم وزير التجارة السعودي ، وصامويل لويس سفير الولايات المتحدة الأمريكية في مصر ، وهرمان أليتس سفير الولايات المتحدة الأمريكية في إسرائيل ، والأكاديمي مالكولم كير (المولود في لبنان وتوفي فيها) رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت . ومن أهم مؤلفات البروفسور ” مجيد خدوري ” : 1 – ليبيا الحديثة : دراسة في التطور السياسي . 2 – النزعات السياسية في العالم العربي : دور الأفكار والمثل في السياسات (كانون الثاني 1970) . 3 – المعاصرون العرب : دور الشخصيات في السياسة (حزيران 1973) . 4 – الحرب والسلام في القانون (الشريعة) الإسلامي (حزيران 1977 . 5 – العراق الإشتراكي : دراسة في السياسات العراقية منذ عام 1968 (كانون الثاني 1978) . 6 – العراق المستقل 1932 – 1958 (حزيران 1980) . 7 – حرب الخليج 1990 – 1991 : الصراع العراقي – الكويتي ومضامينه (آب 2001) . 8 – المفهوم الإسلامي للعدل (شباط 2002) وغيرها كثير .

 – أنظر : جو هولي ؛ مجيد خدوري (98 عاماً) : صائغ برنامج الدراسات العليا لبرنامج الشرق الأوسط ، مجلة واشنطن بوست 3 شباط 2007 [9]

 – أنظر ؛ فؤاد عجمي ؛ هبة الأجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق (مصدر سابق)[10]

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ هبة الإجانب … (مصدر سابق) [11]

 – أنظر : البيت الأبيض ، مكتب السكرتير الصحفي ، 26 آب 2002[12]

 – وهي الأكاديمية وعازفة البيانو ” كوندوليزا رايس ” (ولدت في 14 نوفمبر 1954) وكانت وزيرة للخارجية في عهد بوش الأبن ، وللفترة من  [13]

27 كانون الثاني 2005 وحتى 20 كانون الثاني 2009 . وقبلها عملت (وبالطبع خلال حكم بوش الإبن) مستشارة للأمن القومي وللفترة ما بين عامي 2001 – 2005 . وكانت بروفسورة للعلوم السياسية في جامعة ستانفورد في ولاية كليفورنيا . وهي الجامعة ذاتها التي كان يعمل فيها البروفسور فؤاد عجمي فترة من الزمن . ولدت كوندوليزا في مدينة برمنكهام ، وعانت في فترة طفولتها من التمييز العنصري . وحصلت على شهادة البكلوريوس في العلوم السياسية من جامعة دنفر ، ومن ثم أكملت الماجستير في العلوم السياسية من جامعة نوتر دايم . وكتبت إطروحتها في الدكتوراه في كلية العلاقات الدولية في جامعة دنفر . وهي تتقن العديد من اللغات فبالإضافة إلى الأنكليزية ، فهي تتكلم الروسية والفرنسية والألمانية والأسبانية . وهي أول  إمرأة من أصل أفريقي (سوداء) تصبح وزيرة للخارجية في الولايات المتحدة الأمريكية . وكان تخصصها الأكاديمي في الإتحاد السوفيتي ولكونها عازفة على البيانو فقد كان يُطلق عليها لقب ” السياسية الموسيقية ” . وفعلاً فقد شاركت في العديد من الحفلات وعزفت فيها الموسيقى الكلاسيكية . ونحن نحترم البروفسورة كوندوليزا رايس ، ونحتفل بها أمرأة من إصول أفريقية صعدت إلى القشرة العليا من هرم السياسة الأمريكية ، ونعتز بها عازفة موسيقية . ولكن لا نحتفل بها وزيرة ومستشارة للأمن القومي في نظام ” بوش الإبن الكاوبوي الجمهوري ” …

  ومن أهم أبحاثها ومؤلفاتها الأكاديمية  :

1- الإتحاد السوفيتي والجيش الجيكوسلوفاكي : التحالف غير الأكيد ، جامعة برنستون 1984

2- عصر كوربتشوف (وبالإشتراك مع الناشر الكسندر دالين) ، شركة ستانفورد 1986

3- حملة عام 200 : تعزيز المصالح القومية ، نشر مجلة قضايا أجنبية 2000

4 – ستراتيجية الحملة : دروس من رونالد ريجن وبوريس يلسن (بالإشتراك مع أخرين) ، مطبعة جامعة مشيكان 2007

للتفاصيل أنظر : أ – برنارد راين ؛ كونوليزا رايس : مستشارة الأمن القومي والموسيقية (بالإنكليزية) ، نيويورك 2003    ب – كلين كاسلير ؛ المقربة : كوندوليزا رايس وعملية خلق ميراث بوش (بالإنكليزية) ، دار نشر القديس مارتن 2007  

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ هبة الأجانب … (مصدر سابق)[14]

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ العراق ومستقبل العرب (بالإنكليزية) ، مجلة قضايا أجنبية ، يشرف عليها مجلس العلاقات الأجنبية ، عدد كانون الثاني –  [15]

شباط 2003 .

 – ريتشارد بروس تشيني وزير الدفاع السابق زمن بوش الأب ونائب رئيس بوش الإبن (ولد في 30 يناير 1941) وهو سياسي ورجل أعمال .  [16]

وجاء من عائلة أصولها إنكليزية – فرنسية ، وهاجرت في القرن السابع عشر وإستقرت في ماسشيوتس . إلتحق بعد الدراسة الثانوية في جامعة ييل ولكنه فشل . وحاول مؤخراً في الدراسة في جامعة وايومنغ وحصل على درجة البكلوريوس في الأداب ، ومن ثم الماجستير في العلوم السياسية . وبدأ الدكتوراه في جامعة وسكنسن إلا إنه لم يكملها . ومن ثم عمل ” ديك تشيني ” مساعداً لرونالد رامسفيلد وذلك عندما كان الأخير ” رئيس موظفي البيت الأبيض زمن الرئيس الأمريكي ” جيرالد فورد ” . وتشير الكثير من الدراسات الأكاديمية والتقارير إلى إن ” ديك تشيني : كان له دور مهم في أحداث حرب الخليج . ومن الملفت للنظر إن نوعاً من البرود في العلاقة بين ديك تشيني والرئيس بوش الأبن ، وأخذت منحى غريباً وذلك عندما وقف تشيني مُسانداً لزواج المثليين (الكي) ويبدو إنه إنحاز إلى صف بنته الثانية الأصغر التي كانت من المثليين … للتفاصيل أنظر : 1- ديك تشيني (وبالإشتراك مع إبنته ليزا تشيني) ؛ ديك تشيني : ميموار (سيرة ذاتية) شخصي وسياسي (بالإنكليزية) ، دار نشر سايمون وشوستر 2011 (تألف من 576 صفحة) . 2 – ستيفن هايس ؛ تشيني : القصة المسكوت عنها لنائب الرئيس الأمريكي ، الشخصية القوية والأكثر جدلاً ، دار نشر هاربركولنز ، نيويورك 2007 .  

 – هو ” كولن لوثر باول ” ( ولد في 5 نيسان 1937) في مدينة هارلم المجاورة لمدينة نيويورك  ، وهو رجل الدولة ورئيس أركان القوات المسلحة[17]

، وجاء من عائلة جاميكية مهاجرة ، وله جذور وأسلاف إسكتلنديين . تخرج من المدرسة الثانوية عام 1954 ، ومن ثم إلتحق بالكلية وحصل على درجة بكلوريوس علوم في الجيولوجيا ، وبالتحديد من كلية مدينة نيويورك عام 1958 . وبعد ذلك إلتحق بجامعة جورج واشنطن وحصل في عام 1971 على درجة الماجستير في إدارة الأعمال . ومن ثم أكمل جولته العسكرية الثانية في فيتنام . وخدم ما يُقارب 35 سنة في الجيش الأمريكي وشغل رتب ومناصب متنوعة حتى وصل إلى درجة جنرال . وعمل في زمن الرئيس ريتشارد نيكسون وللفترة مابين عامي (1972 – 1973) في البيت الأبيض ، وهو منصب إنتخابي عال . وفي عمر التاسعة والأربعين أصبح مستشاراً للأمن القومي للرئيس ” رونالد ريغن ” وللفترة من (1987 – 1989) . وفي زمن بوش الأب تم إختياره رئيساً لأركان القوات المسلحة الأمريكية . وعلى الرغم من قلق باول من الحل العسكري ، فقد ساند قرار إحتلال العراق الذي إتخذه بوش الإبن . ومن ثم أصبح وزيراً للخارجية . ومن ثم إختلف مع بوش الأبن وقدم إستقالته . ولعل في رسالة باول إلى السنتور الجمهوري ” جون مكين ” الكثير من حقائق وطبيعة الخلاف . ففي رسالته المؤرخة في سبتمبر 2006 عبر فيها باول عن معارضته للرئيس بوش الإبن وخصوصاً في قرار حجز أعداء أمريكا من القاعدة في معتقل جوانتانوما . كما إعترض على الكونكرس في إعادة تعريف الفقرة رقم 3 من معاهدة جينيفا ، وأكد باول على ” إن العالم بدأ يشك في الأساس الأخلاقي لقتالنا ضد الإرهاب ” ( أنظر : واشنطن بوست ، في 14 سبتمبر 2006 والتي نشرت رسالة باول التي سمح بها السنتور جون مكين) . ومن المعروف إن كولن باول ساند براك أوباما وهو من الديمقراطيين في عام 2008 وجددها في عام 2012 . وعندما سأله الإعلاميون ؛ ” لماذا تعتقد إنك لازلت جمهورياً ؟ قال ” أنا لازلت جمهورياً ، وأنا أعتقد إن الحزب الجمهوري يحتاجني أكثر مما يحتاجني الحزب الديمقراطي . وأنت تستطيع أن تكون جمهورياً وتشعر بقوة حول قضايا من مثل الهجرة ، وإصلاح التعليم ، وتقديم الحلول للمشكلات الإجتماعية التي يحتاجها مجتمعنا ، ولا أحسب إن في ذلك تناقض أو عدم إنسجام ” . للتفاصيل أنظر : 1 – كولن باول ؛ رحلتي الأمريكية (سيرة ذاتية) بالإنكليزية ، نشر دار راندم 1996 (ويتألف من 644 صفحة) . 2 – ولتر لفيبر ؛ صعود وسقوط كولن باول وعقيدته (بالإنكليزية) ، دورية العلم السياسي ، العدد 124 ، ربيع 2009 ، ص ص 71 – 93 .

 – أنظر فؤاد عجمي ؛ المصدر السابق[18]

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

في رحيل الأكاديمي الأمريكي – اللبناني فؤاد عجمي

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

———————————————————————————-

في رحيل الأكاديمي الأمريكي – اللبناني  فؤاد عجمي

الأكاديمي الورع والمستشار السياسي المتعجل

القسم الأول

الدكتور محمد جلوب الفرحان     

————————————————————————————

تقديم :

  نحن نحترم البروفسور ” فؤاد عجمي ” أكاديمياً باحثاً .

ولكن في الحقيقة ليست كل أبحاثه أكاديمية بريئة وتتسم بالموضوعية ، ففيها الكثير من السياسي المموه ، وأشياء كثيرة من أيديولوجيا الحزب الجمهوري ، التي تخلو من أي هامش للحوار مع ” الأخر المختلف ” .  

  لقد كتب البروفسور ” فؤاد عجمي ” بقلمه أطراف مهمة من ” سيرته ” الذاتية ، ونحن لا نشكُ بالحقائق التي ذكرها ، ولكن نحن أكاديميون ومنهجنا هو ” منهج الشك الديكارتي ” وغايتنا إلوصول إلى الحقيقة التي تُلزم الجميع بقبولها ” حقيقة تتسم بدرجات من اليقينية العالية ” . وتكون سليمة للجميع وخالية من التناقض مع الواقع وقوانين المنطق . والسؤال لماذا الإعتماد على ” منهج الشك الديكارتي ” ؟ إنه المنهج الذي يرفض ما يسمى خطأً ” بالحقائق التي تقدمها لنا الحواس ” إذا خدعتنا الحواس مرة وهو المنهج ذاته الذي يرفض ” الحقائق التي تأتي عن طريق العقل ” إذا خدعنا العقل مرة ووفر لنا ” حقائق يقينية ” ومن ثم ثبت إنها ” ليست بحقائق يقينية ” وإنما هي مجرد ” أشباح للحقيقة ” .

  ونحاول أولاً عرض الحقائق التي سجلها البروفسور ” فؤاد عجمي ” بقلمه ، وهو يؤمن بها بديهيات ثابتة ومسلمات يقينية . وهذه الحقائق هي : 

1 – وفقاً لرواية ” فؤاد عجمي ” : ” إنه ولد في 18 سبتمبر عام 1945 [1]، ونضيف إلى روايته إلى إنه غادر هذا العالم (وتوفي) في 22 حزيران من العام الحالي / عام 2014 .

2 – ويُسجل بقلمه بأن عائلته ” الشيعية ” جاءت من ” تبريس – الإيرانية ” إلى ” عرنون – لبنان ” وإستقرت فيها في الخمسينيات من القرن التاسع عشر (أي ما بعد 1850) [2] .

3 – ويدون بقلمه إنه ولد في ” قرية عرنون الجبلية ” في الطرف الجنوبي الصخري من لبنان [3] .

4 – وإنه يعلن بأن إسمه ” العجمي ” يدلل على ” فارسيته ” أي إنه يعني ” غير العربي ” أو الذي ” لا يتكلم العربية ” ، وخصوصاً ” الفارسي ” أو الذي ” يتكلم الفارسية ” [4] .

5- وكما يعرف البروفسور ” العجمي ” وكتب عن ذلك كثيراً للصحف والدراسات الأكاديمية المتخصصة في ” الشرق الأوسط ” والإستشارات التي قدمها ” للرئيس بوش الأبن ” مباشرة ومن خلال التقارير والإستشارات التي قدمها ” العجمي ” إلى ” وزيرة خارجية بوش الإبن (الأكاديمية بالطبع) كوندليزا رايز ” والذي كان البروفسور العجمي يعمل ” مستشاراً لها ” [5]خلال الفترة التي سبقت إحتلال العراق ومن ثم بعد ذلك . والبروفسور العجمي كان يعلن صراحة ” بضرورة إحتلال العراق ” [6] ومن خلاله إسقاط نظامه السياسي وكان يعرف جيداً وهو الأكاديمي إن ذلك سيؤدي إلى حدوث الفوضى في بلد متنوع عرقياً ودينياً ، وسيساعد على الإحتراب و الإنقسام الطائفي والعرقي وفعلاً حدث ذلك و مستمر حتى هذه اللحظة .

6 – من المعروف للجميع إن العراق وإيران خاضا حرباً ضروساً إحترق فيها الأخضر واليابس ولأسباب معقدة لفتهما أيديولوجيتين ؛ واحدة طائفية والثانية قومية فيها هامش من العلمانية ، والتي إنحدرت بسبب ظروف الحرب إلى ” بروبكاندا معادية للنزعة الطائفية والقومية الفارسية ” وإمتدت لمدة ” ثمان سنوات ” وبالتحديد من سبتمبر 1980 وحتى أوغست (أب) 1988 [7] .

الطرف الأكاديمي من سيرة فؤاد عجمي

  أنهى الفتى ” فؤاد عجمي ” دراساته الثانوية في لبنان ” في عمر الثامنة عشرة ، ومن ثم شد الرحال في السنة التالية (التاسعة عشرة) نحو الولايات المتحدة ، ووصلها بالتحديد في ” خريف عام 1963 ” وسجل في بعض ” الفصول الدراسية ” في ” كلية أورغن الشرقية ” والتي أصبحت فيما بعد ” جامعة أورغن الشرقية ” . ومن ثم أكمل متطلبات التخرج في ” جامعة واشنطن ” والتي كتب فيها مشروع إطروحته للدكتوراه في ” العلاقات الدولية ” و ” الحكومة العالمية ” وحصل على ” درجة الدكتوراه ” [8] .

  ويبدو لنا إن البروفسور فؤاد عجمي لم يكن ورعاً في تعامله مع ” ثوابت السياسة الأمريكية ” التي لا تسمح لأحد مهما كان من أن يمسها على ” حق وغير حق ” وهذا ما إكتوى منه البروفسور عجمي في عمله الأكاديمي ، وإعتقد في لحظات ما ” بأن الكتابة حرة في العالم الحر وإنتقاد الثوابت في العالم الحر دون حساب ودفع الثمن الباهض ” وهذا ما حدث للبروفسور عجمي ، ونحسب إن ذلك حمله على إعادة الحسابات والتفكير بمنهج بحث لا علاقة له بشروط البحث الأكاديمي ” وإنما المهم أن لا يمس الثوابت المقدسة التي صاغها ” العم سام ” .

  وخلاصة الحادثة التي نظن إنها وراء إنقلاب منهج تفكير البروفسور عجمي ” من المنهج الأكاديمي الحر ، وتحوله إلى شواطئ المنهج الأكاديمي الورع ومن ثم تلاه إنتقال لا رجعة فيه إلى الوراء  ، ومعانقة بل والإنتماء إلى لحمة ونسيج  ” معاقل تفكير الكاوبوي الجمهوري ” المخالف لمنطق الحق والحقيقة  ، هو إنه ” عام 1973 إلتحق الدكتور فؤاد عجمي ، بقسم العلوم السياسية في جامعة برنستن ” ووصل إلى درجة بروفسور . ولكن الأبواب سدت أمامه للحصول على إمتيازات وخصوصاً المادية وحرية الكتابة والنشر ، وأن يكون في وضع لا تستطيع سلطة في الجامعة من إنهاء خدماته . وسبب كل ذلك إنه كان نشطاً وصوتاً في المساعدة على ” الإستقلال الذاتي لشكل من أشكال الحكومة الفلسطينية ” [9] .

  لقد كتب البروفسور ” فؤاد عجمي ” العديد من المؤلفات ذات النهج الأكاديمي ، ولكن بعضها تم بإختيار ” لاشعوري ” ومحرك لا يخلو من إنحياز عرقي ” فارسي ” ورائحة ” طائفية – شيعية ” والتي لم تتمكن سنوات الكد الأكاديمي في الجامعات الأمريكية من تعطيل فعله المؤثر تحت الجلد الإنساني والتي من ثم تظهر بوعي ودون وعي في نصوص وعناوين مؤلفات ومشاريع كتب ومقالات . وهذا ما وجدناه في المشاريع التي إشتغل عليها المرحوم البروفسور ” فؤاد عجمي ” . وهنا نقدم شواهداً وأمثلة دالة . ويبدو لنا إن البروفسور فؤاد ، وكان حر في هذا المضمار ، ولا سيف أكاديمي أمريكي على قلمه ومن ثم على رقبته الأكاديمية ، ولا تجمع ” الكاوبوي الجمهوري ” يعترض أو يعطل له ترقية أو تأجيل منحة إمتياز أكاديمي . بل إن ما يكتبه مرحب به ما دام يصب في المقبول الأمريكي العام ويتساند مع الثوابت السترايجية الأمريكية .

أولاً – كتب فؤاد عجمي في شتاء عام 1980 / 1981مقالة بعنوان ” مصير عدم الإنحياز ” ونشرته مجلة ” الشؤون الأجنبية ” . وفيها لخص الطريق الذي سلكه ” العالم الثالث ” وكيف إنه تخلى من سياسات ” عدم الإنحياز ” وهجرها ، وبالتحديد في النص السياسي لفترة ” ما بعد الحرب الباردة ” [10] . وقد لقى هذا الكتاب رضاء الدوائر الأكاديمية الموجهة بستراتيجيات ” الكاوبوي ” . وفعلاً فقد جاء العطاء الأكاديمي كريماً ، وتمثل في تعيين ” الدكتور فؤاد عجمي مديراً لمركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة جونز هوبكنز … ” [11] .

ثانياً – نشر الدكتور عجمي ، بعد سنة واحدة من وصوله إلى ” معهد الدراسات العالمية العالي ” في جامعة جونز هوبكنز ، كتابه الأول والذي كان بعنوان ” المآزق العربي : الفكر السياسي العربي وتطبيقاته منذ عام 1967 ” . وفيه تحليل ووصف للأزمة الفكرية والسياسية التي إجتاحت العالم العربي وخصوصاً بعيد هزيمة الدول العربية مع إسرائيل في ” حرب الأيام الستة ” عام 1967 [12] . وفيه إضافة أكاديمية في تحليل المآزق السياسي العربي الذي سببته هزيمة 1967 . ونحسب بعد ذلك جف العطاء أو ربما لحسابات الكم والكيف الأكاديمي ، ومصالح القوة التي حملت البروفسور فؤاد عجمي أن يتحول من مناطق الضوء والحقيقة إلى مناطق البحث في العتمة والظلم والظلام والإنحياز إلى ستراتيجيات ” الكاوبوي الجمهوري ” الواعدة بمراكز أكاديمية وصعود إلى هرم صانعي القرار الأمريكي من الجمهوريين …

ثالثاً – وبعد فترة إنشغال إمتدت ما يُقارب الخمسة سنوات ، نشر كتاباً بعنوان ” الإمام المُغيب : موسى الصدر وشيعة لبنان ” والذي صدر في العام 1986[13] . وهو من الموضوعات التي حيرت الجميع ، وظلت أسرارها مقيدة ضد مجهول ثنائي ” القوى السياسية الشيعية في لبنان والقذافي وحكومته في ليبيا ” . ومن المفيد الإشارة إلى إن هناك الكثير من الأمور التي تشد البروفسور فؤاد عجمي إلى الإمام الصدر ، فالصدر جاء إلى لبنان من إيران حاله حال فؤاد عجمي وعائلته ، وكلاهما ينتميان من جهة العقيدي العائلي إلى ” الفكرانية الشيعية ” . وفي هذا الكتاب يشعر القارئ بالزهو والمآساة التي تلف شخصية ومشاعر البروفسور العجمي ، وهو يروي قصة الإمام الصدر الذي رحل من إيران مع عائلته إلى لبنان ومن ثم تحول إلى رمز لكل اللبنايين ، والحال بالنسبة إلى البروفسور فؤاد عجمي التي جاءت عائلته من إيران ومن ثم تحول إلى رمز فكري وأكاديمي ليس فيه فخر للطائفة وحدها بل فخر لكل اللبنانيين .

رابعاً – بيروت : مدينة الندم  ، وهو كتاب بالإشتراك مع المصور إيليا ريد ، وصدر هذا الكتاب بعد سنتين من صدور كتاب ” الإمام المُغيب … ” . والكتاب من القطع الصغير ، وتألف من 128 صورة ملونة ، ونص كتبه البروفسور فؤاد عجمي وتكون من 47 صفحة . وفيه يصف عجمي ؛ كيف تتحول مدينة وادعة آمنة ، إلى مكان للكراهية والإقتتال . ولذلك ركز العجمي على الصراع الطائفي والعرقي في لبنان ، والذي إندلع بين الشيعة والسنة ، والدروز والمسحيين المارونيين والفلسطينيين الذين تمكنوا من التعايش معهم وحتى عام 1975 . وفيها إندلعت الحرب الأهلية ، ومن ثم توالت المجازر بعد المجازر تطحن اللبنانيين ، وخصوصاً البيروتيين [14] .  وكنا نشك عندما نسمع إن ذلك حدث في بيروت ، لأنها على الدوام كانت رمز التنوع والإختلاف والمحبة والإتلاف ، كما كانت أرض التعايش والسلام ، والتي كان يُطلق عليها ” باريس الشرق الأوسط ” …

خامساً – قصر العرب الوردي (الحالم) : جيل أوديسا ، وصدر عام 1998 [15] . والكتاب تألف من خمسة فصول ؛ الأول كان بحث في تاريخ لبنان من عام 1920 وحتى عام 1982 ومن خلال قصة الشاعر اللبناني ” خليل حاوي ” الذي نفذ عملية إنتحار إحتجاجية بعيد الحرب اللبنانية عام 1982 . بينما كان الفصل الثاني متابعة لأعمال الشاعرين ؛ ” نزار قباني ” و ” أدونيس ” ومركزاً على التطورات الإجتماعية – السياسية في سوريا والتي تجد لها صدى في حياة القباني وأدونيس . والفصل الثالث رصد لصعود الرئيس العراقي صدام حسين إلى السلطة والحرب مع إيران في الثمانينات من القرن الماضي ، ومن ثم إحتلال الكويت عام 1990 . والفصل الرابع والذي جاء بعنوان ” بلاد مصر ” وركز فيه على عملية الإنماء الإجتماعي والسياسي بعد السادات . ومن ثم كشف عن الأخطار التي تواجه العلمانيين في المجتمع المصري ، وإستشهد بالتحديد بحادثة إغتيال الكاتب المصري ” نجيب محفوظ ” على يد متطرف إسلامي في العام 1994 . أما الفصل الأخير فكان بعنوان ” السلام اليتيم ” والذي عالج فيه عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل . ومن ثم ألقى الضوء على إستجابة المفكرين ، والذين كونوا جبهة معارضة لعملية السلام [16] .

وواضح لدينا الأثر الذي تركه الشاعر الملحمي الخالد ” هوميروس (عاش في القرن الثامن ق.م) على عنوان كتاب الأكاديمي فؤاد عجمي ، كما وان هوميروس يُعرف بملحمته الشعرية الخالدة ” أوديسا ” (وبالطبع سبقتها ملحمة الإلياذ وبنهايتها تبدأ ملحمة الأوديسا وبعودة الأبطال إلى أثيكا) [17] . ويبدو إن البروفسور عجمي على حق في هذا العنوان الدرامي ، فمثلما كانت اليونان بلاد اليونانيين . فقد كانت ملحمة الأوديسا ملحمة اليونان . فإن بلاد العرب (وتشمل بمفهوم العجمي الروائي وليس الجغرافي إيران كذلك) . فإن الأوديسا العربية هي أوديسا العرب والإيرانيين .

سادساً – هبة الإجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق ، والذي صدر في عام 2006 . وهو يدور حول إحتلال أمريكا للعراق [18] . والذي سنقدم له معالجة في المحور اللاحق وذلك من الناحية المثدولوجية على الأقل . ولكن في الحقيقة إن معظم ما كتبه البروفسور عجمي يندرج في الفكر السياسي المساند لفكرانية ” الكاوبوي الجمهوري ” وسطوته العسكرية المتفوقة على مقدرات الشعوب …

—————————————————————————-      

الهوامش

 – إنظر : فؤاد عجمي ؛ هبة الأجانب : الأمريكان والعرب والعراقيين في العراق (بالإنكليزية)، المطبعة الحرة 2006 ، ص 12 (من المقدمة) .[1]

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ حلم القصر العربي (بالإنكليزية) ، منشورات دار كتب فينتاج 199 ، ص 14 (وهو ما يشبه السيرة الذاتية) وتكون من [2]

344 صفحة .

 – أنظر : فؤاد العجمي : هبة الأجانب (مصدر سابق)[3]

 – أنظر : قاموس صخر الإلكتروني المتعدد اللغات (عربي – إنكليزي ، عربي – فرنسي ، عربي – تركي ، عربي – ألماني ) [4]

 – أنظر : آدم شاتز ؛ الخبير الأصلي ، مجلة الشعب ، عدد 10 نيسان 2003 .[5]

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ هبة الأجانب (مصدر سابق)[6]

 – أنظر : جون بولك وهرفي موريس ؛ حرب الخليج : إصولها ، تاريخ ونتائج (بالإنكليزية) ، دار نشر ميثون – لندن 1989 .[7]

 – أنظر : كليبرت مويلر ؛ قارئ العالم الجديد : التفكير والكتابة عن المجتمع العالمي ، دار هوفتن مايفلين 2007 [8]

 – من حديث للبروفسور فؤاد عجمي ، تموز 1977 [9]

 – فؤاد عجمي ؛ مصير عدم الإنحياز (بالإنكليزية) ، مجلة الشؤون الأجنبية ، شتاء 1980 / 1981 [10]

 – أنظر : الأخبار الأمريكية وتقرير العالم ، 24 آب عام 2010 [11]

 – فؤاد عجمي ؛ المآزق العربي : الفكر السياسي العربي وتطبيقاته منذ عام 1967 (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1992 وتألف من [12]

300 صفحة ، والنشرة الأولى صدرت عام 1981 .

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ الإمام المُغيب : موسى الصدر وشيعة لبنان (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة كورنيل – نيويورك 1986 ، والكتاب يتألف[13]

من 228 صفحة .

 – أنظر إيليا ريد و فؤاد عجمي ، بيروت : مدينة الندم (بالإنكليزية) ، نشرة دار نورتن 1988 .[14]

 – أنظر : فؤاد عجمي ؛ قصر العرب الوردي (الحالم) : جيل أوديسا (بالإنكليزية) ، نشر در كتب فاينتج 1999 [15]

 أنظر : المصدر السابق [16]

 – للتفاصيل أنظر : هومر ؛ الأوديسا ، ترجمها إلى الإنكليزية روبرت فينجلر ، ومن تقديم برنارد نوكس، دار بنجوين 1996 [17]

 – أنظر ؛ فؤاد عجمي ؛ هبة الأجانب ، الأمريكان والعرب والعراقيين والعراق (مصدر سابق)[18]

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , ,

إنطفاء حالة الصمت : كيف يُفكر طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت حول الجنس

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

———————————————————————————-

Sexuality in Beirut: From Methodological Point of View

Dr. MOHAMAD FARHAN    SARA FARHAN / PHD Candidate

الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان

القسم الرابع

الدكتور محمد جلوب الفرحان       طالبة الدكتوراه ساره الفرحان

————————————————————————————

تقديم :

  تكون بحث البروفسورة ” روزانا سعيد خلف ” والمعنون ” إنطفاء حالة الصمت : كيف يفكر طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت حول الجنس ” مما يشبه المقدمة (وست محاور وملحق) ، لكنها لا تشبه المقدمات النظرية التي جرت عليها الأبحاث الكلاسيكية ، وإنما مقدمة وصفية لردود أفعال أو الأدق وصف إستجابات طلبة الجامعة الأمريكية في بيروت عندما أعلنت البروفسورة ” روزانا خلف ” في صف المادة التي تدرسها والتي كانت بعنوان ” الكتابة الخلاقة أو الإبداعية ” بأن عدداً من ” محاضراتنا ستركز على موضوع الجنس ” [1] . فجاءت ردود أفعال الطلبة كما تصفها البروفسورة على صورة ” صمت من طرف الطلبة ، وتبعه صوت طلابي غير معقول ” واو ” ومن ثم هتاف متحمس من واحد من الطلبة الذكور ” إنها أحلامنا فقط ولا نستطيع أن نتكلم عنها بصراحة مفتوحة ” . وفي الوقت ذاته لاحظت البروفسورة ” بأن إثنين من الطالبات حاولن سوية أن يتحدثن وفي وقت واحدة ، وصدر عنهن صوت غريب غير مفهوم ، ومن سوء الحظ إن موجة من الضحك جعلته مستحيلاً لي ” من إنقاذهن من حالة الخجل ” . وبعد الظهر جاءت الطالبتان إلى مكتبي الهادئ ، وهما كل من ليلى وسمر ، وليلى كانت تغطي فمها بمنديل أبيض ، بينما كانت سمر تحاول السيطرة على الحلقتين في لسانها (وبالمناسبة إن التاتو – الوشم يغطي جسمها المكشوف . ومن ثم إنخرطا في مناقشة ، أنا كنت مدهوشة كيف إن طالبتين ، واحدة تنتمي إلى عائلة تقليدية والأخرى تنتمي إلى عائلة حديثة التطلع ، كيف إنهما حاولا التعبير بشجاعة عن وجهات نظرهن … ” [2] .

  نحسب إن في هذه المقدمة والأمثلة التي ذكرتها البروفسورة ” روزانا خلف ” ما يكفي للإشارة إلى إن موضوع الجنس لازال يلفه الكثير من ” الخوف ” و ” الحذر المعجون بالخجل وربما الإنجراح ” . ولكن في الوقت ذاته هناك رغبة ملحة في الجلسات الأكاديمية ربما بين الإناث وحدهن والذكور وحدهم إنفتاح إلى مناقشة قضايا الجنس . إن ما يميز هذا البحث عن الأبحاث التي تكون منها هذ المجلد (إن لم يكن الوحيد) والذي كان بحثاً مؤسساً على ” الكوسجينرا ” تصميم مجموعة من الأسئلة المفتوحة والمحددة ” [3] . وعن طبيعة هذا التصميم من أداة البحث ، أفادت البروفسورة ” روزانا ” قائلة ” من المدهش إن إستمارة الأسئلة التي صممتها في المرحلة المبكرة من ” الدراسة التجريبية ” (الحقيقة إن البحث لم يكن دراسة تجريبية وهذا ما سننظر فيه في التعقيب) ، فإنها أفصحت بأن ” أغلب الطلبة كانوا يتكلمون لغات مختلفة ، وينتمون إلى ثقافات متنوعة ” . كما وتعرضوا إلى ” عدم الإستقرار وتحولات متنوعة ” . وإن العديد منهم عبروا ” الحدود من أجل العيش مع عوائلهم ” وقسماً منهم ” هربوا إلى بلدان مختلفة وذلك من أجل تجنب مآسي الحرب الأهلية اللبنانية ” التي ضربت لبنان ” لمدة تجاوزت العقدين من الزمن ” [4] .

  والحقيقة إن البروفسورة ” روزانا خلف ” وإعتماداً على نتائج وملاحظات دراساتها التجريبية (؟) ، تحسبُ إن ” هؤلاء الطلبة ، يكافحون بإتجاه المصالحة مع الروايات الرومانتيكية ، وقصص الماضي الجميل التي نقلها لهم الوالدان ، والحقائق التي تلف مجتمع ما بعد الحرب ” . وإن الطلبة خلافاً لذلك ، فقد كانوا ” شهود على لبنان في المآزق المسكون بعدد من السياسين الذين مهمتهم الكسب الذاتي ، وحكومة عاطلة عن العمل والأداء . وبالطبع هذا يعود إلى العديد من الأسباب ، مما يجعلها عاجزة عن تشخيص القضايا الحقيقية وتسميتها بأسماءها … ” . في حين يقابلها في مضمار الطلبة ” نوعاً من الأمل والعزيمة ” رغم وجود ” الصعوبات والمعوقات ” التي تسد طريقهم . وفيما عدا ذلك ، فإن هؤلاء الطلبة ” كانوا محظوظين جداً في الإنخراط في أعمال العائلة . أما حصولهم على فرص عمل فمازالت نادرة ، وإن مرتباتهم واطئة ، كما إن مستقبلهم غير مضمون ” . وهذا يعود إلى عدم الأستقرار السياسي في المنطقة برمتها [5] .     

   كما وإن هذا النمط من الأبحاث مطلوبة وملحة ، بل وضرورية خصوصاً في مضمار الأكاديميين والمثقفين والمثقفات الذين يمثلون الموديل ( المثال ) والطليعة التي تقود المجتمع وتتطلع الفئات الإجتماعية الأخرى إلى الإحتذاء بهم نهجاً وطريق حياة . وفعلاً وجدنا إن البروفسورة ” روزانا ” كانت شجاعة في دعوتها إلى ” خلق أو إيجاد مكان تُناقش فيه قضايا الجنس بحرية وبقلوب مفتوحة ، ومن خلال نصوص مكتوبة بحرية تُعرض على الطلبة ، وتشكل بما يشبه ” الصوت ” و ” القناة ” التي تقدم وجهات نظرهم حول ” الجنس والنزعة الجنسانية ” [6] . وأدركت البروفسورة ” روزانا خلف ” إن خلق مثل هذا ” المكان العام ” أو ” الأمكنة الثالثة ”  قد يكون عرضة للأعتداء والإنتهاك [7] . ونحسب إن تفكير الباحثة كان سجين المقولات السياسية التي تصنف العالم إلى عالم رأسمالي ، وعالم شيوعي ، ومن ثم ” العالم الثالث ” . أو التقسيمات التي توزع المجتمع إلى ” مجتمع ذكوري ” و ” مجتمع نسوي ” ومن ثم ” مجتمع ثالث ” .

عملية الحصر الميثدولوجي لمقولات أو موضوعات البحث

  وزعت الباحثة ” روازانا خلف ” بحثها المعنون ” إنطفاء حالة الصمت : كيف يفكر طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت حول الجنس ” في عدة محاور (أو موضوعات ست حسب لغة روزانا خلف) : وفي البداية تحدثت الباحثة عن الموضوعات الست من زاوية الميثدولوجيا التي إعتمدتها في عملية الحصر والأحصاء الكمي والكيفي . فأفادت موضحة ” وقمت لأغراض توضيح الأفكار  ، بتقسيم ” روايات الجنس ” و ” خطابات الطلبة ” إلى ” ست موضوعات ” . وكل واحدة منها تمت معالجتها تحت عنوان خاص [8] ، وبالصورة الأتية : 

1 – طريق الإفتراق : إزدواجية العلاقة بين الوالدين والطفل

2 – الكتابة على الهوامش

3 – الهوية الجنسية في تغير مستمر

4 – الإستعراض : عرض غير محتشم

5 – اللغة الجنسية بين الذكر والإنثى

6 – الحرية في الإختيار والتخيل [9] .  

طريق الإفتراق : إزدواجية العلاقة بين الوالدين والطفل

  ترى الباحثة ” روزانا خلف ” [10]إن الصراع حول ” النزعة الجنسية ” بين طلبة الجامعة الأمريكية في بيروت ووالديهم أتخذت صوراً متباينة ، وهو صراع بين ” أيديولوجيتين جنسانيتين متعارضتين ” . فالطلبة من طرفهم ” ينظرون إلى الجنس شكلاً إيجابياً من الإنجاز الذاتي ، وفرصة من الخبرة المفتوحة ، وهو نوع من التعبير الجنسي المشروع في مجمل العلاقات التي فيها موافقة متبادلة بين الطرفين بغض النظر عن الرابط الرومانتيكي أو كونه ثابتاً ومستمراً ” [11] . أما من طرف الوالدين ، فهما يُلحان على المخاطر التي يُسببها ” الإنخراط في علاقات جنسية غير مأمونة ، وخارج حدود الحب والزواج ، وبالتحديد في شكل علاقات إتصال جنسي بين الطرفين ” [12]. وتحسبً الباحثة إن هذه الإختلافات في وجهات النظر حول الجنس ، هي ” إختلافات بين طرفين ينتمون إلى جيلين مختلفين ، وكل طرف قدم المعنى والغرض ” في حجته ، كما دعم وجهة نظره الخاصة بقائمة مختلفة من ” القيم ” . ولعل هذا الإستقطاب الحاد بين الطرفين ” يُفسر لنا الإنقسام الحاد بين الجيلين ” [13] .  

  ومن ثم لاحظت الباحثة إن الموضوعات التي كشفت عن ” إزدواجية العلاقة بين الوالدين والطفل ” يمكن وصفها ، وبالتحديد في ” الصراع حول دور الجنسانية في الحياة اليومية ” . مع الإشارة إلى إن القصص التي تم روايتها ، كانت تماماً تعكس وجهات نظر الطلبة الإخلاقية . وفيها نقد لمواقفهم المؤسسة ، والتي تتمثل في إستجاباتهم وردود أفعالهم ضد قيم والديهم المحافظة ، والتي تتجسد في إعتراض قوي على القيم الجنسية للأخر . وهنا قدمت لنا الباحثة إستشاداً جاء في رواية الطالب ” فادي ” حيث قال :

” إن والدي ضيقي الأفق ، فإنهما يُفكرمثل شخص (ألي) مُبرمج على التفكير . فإنهما عاشا وإختبرا جيل الستينات والسبعينات ، وهما الجيلان اللذان لم تمسهما الثورة الجنسية . وعلى هذا الأساس فهما قلقان أن تكون نشطاً ، وإنه من السئ جداً أن تكون كائناً (وجوداً) جنسياً . كما وإنه من السوء والرذالة أن تتعاطى المخدرات ، وإن تكون ” مثلياً ” . بل ويحسبان إن ” المثليين ” لا وجود لهم على الإطلاق ” [14] .

  كما عالجت الباحثة ” روزانا خلف ” هذا الموضوع من زاوية ” مدرستين فكريتين مختلفتين ” وهما ” الرومانتيكية والليبرالية ” . وفعلاً فإنها رأت بالإعتماد على رأي الكاتب ” سيدمان ” الذي يحسب إن هذا الإنقسام والإستقطاب بين الجيلين جاء متجسداً في موضوعات مثل ” إحترام الحب ” و ” الجنس والإلفة الحميمة ” . وهو بالتأكيد يعكس حالة التنافر الحاد بين المدرستين الفكريتين : الرومانتيكية والليبرالية . وحسب رأي ” سيدمان ” إن هناك تعارض حاد بين ” رومانتيكية الجنس ” و ” النزعة التحررية أو الليبرالية ” . فمثلاً إن الرومانتيكية تنظر إلى ” الجنس كمسار للتعبير عن مشاعر الإلفة الحميمة ، وهي تعبير عن روابط الحب والعواطف ، وهي مشاعر في غاية الأهمية ، وليس في الإمكان تجاهلها أو شطبها من الإلتزامات المتبادلة بين طرفي العلاقة ” . في حين ذهبت ” النزعة الليبرالية ” إلى إن ” أخلاقية الجنس ” ترى إن ” الجنس هو ضرب من السعادة الجسمية الحسية ” . والنزعة الليبرالية تطلعت إلى تحرير ” الأفراد من السيطرة الإجتماعية المتطرفة ” [15] .  

  ولعل في مثال  ” ريم ”  وتعليق ” ماهر ” صرخة إنسانية تدعو الوالدين إلى الإنتباه ووعي العواقب المدمرة على العائلة ، ومن ثم الإلتفات إلى دور الموديل الذي يلعبه الوالدان ، وحجم المأساة الإجتماعية والإنسانية التي تصفها ” ريم ” في تجربة والديها ، والتي تركت ” جروحاً نازفة ” من الصعوبة على ” ريم ” أن تنساها ما دامت هي حية . تقول ” ريم ” واصفة ” علاقة والديها ” (منا وهي علاقة شائعة في العالم العربي والإسلامي وتحت ظلال عش الزوجية الأمين) :

” يعيش والدي وأمي في علاقة إنفصال وهما يعيشان سوية . وأنا أعرف إن كليهما له عشيق . وحتى أكون أمينة في وصف الحال . إن والدي يثير السخرية ، فقد كان يقيم علاقات مع عديد من النساء . وفي البداية كانت أمي في حالة ثورة وغضب وهيجان . ولكن أمي الأن تعمل أمورها مثلما يعمل أبي . وبالطبع إنهما يتظاهران أمام أولادهما ، زوجين عاديين وسعيدين  ” [16] .

  أما ” ماهر ” فعلق على مثال ” ريم ” وتسائل وفي سؤاله الكثير من ” النقد والإعتراض والتطلع ” نحو شواطئ فيها ” الصدق والحب والعلاقات الحميمة ” . يقول ” ماهر ” : ” كيف والدي وأمي يتظاهران ويعتقدان بالقيم التقليدية للجنس والزواج ، بينما علاقتهما قد ماتت منذ سنين ” [17] . إن غياب الإخلاص والوفاء في علاقات الوالدين بعضهما مع البعض الأخر ولد سخطاً وإمتعاضاً أخلاقيين . ومن طرف أبنائهم الطلاب في الجامعة الأمريكية ، والذين جدوا أنفسهم ” سجناء في هذه البيئة الإجتماعية – الثقافية للوالدين ” والتي من زاوية نظر الطلاب – الأبناء ، هي  ” قيم الوالدين وتصرفاتهم والتي لم يبقى لها معنى في مواقفهم ” ، وربما أفضل ما يناسب وصف هذا الحال ، القول ” بإن نفاق الوالدين حمل الأبناء ” من طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت إلى ” إعتناق مجموعة من القيم الرومانتيكية ، والتي ستجعل من علاقاتهم أكثر وفاء ولا تموت من الناحية الجنسية ” [18] .

الكتابة على الهوامش

  إستهلت الباحثة ” روزانا خلف ” هذا المحور بالإشارة إلى إن الطلاب هم جزء من العائلة ومكون مهم من مجتمعهم الأوسع ، والغالبية منهم على هذا الأساس يرفضون ” القيم الجنسية ” السائدة والمتداولة بين بعض ” الجماعات ” . ولما كانت ” الأوضاع الإجتماعية ” و ” معاييرها القوية السائدة ” تحكم الجميع ، فإن إثارة التساؤل والتشكيك بها ، أو تحديها ، حمل جماعات ” القيم الجنسية ” للإنتقال إلى ” الهوامش ” حيث تتوافر لهم فرص الكلام في ” الأماكن الصامتة ” وذلك ليحاولوا ” تسجيل ” مواقفهم المرفوضة ، والتي ” تهز المركز ” . إن هؤلاء الطلاب كتبوا ” وجهات نظرهم ” والتي أطلق عليها البعض إصطلاح ” كتابات الأخرين ” .

   وإن مثل هؤلاء الطلبة قد إستبعدوا (أو أقصوا) أنفسهم من خط الحياة العامة للطلاب في الجامعة الأمريكية في بيروت . وإعتماداً على رأي ” دي فولت ” المنقول في نصوص الباحثة ” روزانا ” ، ذكرنا ” دي فولت ” بأن كتابات هؤلاء كونت ” أصوات مستبعدة (أو مقصية) .. ومن خلال كتابتهم عن روايتهم الجنسية ، تمكنوا من التخاطب ، فكانوا صوتاً لقصصهم ” [19] . وعلى هذا الأساس تمكنوا من تحويل ” غير المرئي ” إلى ” مرئي ” بذاته حيث تمكن من الفعل . وهي بالتأكيد ” محاولة جريئة ” ، فيها الكثير من الربح في مضمار ” السيطرة وطرف مهم من أطراف حياتهم ” [20] .

  إن أهمية بحث ” روزانا خلف ” إنه جاء بحثاً إختبارياً – تجريبياً كما زعمت وهذه مسألة سننظر فيها من الزاوية الميثدولوجية (في التعقيب الختامي) . نقول إن أهمية هذا البحث تكمن في الشهادات الحية التي كتبها طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت . وهنا وفرت لنا الباحثة ، نصين في غاية الأهمية ؛ الأول كتبه ” كاميل ” . والثاني كتبه ” رامي ” . وفي النص الأول ، أفاد ” كاميل ” قائلاً :

” من سوء الحظ ، إن والدي وأمي تجنبوا الحديث عن موضوع الجنس على الإطلاق . أما أبناء جيلي فهم أكثر إنفتحاً وإرتيحاً مع جنسانيتهم . فنحن نتكلم بإنفتاح حول الجنس والخبرة فيه ، وبطريقة لا يؤيدها ويرضى عليها الوالدين . وأنا أناقش الجنس مع أصدقائي فقط وذلك لإعتقادي بأنه جزء من حياتي ” [21] .

  في حين ذهب ” رامي ” معلقاً في نص كتبه ، فأشار : إلى إنه ” على سطح القشرة الأولى لمجتمعنا تهيمن وجهات النظر المحافظة ، وخصوصاً فيما يتعلق بالجنس . والحقيقة إن الشيوخ من كلا الجنسين مارسوا الجنس بالسر ومع شركاء مختلفين ، بينما تظاهروا إنهم كانوا ” أهل عفاف وأخلاق ” . وحينما يتكلم الشباب بإنفتاح عن علاقاتهم الجنسية ، فإن كبار السن يشعرون ” بعدم الإرتياح ” وذلك ” لشعورهم بالتهديد ” . وأنا كثيراً ما أدخل في جدل مع كبار السن ومن أجيال مختلفة ، ولكنني أكرههم عندما يسخرون مني ويتجاهلون أفكاري . وغالباً ما يحاولون تهميش وجهات نظري ، ويحسبونها غير ذات أهمية ” [22] .

الهوية الجنسية في تغير مستمر

  وتحسبُ الأكاديمية ” روزانا خلف ” إن روايات طلبة الجامعة الأمريكية في بيروت مهمة ، من طرف إنها لا تحدد ” جوهرية وثبات وجهة نظر الوالد والأم من الجنس فقط ” ، بل وتحملهم على ” فحص وإعادة رسم الحدود التي تصفهم بكونهم مختلفين ” [23]. وعلى هذا الأساس رفض الطلاب ” إسلوب التبسيط ” و ” التسميات أو العناويين الثابتة ” ذلك لإعتقادهم ” إن الهويات الجنسية ” مؤسسة على ” أرضية غير يقينية ” وهي خاضعة دائماً إلى ” التحوير والتبديل المستمرين ” [24] . كما تحدى الطلبة ” وجهات نظر الجماعات المهيمنة على المجتمع ” ، وخلقوا لهم ما يسمى ” بالمكان المائع ” والذي يمنح ” التجارب والتجريب ” مكاناً لتكوين ” وجهات نظر ومجوعة من المفاهيم ” في النضال ضد تيار ” التعريف من قبل الأخرين ” وضد ” حالة الثبات لما يُعتبر ” الجنسانية الإعتيادية (منا المستقيمة) والتي بدورها تُعارض ” التنوع في النماذج الجنسية ” . وخلاف ذلك إعتقد الطلبة بأن ” الجنس يمكن أن يُشكل بالإختلاف ” . وإن التسميات والعناويين هي مجرد ” أوهام وخيالات ” وضعت لتخدم كأدوات ووسائل للسيطرة ” ، وغرضها هو تعويق ” الثقافات الفرعية والنزعة الجنسانية ” [25] .

  ولم تكتف ” روزانا خلف ” بالتنظير ، بل قدمت للقارئ شهادة حية ، كتبتها ” هند ” الطالبة في الجامعة الأمريكية في بيروت ، فأفادت : ”  إن العناوين والتسميات تقيد الناس وتحد من حريتهم بطريقة لا يشعرون بها . ولاشئ وضع على الحجر ، وأنا أكره كم هي ” العُقد الجنسية ” في حياتنا ، حتى أصبحت ” ممزوجة ” في بنية ” مقولات التعريف ” (مثل) ؛ ” ضحية الإغتصاب ” و” هيتروسكشول = الجنس العادي المستقيم ” و ” المثليين ” و ” اليزبين = المرأة المثلية ” و ” البيرفرت = المارق الشاذ) ألخ . ومن المفارقات إن كل ذلك يتوقف ، عندما أنا أتوقف من الشعور بأنني بحاجة إلى مثل هذه ” التسميات والعناويين ” وخلاف ذلك سأكون في ” علاقة صحيحة ” [26] .

الإستعراض : عرض غير مُحتشم

  يعج حرم الجامعة الأمريكية في بيروت بالطالبات الأناث اللائي يرتدين موضات من الملابس المتنوعة ويُظهرن ” أشكالاً من الوشم (التاتوز) والبيرس (الخرم) على أجسادهن ” وعدد أخر أكثر ” إثارة ” وفيها موضات من  ” العرض الشهواني المثير ” [27] . والسؤال لماذا الطالبات الأناث ” يُفضلن الأزياء الجديدة (منا = الموضات ” ؟ ولماذا يتطرفن في إرتداء ملابس وموضات ” تعرض الجسم بأساليب مثيرة ” ؟ وفعلاً فقد قدمت الباحثة ” روزانا ” شاهداً من طالبات الجامعة الأمريكية في بيروت ، وهي كل من ” ريما ” و ” سهام ” والتي ترى إن ” في إستثمار صورة الجسم لا في بعدها الحقيقي ، وإنما في الرغبة الطبيعية في تجميل إنوثتهن ، وتعزيز مشاعر الإستحقاق (القيمة) الذاتي ، وهي نوع من الإعتراف بمظهرها الخارجي ، وهي بالطبع قيمة أداتية ، والتي تتضمن وسائل لإثارة وإغراء الرجال … [28] .

  ولنبدأ أولاً مع إفادة ” سهام ” ومن ثم نتبعها بإفادة ” ريما ” . تقول ” سهام ” : ” إنه أمر طبيعي ورغبة داخلية في إرتداء ” ملابس سكسي (مثيرة) ” وذلك من أجل ” جذب إنتباه الرجال ” . أنا أعرف بأن جسمي جذاب ، وإن مشاعري جيدة عندما أرتدي ” تنورات قصيرة ” وقميص مفتوح الصدر . إنها طريقة لإغواء الرجال بصورة حسية ” [29] . أما ” ريما ” فتقول ” أنا وصديقاتي نذهب إلى الجامعة ونرتدي الملابس السكسي (المثيرة) . وإن واحدة من صديقاتي جاءت من عائلة دينية ، وعائلتها تعتقد إنه من التواضع إن ترتدي ملابس ” متواضعة ومحافظة ” . وبطلاً من دخولها في صراع مع عائلتها . فإنها تخفي ملابسها في سيارتي ، ومن ثم تغير ملابسها ، ببنطلون جينس ضيق في بيتي قبل الذهاب إلى الجامعة الأمريكية في بيروت (لحضور المحاضرات) . إنها تستحق ذلك بسبب إن كلانا يكون مسروراً عندما يكون مظهره جذاباً ويجذب الرجال ” [30] .

اللغة الجنسية بين الذكر والأنثى

  إن الطرق اللنكوستية (اللغوية) التي يتم تداولها في الخطاب اليومي ، تقدم دليلاً على ” الإختلاف في الجندر ” (أنا ذكر وأنت أنثى) . فمثلاً في تحليل إسلوب كلام الرجال والنساء ، نكتشف بأنهم ينتظمون حول عناوين أو مقولات ” عالمية متعارضة ” . فمثلاً إن ” كلام الرجل فيه نوع من المنافسة الندية ” بينما بالمقابل إن ” كلام النساء فيه نزعة تعاونية ومشاركة ” . فالرجل في كلامه يتطلع لكسب ” مكانة ” . بينما كلام المرأة فيه نبرة تتطلع المرأة من خلاله إلى إنجاز ” علاقة حميمية وإرتباط ” . ولعل الأمثلة من نصوص كتبتها مجموعة من طالبات الجامعة الأمريكية في بيروت ، فيها الماصدق الدال على هذا التنوع والإختلاف في تداول وإستعمال اللغة الجنسية .

  والحقيقة إن النصوص متنوعة ، وحاولنا إنتخاب النصوص الدالة على تنوع اللغة الجنسية بين الذكر والأنثى :

أولاً نص كتبته الطالبة ” نيلى ” حيث تقول :

” إن والدي إعتاد على إلقاء المحاضرات علي ، والتي تدور حول خطورة الجنس قبل الزواج بسبب إنه يريدني أن أبقى ” عفيفة ” و” عذراء ” عندما أتزوج . بينما أخي على العكس يُشجع على ” الإنغماس في الجنس ” بل وحتى مع ” المومسات أو بائعات الهوى ” . ربما تعتقد إن والدي أمي وشيخ كبير . إنه بالعكس هو خريج الجامعة الأمريكية في بيروت . وعندما حاولت إخبار والدي ” بأنني أعترض على معايره المزدوجة ، فإنه هددني بقطع مساعداته المالية . وإعتبرني ” متمردة ” وقال ” أنا لم أعد فخوراً بك ” . والصدق أنا لم أكن فخورة به كذلك . هذه هي حياتي وأنا الوحيدة التي تقرر … ” [31] .

ثانياً نص يعبر عن ستراتيجية مجموعة من الطالبات ” المحافظات ” . وهذه الستراتيجية مكنتهن من النظر إلى موضوع الجنس من خلال طرق بديلة . وهؤلاء الطالبات تقدمن بحجة في مناقشة القضية . فذهبن مجادلات ” لتكونن سعداء ، فإن المطلوب من النساء أن يبحثن عن ” علاقات جنسية سليمة ” . وهذه المجموعة إستندت إلى ” خطاب الحب والعلاقة الحميمة ، والعفاف والرومانتيكية ، ومن ثم الزواج والأمومة ” [32] . ولعل النص الذي كتبته ” سهى ” يعبر عن وجهة نظر هذه المجموعة . تقول ” سهى ” : ” ينبغي مشاركة الجنس مع الشخص الذي تتزوج منه . إن عذريتي وإيماني هما هبتين نادرتين ، وأنا أقدمهما لزوجي ، والسبب أنا رغبت أن أكون كاملة وجميلة له ” [33] .

الحرية في الإختيار والتخيل

  ونحسبُ إن الباحثة ” روزانا خلف ” على حق عندما ذهبت إلى ” إن الكتابة بحد ذاتها هي شكل من أشكال ممارسة الحرية ” وذلك من طرف إن ” النص المكتوب ” يركز على ما هو ” شخصي ” . وبهذا الحال فإن الكتابة تسمح لنا في السباحة ” بحرية في عالم الخيال ” . وفي الوقت ذاته تسد الطريق أمام ” الحرية من التدخل ” . والحقيقة إن ” حرية الخيال ” تُعد من الأمور ” الحاسمة ” خصوصاً إذا ما أكمل الطلبة عملية ” إنماء الهوية الجنسية ” والتي بدورها تمكنهم من النظر إلى ” النزعة الجنسية ” كطريق يسمح بقبول ” ممكنات بديلة ” [34] .

  ولعل المهم والملفت للنظر والتأمل في النصوص التي كتبها طلاب وطالبات الجامعة الأمريكية في بيروت ، وهي عينة متنوعة وشاملة ومن مختلف الأعراق والديانات . فمثلاً تقول الطالبة ” إبتهاج ” : ” أنا أحب الشباب ، ولكنني لم أكن متأكدة من إنني لا أحب الفتيات كذلك . بعض الأحيان أتطلعن إليهن وأدقق فيهن ، ومن ثم أعلن بأنهن ” سكسي (مثيرات) ” وجميلات .. الخ . وأنا أدقق فيهن مثلما يفعل الشباب . والسؤال ؛ هل هذا طبيعي ؟ وأتطلع أن أعيش في الخارج وربما مارست الجنس مع شابة لأرى كيف سيكون الحال . وكذلك بسبب إن ” العذرية ” وهي مسألة بالغة الأهمية ، فأنا قررت …. [35] .

  والمثال الثاني كتبه الطالب ” نديم ” : ” نحن الذين نحب ، ونحن الذين نمارس الجنس ، وهو ” وظيفتنا وعملنا ” . وليس لكائن من كان الحق في تقرير ما هو ” عمل الأخرين ” . وهناك قواعد كافية لتحديد ” حياتنا الإجتماعية ” . وعلى هذا الأساس فإننا لا نسمح للأخرين من السيطرة على ” الطرف الجنسي من حياتنا ” ؟ [36] . والمثال الثالث الذي إنتخبناه ، هو الطالب ” أحمد ” حيث يقول : ” على الرغم من إنني ذكر مستقيم من الناحية الجنسية (هيتروسكشول) ، فأنا لا أمانع من أن أكون ” بايسكشول ” أو ” هومسكشول ” مادام الجنس هو أمر مريح للنفس ويوفر الحرية في الإختيار ” [37] .

 والمثال الرابع ، هو الطالب ” رشيد ” والذي أفاد ” إن أختي ليزبين (مثلية) ولكن والدي (أمي وأبي) لا يعرفان على الإطلاق ، وهي تخاف من عقابهما . وأنا لا أحسب إن هناك ” خطأ في هويتها الجنسية ” . وأنا لازلت قريباً جداً إليها . وأنا في الحقيقة أحترم شجاعتها وقرارها لذاتها ” [38] . والمثال الخامس قدمته الطالبة ” نينا ” حيث أفادت ” أنا لا أخفي مشاعر عداء للمثلين . وفي الحقيقة لدي عدد من الأصدقاء منهم . ولكن والدي يلح دائماً على إنهم ” شواذ ويهددون المجتمع ” [39] . وأخيراً المثال السادس الذي كتبه طالب الجامعة الأمريكية في بيروت ” زهير ” ، فقال : ” كثير من الناس في لبنان يكرهون المثليين . وذلك لأنهم يعتقدون ” إن المثليين ليسوا بأصحاب أخلاق ” . وأنا أحسبُ النزعة الجنسية هي ” مسألة إختيار ” وأنا أظن ” إنه مقبول إذا كانت لك علاقة مع المثليين ” . والسؤال المُلح ؛ ما هو السبيل لإكتشاف شئ جديد حول الذات ؟ [40] .

وقفة عند عتبات ميثودولوجيا البحث :

  وبعدُ وقفة عند ميثودولوجيا البحث الحالي . فإننا وجدنا إن الباحثة ” روزانا خلف ” قد خصصت مُلحقاً ناقشت فيه هذه المنهجية التي إختارتها . وهي المنهجية الوحيدة التي تفرد بها هذا المجلد والمعنون ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” [41] . وعلى هذا الأساس فإن البحث فحص ” نصوص شخصية ” و ” خطابات ” كتبها ” ثلاث وأربعين طالباً ” والذين سجلوا في ” ثلاثة جلسات في مادة الكتابة الإبداعية ” وخلال الفصل الأكاديمي (خريف عام 2003) . كما قُدمت للطلبة ” إستمارة أسئلة ” قصيرة قبل الطلب منهم في كتابة ” الروايات الشخصية ” والتي فيها ” إستكشاف لوجهات نظرهم ، ومشاعرهم وخبراتهم الحية في الجنس ، كما وفي الرواية العاطفية سبيل إبحار إلى مضمار ” الهوية الجنسية ” والتي تعكس القضايا التي يشعر الطلبة إنها مهمة في حياتهم .

 أما في طرف ” إستمارة البحث أو الأسئلة ” وهو جانب جداً مهم في البحث ، فقد أفصح عن جملة حقائق :

أولاً – إن أغلبية الطلبة كانوا ما بين عمر ” التاسعة عشر والحادية والعشرين . وكان تسعة عشر منهم ذكور . بينما كان أربعة وعشرين منهم أناث . والعينة تألفت من أربعة من الطلاب الجدد ، وواحد وعشرين من الطلاب الذين يدرسون في مراحل أكاديمية متوسطة ، وسبعة عشر في المرحلة الأكاديمية الأخيرة ، وواحد من الطلاب المتخرجين . وجميع طلاب العينة جاءوا إلى كورس ” الكتابة الإبداعية ” من أقسام جامعية مختلفة . وكان ستة من الثلاثة والأربعين طالباً (طلاب العينة) قد تخصصوا باللغة الإنكليزية (وهذا بالطبع إختصاص الباحثة ” روزانا خلف “) . وأما في الحديث عن قوميات طلاب وطالبات العينة ، فقد كان 62 بالمئة من اللبنانيين ، كما وكان 11 طالباً وطالبة يحملون جنسية مزدوجة ، في حين كان البقية من جنسيات مختلفة ومن بلدان عالمية متنوعة .

تعقيب ختامي :

  إن كل هذا الحال يبين ويكشف للقارئ بإن الدراسة الحالية لم تنهج المنهج التجريبي المعروف . وبدلاً عن ذلك إعتمدت على ” إستمارة الإستفتاء ” و” العينة ” . ونحسبُ من طرف الدراسات التجريبية إن الدراسة الحالية ،  وبالتحديد من زاوية الميثدولوجيا قد نحت منحى مختلف عن مناهج البحث التجريبي . ولعل قراءة أي كتاب في مناهج وميثدولوجيا البحث التجريبي يعرف بسهولة ويُسر ، ومن ثم يُقررعلى إن البحث الحالي لا ينتمي إلى مضمار ” الأبحاث التجريبية ” ولذلك نتحفظ على العبارة ” المائعة المموهة ” التي وردت فيما يشبه المقدمة التي كتبتها الباحثة ” روزانا خلف ” ، وبالتحديد العبارة القائلة : ” وليس هناك ما يُثير التعجب فيما يخص استمارة الأسئلة ، التي صممتها في المراحل المبكرة من هذه الدراسة التجريبية[42] .

  فمن الثابت أكاديمياً إن البحث الإختباري – التجريبي ينهض على ” فرضية ” وإجراءات البحث (الكمية والنوعية) التي تسعى بجملتها إلى إختبار الفرضية وإثباتها أو دحضها . ومن أهم خطوات البحث التجريبي  الشائعة :

أولاً – الملاحظة والتي تتضمن جمع وتنظيم الحقائق التجريبية ، ومن ثم صياغتها على شكل ” فرضية ” . 

ثانياً – الإستقراء وتشمل صياغة الفرضية .

ثالثاً – الإستدلال (أو الإستنباط) وهي عملية تمكننا من إستنتاج ” نتائج الفرضية ” والتي هي بدورها ” نوعاً من التنبوء أو التكهن ” وقابلة للقياس والإختبار .

رابعاً – الإختبار (أي إختبار الفرضية) وفي مجالات تجريبية جديدة .

وخامساً وأخيراً – تقييم وتحليل نتائج الإختبار (اي إختبار الفرضية على عينة البحث) [43].

  الواقع إن بحث ” روزانا خلف ” لم يكن ” بحثاً تجريبياً ” وهذا هو الإشكال الكبير فيه وذلك لأنه لم ” ينهض على فرضية ” . كما إن الباحثة لم تستخدم الإستقراء في صياغة الفرضية ، والتي لا وجود لها في بحث ” روزانا ” على الإطلاق . وإن الأستدلال وإستنتاج النتائج من الفرضية كان غائباً هو الأخر بسبب ” عدم وجود الفرضية ” . وإن البحث لم يجري إختباراً على الفرضية في مجلات جديدة والسبب ببساطة إن البحث لم يكن ” بحثاً تجريبياً ” وإنما كان بحث يعتمد إستمارة الأسئلة والعينة وهذا أمر مختلف جداً عن مسارات ” البحث التجريبي ” . والحقيقة إن التقييم كان موجوداً في هذا البحث  ، إلا إنه أقتصر على” الإستمارة والعينة ” . أما إختبار الفرضية على العينة فهذا أمر كان ” غائباً على الإطلاق ” وهو ليس من مهمة البحث الحالي .

   إن هذا الإجراء التجريبي بمراحله الخمسة (الملاحظة ، الإستقراء ، والإستدلال ، وإختبار الفرضية في مجالات تجريبية جديدة ، وتحليل نتائج إختبار الفرضية) لم يحدث على الإطلاق في البحث الحالي منذ بداية البحث وحتى مراحله النهائية . ولعل الإشارة الوحيدة التي وردت وذكرت بإنه ” دراسة إختبارية – تجريبية ” (وفي الصفحة الثانية مما أسميناه مقدمة الدراسة) قد خلقت الكثير من الإشكال ، والذي لا يمكن حلها إلا ” برفع تلك الإشارة ” من البحث الحالي هذا طرف . كما وإن إسلوب ” التكميم ” وهذا طرف أخر ، هو نوع من الإسلوب الرياضي الذي يتعامل مع ” الحقائق التجريبية ” وهو العمود الفقري للبحث التجريبي ، فقد كان غائباً هو الأخر ، بل ولم يكن له صدى في هذا البحث ما عدا الوصف الكمي للعينة وهذه مسألة مطلوبة إلا إن الجوهر الأساس في البحث التجريبي ” الفرضية ونتائجها والتحليل الكمي للنتائج ” والتي كانت غائبة على الإطلاق من هذا البحث ، مما كانت صدمة للباحث الأكاديمي المتخصص على الرغم من أهمية البحث الحالي ، وهو البحث المتفرد من بين جميع أبحاث هذا ” المجلد الإنجيلي ” الذي يحقُ للجامعة الأمريكية في بيروت أن تفتخر وتحتفل به .       

——————————————————————————————–

الهوامش

 – أنظر : روزانا سعيد خلف ؛ إنطفاء حالة الصمت : كيف يفكر طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت حول الجنس / منشور في كتاب : البروفسور [1]

سمير خلف وجون كاكنون (المشرفان) ؛ النزعة الجنسانية في العالم العربي (مصدر سابق) ، ص 175

 – أنظر المصدر السابق [2]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 176 [3]

 – أنظر المصدر السابق [4]

 – أنظر المصدر السابق [5]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 177 [6]

 – أنظر المصدر السابق [7]

 – أنظر المصدر السابق [8]

 – المصدر السابق ، ص ص 177 – 178 [9]

 – شغل هذا المحور من المصدر السابق ، ص ص  178 – 182 [10]

 – المصدر السابق ، ص 178 [11]

 – المصدر السابق [12]

 – المصدر السابق [13]

 – المصدر السابق [14]

 – المصدر السابق ، ص 180 [15]

 – المصدر السابق ، ص 181 [16]

 – المصدر السابق [17]

 – المصدر السابق ، ص ص 181 – 182 [18]

 – المصدر السابق ، ص 182 [19]

 – المصدر السابق [20]

 – المصدر السابق [21]

 – المصدر السابق [22]

 – المصدر السابق ، ص 183 [23]

 – المصدر السابق [24]

 – المصدر السابق [25]

 – المصدر السابق [26]

 – المصدر السابق ، ص 184 [27]

 – المصدر السابق [28]

 – المصدر السابق ، ص 184 [29]

 – المصدر السابق ، ص 185 [30]

 – المصدر السابق ، ص 187 [31]

 – المصدر السابق [32]

 – المصدر السابق ، ص ص 187 – 188 [33]

 – المصدر السابق ، ص 189 [34]

 – المصدر السابق ، ص 190 [35]

 – المصدر السابق [36]

 – المصدر السابق ، ص 191 [37]

 – المصدر السابق [38]

 – المصدر السابق [39]

 – المصدر السابق [40]

 أنظر للتفاصيل ؛ المصدر السابق ، ص ص 193 – 194 [41]

 – المصدر السابق ، ص 176 [42]

 – للتفاصيل عن البحث التجريبي ، أنظر :[43]

أدارنيوس دينجمان دي كروت ؛ الميثودلوجيا : أسس الإستنتاج والبحث في العلوم السلوكية (بالإنكليزية) ، نشرة شركة والتر دي كريتر 1969 ، وهو المجلد السادس من دراسات في علم النفس ، ويتألف من 400 صفحة .

Posted in Category | Tagged , , , , , ,

الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان / الحلقة الثالثة

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

———————————————————————————-

Sexuality in Beirut: From Methodological Point of View

Dr. MOHAMAD FARHAN    SARA FARHAN / PHD Candidate

الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان

                             القسم الثالث

الدكتور محمد جلوب الفرحان       طالبة الدكتوراه ساره الفرحان

—————————————————————————————————-

تقديم :

  هذا هو الجزء الثاني من أبحاث عنوان المجلد الذي إقترحناه بديلاً للمجلد الذي أشرف عليه كل من البروفسور ” سمير خلف ” والبروفسور ” جون كاكنون ” والمعنون ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” . وعنواننا البديل هو ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” . تكون هذا الجزء من أربعة أبحاث ، تشكل مع بحث الأكاديمي ” جينس هايسن ” والمعنون ” الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت ما بعد حرب 1860 ” . نقول تكون المادة العلمية الأساس لمجلد ” الجنس والجنسانية في بيروت ” .

الجنسانية والخادمة : محاولة إستكشاف الصورة العربية

  كتب هذا البحث رأي جوريداني وبعنوان ” الجنسانية والخادمة : محاولة إستكشاف الصورة العربية لجنسانية الخادمات اللائي يعملن في البيوت ” [1] . وتكون البحث مما يشبه المقدمة ، تحدث فيها عما أسماه ” بتاريخ الخدمات البيتية ” في العالم العربي ، وبالتحديد في القرن الماضي . وكان الباحث متردداً في تسمية هذه الفترة ، فأردف موضحاً هويتها ، فأعلن بوضوح ، إنها فترة ” ما بعد العبودية ” . وهذه التسمية أو لنقل هذا الحصر عليه الكثير من الإعتراضات ومن الزاويتين الأكاديمية والميثدولوجية ، واللتان تتساندان مع التاريخ الإقتصادي والإجتماعي لتطورات المجتمع اللبناني وطبيعة تقسيم العمل وما ترتب عليه من إنقسامات طبقية . أما الحديث عن ” العبودية ” و” ما بعد العبودية ” فهي قضية تُثير الكثير من النظر والتساؤل . ونحن نتفق مع الأكاديمي جوريداني بأن هذا ” التاريخ لم تكتمل عملية تدوينه وكتابته لحد الأن ” [2] .

  وصحيح جداً إن ” الطبقة الوسطى ” و ” العوائل الثرية ” كانت تتمتع بحكم وضعهما الإقتصادي بإمتياز الحصول على أشكال من ” المساعدة في البيت ” . وعلى هذا الأساس بدأت تتشكل ثقافة تشجع على عمل ” أفراد ليسوا من العائلة ذاتها ” في القيام من ممارسة العمل البيتي . وإن الباحث جوريداني وضع هذا النوع من العمل والخدمة تحت الضوء ، ولفت نظر الأكاديميين في مضمار التاريخ العربي ، فبين إن ” دراسات الجندر حول تقسيم العمل بين الزوج والزوجة ” لم تهتم في دراساتها ولم تلفت الأنظار إلى دور وعمل ” الخادمات ” في حياة العائلة العربية في الطبقة الوسطى .

  ويبدو لنا إن الأكاديمي جوريداني كان غير مُقتنعاً مئة في المئة بعنوان بحثه ، فكان في المقدمة متحسساً من حدود العنوان ذاته ، فأفاد ” إن هذا الفصل هو إستكشاف بدلاً من دراسة منهجية لصور ووجهات نظر حول خادمات البيوت في مضمار خادمات البيوت العربيات ، مع إشارة خاصة إلى لبنان ” .  وأخبرنا الأكاديمي جوريداني إن حجم معطيات هذا البحث منتزعة من عمل جاري على ” الخادمات الإجنبيات ” [3] . وهذه قضية تجعل معطيات البحث الحالي والمعنون ” جنسانية الخادمة : محاولة إستكشاف الصورة العربية لجنسانية الخادمات اللائي يعملن في البيوت ” موضع تساؤل أكاديمي حول حجم العينة التي تم إنتزاعها لصالح هذا البحث (مع العلم إن العينة الأصلية صثممت لبحث حدوده أوسع من حدود البحث الحالي) . والسؤال الأخر الذي يظل يُثار ماهي الميثدولوجيا التي تم إعتمداها في التفريق بين العينة الأوسع والعينة المشروطة لهذا البحث) . إذ إن من المعروف إن تصميم العينة يعتمد على ميثدولوجيا وحسابات كم وكيف تحددها شروط القياس . ومن هنا نتحفظ على عملية الإنتزاع للعينة من عينة أوسع تم تصميمها وفق شروط وحدود بحث غير هذا البحث .

  على كل هذا قدرنا ، وهو نقبل العينة رغم التحفظ على تصميمها وطريقة إنتزاعها ، ونستمر في مواكبة البحث . ومن ثم أشار البحث جوريداني إلى التحقيق الإستكشافي تضمن ” بعدين أساسيين ” ، وهما :

الأول – هناك مراجعة لعمل الخادمات في البيوت في ” الأدبيات العربية ” ، والتي تتضمن ” الفيلم ” ، و” الخطاب اليومي ” واللذان يتداولان ما هو شائع في مضمار العامة من الناس ، والذي تقدمه وسائل الإعلام .

الثاني – المقابلات مع العاملين في هذا المضمار ن وخصوصاً مع عدد من العوائل واصحاب البيوت في لبنان ، وظهرت أمثلة تتمثل ” بالخوف من السيطرة وضبط الجنسانية ” إضافة إلى ممارسة الجنس …

  والطرف التجريبي من هذا البحث ، ركز على ” خلاصتين لفلمين مصرين ” يدوران حول الخادمات . وهما عينتان يعرضان الصورة العربية (كما هما بالطبع يقدمان الصورة عالمية) . وإضافة إلى الفلمين فهناك قصة قصيرة عن ” تحول الخادمة اللبنانية إلى بطلة خلال الحرب الأهلية ” . وخلال مناقشة الموضوعات مع العاملين ، فإنهم أشاروا إلى ” بعض الموضوعات التي تتعلق ” بلبنان المعاصر ” من مثل مقابلات مع ” اللذين يُشغلون الخادمات ” من أبناء الطبقة الوسطى ، وآراءهم وخبراتهم المتعلق في الجنسانية مع الخادمات في البيوت [4] .

  وكل هذه الأمور يمكن أن تحمل الملاحظ على الإستنتاج بأن هناك ” مفهوم الجنس وجنسانية الخادمات من زاوية وجهة نظر الموظفين لهن ” .وفي الأمكان بيانه في الأطراف الآتية :

أولاً – النظر إلى الخادمة ” ككائن جنسي ” وإن جنسانيته معترف بها ضمناً أو نفيها بصورة صريحة . وثانياً – النظر إلى الخادمة موضوع شهوة وإثارة و” وجود جنسي ” . وهذا بالطبع يتضمن طرفين متنافرين ، وتطبيقات متصارعة ؛ منها إن جنسانية الخادمات مشروعة ، ومتوافرة على الدوام وربما هي خاضعة لقبول ذلك . وأصبحت الخادمة من طرف أخر مصدر الفوضى والإغراء ، ولهذا فهي موضوع تهديد لوحدة العائلة وسلامة وجودها [5] .

  وعلى هذا الأساس فإن الأكاديمي جوريداني إشار ، وهو يُعالج موصوع ” الجنسانية والخادمة … ” إلى ثلاثة أبعاد ، وهي :

1 – مراجعة الدراسات الإنثروبولوجية والسوسيولوجية التي صمتت عندما درست العوائل العربية . ومن ثم الكشف وتفسير الإهمال الذي تُعانيه الدراسات المتعلقة بموضوع ” الخادمات اللائي يعملن في البيوت ” . وتسائل جوريداني ؛ لماذا ظلت هذه ” المشكلة الملحة ” بعيدة عن اضواء البحوث الجادة ؟ ولماذا كانت عزيمة الباحثين في دراستها مُحبطة ؟

2 – إن طبيعة الجنس والجنسانية من الموضوعات المحضورة ، غير إن تضميناتها في العائلة من الطبقة الوسطى ، هي من الموضوعات التي سيتعرض البحث إلى إستكشافها .

3 – إعتمد الأكاديمي جوريداني على حدود ” كامبيرد ” التي تُفيد ” المنتمي مهمش والغريب حميم ” . وعلى هذا الأساس حاول جوريداني عرض وتحليل ” بعض النماذج ” وذلك من أجل فهم ” جنسانية الخادمات ” والإساءة المستمرة اللائي يتعرضن لها [6] .

  تكون هذا البحث من عدة محطات ، وهي :

خادمة البيت : وجود مهمش وكيان مسكوت عنه

 إن الدراسات الإنثروبولوجية والإجتماعية التي إعتنت بالعوائل العربية المتداولة ، قد ركزت أبحاثها حول علاقات ” الجندر ” (أنا ذكر وأنت أنثى) ، وعلاقات القرابة . وفي الوقت ذاته أغفلت ” دور وتأثير عمل خادمات البيت ” . وحتى إن مفهوم ” القريب الخيالي ” ربما هنا يُقدم وجهة نظر مقبولة في هذا المضمار . فمثلاً نلحظ في ” رسائل الماجستير ” التي أنجزت حللت خمسة عوائل من زاوية الإنثربولوجيا الوصفية : واحدة من العوائل شغلت خادمة لتعمل كبيرة الخدم (بوتلر) ، وتطبخ ، وسائق السيارة . والأخرى شغلت الخادمة لتعمل ساعات عمل كاملة وتعيش مع العائلة . وعائلة أخرى شغلت الخادمة لتعمل منظفة لثلاثة أيام في الأسبوع . بينما عائلة أخرى شغلت الخادمة في أيام الأحد فقط .

  والحقيقة إن هذه الرسائل لم تقدم واحدة منها أي تفسير لتقسيم العمل في بيوت هذه العوائل ، ومن ثم أخذ في الإعتبار عمل الخادمة . وخلت هذه الرسائل من أسماء الخادمات ، ولا توجد أي فكرة عن هويتهن والعمل اللائلا يقمن به . ومن هو الذي يوجهن وكيفية وماهية الإشراف والتوجيه . والشئ الوحيد المهم ، هو ” القرابة ” . وبصورة مشابهة عالجت دراسة ” خاطر ” الممتازة عن ” المهجرين ، الجندر وعوائل الطبقة الوسطى في لبنان 1870 – 1920 ” . وفيها فعلاً إشارة إلى إنه في عام 1884 تحول ما يُقارب 4000 بستاني إلى فقير ، ومن ثم ” عملوا خدامين في المدن ”  ولم تذكر شيئاً أخر [7] .

  ولعل المفيد في هذه الدراسة ، إنها إستشهدت بدراسات أجنبية بحثاً عن مفهوم وماصدق لعمل الخادمة ومقارنة بعمل ” سيدة البيت ” ، فقد إعتمد على عمل ” ماري دوكلس ” والتي درست عمل الخادمة من وجهة نظر الطبقة الوسطى ، والتي بينت ” إن لاوعي الطبقة الوسطى يتضمن الربط بين ” السئ والقذارة ” و ” الجيد والنظافة ” . وهذا بالطبع تُرجم إلى مضمار ” الجنسانية ” . وهكذ أصبح متداولاً الربط بين ” القذارة والجنس ” و” النساء اللائي يُنظفن الأشياء مقترناً بالأجسام ، واللائي يجدن أنفسهن محكومات بصورة سرية (مستريس) بالجنس والقوة بغظ النظر إلى منزلتهن الإجتماعية الحقيقية ” . ولهذا إستنتج جوريداني مُعلقاً على الحال قائلاً : لتكوني ” إمرأة جيدة ” ، هو أن تكوني ربة بيت من الطبقة الوسطى ، والتي تحافظ على صورتها ” الطاهرة جنسياً ” و ” حياة العفة ” . في حين تحول كل ما هو ” سئ في المرأة ” إلى ” خادمات البيوت ” واللائي يشتغلن في ” الأعمال القذرة ” [8] .    

الجنسانية غير المشروعة والعائلة من الطبقة الوسطى

   يحسبُ الأكاديمي جوريدان  إن هناك علاقة ترابطية بين الجنسانية والعمل (الدوني) في البيوت . وفعلاً إن هذا العمل الدوني يتخذ طوابق متنوعة  في صورة ” الخادمات في البيوت ” . وهذا الأمر لايقتصر على اللاوعي الغربي ، بل ويشمل العالم العربي كذلك . ولعل الخلاصات الثلاثة اللاحقة تلقي الضوء على موضوع ” الجنسانية غير المشروعة ” (والتي تتجسد فيه علاقات خداع ، وكره من الناحية الأخلاقية ، ونوع من القذارة) كما وفيها تنافس بين النساء والرجال في علاقتهم بالخادمات اللائي يعملن في البيوت . والحقيقة إن الخلاصتين الأولى والثانية تم إشتقاقها من حلقات روائية من فليمين مصريين وهما الفيلم المصري ” الخادمة ” 1983[9] والفيلم الثاني كان بعنوان ” أفواه وأرانب ”  [10] . أما الخلاصة الثالثة فتم إنتزاعها من فيلم ” بيروت الحية …” (1998) وهي مجموعة بورتريتس (صور) لنساء تمكن من التكيف مع متاعب الحرب الأهلية [11] .

  وفعلاً فقد إنتبه الأستاذ جوريداني إلى الإشكال الذي يلف خلاصة الطرف الروائي من الأفلام الثلاثة ، فسعى إلى معالجتها وقراءتها في ضوء ميثدولوجيا صنفتهما تحت يافطة عنوانها ” القريب المهمش والغريب  الحميم ” . وعلى هذا الأساس جاءت قراءة القصص الخلاصات الروائية للأفلام الثلاثة ، وبين في عملية التصنيف للبناء الروائي إلى إن الأولى كانت رواية نسوية ” تراجيدية ” . بينما الأثنيين الأخرين فكانا ” رومانتيكين النهاية ” . وهذا الحال يثير قضيتين ؛

الأولى – كشفت عن ” التهديد ” أو ” الخطر ” الأتي من ” الخادمات الغريبات ” والذي يجسده ” جنسانيتهن ” . وإن هذا التهديد سيلف ويشمل العائلة من الطبقة الوسطى [12] .

والثانية – إن الخادمات ممكن أن يكونن إما ” كريمات محتشمات ” أو يكونن ” شريرات شيطانات ” .. وعلى هذا الأساس لاحظ جوريداني إن ” الخلاصة الروائية ” لفيلم الخادمة بينت إن الخادمة ” كائن شرير ، مخادع لا يهمها سوى كسب المنافع للذات . في حين قدمت الخلاصة الروائية الثانية ، الخادمة ” كائن ملائكي ، محترم ، يتمتع بالأخلاق العالية ، وجاد في عمله ، ووفي لصاحب البيت ” . بينما تفردت الخلاصة الروائية الثالثة في عرض شخصية الخادمة ” الضحية والمنتهكة منذ مرحلة الطفولة ” . ولكنها إختارت طريقاً مختلفاً فكانت تجسيد ” لمفوم البطولة ” [13] .

تعقيب ختامي :

  نحسب إن هناك إشكالاً كبيراً في بحث الأكاديمي جوريداني بين الصورة المصرية للخادمات اللائي يعملن في البيوت ، والصورة اللبنانية للخادمات . والطرف القوي من الإشكال إنه درسه الصورة المصرية للخادمات كما قدمها الفيلم المصري ، وبالتحديد في كل من فيلم ” الخادمة ” وفيلم ” أفواه وأرانب ” . أما الصورة اللبنانية للخادمات ، وإن سارت في منحى مختلف عن المنحى المصري ، فقد جاء الإستشهاد عليها في الفيلم اللبناني ” بيروت الحية …” والذي قدم الخادمة في ثوب ” بطلة ” . الحقيقة إن أطرافاً كبيرة من هذا البحث تتداخل في فضاءات محور سنناقشه خارج إطار مباحث هذا المحور ، وبالتحديد في محور ” الجنسانية في الرواية اللبنانية ” . ورغم ذلك فإن فيلم ” الخادمة ” وفيلم ” أفواه وأرانب ” يكونان فضاء مستقلاً لا علاقة له بموضوع ” الجنس والجنسانية في الرواية اللبنانية ” وإنما يكونان محوراً جديداً يمكن معالجته تحت عنوان ” الجنسانية في الرواية المصرية : الخادمة وأفواه وأرانب إنموذجاً ” . وبهذا الحال وهذه الحدود ، يصبح موضوع ” الجنسانية في الرواية المصرية … ” موضوعاً لا علاقة له بعنوان ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” من طرف المثديولوجيا وبالطبع لا علاقة له بموضوع سندرسه في القريب العاجل وتحت عنوان ” الجنس والجنسانية في الرواية اللبنانية ” .

———————————————————————————————————-

الهوامش

 – رأي جوريداني ؛ الجنسانية والخادمة : محاولة إستكشاف الصورة العربية لجنسانية الخادمات اللائي يعملن في البيوت (بالإنكليزية) / منشور في : [1]

سمير خلف وجون كاكنون : الجنس والجنسانية في العالم العربي ، دار الساقي 2006 ، ص ص 130 – 151  

 – أنظر ؛ المصدر السابق ، ص 130 [2]

 – أنظر ؛ المصدر السابق [3]

 – أنظر ؛ المصدر السابق ، ص ص 130 – 131 [4]

 – أنظر ؛ المصدر السابق ، ص 131 [5]

 – أنظر ؛ المصدر السابق [6]

 – المصد السابق ، ص ص 131 – 132[7]

 – المصدر السابق ، ص ص 134 – 135 [8]

 – للتفاصيل أنظر : المصدر السابق ، ص 135 [9]

 – للتفاصيل أنظر : المصدر السابق ، ص 136 [10]

 – المصدر السابق ، ص 135 [11]

 – أنظر ؛ المصدر السابق ، ص 137 [12]

 – أنظر المصدر السابق [13]

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , ,

الجنس والجنسانية في بيروت : من زاوية منهجية

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

———————————————————————————-

Sexuality in Beirut : From Methodological Point of View

Dr. MHAMAD FARHAN   SARA FARHAN / PHD Candidate

الجنس والجنسانية في بيروت : من زاوية منهجية

                                     2

الدكتور محمد جلوب الفرحان      طالبة الدكتوراه سارة الفرحان

—————————————————————————————

تقديم :

 إن الإشكالية التي تُحيط بعنوان مجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” تكمنُ في طرفين ؛ الأول العنوان الكبير والواسع جدا جدا ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” والذي لا يتناسب والعينات التي ضمها هذا المجلد . والطرف الثاني من الإشكال يدور حول طبيعة العينات السبع التي كونت جوهر هذا المجلد . وهي :

أولاً – عينات بيروت – لبنان المهيمنة والطاغية على هذا المجلد والتي تحمل الباحث الأكاديمي أن يطلق عليها ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” .

ثانياً – وعينة دمشق والتي بالطبع لا ترقى ولا تكون على الإطلاق ممثلة لسوريا والتي تحمل الباحث الأكاديمي أن يمنحها عنوان ” الجنس والجنسانية في دمشق ” .

ثالثاً – وعينة تونس التي هي الأخرى لا تمكن الباحث الأكاديمي أن يعتمدها أساساً في الحديث عن الجنس والجنسانية في عموم تونس الخضراء . ولذلك فضل الباحث الأكاديمي أن يتناولها تحت راية ” الجنس والجنسانية في تونس ” .

رابعاً – عينة المهاجرين والتي ركزت بحثها على العرب في أرض الشتات ، فقد فضلنا أن نطلقُ عليها عينة ” الجنس والجنسانية في أرض الشتات ” فهي الأخرى عينة مكسورة من جانبين ؛ الأول إنها لا تتناغم وعنوان المجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” وخصوصاً إذا إلتزمنا بإصطلاحات الضبط الجغرافي ، فأرض الشتات ليست جزءً من حدود ” العالم العربي ” وهو جزء أساس وجوهري من عنوان المجلد . والثاني إن العينة التي درسها البحثان اللذان ركزا على الجنس والجنسانية في أرض الشتات ” . وبالتحديد ” للبنايين المهاجرين ” فقط ، فهي أكثر إرتباطاً بعينة بيروت – لبنان .

خامساً – عينة الجنسانية في فضاء الرواية ، وهذه العينة أشد إرتباطاً بعينة بيروت – لبنان . فقد تناولت الجنس في الرواية اللبنانية إنموذجاً ، وهي تفتح الباب لأبحاث تدرس عينات قصص وروايات من أطراف مختلفة من العالم العربي ، وهو مضمار بحث ربما تنتخبه أقسام اللغة العربية وخصوصاً الدراسات الأدبية والنقدية (مع إمكانية التعاون مع أقسام السوسيولوجيا والإنثروبولوجيا) فضاءَ أكاديمياً لرسائل الماجستير وإطروحات الدكتوراه . ولهذا إخترنا العينة الخامسة مبحثاً لنا وبعنوان ” الجنس والجنسانية في الرواية اللبنانية ” .

سادساً – كما وإننا وجدنا على الأقل في البحث المدخل للبروفسور سمير خلف وبحث البروفسور جون كاكنون ، بحثاً حوارياً بين الذات والأخر ولأجل ذلك فضلنا تناولهما سوية في محور منفصل وتحت عنوان ” الجنس والجنسانية في العالم العربي : حوار الذات والأخر ” . مع الإشارة إلى إن الطرف الأوسع من بحث البروفسور سمير خلف هو بانورما في أبحاث مجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” على الأغلب الأعم .

سابعاً – الجنس والجنسانية في العالم العربي : الحاضر والغائب ، وهذا مبحث لم يتناوله المجلد الحالي ، وهو تعقيب أكاديمي على الحاضر من أبحاث في مجلد الجامعة الأمريكية في بيروت ، وفي الوقت ذاته فتح باب المناقشة بين الأكاديميين ، وخصوصاً أكاديمي الجامعة الأمريكية في القاهرة مثلاً لتخصيص مجلد عن ” الجنس والجنسانية في مصر أو البلدان العربية في شمال أفريقيا ” . كما وندعو الجامعة الأمريكية في الشارقة والجامعة الأمريكية في دبي والجامعة الأمريكية في الكويت على التعاون الأكاديمي وتخصيص مجلد بعنوان ” الجنس والجنسانية في دول الخليج ” . وفي هذا المضمار ندعو الجامعة الأمريكية في السعودية إلى تخصيص مجلد بعنوان ” الجنس والجنسانية في السعودية ” . ونتوجه من طرفنا بالدعوة إلى الجامعة الأمريكية في السليمانية إلى إصدار مجلد مثل مجلد الجامعة الأمريكية في بيروت ، وبعنوان ” الجنس والجنسانية في العراق المتنوع ” .

   ومن هنا فإن بحثنا سيأخذ مناحي مختلفة عن مناحي مجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” . وسنعتمد على منهج تفكيكي – تركيبي (تحليلي – تكويني) لهذا المجلد ، وغرضنا من كل هذا العمل الوصول إلى جوهره ومكونات هذا المجلد الإنجيلي المتميز ، ومن ثم تقويمه بما يستحق والإحتفال به في دائرتنا الثقافية العربية أولاً ، وثانياً تعريف القارئ العربي  بحقيقة الطوابق أو الفضاءات الست العالية لهذا المجلد المهم والرائد في مضمار ثقافتنا العربية المعاصرة .

عينات الجنس والجنسانية في العاصمة بيروت – لبنان

  تكونت هذه العينات من مجموعة أبحاث هيمنت وطغت على المباحث التي عالجها مجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” . وهذه الأبحاث شكلت كُتلة فيها الكثير من التناغم والتماسك والإنسجام للتعبير عن هويتها البيروتية اللبنانية والتي لاترقى لتجاوز بيروتيتها والصعود إلى الفضاءات اللبنانية الأعم والشاملة ، وإن تفرد بحث واحد منها وهو بحث الأكاديمي ” جينس هانسين ” بقراءة الأخر لموضوع ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ”  .  ولهذا سنعتمد على حساب الكم والكيف نهجاً يسعى إلى تحديد حجمها في مجلد الجنس والجنسانية في العالم العربي . ولنقف هنا ونقدم حصراً للأبحاث الأولى التي مست ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” ومن ثم يرافقها عرض بانورامي لها وبالصورة الأتية :

1 – بحث الأكاديمي جينس هايسن ، والذي حمل عنوان ” الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت ما بعد حرب 1860 ” [1].

2 – بحث البروفسور رأي جوريداني والذي حمل عنوان ” الجنسانية والخادمة : محاولة إستكشاف الصورة العربية لجنسانية لخادمات اللائي يعشن في البيوت “] .

3 – بحث البروفسور المساعد روزانا سعيد خلف ، والمعنون ” إنطفاء حالة الصمت : ماذا يفكر طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت بما يتعلق بالجنس ” [3] .

4 – بحث طالب الدكتوراه سفيان ماربيت الواسع والمعنون ” إيجاد مكان الكوير في بيروت وهو ملاذ آمن للمثليين الذكور ”  [4] .

5 – بحث طالب الماجستير جراد ماككورمك والمعنون ” تحولات بيروت : هويات المثلي ، الحقائق الحية ، فعل متوازن في الشرق الأوسط ” [5] .

 ولنبدأ أولاً بقراءة أبحاث ” الجنس والجنسانية في بيروت ” من زاوية حساب الكم . والحقيقة إن هذا الحساب يضعنا والقارئ معنا في معرفة حقيقة كم الأبحاث وحجم أوراقها التي عالجت ” الجنس والجنسانية في بيروت ” . عرفنا مما مذكور أعلاه إن عدد الأبحاث كانت خمسة أبحاث . أما حجم أوراقها ، فجاءت بالصورة الأتية : جاء مجموع أوراق بحث الأكاديمي جينس هايسن والمعنون ” الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت ما بعد حرب 1860 ” بإجمالي (21) صفحة . أما بحث البروفسور جوريداني والذي حمل عنوان ” الجنسانية والخادمة : محاواة إستكشاف الصورة العربية لجنسانية الخادمات اللائي يعشن في البيوت ” فقد كان بمجموع (21) صفحة أيضاً . في حين شكل بحث البروفسور المساعد روزانا سعيد خلف ، والمعنون ” إنطفاء حالة الصمت : ماذا يفكر طلاب لبجامعة الأمريكية في بيروت بما يتعلق بالجنس ” ، ما مجموعه (23) صفحة . بينما تفرد بحث كالب الدكتوراه سفيان ماربيت والذي جاء بعنوان ” إيجاد مكان الكوير في بيروت ملاذاً آمناً للمثليين الذكور ” بعدد صفحاته التي تجاوزت عدد صفحات بحثين من هذا المجلد سوية . ففعلاً كانت عدد صفحاته (43) صفحة . بينما تلاه بحث طالب الماجستير جراد ماككورمك والمعنون ” تحولات بيروت : هويات المثلي ، الحقائق الحية ، فعل متوازن في الشرق الأوسط ” وبمجموع (17) صفحة . وعلى أساس عملية حساب الكم ، فإن مجموع صفحات عينات ” الجنس والجنسانية في العاصمة بيروت ” قد بلغ (125) صفحة من كتاب مجموع صفحاته (304) صفحة . فالحاصل من عملية حساب الكم إن صفحات عينة أبحاث ” الجنس والجنسانية في بيروت ” كونت الثلث الراجح بكثير من مجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي . وهذا الثلث الراجح والذي إقترحناعنوانه وكما تدل أبحاثه الخمسة الطاغية ، يُشكل تحدياً أكاديمياً لتسمية الكتاب ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” .

  ونحسبُ إن القضية لم تنتهي بهذا التحدي . فإذا أضفنا إليه مجموع صفحات البحثين اللذان علاجا قضية الجنسية والجنسانية في أرض الشتات (المهاجرين اللبنايين) ” . وهما بحث كل من الدكتور أكرم خاطر والذي كان بعنوان ” فيما يشبه الذهب الخالص : الجنسانية والشرف بين المهاجرين اللبنايين للفترة من 1890 – 1920 ” والذي تكونت صفحاته من (21) صفحة . ومن ثم بحث البروبسور غسان هاقا والمعنون ” الهجرة والرجولة المهمشة : تجربة قروي لبناني ” والذي كان مجموع صفحاته (22) صفحة . وإن حاصل مجموع صفحات البحثين يشكل (43) صفحة ، وإذا أضفناهما إل مجموع صفحات ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” فإن المجموع بصورة حسابية بسيطة يكون (168) . أي أكثر من نصف مجلد كتاب عنوانه ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” .

  والحقيقة إن حساب الكم الثقافي لم يتوقف عند هذا المجموع الذي يشكل تحدياً ساحقاً لهذا المجلد وعنوانه . وإنما هناك ضميمة أخرى في هذا المجلد فيها تحدي لعنوانه ، ونعني بحثي عينات ” الجنس في الرواية اللبنانية ” . فقد كتب البحث الأول البروفسور سعد خير الله ، والدي كان بعنوان ” الفريسة المقدسة والمرآة القاتلة : جسم الأنثى بقلم أمجد نصار وعبدو وزين ” والذي تكون من (16) صفحة . وأما البحث الثاني فكتبه البروفسور ماهر جرار والذي حمل عنوان ” الجنسانية ، الفنطازية والعنف في الرواية اللبنانية ما بعد الحرب ” والذي كان مجموع صفحاته (20) صفحة . وبهذا تكون مجموع صفحات الجنس في الرواية اللبنانية ، بإجمالي (36) صفحة . وإذا أضفناهما إلى المجموع السابق ، فيكون مجموع عينات الأبحاث التي عالجت الجنسانية في بيروت والمهاجرين اللبنايين والرواية اللبنانية ، هو مجموع ساحق ، وبالتحديد (204) صفحة من كتاب يتكون من (304) صفحة . بالطبع ليست هناك إمكانية أكاديمية تحملنا على إستبعاد بحث البروفسور سمير خلف من عملية حساب الكم الثقافي لصالح عينة بيروت – لبنان ، والمعنون ” العيش مع رموز جنسية متنافرة ” والذي تكون من (27) صفحة ، وفيه العديد من الصفحات التي راجعت أبحاث الجنس في بيروت ، وأبحاث المهاجرين اللبنانيين في أرض الشتات وأبحاث الجنس في الرواية اللبنانية ، كما إن بحث البروفسور جون كاكنون والمعنون ” الدول والثقافات ، المستعمرات والعولمة : قصة البحث الجنسي ” يُعد برأينا مقدمة ممتازة لبحث عنوانه ” الجنس والجنسانية في بروت – لبنان ” والذي تكون من (27) صفحة . وهما بحثان أكاديميين يجسدان الإلتزام الأكاديمي والتناسق في ميثدولوجيا الكتابة الأكاديمية المشتركة ، وبالتحديد من طرف عدد صفحات بحثيهما النموذجيين  . ومن المعلوم للقارئ إن عدد صفحات بحثيهما تكون من (54) صفحة . وهذا من طرف حساب الكم الثقافي لصالح عنوان ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” والذي فيه إمكانية ضم بحثي البروفسور سمير خلف والبروفسور جون كاكنون . وعلى أساس عملية حساب الكم الثقافي يصبح مجموع صفحات ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” (258) صفحة . وهذه الصفحات 258 تتحدى بقوة وسلطة أكاديمية عنوان المجلد المطبوع ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” وتلحُ بالقوة والسلطة الأكاديمية ذاتها على أن يكون العنوان البديل ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” .

  ولكن قبول هذا الحال يتطلب فعل أكاديمي شجاع وبالطبع نشرة جديدة تنهض على إستبعاد وشطب بحثين مهمين في النشرة المتداولة لمجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” ، وهما كل من بحث الدكتورة كريستا سلمندارا والمعنون ” العفاف رأسمال : الهرمية والتفوق في دمشق ” ، والذي تكون من (10) صفحات فقط . ومن ثم بحث الدكتورة إنجيلا أم . فوستر والمعنون ” ماهي نظرة المشاهد : الجمال ، صورة الجسم والجنسانية في تونس المعاصرة ” ، والذي كان مجموع صفحاته (11) صفحة فقط . وعلى أساس عملية حساب الكم الثقافي ، نظن إن شطب (21) صفحة من مجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” هو خيار أكاديمي مفضل وضمهما إلى عينات أبحاث جديدة تتناول المغرب ومصر والعراق والجزائر وليبيا والسودان ودول الخليج العربي واليمن والسعودية وتحت عنوان المجلد ذاته ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” . إنها خيرات أكاديمية صعبة تواجه هذا المجلد الأكاديمي الممتاز . ومع كل ذلك فإن مجلد ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” سمفونية رائعة . وسيظل كل من بحثي دمشق وتونس في هذا المجلد ، حال ” طائر يُغرد خارج السرب ” .

الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت : عينة الأخر

  صحيح جداً إن هذا البحث لم يكتبه أكاديمي لبناني بالمعنى التقليدي في الإنتماء والهوية . ولكن من الصحيح إن الأكاديمي جينس هانسين ، هو أكاديمي عمل في الجامعة الأمريكية في بيروت وعاش فيها وكتب عدداً من أبحاثه عنها . ونحسب إنه من النافع أن نخبر القارئ بإن هانسين قد إلتزم في البحث الحالي والمعنون ” الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت ما بعد حرب 1860 ” [6] بالحدود التاريخية لبحثه ، وهي فترة ما بعد حرب 1860 . ونحسب إن رأي الأخر في طرف من تاريخنا وثقافتنا مسألة في غاية الأهمية ، خصوصاً في النظر إلى زوايا تعجز المثديولوجيا العربية من رؤيتها والوصول إليها بعين فيها درجات عالية من الموضوعية وعدم الإنحياز في قراءة المخطوط وما بين السطور .

   وبحث الأكاديمي هانسين تألف من مقدمة ومن محاور عديدة وما يشبه الخاتمة ، وهي : التعريفات الفئة (أو الطبقة) ذات الطبيعة الجندرية (أنا ذكر وأنت أنثى) [7] ، والحب وشرف العائلة : حالة نجلى أرسلان [8] ، ومشاعر القلق الإستعمارية الفرنسية [9] والذي تضمن حديث مكمل لمأساة ” نجلى أرسلان ، وعن الصحة والصحة العقلية ، ومناقشة تقرير بينوت بوير الذي نُشر عام 1897 وجلب الإنتباه إلى ما تستحقه مدينة مثل بيروت ، وبالتحديد في مجالات ” التعاون والتطوير في الإهتمامات البايولوجية والعلمية للمدينة ككل ، أو في جوانب محددة مثل الجنسانية والرس والتي كان لها دور في عملية التكيف مع الحداثة الغربية ” [10] .

الطبقة ذات الطبيعة الجندرية (أنا ذكر وأنت أنثى)

  بين الأكاديمي جينس هانسين حقيقة مهمة ، وهو يبدأ مناقشة قضية الطبقة ذات الطبيعة الجندرية (أنا ذكر وأنت أنثى) ، بإنه في بيروت كان ” الوعي الطبقي ” متشابك مع خطابات ” الجندر ” ، والذكورية والنزعة التبشرية للإستعمار التي بدأت منذ منتصف القرن التاسع عشر . ومن ثم ذهب هانسين مجادلاً ، فأفاد بأن ذلك يكون ” مبدأً رئيس ” في تطور بيروت الملاحظ أكثر من مدن موانئ البحر المتوسط  .. ” مما سرع هذا الوضع لبيروت ، درجات شدة التنافس بين مهمات التمدين العثمانية والأوربية للمحافظات العربية في الإمبراطورية الثمانية ” . كما رافق ذلك تزايد قدوم حملات المبشرين الأوربين ودخولها في تنافس مع مدارس الدولة العثمانية في صياغة نماذج من موضوعات الأدب والعقيدة . كما وعمل فريق من رجال الصحة الدوليين في إيجاد مكان متمدن لمكافحة الأمراض على العموم ، والمتوطنة منها على الخصوص . وفي الوقت نفسه دخل المستثمرين الأوربيين والحكام العثمانيين ، والتجار في التنافس على مشروعات البناء الأساسية والمرافق العامة [11] .

  ولعل من نافلة القول الإشارة إلى إنه بعد عام 1860 ، كان الخوف وروح ” الشيطانية ” حاضران في قلب ” مشروع برجوازي بيروت في التحديث ” . ولهذا لاحظنا منذ سبعينيات القرن التاسع عشر وصعوداً ، بدأت الصحف والمجلات الجديدة تنتشر بصورة ملحوظة ، كما وأخذت تنتشر صالونات القمار التي تظل تعمل حتى نهايات الليل .. وربما كانت هذه النشطات الغير مسؤولة واللاأخلاقية ربما هي السبب وراء تجدد الصراعات الطائفية . وفعلاً في نهاية القرن التاسع عشر ، فإن بعض الرموز الفكرية عملوا على إنشاء طبقة إجتماعية مؤثرة ، لها من الحقوق بحيث تفرض نوعاً من الهيمنة على نظم التربية المحلية وعلى طبع الإعلام والصحف العربية . ولكل ذلك كان للمدارس والصحف تأثير كبير على الثقافة المدنية ما بعد 1860[12] . وهكذا تكونت مؤسسات للإنتاج الثقافي ، ومفاهيم جديدة للخير العام والترقيات الذاتية والتي من طرفها كان لها فعل تحدي ومحاصرة لمفاهيم النخب الأبوية المتوارثة ، وفي الوقت ذاته تحدت فئات من الجمهور (الأهالي) الفئة التي تطلعت إلى التحرر من خلال السياسات الطائفية .      

الحب وشرف العائلة : نجلى أرسلان إنموذجاً

  من الملاحظ إن بيروت في مرحلة الإنتقال إلى قرن جديد ، كانت متخمة بالعديد من المعارضات غير المتوقعة وكذلك عدد من الجمعيات . مما جعل بيروت مكاناً غير صالح للعيش فيه وذلك بسبب وجود القيم التي من الممكن أن تهدد في كل زاوية من شوراعها ، وفي كل عمود من أعمدة صحفها . وإن الطلاب والعوائل والزوار وحتى موظفي الحكومة قد أوجبروا على التكيف بحكمة مع كل المتغيرات الفاعلة في هذا الواقع الجديد .

  ورافق هذا الوضع نوعاً من التوتر بين التطلع إلى المستقبل من طرف ، وعدم اليقين بصورة عامة والمنزلة الإجتماعية غير المستقرة من طرف أخر ، فكان من الصعوبة بمكان على الذين  يتطلعوا إلى تغيير طبقتهم أو الإنتقال أبعد من مكانتهم ، وخصوصاً على الأفراد القاصرين ، وبالتحديد من النساء والفتيان . ولعل من الأمثلة الدالة هنا ” حالة نجلى أرسلان ” والتي ولدت في ” الشويفات بحدود 1870 ، حيث مدينة الأجداد من عائلة أرسلان تقع في جبل الشوف على حافات بيروت ”  ، وكانت نجلى أرسلان الطفلة الوحيدة للعائلة ، وقد تطلع والديها إلى بذل كل الجهود من أجل تربيتها تربية عالية . غير إن الأحداث التي أحاطت إبنتهما المحبوبة كشفت بإن المرأة الشابة الواعدة قد وجدت نفسها محاطة بشبكة من العلاقات البيتراركية (مجتمع سيادة الأب / المجتمع الأبوي) ، والحماية والشرف إضافة إلى التوتر الحاد بين المدينة والجبل .

  وبينما كانت نجلى تدرس في مدرسة لازرست قابلت ” أمين ماجد ” ، وهو إبن عمها وكان حينها يدرس في كلية الجزيوت في بيروت . وتمكنا على المحافظة على سر حبهما حتى قرارا الزواج في عام 1893 ومن دون إستشارة والديهما والسبب هو أنهما كانا يأملان بأن والديهما سيوافقان على الزواج . ولكن بدلاً من ذلك فإن الأمور سارت بإتجاه غير سار لأمين ومن ثم لنجلى . فوالدها خليل شعر بإن إبنته خدعته لأنه قطع وعداً بأنها ستكون زوجة لأبن رئيس عشيرة أرسلان ، مصطفى أرسلان ، وهو شخصية سياسية قوية . ولذلك قرر الوالد إبطال قرارها بالزواج من أمين ووضعها تحت الإقامة الجبرية في البيت . وعندما قررت الهرب من البيت تم إلقاء القبض عليها ، قام عمها بتعذيبها . وفي الوقت ذاته نفذ عملية إعدام وهمي لإبن خصمه أمين ماجد [13] .

  ونجلى من طرفها تقدمت بدعوى إلى السلطان في إسطنبول ، تطلب المساعدة الإمبراطورية ضد سجنها غير القانوني . وهذا نص دعوتها : ” أن عمري خمس وعشرين سنة ، وأنا ناضجة وراشدة . وإن عائلتي تلح على تزويجي من شخص أنا لا أرغب الزواج منه . وأنا ليس لي ملجأ أو مساعد ولكنني وجدت في مقامكم الأمبراطوري العالي سبيلاً لي ، فأتوسل إليكم من خلاصي من التعذيب والإضطهاد الذي أتعرض إليه والذي وضع حياتي في خطر. ولي رغبة في الإرتباط الكامل برباط الشريعة ” [14] .

 ومشكلة نجلى أرسلان هو عمها ” مصطفى أرسلان ” الذي كان شخصية شوفينية غاشمة وحسب ، بل كان كذلك عموداً من توازن القوة في حكومة ” جبل لبنان ” في فترة ما بعد الحرب . وهذا الواقع لا يسمح للحاكم العثماني على الإطلاق بأن يعرض هذا التوازن بفعل تهميش لمصطفى أرسلان على حساب ” أمرأة شابة متمردة – نافرة ” . وبعد مرور سنة من سجنها في أعالي جبال الشوف ، أخذت الأخبار تنتشر في بيروت من إن ” نجلى تُعاني من سوء معاملة على الصعيدين الجسمي والعقلي ” . وهذه الأخبار حملت الحاكم نعوم باشا على القيام بعل ما ، بأمر بإطلاق سراحها وتحريرها والموافقة على زواجها … وفي هذه الأثناء بدأت تظهر علامات ” نفسية حادة ” فتم تشخيصها بإنها ” غير سليمة عقلياً ” .

 وهنا القصة تحولت إلى ” حالة ومثالاً طبياً ” فحدث خلاف بين ” سلطة العائلة ” و” مصلحة الدولة ” . إلا إن الحاكم نعوم باشا رفض التدخل في التقاليد المحلية لمجتمع الدروز في بداية الحالة . غير إنه بعد ذلك إتخذ قراراً ” بنقل وضع المرأة من حماية العائلة ، إلى الرعاية الطبية المهنية التي تشرف عليها الدولة ” فتم نقلها بسفينة إلى إسطنبول ، وحضر السلطان للترحيب بأميرة محافظة بيروت . وهناك تم تشخيصا ” بالجنون ” فأدخلت إلى ” مستشفى الأمراض العقلية الرئيسي في إسطنبول ” . والحالة إختفت من الملفات العثمانية . وهكذا مع إختفاء ملف نجلى أرسلان تم ” إسكات صوت نجلى أرسلان ” إلى الأبد [15] .       

مشاعر القلق الإستعمارية الفرنسية :

 كون رسالة ” خليل أرسلان ” مادة مهمة للباحثين في معرفة وجهة نظر ” السلطة الأبوية ” في قضية ” نجلى أرسلان ” وحقها في الزواج ممن تريد أن تتزوج به ، وخصوصاً إذا وشعنا في الإعتبار إنها ” إمرأة ناضجة راشدة ” وبالتحديد في سن خمسة وعشرين عاماً وإن الشريعة الإسلامية على وجه العموم والفقه والتشريع الدورزي على وجه الخصوص يلتزم بمثل هذه الحقوق . وفعلاً فإن ” خليل أرسلان ” جادل في رسالته وبين ” إن واحداً من الأسباب التي حملته على رفض زواج إبنته من ” أمين ماجد ” ، هو إن الرسالة عُرضت على ” شؤون تربية الجزويت ” . وهذه التهمة تكشف عن حالة الإنفصام الثقافي وعدم الإستقرار العقلي . ويبدو إن موظفي الحكومة العثمانية الذين عالجوا قضية ” نجلى أرسلان ” قبلوا أو لم يقبلوا مثل هذا التفسير . والحقيقة إن رمي اللوم على الرغبات الأوربية في طرف الظلم المنظم والقضايا الشخصية ، هي وسائل متداولة وشائعة يومذاك في رمي جوهر المشكلة على التأثير الذي تركته حملات التبشير ، والتي فيها تهديد خطير على ” سيادة الدولة العثمانية ” [16] .  

قراءة في تقرير الدكتور بوير

  الحقيقة إن تقرير الدكتور بوير أشر مرحلة جديدة في العلاقات الإستعمارية الفرنسية اللبنانية بصورة عامة ، ومدينة بروت بصورة خاصة . والدكتور بينوت بوير جاء إلى بيروت وهو يحمل توصيات من المركز الطبي – المدني في ليون ، وهو المركز الذي تخرج منه الدكتور بوير عام 1881 . وهذه المدينة (ليون الفرنسية) لها علاقات إقتصادية طويلة مع اللبنانين ومن خلال حملات التبشير للجزويت في الفترة العثمانية ، والتي لعبت دوراً كبيراً على إقناع البرلمان الفرنسي على القيام بإنتداب سوريا ولبنان ووضعهما تحت الإدارة الفرنسية بعد الحرب العالمية الأولى [17] .   

  ولعل من الفصول المهمة في تقرير الدكتور بوير ، هو الفصل الخامس الذي عالج فيه مادة للإيقاع الثلاثي لبحث الأكاديمي جينس هانسين ” الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت ما بعد حرب    1860″ . فمثلاً في القسم المعنون ” معدل الوفيات والحالات المرضية المنتشرة بين الفرنسيين ” جاء تأكيد على نمو حالات الضعف والهشاشة في المؤسسة الأجنبية العاملة في بيروت ، وبالتحديد في طرفي الجنس والصحة . فمثلاً بين هذا القسم إن  فئات الأجانب (الذين ليس من النخبة) والتي كانت لهم علاقات جنسية (وشرب الخمر) مع الطبقات المحلية الواطئة . وكذلك ذكر التقرير فئات العمال الأجانب والفئات الغير ماهرة ، هم الأكثر تعرضاً للمخاطر الصحية . والواقع إن بيروت تبنت خطة فرنسية لمواجهة هذا الحال ، وخصوصاً بين عمال البناء (وهذا يشمل رؤساء العمال والمهندسين المشمولين بالمسح ..) وحمايتهم من الأمراض المعدية مثل حُمى التيفؤيد والملاريا التي أخذت تتضاعف . ومن الواضح إن هناك قلق فيما يتعلق بالنظافة العامة … ومن الأمراض المهلكة المنتشرة بين الجمهور العام في بيروت ، هو مرض السل الذي هو من أكثر الأسباب الشائعة في حالات الموت … [18] .

  كما ولفت التقرير الأنظار إلى قضية ” الجنس والعمل الجنسي (البروستتيوشن) ” . وفعلاً فقد أعلن دكتور بوير بأن العمل في مضمار الجنس ، هو من المشاكل الحضرية الخطيرة ، وذلك بسبب وجود ” بيوت الجنس المجازة  (البروثيلز) ” والتي لم تكن معزولة بما فيه الكافية عن بقية أحياء بيروت . كما إن الكثير من ” العاملين في مضمار الجنس ” يعيشون وسط عامة الناس ، ومساءً يعملون في بيوت الجنس . ووفقاً للأرقام التي جاءت في التقرير ، فقد ذكرت إنه في بيروت القديمة وحدها قد وصل عدد ” العاملات في مضمار الجنس ” ما يُقارب 850 من النساء العربيات ، وبالتحديد من سوريا وفلسطين ولبنان . إضافة إلى 400 فتاة من اليونان وتركيا وفرنسا [19] .  

  وتعرض تقرير الدكتور بوير إلى معاناة موظفي الصحة في بيروت ، والذين وجدوا أنفسهم خط الحماية الأول ضد إنتشار الأمراض ” من أسيا إلى أوربا ” . وكل هذا يكشف عن تداخل وتشابك جغرافية الحياة الراقية والحياة المتدنية ، وتشابك حياة الأجانب وحياة المحليين ، وتداخل أطراف ما هو أخلاق واللاأخلاقي في مدينة بيروت . وكون هذ الوضع مآزق محير في الأختيار ما بين بدائل تنهض على الإستقلال العمل الطبي وعلى أسس علمية . كما لعب موت الدكتور بوير دوراً في تعقيد المآزق قبل أن يتحاور الفرنسيون المحتلون والقوميين اللبنايين لمعالجة تفاقم الوضع لصحي لمدينة بيروت خلال فترة الإنتداب . ولعل من الشواهد المؤذية للصحة العامة في بيروت يومذاك ، هو تدمير أجزاء من بيروت لأغراض الحماية من حمى التيفؤيد [20] .

تعقيب ختامي :

 وأخيراً جاءت أشبه بالخاتمة ، أشار فيها الباحث الأكاديمي جينس هانسين إلى إن المفكرين من الطبقة الوسطى في بيروت ، ورجال الدولة العثمانيين من البروقراطية شاركوا الدكتور بوير في مخاوفه وقلقه على مدينة بيروت . وبالطبع أسباب الدكتور بوير تختلف في توجهاتها عن مفكري الطبقة الوسطى في بيروت (من اللبنايين) ، فخطاب الدكتور بوير هو على الأعم خطاب شيطرة سياسية ، وإعادة بناء متحضر شامل . أما فيما يخص مفكري الطبقة الوسطى فإنه  خطاب نقدي ، وهو وجه من التوحد ورؤيتهم التي تتطلع إلى الإستقلال . في حين رأت المؤسسة السياسية الفرنسية في هذا النقد ، يكمن فيه جوهر تدمير الإستقلال .

  ودعم جينس هانسين وجهة نظره في التحليل والترجيح إلى واحد من الأبحاث في تاريخ الإمبراطوريات الأوربية ، وهو البحث الذي وضع تحت الأنوار الكاشفة ، الأرتباطات الحميمة بين ” الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية ” إضافة إلى توصيف الرس والذي بدوره يكشف عن جوهر هذه العلاقات . وخصوصاً في عمل ” أنا لورا ستولر ” الذي يقترح بأن ” العلاقات الأنسانية الحميمة ، وعدم الإستقرار الإجتماعي … والسلطة ، والإحتلال العسكري ، والإستغلال الإقتصادي والجنسي ، يشكلان مركز التجربة الإستعارية حول العالم ” [21] . وفعلاً فإنه في نهايات بيروت العثمانية حدث فيها تغييرات جذرية مثلما حدث في كثير من المدن التي تواجدت فيها جماعات أوربية كبيرة ، فكانت مخاوفهم تدور حول الإجازة الرسمية (خصوصاً لبيوت الجنس والعاملين في مضمار الخدمة الجنسية) والشمول ، التي تشغل عقول الموظفين العاملين في الصحة في الفترة الإستعمارية ، كما وإنها كانت تشغل عقول الذكور من النخب المحلية . ولعل القدر التراجيدي لنجلى أرسلان [22] مثال حي وشاهد شاخص في ذاكرة بيروت واللبنانيين على حد سواء . هذه هي شهادة الأخر في موضوع عنوانه ” الجنس والجنسانية في بيروت – لبنان ” .

  أما الأبحاث الأخرى لهذا المجلد المقترح ، فقد كُتبت بأقلام الذات ، وهي أقلام لبنانية . وهذا ما نتطلع إلى معالجته في كتلتة بحث يعكس المثيدولوجي والذوق اللبناني في قضية ” الجنس والجنسانية ” .

—————————————————————————————

الهوامش

 – أنظر : جينس هانس ؛ الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت ما بعد حرب 1860/ منشور في: سمير خلف وجون كاكنون : الجنس  [1]

والجنسانية في العالم العربي (بالإنكليزية) ، دار الساقي- لندن 2006 ، ص ص 63 – 84  

 – أنظر : رأي جوريداني ؛ الجنسانية والخادمة : محاولة إستكشاف الصورة العربية لجنسانية الخادمات اللائي يعشن في البيوت /  منشور في : سمير خلف [2]

وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 130 – 151

 – روزانا سعيد خلف ؛ إنطفاء حالة الصمت : مادا يُفكر طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت فيما يتعلق بما يتعلق بالجنس / منشور في : سمير خلف [3]

وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 175 – 198

 – أنظر : سفيان ماربيت ؛ إيجاد مكان الكوير في بيروت ، وهو ملاذ آمن للمثليين من الذكور / منشور في : سمير خلف وجون كاكنون ؛ المصدر[4]

السابق ، ص ص 199 – 242

 – أنظر : جراد ماككورمك ؛ تحولات بيروت : هويات المثلي ، الحقائق الحية ، فعل متوازن في الشرق الأوسط / منشور في : سمير خلف وجون[5]

كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 243 – 260

 – أنظر : جينس هانسين ؛ الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت ما بعد حرب 1860 / منشور في كتاب : سمير خلف وجون كاكنون [6]

(المشرفان) ؛ الجنس والجنسانية في العالم العربي ( مصدر سابق) ، ص ص 63 – 67  

 – أنظر : جينس هانسين ؛ المصدر السابق ، ص ص 67 – 69  [7]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 70 – 72 [8]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 72 – 80 [9]

 – المصدر السابق ، ص 73 [10]

 – المصدر السابق ، ص 67 [11]

 – المصدر السابق ، ص 69 [12]

 – المصدر السابق ، ص 70[13]

 – المصدر السابق ، ص ص 70 – 71 [14]

 – للتفاصيل عن قصة نجلى أرسلان ، أنظر : المصدر السابق ، ص ص 70 – 72 [15]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 72 [16]

 – المصدر السابق ، ص  ص 73 – 74 [17]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 78 – 79 [18]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص 79 [19]

 – المصدر السابق [20]

 – أنا لورا ستولر ؛ الرس وتربية الرغبة : تاريخ  ميشيل فوكو للجنسانية والنظام الإستعماري لعالم الإشياء ، لندن 2002 ، نقلاً عن : جينس هانسين[21]

؛ الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت ما بعد حرب 1860 / منشور في : سمير خلف وجون كانون ؛ المصدر السابق ، ص 80  

 – أنظر : جينس هانسين ؛ المصدر السابق ، [22]

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

الجنس والجنسانية في العالم العربي : من زاوية أكاديمية

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

———————————————————————————-

Sexuality in the Arab World: From Academic Point of View

Dr. MOHAMAD FARHAN     SARA FARHAN / PHD Candidate

الجنس والجنسانية في العالم العربي : من زاوية أكاديمية

القسم الأول                     

الدكتور محمد جلوب الفرحان     طالبة الدكتوراه سارة الفرحان 

————————————————————————————–

تقديم :

  صدر كتاب باللغة الإنكليزية بعنوان ” الجنسانية في العالم العربي ” من دار الساقي ، وبالتحديد صدر في العام 2006 [1] . وهو كتاب في غاية الأهمية في مضمار الثقافة العربية وخصوصاً إذا ما توافر للقارئ العربي . ولكن الكتاب صدر باللغة الإنكليزية ومرت ثمانية سنوات ولم يكن له تأثير ملحوظ على العالم العربي . إلا إن له بالتأكيد تأثير سحري إنجيلي في مضمار البحث الأكاديمي . وحسب علمنا إن هذا الكتاب لم يترجم ، بل وحتى لم تنشر فصولاً منه باللغة العربية .

  ونظنُ إن ما يعوز هذه النشرة وهذا برأي مهم جداً ، إنه لم يُخصصُ فصلاً تمهيدياً يتناول فيه كيفية تعامل التراث العربي بأطياف ثقافته المتنوعة مع مفهوم الجنس والجنسانية . ولا نعرف السبب الذي حمل المشرفين على هذه المشروع الأكاديمي المهم من إغفال هذا الطرف المهم والذي يُشكل جذراً لقضية الجنس والجنسانية في العالم العربي وهو البعد المهم في عنوان هذا الكتاب . ولو تحقق هذا الإنجاز (أي كتابة الفصل التمهيدي) لكان في الإمكان فعلاً إقامة جسور عديدة بين المجلد الحالي وإبحاث تراثية متنوعة مبثوثة في كتب التراث المتنوع والتي درست موضوع الجنس والجنسانية (وفيها يتحقق التواصل وتردم فجوات التقاطع) .

   صحيحُ إن النشرة الحالية لكتاب ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” عالجت موضوعات الجنس والجنسانية في نماذج من الأدب وبالتحديد في منتخبات من الرواية اللبنانية التي كُتبت في فترة ما بعد الحرب . وفي هذه الشهادة ما يكفي على إن الأدب العربي والفقه والشريعة والتاريخ وكتب الإمتاع والأغاني والليالي مملوءة بعينات ثرية في تقويم نظرة العربي المتفهمة للجنس والجنسانية كمكون مهم وحيوي من مكونات الشخصية الإنسانية .

قضايا الجنس والجنسانية في العالم العربي : هموم التأليف

  صحيحُ إن هذا الكتاب مساهمة رائدة في مضمار الجنس والجنسانية في العالم العربي . إلا إن هذا الكتاب من الناحية الميثدولوجية فيه الكثير من العيبوب والنواقص . وعلى أساس عنوان الكتاب ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” نبدأ مناقشتنا وبحثنا . والبداية وقفة عند الزملاء الباحثين ، ونتبعها بقراءة للموضوعات التي عالجوها والإقطار العربية التي تناولوا فيها قضايا الجنس والجنسانية . ولا نريد أن نتعجل ونقطع الطريق على القارئ ، وإنما سنحمله معنا ليتأكد بأن عنوان الكتاب كبير جداً ولا يتناسب مع عينة طاغية من لبنان وبالتخصيص من بيروت ، وعينتان يتيمتان من دمشق وتونس وعينة لمهاجرين عرب يعيشون في بلاد الإغتراب . على كل هذا قدرنا مع هذا الكتاب المهم والخطير في آن واحد .

  شارك في تأليف مباحث هذا الكتاب عينة طيبة من الزملاء الباحثين الأكاديميين (عينة طاغية من الأكاديميين في الجامعة الأمريكية في بيروت) ، وسأمر على أسماءهم ومشاركتهم في هذا الكتاب المشروع :

    نبدأ أولاً بالمشرفين على هذا المجلد وهما كل من البروفسور سمير خلف والبروفسور جون كاكنون . وكان فعلاً لجهودهما الناجحة الدور الناجز على تحرير ونشر الكتاب الحالي ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” . وجون كاكنون هو بروفسوراً متمرساً في علم الإجتماع / جامعة ولاية نيويورك – ستوني بروك . وحصل على جميع درجاته العلمية من جامعة شيكاغو . والإستاذ كاكنون هو مؤلف ومن ثم مشارك لعديد من المؤلفات مثل ” المُعتدون جنسياً ” و ” السلوك الجنسي ” و ” الجنسانية الإنسانية ” و ” التنظيم الإجتماعي للجنسانية ” و ” الجنس في أمريكا ” و ” تفسير للرغبة ” . وإضافة إلى ذلك فهو مشرف على تحرير العديد من الكتب وهو فوق ذلك كتب ونشر العديد من من المقالات العلمية . ويوم نشر الكتاب كان يصرف معظم أوقاته في نيس – فرنسا . وفي هذا العمل ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” هو عمل مشترك في الإشراف والتحرير مع البروفسور سمير خلف . ومن ثم كتب البروفسور جون كاكنون لهذا المجلد بحثه المتميز والذي حمل عنواناً كبيراً (يمكن أن يكون عنوان موسوعة تتألف من مجلدات لا حصر لها) والمعنون ” الدول والثقافات ، المستعمرات والعولمة : قصة البحث الجنسي ” [2] .

  اما البروفسور سمير خلف فهو أستاذ علم الإجتماع ومدير مركز البحث السلوكي في الجامعة الأمريكية في بيروت . وحصل على تعليمه العالي (الدكتوراه) من جامعة برنكتون الأمريكية ومن ثم بعد ذلك عمل في جامعة برنكتون ، وجامعة هارفرد وجامعة نيويورك . وهو إضافة إلى ذلك كاتب لعدد كبير من المقالات ، ومشارك في تأليف عدد أخر من الفصول في كتب جماعية ، وبالتحديد في مجالات التحديث المقارن ، والتاريخ الإجتماعي الثقافي ، التحضر أو التمدن ، وإعادة الإعمار بعد الحرب . ومن مؤلفاته الإستمرار والتغيير في لبنان القرن التاسع عشر  ، الحمرا – بيروت ، المآزق اللبناني ، إعادة إكتشاف بيروت (بالمشاركة مع فيليب خوري) ، وإعادة بناء بيروت ، الممانعة الثقافية : مواجهة العالمية والمحلية في الشرق الأوسط ، والعنف المدني واللامدني في لبنان : تاريخ عولمة الصراع الطائفي . كما وله نشاطات أكاديمية وإعلامية متنوعة … أما مشاركته في هذا المجلد فإضافة إلى الإشراف والمساعدة في التحرير ، فإنه أسهم  في كتابة ما يشبه

(التمهيد) لهذا المجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” . وهذا التمهيد حمل عنوان ” العيش مع رموز جنسية متنافرة ” [3] .

  وشارك في هذا المجلد الباحث الأكاديمي جينس هانسين ، وهو حاصل على دكتوراه فلسفة من جامعة  أكسفورد ، ويُدرس في جامعة تورنتو (كندا) تاريخ منطقة المتوسط (شعوب البحر المتوسط) . ونشر كتابه المعنون ” بيروت : عاصمة الإقليم العثماني ” (نشرة مطبعة جامعة أكسفورد) ، وهو مؤلف مشارك في الكتاب المعنون ” تاريخ ومكانة الصراع الإجتماعي في بيروت ” ، وهو كذلك مشرف ومحرر مشارك على الكتاب الذي حمل عنوان ” إمبراطورية في المدينة : عواصم الأقاليم العربية في أواخر الإمبراطورية العثمانية ” . وقد حصل على زمالة بحث من الجامعة الأمريكية في بيروت للفترة من عام 1997 وحتى عام 1999 . ومن ثم في عام 2000 حصل على ” زمالة سقراط ” من جامعة مرسيلا . وفي عام 2001 حصل على زمالة ” تايسن بوصت – دكتوراه ” وركز فيها دراسته على موضوع ” النهضة العربية في سوريا القرن التاسع عشر ” . أما البحث الذي ساهم فيه جينس هانسين في المجلد الحالي ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” فقد جاء بعنوان ” الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت مابعد حرب 1860 ” [4] .  

  كما كتب لهذا المجلد الباحث الأكاديمي أكرم خاطر ، والذي يحمل درجة بروفسور مشارك للتاريخ ، ويعمل في جامعة ولاية كورليانا الشمالية ، وهو مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط . وحصل على الدكتوراه في التاريخ من جامعة كليفورنيا – بيركلي . ومن ثم درس في جامعة ولاية بيل في إنديانا . ومن مؤلفاته ” تجديد الوطن : الهجرة ، والجندر (إنثى وذكر) وتكوين الطبقة الوسطى اللبنانية خلال 1861 – 1921 ” وكتابه ” تاريخ الشرق الأوسط : الكتاب المصدر لتاريخ الشرق الأوسط ” . كما ساهم في كتابة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من كتاب ” العالم وسكانه ” وهو كتاب للمدارس الثانوية ، ونشر العديد من المقالات وقام بالعديد من المراجعات للكتب والأبحاث وهو مشرف على نشر عدد من المجلات والكتب . أما مساهمته الأكاديمية في مجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” فجاءت بعنوان ” مثل الذهب الخالص : الجنسانية والشرف بين المهاجرين اللبنانيين للفترة ما بين 1890 – 1920 ” [5] .

 ومن الباحثين الأكاديميين الذين شاركوا في كتابة هذا المجلد ، غسان هاقا . وهو بروفسوراً مشاركاً في الإنثروبولوجيا في جامعة سيدني . وأثناء كتابة البحث كان بروفسوراً زائراً في قسم العلوم الإجتماعية والسلوكية – الجامعة الأمريكية في بيروت . ومن أعماله ” الإستراليون العرب ” و ” الأمة البيضاء ” و ” ضد جنون الإضطهاد القومي ” . ومن ثم إشتغل على موضوعات تتناول حياة ” اللبنانين في أرض الشتات ” . وجاءت مساهمته في هذا المجلد ببحث حمل عنوان ” الهجرة ، والرجولة المهمشة : تجربة قروي لبناني ” [6] .

  وتناول الأكاديمي رأي جوريداني موضوعاً في غاية الأهمية في هذا المجلد ، والذي جاء بعنوان ” الجنسانية والخادمة : محاولة إستكشاف الصور العربية لجنسانية الخادمات اللائي يعشن في البيوت ” [7] . والباحث الأكاديمي جوريداني بروفسوراً مشاركاً لعلم الإجتماع في قسم العلوم الإجتماعية والسلوكية – الجامعة الأمريكية في بيروت . والبروفسور جوريداني يحمل درجة الدكتوراه من جامعة فيلندرز / إستراليا الجنوبية . ودرس علم الإجتماع في جامعات كل من ليتروب ، ديكين وموناش في مالبورن – إسترليا . وهو المشرف والمحرر الرئيس لكتاب مدخل إلى علم الإجتماع وهو كتاب منهجي وكان بعنوان ” علم الإجتماع : الإرتباطات الإسترالية ” . وبالإضافة إلى ذلك فالبروفسور جوريداني مؤلف لعدد من الفصول في كتب جماعية ومجموعة من المقالات العلمية ، وكان الرئيس التنفيذي لمجلتين أكاديميتين ، وهما ” العمل والصناعة ” ، و ” المجلة العربية الإسلامية لدراسات الشرق الأوسط ” .. وأبحاثه يوم نشر هذا المجلد كان تركز على حقوق الإنسان ، وهجرة العمالة ، وخصوصاً داينامكية العاملات الضيوف في الشرق الأوسط .

   بينما جاءت مشاركة الباحثة الأكاديمية كريستا سلمندارا ، والتي حملت عنوان ” العفاف رأسمال : الهرمية والتفوق في دمشق ” [8] . والأكاديمية كريستا هي بروفسوراً زائراً وحصلت على درجة الدكتوراه من جامعة أكسفورد ، ومن ثم شغلت مواقع أكاديمية متنوعة في أكسفورد ، وبالتحديد مدرسة الدراسات الإستشراقية والإفريقية وجامعة لندن ، ونشرت عدداً من الأبحاث الأكاديمية وفي مضمار تكوين الهوية الإجتماعية في بيئات عالمية وبيئات مهاجرة . ولعل من النافع الإشارة إلى إطروحتها في الدكتوراه والتي كانت بعنوان ” دمشق القديمة الحديثة : الأصالة والتفوق في سوريا المتحضرة ” / نُشرت عام 2004 .

  ومن ثم جاء البحث المتفرد والذي نحسبُ إنه تخطى في مجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” الرقعة الجغرافية الضيقة جداً جداً للعالم العربي ، ونقصد لبنان وسوريا ، وعالج إنموذجاً أفريقياً للجنس والجنسانية في العالم العربي ، وهو تونس ورغم إنه كان إنموذجاً عربياً أفريقياً يتيماً ، فهو إنموذج مهم جداً من طرفين ؛ الأول لخلق نوع من التوزان الذي غاب من هذا الكتاب الرائد . ومن طرف التطور الذي حدث في الحياة الإجتماعية في تونس ، وحالات الترقي التي أُنجزت للمرأة وشرطها النسوي ومن ثم صدور قوانين الحياة والحقوق المدنية هناك والتي حققت إنفراجات لصالح  المرأة والحياة الشخصية . كتب هذا البحث الأكاديمية إنجيلا أم . فوستر ، والذي كان بعنوان ” ما هي نظرة المشاهد ؟ الجمال ، صورة الجسم والجنسانية في تونس المعاصرة ” [9].  والباحثة فوستر تحمل شهادة الدكتوراه من جامعة أكسفورد ، وبالتحديد من دراسات الشرق أوسطية . وهي مشاركة في برنامج الصحة لطلاب السنة الرابعة في المدرسة الطبية في جامعة هارفارد . وأبحاثها الحالية تُركز على الإجهاض ، والتربية الصحية ، ومنع الحمل المُفاجئ في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا . وركزت إطروحتها للدكتوراه على العلاج والصحة الشاملة للمرأة في تونس ” .

  ومن ثم جاء بحث في غاية الأهمية في فضاءات الموضوعات التي بحثها مجلد ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” ، وهو البحث الذي كتبته الباحثة الأكاديمية سوزانا سعيد خلف ، والذي حمل عنوان ” إنطفاء حالة الصمت : ماذا يُفكر طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت فيما يتعلق بالجنس ” [10] . وسوزانا خلف هي بروفسور مساعد في اللغة الإنكليزية والكتابة الخلاقة في الجامعة الأمريكية في بيروت . وتحمل شهادة في دكتوراه التربية ، وبالتحديد في اللنكوستك والكتابة الإبداعية من جامعة ليكستير . ومن ثم عملت في جامعة برنكتون مستشاراً في خدمات الإختبارات التربوية . ومما نشرته ” في يوم من الأيام في لبنان ولبنان : أربعة رحلات إلى الماضي ” . وهي الناشر والمحرر المشارك لكتاب ” نص إنكليزي لطلاب المرحلة الثانية عشر ” والذي كُتب لصالح المركز القومي للبحث والنمو التربوي لمدينة بيروت … كما ونشرت حكايات ، وهو مجموعة من القصص القصيرة كتبتها نساء لبنانيات . وسيلو ، قطة الفندق وسيلو وزيارتهما لميدان بيروت ، والقصتان الأوليتان ، هي قصص للأطفال . وعملت يوم إعداد كتاب ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” في موضوعات من الخبرة الحية لطلاب مرحلة الكتابات الإبداعية .

  وشارك طالب الدكتوراه سفيان ميربيت ببحث يبدو هو طرف من إطروحته للدكتوراه التي يشتغل عليها . وجاء بحثه بعنوان ” خلق مكان غريب / كوير في بيروت ” [11] وهو مكان للمثليين (ومن المعروف إن مقاهي ونوادي الكوير هي ملاذ آمنة شائعة عالمياً للمثليين وهناك في حمرا بيروت مقاهي ونواد منشرة في أطرافها لهم كما بين هذا البحث وهناك نظرية في الأبحاث الإجتماعي تُعرف بنظرية الكوير المرتبطة بالمثليين) . وهذا البحث هو من أوسع أبحاث هذا المجلد ، من حيث عدد الصفحات (تجاوزت أكثر من أربعين صفحة) وهذا الوضع يجعله يتخطى معيار التوازن في معادلات حساب كم وكيف المكتوب في متن هذا المجلد . على كل هذه مسألة تخص نهج المشرفين والمحررين لهذا المجلد . وسفيان هو باحث مشارك في مركز البحث السلوكي في الجامعة الأمريكية في بيروت . وفي الوقت ذاته طالب دكتوراه في قسم الإنثربولوجيا في جامعة كولومبيا . والحقيقة إن إطروحته للدكتوراه تركز على إعادة تشكيل هوية المهمشين إجتماعياً في بيروت ، وفي طرف منها تتناول ” المكان الكوير / الغريب ” . وخلال الفترة من شباط 2002 وحتى حزيران 2003 كان يُدرس علم الإجتماع والإنثربولوجيا في قسم العلوم الإجتماعية والسلوكية في الجامعة الأمريكية في بيروت . 

    وبعد ذلك تلاه بحث بعنوان ” تحولات بيروت : هويات المثليين والحقائق الحية ” [12] . وكتبه الباحث جراد ماككورمك ، وحينها كان طالب ماجستير في دراسات الشرق أوسطية في الجامعة الأمريكية في بيروت . وكان في نهاية إكمال رسالته للماجستير  والتي كانت من طرفها محاولة تدقيق في هوية المثليين في لبنان ومن ثم تغيير مفهوم الذكورية . وهكذا ضم هذا المجلد بحثين تناولا الجنسانية والمثليين في بيروت .

  ومن ثم تبعه بحث حمل عنوان ” الضحية المقدسة والمرآة القاتلة : جسد الأنثى بقلم أمجد نصار وعبدو وزين ” [13] . وكتبه البروفسور سعد خيرالله ، والدكتور خير الله حاصل على درجة الدكتوراه في دراسات الشرق أوسطية والأدب المقارن من جامعة برينكتون إضافة إلى كونه بروفسوراً للغة العربية في الجامعة الأمريكية في بيروت . وكان بروفسوراً في جامعة فريبيرك الألمانية قبل أن يعود إلى موقعه في الجامعة الأمريكية في بيروت عام 1998 . وكتابات البروفسور خير الله واسعة الإنتشار ، منها ” الحب ، الجنون والشعر : تأويل لإسطورة المجنون والحب وحضورها في بنية الشعر العربي الحديث ” . ومنها كذلك ” الحب والجنسانية في الأدب العربي الحديث ” نشرة أر. ألن وأخرين .

  كما وكتب لهذا المجلد الباحث البروفسور ماهر جرار ، وكان بحثه بعنوان ” الجنسانية ، الفنطازية والعنف في الرواية اللبنانية ما بعد الحرب ” [14] . والبروفسور جرار هو إستاذ في الجامعة الأمريكية في بيروت ، ومدير برنامج أنس مقدسي للأدب . وحصل على شهادة الدكتوراه في الدراسات العربية والإسلامية من جامعة توبنكن . وعمل أستاذاً زائراً في جامعة هارفارد وزميلاً في برلين . ومن منشوراته بالألمانية ” سيرة النبي في أسبانيا الإسلامية .. ” . كما كان المشرف والمحرر المشارك لكتاب ” الأساطير والأصل التاريخي والصور الرمزية في الأدب العربي ” . إضافة إلى كتابته العديد من المقالات في المجلات الأكاديمية المرموقة .  

  ومن ثم جاءت خاتمة المسك لمشروع هذا المجلد الأكاديمي ، بقلم المشرف والمحرر البروفسور سمير خلف (بالطبع شاركه المهمة البروفسور جون كاكنون) ، وهذه الخاتمة جاءت بعنوان ” حاشية وإعتراف بالجميل ” [15] . وفيه جاءت إشارات سريعة وبالأسماء فقط لعدد من الباحثين العرب المعاصرين (وبالتحديد الدكتورة نوال السعداوي وهي العينة المهمة جداً جداً لهذا المجلد) [16]، وكان من الأفضل برأينا مراجعة إطروحاتهم قبل الدخول في مضمار هذا المشروع ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” ، وخصوصاً إن القارئ العربي والناطق يعرف ريادتهم وواقف عليها ولكن القارئ الإنكليزي بأمس الحاجة للتعريف بهم. كما ونحسب إن إغفال العراق والدراسات الأكاديمية فيه ، وهي كثيرة ومتنوعة في مضمار الجنس والجنسانية إضافة إلى إغفال مصر ودول الخليج في مثل هذا المشروع ، يظل موضوع يُثير الحيرة الأكاديمية أثناء قراءة المجلد الحالي ” الجنس والجنسانية في العالم العرب ” . والباحث من طرفه يعجز أن يجد مبرراً للزملاء في الجامعة الأمريكية في بيروت ، وبالتحديد المشرف البروفسور سمير خلف على الوقوف عند عتبات بيروت ، ودمشق وتونس ولمحات عن تجربة قروي في الإغتراب في تأطير عنوان واسع مثل عنوان ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” .

تعقيب ختامي :  

    إستهل البروفسور سمير خلف هذا المشرع بمدخل ، ومن ثم ختمه بكلمة موجزة لم تتعدى صفحتها أصابع اليد الواحدة ، وفيها من التسهيل والتسيير الكثير الكثير . ولعل السؤال الأكاديمي المزعج لكل الأكاديميين ؛ ماذا غاب عن هذا المشروع الأكاديمي الرائد والمهم جداً ؟ وهل كان حضور عينات البحث كافية وبالحدود المقبولة من زوايا المثديولوجيا الأكاديمية وحسابات الكم والكيف بحيث ترضي عطش الأكاديمي الولهان ؟ أم إن المعادل المثديولوجي قد فقد توازنه ، وإن حسابات الكم والكيف غابت فضاعت فرصة التساوق والإنسجام ، ومن ثم غابت معها فرص التعميم التي تتساوق وتتناغم هرمونيا مع العنوان ” الجنس والجنسانية في العالم العربي ” .   

   لقد إنتبه البروفسور سمير خلف فعلاً إلى أهمية البعد التراثي والتاريخي لقضية الجنس والجنسانية في العالم العربي ، فمثلاً أشار إلى الأمام الغزالي [17]، ولكن هذه الإشارة جاءت متأخرة جدا جدا ولا تروي ضمأ العطشان ، إضافة إلى إن كتب التراث التي عالجت قضية الجنس والجنسانية متوافرة وليست بعيدة عن يد الأكاديمي ، وهي كما نعرف متوافرة في مكتبة الجامعة الأمريكية في بيروت من مثل : كتاب الأغاني لأبي فرج الأصفهاني (897 – 967م) وكتاب العقد الفريد لإبن عبد ربه (860 – 940م) وكتاب الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي (922 – 1023م) وغيرها كثير كثير .. ولعل من الكتب المهمة الحديثة في مضمار البحث في البعد التاريخي للنكاح والزواج والعلاقات الجنسية المتنوعة في العصر الجاهلي ، كتاب البروفسور العراقي الدكتور جواد علي (1907 – 1987م) والمعنون ” المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ” (عشرة مجلدات) وصدرت في بيروت للفترة مابين 1968 – 1974م . وأخيراً من الكتب الحديثة التي تناولت الجنس والسلطة ، كتاب الدكتور محمد عبد الرحمن يونس والمعنون ” الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة ” [18] . وهذه أمثلة والأمثلة كثيرة ولا يتسع لها هذا المقال .    

——————————————————————

الهوامش

 – البروفسور سمير خلف والبروفسور جون كاكنون (المشرفان على التحرير) ؛ الجنس والجنسانية في العالم العربي (بالإنكليزية) ، دار الساقي  [1]

للكتب – لندن 2006

- البروفسور جون كاكنون ؛ الدول والثقافات ، المستعمرات والعولمة : قصة البحث الجنسي / أنظر : سمير خلف وجوان كاكنون ؛ المصدر السابق  [2]

، ص ص 35 – 62  

 – البروفسور سمير خلف ؛ العيش مع رموز جنسية متنافرة (بالإنكليزية) / أنظر : سمير خلف وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 7 – 34 [3]

 – أنظر : جينس هانسين ؛ الجنسانية ، الصحة والنزعة الإستعمارية في بيروت ما بعد حرب 1860 (بالإنكليزية) ، أنظر : سمير خلف وجون [4]

كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 63 – 84  

 – أنظر : أكرم خاطر ؛ مثل الذهب الخالص : الجنسانية والشرف بين المهاجرين اللبنانين للفترة ما بين 1890 – 1920 (بالإنكليزية) / أنظر : سمير [5]

خلف وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 85 – 106

 – أنظر : غسان هاقا ؛ الهجرة والرجولة المهمشم : تجربة قروي لبناني (بالإنكليزية) / أنظر : سمير خلف وجون كاكنون : المصدر السابق ، ص  [6]

ص 107 – 129

 – أنظر : رأي جوريداني ؛ الجنسانية والخادمة : محاولة إستكشاف الصور العربية لجنسانية الخادمات اللائي يعشن في البيوت (بالإنكليزية) / أنظر سمير  [7]

خلف وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 130 – 151  

 – أنظر : كريستا سلماندر ؛ عاصمة العفاف : الهرمية والتفوق في دمشق (بالإنكليزية) / منشور في : سمير خليفة وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ،[8]

ص ص 152 – 162  

 – أنظر : إنجيلا أم . فوستر ؛ ماهي نظرة المشاهد ؟ الجمال ، صورة الجسم والجنسانية في تونس المعاصرة (بالإنكليزية) / منشور في كتاب : سمير[9]

خلف وجون كتكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 163 – 174  

 – أنظر : روزانا سعيد ؛ إنطفاء حالة الصمت : ماذا يُفكر طلاب الجامعة الأمريكية في بيروت  فيما يتعلق بالجنس (بالإنكليزية) / منشور في كتاب [10]

: سمير خلف وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 175 – 198

 – أنظر : سفيان ميربيت ؛ خلق مكان غريب في بيروت (بالإنكليزية) / منشور في كتاب : سمير خلف وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص[11]

199 – 242

 أنظر : جراد ماككورمك ؛ تحولات بيروت : هويات المثليين والحقائق الحية (بالإنكليزية) / منشور في كتاب : سمير خلف وجون كاكنون ؛ [12]

المصدر السابق ، ص ص 243 – 260

 – أنظر : سعد خير الله  ؛ الضحية المقدسة والمرآة القاتلة : جسد الأنثى بقلم أمجد نصار وعبدو وزين (بالإنكليزية) / منشور في كتاب : سمير[13]

خلف وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 261 – 277

 – أنظر : البروفسور ماهر جرار ؛ الجنسانية ، الفنطازية والعنف في الرواية اللبنانية ما بعد الحرب (بالإنكليزية) / منشور في كتاب : سمير خلف [14]

وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 278 – 298  

 – أنظر : حاشية وإعتراف بالجميل (بالإنكليزية) / منشور في كتاب : سمير خلف وجون كاكنون ؛ المصدر السابق ، ص ص 299 – 304 [15]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص 301 [16]

 – أنظر : المصدر السابق [17]

 – أنظر : محمد عبد الرحمن يونس ؛ الجنس والسلطة في ألف ليلة وليلة ، مؤسسة الإنتشار العربي ، 1998 (238 صفحة) .[18]

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,