الفلسفة / حُب الحكمة الفيلسوف / مُحب الحكمة
والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة
مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Jaber Ibn Hayyan: Epistemology and Philosophy of Methodology
Dr. MOHAMAD FARHAN
الأبستمولوجيا وفلسفة المنهج عند جابر بن حيان
الدكتور محمد جلوب الفرحان
رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تقديم :
تحتل النصوص الأبستمولوجية التي كتبها جابر بن حيان (المتوفى نحو عام 160 هجرية) مكانة متقدمة في تاريخ عملية التدوين للفكر الأبستمولوجي في دار الثقافة الإسلامية . ونحسبُ إن إعادة قراءة هذه النصوص في ضوء ما توفره دوائر الأبستمولوجيات المعاصرة من منهجيات (مثدولوجيات) متداخلة ، تُمكننا من إنتاج نصوص أبستمولوجية إسلامية معاصرة ، تُفيدنا في إنشاء ديوان الأبستمولوجيات العلمية أو علم المعرفة الإسلامي* .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* نشر هذا البحث في مجلة المنطلق اللبنانية / العدد 118 / ربيع – صيف 1997 ، ص ص 95 – 124 .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
في الحقيقة إن قراءة نصوص جابر الأبستمولوجية ، هي قراءة لحكاية العلم في حقبة من تاريخ الأبستمولوجيات عامة ، والإسلامية خاصة . وإنها في الوقت ذاته تضعنا وجه لوجه أمام صور الحوار الثقافي المتقدم ، والتي كان الحاصل منها هذه التكوينات الأبستمولوجية التي ولدتها ذهنية عالم مسلم ، وبالتحديد في مرحلة تاريخية متقدمة من تاريخ فلسفة العلم وعلم العلم . وعلى أساس هذه الجهود الأبستمولوجية ، وخصوصاً في طرفها الكيمياوي ، منح الغربيون جابر بن حيان لقب ” أب الكيمياء ” * .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* لقد منح الغربيون جابر بن حيان (721 – 815م) لقب أب الكيمياء ومشاركة مع روبرت بويل (1627 – 1691م) (أنظر : مورين بروس ؛ المعرفة التحليلية (المختبرية) : الخيمياء ، الكيمياء والثورة العلمية (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2005) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونشعر إن في هذه القراءة فعل إسترجاع لإنموذج حيوي متفرد من الأبستمولوجيات الإسلامية ، سيسهم بدوره في إعادة التوازن في مكونات شخصيتنا الثقافية ، بعد إن هيمنت أجناس من الثقافات غاب بينها النص الأبستمولوجي ، والذي يفتح أبواب التبادل بين العلم ومعطياته والتأمل الفلسفي الإسلامي ، والذي نعتقد إن في حضوره قوة لثقافتنا الإسلامية .
ولهذا نتساءل : هل في الإمكان إسترجاع هذه التكوينات الإبستمولوجية ، التي ولدتها دائرة تفكير جابر ، أسوار فلسفية ومنهجيات وتربويات ، تُسهم في تعزيز مكانة الأبستمولوجيات في الدار الثقافية الإسلامية ؟ إن البحث يقترح إمكانية الإسترجاع ، وذلك من خلال فتح أبواب الحوار مع المنتوج الأبستمولوجي المعاصر .
المغامرة الأبستمولوجية في صياغة المنهج (الميثدولوجيا)
في الواقع إن جابراً كتب نصوصاً أبستمولوجية عدة ، تناول فيها المنهج وطبيعته . وحقيقة إن هذه النصوص تكشف أبعاد المغامرة الأبستمولوجية التي أنجزها عقل جابر ، والمستفيدة من توجهات أستاذه الإمام الصادق في علم الكيمياء . وإن هذه المغامرة مكنته من تحديد طبيعة المنهج وعلى أساس الموضوع الذي يدرسه ، وحدود الوظيفة التي يقوم بها المنهج وفي كل حقل من حقول المعرفة ، وبين إن تلون المنهج وتنوعه يعود إلى الموضوع الذي يتناوله المنهج بالدراسة .
ولعل من المفيد أن نبدأ بحثنا بإفادة معاصرة تُضئ لنا درب البحث . وهذه الإفادة أشارت إلى : إن ” البحث في منهج العلم ، وفرضياته ومفاهيمه ، موضوعه وحدوده ، والوسائل التي يستخدمها ، هو من إختصاص فلسفة العلم ” . وإذا كانت هذه هي حدود
المنهج ومضمار نشاطه ، فالسؤال : ما هي الإفادات التي عرضتها نصوص جابر بن حيان والتي تكشف عن طبيعة المنهج وفعالياته ؟
عرضت نصوص جابر مجموعة إفادات تشكل بمجملها فهماً يُحددُ طبيعة المنهج وفعالياته . إن ما يميز هذه الإفادات هو التداخل بين ما هو معرفي (أبستمولوجي) وما هو منهجي (ميثودولوجي) في بنيتها . ونحسب إنه من المفيد أن نبدأ هذا البحث بإقتراح مفهوم لكلمة ميثودلوجي ، وذلك لأن هذا المفهوم سيُعيننا في وضع مقاربة بينه وبين ما تقدم به جابر من إفادات خاصة بالمنهج .
إن الميثودلوجيا في الأصل كلمة يونانية تم تبنيها في جميع اللغات ، ومنها اللغة الإنكليزية . وهي تتألف من مقطعين ؛ الأول ميثود وتعني الطريقة أو المنهج . والثاني لوجيا وتعني العلم . وبذلك فإن الميثودلوجيا تعني علم الطريقة أو علم المنهج . والكلمة اليونانية ميثود تعني ” الطريق إلى ” أو ” المنهج المؤدي إلى ” ، ثم إستقرت بعد ذلك لتشكل إصطلاحاً يُطلق على علم المناهج (أي مناهج العلوم) . ويُعرف المنهج العلمي بأنه جملة من الإجراءات العقلية والعملية التي يقوم بها العالم من بداية بحثه حتى آخر خطواته . وذلك بهدف الكشف عن الحقيقة والبرهنة عليها أو التحقق منها (2) .
ولهذا يمكن القول إن التداخل الذي أشرنا إليه في نصوص جابر بين ما هو أبستمولوجي ، وما هو ميثدولوجي له دلالته المهمة ، خصوصاً إذا ما وضعنا في الإعتبار بأن الدراسات المعاصرة قد تناولت هذين الإصطلاحين بالتحديد وأشارت إلى التداخل بينهما . فقد بينت أن الأول أوسع من الثاني ، بل ويحتويه في دائرة بحثه . فالأبستمولوجيا تتناول بالدرس العلوم وفروضها ونتائجها ، وذلك لتحديد قيمتها وحصيلتها الموضوعية . بينما تقتصر الميثدولوجيا على دراسة المناهج العلمية دراسة وصفية وتحليلية* وذلك لبيان مراحل الكشف العلمي (3) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الحقيقة إن فهم الجابري للأبستمولوجيا والميثدولوجيا فيه تبسيط شديد لتاريخ التحولات الحادثة في مضماري الأبستمولوجيا والمثيدولوجيا من طرف . ويتعارض مع المنهج الفلسفي الفمنستي الذي تحول إلى معارض للأبستمولوجيات والميثدولوجيات التي صاغها الفلاسفة والعلماء الرجال . وبالمقابل صاغ الفلاسفة الفمنستيون أبستمولوجيات وميثدولوجيات فمنستية خاصة ناقشت موضوعية العلوم … للأطلاع عل المجهود الفلسفي الفمنستي في مضمار الأبستمولوجيا أنظر :
Elizabath Anderson, “Feminist Epistemology and Philosophy of Science “The Stanford Encyclopaedia of Philosophy, summer 2004 Edition
Miranda Fricker, Epistemic Injustice: Power and Ethics of Knowing, OxfordUniversity Press, 2009, pp. 1 – 20
وأنظر البحث الرائد في اللغة العربية الذي كتبه الدكتور محمد جلوب الفرحان ، وبعنوان : الأبستمولوجيا الفمنستية : دور الجندر في المعرفة / ستظهر خلاصة عنه على موقع الفيلسوف .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإذا كانت هذه هي حدود المنهج في دائرة الفهم الأبستمولوجي والمنهجي (الميثدولوجي) الطرائقي ؛ فما هو مفهوم جابر بن حيان له ؟ إن المتأمل في إفادات جابر المتعلقة بالتشجير الأبستمولوجي للعلوم ، يتيقن بما لا يقبل الشك إلى إن الرجل أدرك بأن لكل علم من العلوم منهجه الخاص به . ونحسب على هذا الأساس إن مراجعة ذلك التشجير الأبستمولوجي للعلوم ، يحملنا على ذكر جملة حقائق تخص المناهج الآتية :
أولاً – مناهج علوم الدين :
فعلاً لقد حدد جابر المناهج التي تستخدمها علوم الدين . وجاء ذلك في إشارة مهمة بين فيها إن المنهج يتشكل على أساس طبيعة الموضوع الذي يتناوله . وهنا إقترب جابر كثيراً من دائرة الأبستمولوجيا وفلسفة العلوم عامة وعلم المناهج خاصة . فكلاهما أفاد بأن موضوع البحث هو الذي يحدد شكل وآليات المنهج الذي يمتلك القدرة على دراسته وتحقيق الهدف . وهنا لاحظ الباحث إن بداية بسيطة قد تحققت على يد جابر . بداية تندرج ضمن حدود ما يُعرف بأبستمولوجيا المنهج (وفي هذا الإصطلاح وكذلك إصطلاح منهج الأبستمولوجيا نقد وخروج على الحدود البسيطة التي رسمها محمد الجابري بين الأبستمولوجيا والميثدولوجيا) . والآن نشعر إن الضرورة تقتضي منا الإنتقال إلى الإفادات التي أدلى بها جابر في هذا المضمار .
تُفيد نصوص جابر إلى إن علوم الدين تستخدم نوعين من المناهج ، وذلك بالإستناد إلى التشجير الثنائي الذي إقترحته النصوص لهذه العلوم ، فهي على نوعين : علوم شرعية وعلوم عقلية . وبسبب هذه الطبيعة المزدوجة تداولت هذه العلوم نوعين من المناهج ؛ مناهج نقلية تعتمد إسلوب التلقين للحقيقة المطلقة ، المنقولة عن السماء من خلال الوحي . وهو منهج مطبوع باليقين والصدق المطلق ، ومن هذا الطرف فإن الحقيقة التي يعرفها المنهج النقلي لا تقبل الجدل والنقاش ، وهي حقيقة مسلم بها . ومناهج عقلية جاورت المناهج النقلية ، وعملت بجنبها وهي تستند إلى العقل مصدراً وطريقاً للمعرفة البشرية .
ولعل ما يمكن الإحتفال به في هذه القضية ، هو دعوة نصوص جابر إلى التعايش بين مناهج النقل ومناهج العقل ، إضافة إلى إنها ذكرت مناهج مساندة لهما ، وهي مناهج اللغة والمنطق ، والتي أجرت تطبيقاتها في علمي المعاني والتأويل (4) .
ثانياً – مناهج علوم الدنيا :
والسؤال المرفوع هنا : ما هي حدود مناهج علوم الدنيا ؟ وما هو المجال الذي تعمل فيه مثل هذه المناهج ؟ تحدثت نصوص جابر عن نوع أخر من المناهج ، والتي تُشكل في علم الميثدولوجيا ، الإجراءات العملية من فعاليات المنهج . ومن هذا الطرف فإن مناهج علوم الدنيا هي مناهج تطبيقية عملية ، وبإصطلاحات جابر هي ” علم الصنعة ” و ” علم الصنائع ” (5) .
ثالثاً – مناهج ” العلم الفلسفي ” :
ضمت إفادات جابر في موضوع العلم الفلسفي ، أنواعاً مختلفة من المناهج تحت خيمة ” مناهج العلم الفلسفي ” ، وهي تشمل بإصطلاحلت جابر مناهج ” العلوم الطبيعية ” و ” العلوم الحسابية ” و ” العلوم الهندسية ” . وإن التأمل في مناهج هذه العلوم من زاوية ” أبستمولوجيا المنهج ” يحملنا على القول إلى إن هذه العلوم تعتمد على طريقين :
الأول – طريق الحس :
إن العلوم التي تعتمد هذا الطريق هي العلوم الطبيعية ، وإن المنطق هنا هو المنطق الإستقرائي . وإن اللغة المتداولة تتألف من أبجديات من المفاهيم تتعامل مع الوقائع أو هي أطر عقلية لوصف هذه الوقائع . غير إن هذا الحال المنهجي لا يعني إن هذه العلوم لم تستخدم مناهج من أنواع مختلفة ، إنها في حقيقة الأمر وفي عصر جابر لاذت لتوسيع ساحة بحثها نحو أساليب نظرية مكنتها من إنجاز هذه المهمة .
الثاني – طريق العقل :
إن العلوم التي إختارت هذا المسار المنهجي ، هي العلوم الرياضية . وإن منطق العلوم الرياضية هو الإستدلال . وإن اللغة المستخدمة هنا هي عبارة عن مجموعة مفاهيم على شكل رموز عالية التجريد وليست لها علاقة بعالم الوقائع .
وفعلاً فقد أفصحت إفادات جابر عن كل الفعاليات الميثدولوجية (المنهجية) ، وبينت إن العلوم الفلسفية تستند إلى منهج مزدوج ” حسي – عقلي ” . وهي بهذا السند ربطت نشاط المنهج برأسين : رأس يعمل في الوجود (العالم الخارجي) وهذا يُشكل ما نصطلح عليه بإنطولوجيا المنهج . وإن هذه الإنطولوجيا تتشكل أولاً عن طريق الحواس . ورأس يرتبط بالعقل ونشاط الذهن (6) . إنه طريق يؤسس منظوماته المعرفية (الأبستمولوجية) بالمشاركة مع الحس وهذا ما نسميه بأبستمولوجيا المنهج .
الأسس الفلسفية للمنهج :
صحيحُ إن أبستمولوجيات جابر هي رهينة للفيزياء المتداولة في عصره . وهي فيزياء أرسطو والمتولد منها من صور شارحة وتفاصيل يبدو فيها تعديلات مضافة . وبايولوجيات وكيميائيات وفلكيات مختلطة بأمشاج إسكندرانية تصعد في إصولها إلى جالينوس وأرخميدس وبطلميوس (خصوصاً كتابه المجسطي الذي حمل التعديل الفلكي للكون الذي قدمه أرسطو) . وهندسة إقليدس وما حملته من هوامش إسكندرانية ، والتي مثلت موديلاً نظرياً عالياً في إشتراطات عصر أبستمولوجيات جابر المستبطنة لفكرانيات هرمسية وافدة إلى المركب الأبستمولوجي الذي صاغه جابر بن حيان (وبالمناسبة إن دوائر الأهتمام الأوربي اللاتيني ما بعد القرن الثاني عشر أخذت تطلق على تراث جابر بن حيان العلمي وخصوصاً الكيميائي إصطلاح بالتراث الجابري وأبو الكيمياء الحديثة مشاركة مع روبرت بويل للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الوافد الأبستمولوجي الكيميائي / موقع الفيلسوف / 2 نوفمبر 2012) .
وصحيح ُ كذلك إن النصوص التي كتبها جابر هي ليست في معظمها إنتاج نشاط تجريبي إختباري ، ولا هي في معظمها نصوص متولدة من عقل هو نتاج تجربة أبستمولوجية نظرية ، وإنما هي إنتاج متولد من قراءات واسعة لنصوص في أبستمولوجيات ملونة ، والتي وفدت عبر مصادر ورسائل كانت متداولة في الدار الثقافية الإسلامية عصر جابر بن حيان . وإن هذه الأبستمولوجيات الثقافية (نقصد نصوص في الأبستمولوجيا متوفرة للقراءة والإطلاع ، وبذلك هي مجرد نصوص ثقافية في الأبستمولوجيا) فيها حضور لثقافات أبستمولوجية تنتمي إلى مضمار العقل والتجارب النظرية (مع نضح لتجارب إختبارية قام بها جابر بنفسه فعلاً في مضمار تحويل المعادن والأكسيرات وفعاليات كيميائية متنوعة ..) .
ونحسب إنه من المفيد أن نضيف إلى إن المنهج عند جابر قد تكونت هياكله الأولى عن طريق فعل إمتصاص وقراءة معمقة لثقافة كيمياوية وافدة وما تولد من تجاربه الإختبارية ، مما كان لها الأثر في كتابتة نص أبستمولوجي متميز في إشتراطات عصره في المنهجيات ، والذي أثار الكثير من الإندهاش لدى القارئ والمتخصص من هذا الحضور المبكر القوي للثقافة الكيمياوية في نصوص جابر بن حيان .
ورغم هذا الواقع الأبستمولوجي المتفرد الذي أنتجه يراعُ جابر . إلا إننا وجدنا إن حركة اللاوعي عنده قد طفحت على سطح النص الأبستمولوجي ، مما كان الحاصل من ذلك إنتاج نمط من الأبستمولوجيات التي تدافع عن فكر ميثالوجي (فيه تقاطع كما يبدو حتى العظم مع طبيعة الأبستمولوجيات العلمية ، ولكننا عرفنا في الأبستمولوجيات المعاصرة ما يشبه ذلك في نصوص معاصرة أصحابها يتعبدون لقوى مافوقطبيعية ..) إذن لا غرابة في موقف جابر بن حيان على الإطلاق . نقول فكر ميثالوجي ، يحمل من رموز الإسطورة وفعل السحر وقوة الساحر والطلسم (هذا جاء من الأثر الهرمسي الذي حملته النصوص الإسكندارانية)… وفعلاً ففي نصوص جابر إمكانية التعبير واردة ، في صورة مفاهيم ومقولات عن تجربة السباحة في مضمار الخيال والتي تكون مقيدة بصور من الإشتراطات حيناً والمتحررة حيناً أخر من الإشتراطات في آن واحد . إن ذلك جاء في طرف منه في صياغة فرضيات المنهج عند جابر أو ما إصطلحنا عليه بالأسس الفلسفية للمنهج .
حقيقة إن إفادات جابر الأبستمولوجية تُشكل في هذا المضار ، إطاراً يمكن تسميته بفلسفة المنهج . ونحاول هنا مصاحبة جابر في نصوصه بهدف التعرف عن قرب على الإفادات التي أدلى بها عن حقيقة الفلسفة التي نهض عليها المنهج . ولعل أول أمر يلاحظه القارئ لنصوص جابر ، إنها حملت الكثير من الإشارت التي تكفي للقول على إنها أكدت على حضور الفلسفة عند إختيار المنهج . ونحسب بين السطور التي خطها جابر شعاراً منهجياً يُفيد بلغتنا المعاصرة : ” إن منهجاً بلا فلسفة ، هو منهج يتخبط ولا يعرف طريقه ” . ولذلك أصبح من اللازم قبل أية خطوة يخطوها الباحث هو صياغة الأسس الفلسفية التي يقوم عليها المنهج .
إن الأسس الفلسفية للمنهج ، هي أجوبة على مجوعة من الأسئلة التي شخصت أمام الباحث جابر بن حيان . وهذه الأسئلة مثل : هل الكون مخلوق ؟ ما طبيعة الخالق ؟ ما طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق ؟ وهل الكون سيبقى موجوداً في المستقبل كما هو موجود في الحاضر ؟ وما طبيعة التفسير الكيفي للأشياء والظواهر الطبيعية ؟ وما هومركز الكون ؟ * والحقيقية إن هذه الأسئلة بمجملها هي أسئلة إنطولوجية . وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* وبالمناسبة إن مثل هذه الأسئلة أو ما يشبهها قد واجهها الأبستمولوجيون المحدثون من تجريبيين حسيين مثل فرنسيس بيكون هوبز ولوك وجورج باركلي وهيوم وجون ستيوارت مل … والعقليون مثل ديكارت ومالبرانش وإسبينوزا ولايبنز .. والنقديون مثل كانط والأبستمولوجيون المعاصرون والقائمة طويلة . للتفاصيل في هذه القضية أنظر المصادر التي تم إختيارها للأشارة إلى تاريخ وتنوع وجهات النظر إلى الأبستمولوجيا الحديثة والمعاصرة في الغرب ، وبالمقابل إلى ضيق المفهوم العربي الأكاديمي للأبستمولوجيا المتداول مع الأسف :
Bertrand Russell, History of Westren Pilosophy, Routledge Classics 2012
Robert Audi, Epistemology: A Contemporary Introduction of Knowledge, Cambridge Uneiversity Press 1998
William Alston, Perceiving God: The Epistemology of Religous Experience, CornellUniversity Press 1991
John Greco, “Virtues and Vices of Vittue Eipstemology”, Candain Journal of Philosophy, 1993, 23: 413 – 433
Nicholes Wolterstorff, Epistemology of Religion, 1999, pp. 303 – 324
Fredrick Schmitt(ed), Socializing Epistemology, Lanham 1994
وأنظر كذلك مصادرنا السابقة عن الأبستمولوجيا الفمنستية عند حديثنا عن الحدود الضيقة لأصطلاحي الأبستمولوجيا والميثدولوجيا عند المرحوم محمد عابد الجابري طيب الله ثراه .
وفي مضمار أبستمولوجيا الفمنست السود ، أنظر الكتاب الممتاز :
Patricia Collins, Black Feminist Thought : Knowledge, Consciousness and Politics of Empowerment, Routledge, New York 2000
وبالمناسبة أنظر محاولتنا الرائدة في مضمار الأبستمولوجيا التاريخية والمعنونة : القدر والإنسان : بحث أبستمولوجي في تواريخ اليعقوبي وإبن الأثير ، دار الطليعة ، بيروت 1986 ، وأنظر محاولتنا الجريئة في إنشاء أبستمولوجيا قرآنية ، والتي ظهرت في كتابنا المعنون : الخطاب التربوي الإسلامي ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 ، الفصل الأول ، ص 25 – 27 . وقبل كل ذلك أنظر محاولتنا الجنينية في تأسيس مضمار أبستمولوجيا النقد الأدبي ، والتي ظهرت في مقالتنا المبكرة وتحت عنوان : أثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية / مجلة الجامعة – تصدرها جامعة الموصل (على الأكثر ظهرت عام 1977) ، ص ص 103 – 107 من القطع الكبير / منشورة الآن على موقع المرحوم الدكتور عمر الطالب .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإجابة عليها أسست ما إصطلحنا عليه بإنطولوجيا المنهج . وهذا يعني إن هذا المحور ، هو بحث في إنطولوجيا المنهج عند جابر بن حيان .
جاءت الإجابة على تلك الأسئلة على صورة فرضيات . والواقع إن هذه الفرضيات تحدد ماهية فعل التأمل الذي مارسه جابر وهو يتناول مكونات منهج العلوم ، ومن ثم دقق الخطوات التي ينجزها ، وحسب النتائج التي توصل إليها . وبالتأكيد فإن تأملاته كانت محكومة بظروف العصر الذي عاش وتلقى تعليمه فيه ، وإكتسب منه مكوناته الثقافية ، وتعرف من خلاله على العلوم والمناهج الرائجة والمهيمنة على مساراته .
وفعلاً فإن تأملات جابر تضع بأيدينا أكثر من دليل على إرتباطها بظروف عصره . فقد عاش ” خلال الشطر الأكبر من القرن الثامن الميلادي ” (7) . وللدقة كما بينا في هامش أعلاه إنه عاش مابين 721 – 815م . فإنه حياته شغلت (79 عاماً) من القرن الثامن وعقد ونصف (15 عاماً) من بدايات القرن التاسع الميلاديين . وعاش في جزء مهم من ديار الإسلام (كوفة وبغداد – العراق) . وإنه بحكم إنتمائه العائلي فقد تشرب مبادئ الإسلام ، مما كان لكل ذلك من الأثر على تكوين ذهنيته الفلسفية – العلمية (الأبستمولوجية) ، والتي كانت تستظل بمدركات إسلامية تنزع إلى التأمل في الكون والخلق صعوداً إلى معرفة الخالق .
ونحسب من النافع الإشارة إلى إن ثقافة جابر قد تمثلت جميع علوم عصره ، وعلى الأخص النتاج الثقافي العلمي اليوناني بطرفيه الهيليني والهيلينستي . وكان لهذا التمثل دلالته في تأملاته ، حيث قدمت نفسها إنموذجاً دالاً على حالة النمو والتواصل المعرفيين الإنسانيين .
كانت حصيلة كل ذلك إنشاء نص فلسفي أبستمولوجي مطبوع بسمتي الأصالة والمعاصرة بمقاييس عصر جابر . ونقف هنا ونتساءل : ما حدود إنطولوجيا المنهج عند جابر ؟ تمثلت هذه الإنطولوجيا في الفرضيات الآتية :
أولاً – فرضية الإيمان ” بوجود خالق للكون ، والأعتراف في الوقت ذاته بإن هذا الكون مخلوق ” .
إقتصرت إنطولوجيا المنهج عند جابر (بحدود هذه الفرضية) على مجموعة تأملات فلسفية هي في حقيقتها إجابة على التساؤلات الآتية : هل الكون مخلوق ؟ ما طبيعة الخالق ؟ ما العلاقة بين الخالق والمخلوق ؟ ولاحظ الباحث إن فعل التأمل عند جابر ، قد وضع الكون موضوعاً للبحث والتفكير . وذهب إلى إن الكون بأشيائه وظواهره ، وما فيه من نواميس ، هو من خلق الله . إنه قرار إنطولوجي بأن هذا الكون مخلوق ، وهو مخلوق بتركيبته الفيزيائية التي تتكون من أشياء وظواهر ، وعلاقات بين الظواهر ، وعلاقات بين الأشياء ، وعلاقات بين الأشياء والظواهر ، وعلاقات بينها وبين البشر . وإن علاقة البشر بالكون تتحدد بنوع من الإستثمار ، والذي يكون بإسلوب من النظر إلى الكون والظواهر والأشياء . وبطريقة المحاولة على فهم ما يجري من أحداث ومن خلال ما توافر من آدوات وأساليب ولغة .
وإستناداً إلى ذلك تشكل منهج البحث عند جابر ، وبالطبع هو سند فلسفي (إيماني) يعترف بأن النواميس والقوى والظواهر الطبيعية والأشياء تعود في أصلها إلى فعل من أفعال الخالق . ويبدو في الظاهر إن هذه الفرضية تقع خارج مضمار المنهج ، إلا إنها في الواقع تندرج ضمن موضوعات فلسفة المنهج . وهي تذكرنا بمواقف فلاسفة العلم والمناهج غرباً وشرقاً . وبالتحديد نستطيع إستذكار عدد من أسماء الفلاسفة والعلماء الذين أسهموا في صياغة نماذج من فلسفة العلم والمنهج . وإن شلة منهم من إعترف بأن هذا الكون وما تحكمه من قوانين دليل على إنه إبداع وخلق من لدن مبدع أو تنظيم مهندس (8) . وفي هذه القضية بالذات يكون حال جابر شبيه بالتأكيد بحالهم .
وبذلك تكون تأملات جابر في الكون قد شكلت أساساً فلسفياً لمنهج البحث . وجاء التعبير عن هذه الأسس في بداية كتابه المعنون ” إخراج ما في القوة إلى الفعل ” (وبالطبع العنوان فلسفي وفيه إستبطان لأفكار أرسطو الفيزيائية) . إستهل جابر كلامه بوصف الخالق وعلمه ، وإعلان إسلامه بالشهادة لله ورسوله . فقال : ” الحمد لله الذي ليس كمثله شئ وهو على كل شئ قدير ، الأول بلا مثال ، والآخر بلا زوال . وتعالى وتقدست أسماؤه ، وهو بكل شئ محيط ، واللطيف الغامض في بطون الأجزاء وظاهرها ، وما في أوسطها ، العلي إلى ما لا نهاية ، والأسفل إلى ما لا نهاية له ، القدير على إدراك جميع الأشياء لطيفها وكثيفها ” (9) .
إن المتأمل في هذه الفرضية يخرج بإستنتاج وحيد ، وهو إن في بنية هذه الفرض يتشابك الوجودي بالمعرفي (الإنطولوجي بالأبستمولوجي) في حضور الذات الآلهية هذا طرف . والطرف الثاني هو إن جابراً ظل يتحرك على أرضية فلسفية – دينية مشتركة عند صياغة الأساس الفلسفي للمنهج . ولذلك وجدناه يُدخل في وصف الوجود تفاصيل تدلل على وجود الخالق ، وحكمته في خلق الوجود . يقول جابر ” إن قطب تلك البروج وفلك الكواكب قطب واحد ، ومقدارها مقدار واحد . وهذه تسير خلاف هذه : أليس ذلك من صنعة حكيم ؟ ” (10) . ولعل من الملفت للنظر إن هذا الإستنتاج الأنطولوجي الذي أقامه جابر ، هو الإستنتاج الإنطولوجي ذاته الذي توصل إليه أنشتاين بعد أكثر من أحد عشر قرناً وهو يتأمل في إنطولوجيا الكون ويصيغ نظرياته الفيزيائية في النسبية العامة والخاصة ونظرية الحقل الموحد * .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* إنظر للتفاصيل :
Bertrand Russell. The ABC of Relativity, Allen & Unwin, London 1969
وفي البدأ نشر أنشتاين النظرية النسبية الخاصة ، وبالتحديد عام 1905 ، وبعد أحد عشر عاماً نشر النظرية النسبية العامة (1916) ومن ثم جمع بينهما في نظرية الحقل الموحد . وللإطلاع على رأي أنشتاين في مفهوم الله والإيمان أنظر الكتاب الممتاز :
Victor Stenger. Has Science Found Good? Prometheus Books, 2003
وهنا أشارك القارئ بما ورد في الفصل الثالث عن إيمان أنشتاين وعقيدته الدينية ” فقد رد أنشتاين على سؤال الحاخام هربرت كولدستاين عندما سأله الحاخام بالنص : هل تؤمن بالله ؟ فقال أنشتاين بالحرف الواحد : ” أنا مؤمن بإله الفيلسوف إسبينوزا ، الذي يكشف عن نفسه في الإنسجام بين الموجودات ” (عقيدة وحدة الوجود) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثانياً – فرضية الإيمان ” إن هذا الكون سيبقى موجوداً في المستقبل ، كما هو موجود في الحاضر ” .
لاحظ الباحث إن منهج البحث عند جابر قد نهض على أساس هذه الفرضية الإنطولوجية ، ولذلك أصبحت مهمة المنهج مقيدة بمعرفة قوانين هذا الكون في الحاضر ، ومن ثم التكهن بأن هذه القوانين ستظل فاعلة في المستقبل . والحقيقة إن هذه الفرضية تكشف عن خصوصية جدل التحول والإستمرار عند (جابر – أرسطو) جدل التحول والإستمرار من الحاضر إلى المستقبل ، جدل التحول والإستمرار من القوة إلى الفعل .
إن هذه الفرضية تعترف بأزواج من الجدليات في فهم حقيقة الكون ؛ جدل القوة والفعل ، جدل الزمان والوجود (المكان) ، وجدل الزمان والزمان (الحاضر والمستقبل) . وللوقوف على فهم جابر لهذه الجدليات نذكر النص الآتي : ” فالشئ الذي هو بالقوة هو الذي يمكن أن يكون وجوده في الزمان الآتي المستقبل ” (11) . والحقيقة إن إفادات جابر لا تقتصر على وصف الجدليات الفاعلة في فهم طبيعة الكون ، وإنما تقدمت بتوصيف لمنطق الممكنات الذي يخترقها ، وهذا المنطق له أهميته في تاريخ المنهج وفلسفته . وعن هذا المنطق قال جابر : ” كقيام القاعد وقعود القائم ، والشئ بالفعل الموجود في الزمان الحاضر وسائر الأفعال الكائنة كقعود القاعد وقيام القائم ” (12) .
ثالثاً – فرضية الإيمان ” إن حقيقة الأشياء تعتمد على كيفياتها ” .
أسس جابر منهجه في البحث على التفسير الكيفي للظواهر الطبيعية . وهذا التفسير أو المنهج الكيفي يقوم على الكشف عن خواص الأشياء . وفي الحقيقة إن هذه المسألة بينت الوضع الذي كان عليه العلم في عصر جابر ، والذي كان مشروطاً بمرجعية أرسطو الفيزيائية (الطبيعية) * . ويُلاحظ إن جابراً وقع فعلاً تحت هيمنة سلطة
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* هناك عدد هائل من المقالات والكتب الأكاديمية الممتازة التي كتبت عن سلطة أرسطو في الفيزياء . وهنا أحيل القارئ والأكاديمي العربيين إلى :
أولاً – إلى الكتاب المجموع الذي أشرفت على جمع مقالاته :
Lindsay Judson (ed), Aristotle’s Physics: A Collection of Essays, Claredon Press, Oxford 1991
ثانياً – الكتاب الممتاز الذي تناول العلم الفيزيائي (الطبيعي) عند أرسطو :
Andrea Flacon, Aristotle and the Science of Nature: Unity without Uniformity, CambridgeUniversity Press 2005
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المرجعية الأرسطية ، حيث إن محاولاته للخروج عليها كانت جداً محدودة . وهذا هو قدر العلماء ، فهم محكومون بظروف عصرهم ، وليس في إمكانهم تجاوز كل ذلك ، لأن فعل التجاوز وإقامة القطيعة الأبستمولوجية ومن ثم تدشين درب ومنهج أبستمولوجيين ، مرهون بإختراع تكنولوجيات بحثية تُلغي حدود العصر الذي عاشوا فيه . وإن حدث مثل هذا فإنه لا يحدث بالتأكيد إلا في مراحل الإنعطاف . وهذا الأمر ينطبق على عصر جابر (ولا تنسى إن الغرب يتحدث عن جابر أباً للكيمياء الحديثة ..) ، ولذلك كان في تأملاته الفلسفية وبصيرته المنهجية لا يسمحان له على شطب كل تلك الإشتراطات ومن ثم تخطي بوابة العصر ودخول عتبات عصر جديد . ومن المعروف إن عصر جابر تعامل مع نوع من التكنولوجيات التقليدية التي ليس فيها إمكانية قلب تفسير حقيقة الأشياء من الكيفي (النوعي) إلى الكمي (الرياضي) وإن ظهرت تباشير جابرية لوحت بإستخدام محدود للكمي . وفعلاً لم تتوافر لجابر مثل هذه التكنولوجيات ، ولو توافرت لأعانته في معرفة الأوزان الذرية للعناصر الفيزيائية . ولكن مثل هذه الفرصة الأبستمولوجية لم تتحقق للإنسانية إلا بعد أشواط حضارية * .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* إن مثل هذا الإنعطاف والتحول لم يحدث إلا بعد أكثر من عشرة قرون ، وبالتحديد أصبح حلم جابر بن حيان ناجزاً على يد الكيميائي الإنكليزي جون دالتون (1766 – 1844م) بعد قيامه ببث روح جديد في النظرية الذرية (وهي نظرية الفيلسوف الذري اليوناني ديمقريطس) التي كونت مايسمى بالنظام الجديد للفلسفة الكيمائية (عام 1808) . للإطلاع على التفاصيل أنظر :
Frank Greenaway. John Dalton and the Atom, CornellUniversity Press, New York 1966
Elizabeth Patterson. John Dalton and the Atomic Theory, Garden City, New York 1970
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد كان جابر إبن عصره ، بل وكان مرتبط به أشد إرتباط ، ولذلك جاءت فلسفته المتخفية وراء منهجه وأبستمولوجياته ، معبرة عن كل ذلك . فلجأت إلى الوصف الكيفي للأشياء والظواهر ، مما يُعد فضيلة أبستمولوجية وميثدولوجية محسوبة لصالحه . فهي فضيلة من حيث إنها كشفت عن تعامل الرجل بموضوعية مع الأشياء والظواهر . فقد قدم وصفاً غير متأثر إلى حد ما بميول ذاتية وطموح علمي فيه نوع من البايز (الإنحياز) . ولهذا كان التفسير الذي قدمه مطبوع بحيادية علمية وفق إشتراطات عصره .
ونحسبُ من النافع الإشارة إلى إن تفكير جابر في الوقت ذاته ، جنح نحو شاطئ من شواطئ التفكير العلمي الطامح ، وتحول من دائرة التفكير الموضوعي الحيادي إلى محيط التدخل والتأمل المنحاز . فمن المعروف إن الوصف يعتمد على مفاهيم وتصورات وإعتقادات . وهذا هو مجال التفلسف في موضوعات العلم . والحق إن تأملات جابر في هذا المضمار كانت نشطة إلى أبعد الحدود . وبذلك جاءت فرضيته الفلسفية التي ينهض عليها المنهج تستند إلى الكيفيات في التفسير . وعن ذلك أفاد جابر قائلاً : ” إن الطبيعة كائنة من تضاعيف الكيفيات بالحركة والسكون ” (13) .
كما حملت فرضية المنهج إشارة في غاية الأهمية ، إشارة تجاوزت عصر جابر ، وإخترقت في الوقت ذاته جدران الزمان والمكان ، فهي تُلقي ضوءً جديداً في فهم فعالية التفسير العلمي للظواهر الفيزيائية (الطبيعية) . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن ذهنية جابر كانت تتحسس أهمية التفسير الكمي ، وذلك لكونه تفسيراً دقيقاً للظواهر . وإستناداً إلى ذلك جعل جابر التفسير الكمي يعمل بجوار التفسير الكيفي وفي آن واحد . وعن ذلك ذكر : ” وإبتداء تضاعيفها (أي الطبيعة) إمتزاج الكمية معها ، فالطبيعة إذاً أربعة أشياء إبتداء حركة وسكون بكيفية وكمية . هذا هو جوهر الطبيعة ” (14) . إنها حقاً إضاءة منهجية تدلل على قدرة العقل المسلم على فتح أبواب جديدة للتأمل الفلسفي (الأبستمولوجي) في مناهج العلوم والبحث ، خارج حدود العمل الإنساني المرهون بظروف العصر وإشتراطات تكنولوجياته .
رابعاً – فرضية الإيمان ” إن الأرض مركز الكون ” .
لاحظ الباحث إن جابراً في هذه الفرضية أعاد كتابة فرضية بطليموس (عاش في القرن الثاني الميلادي) الفلكية القائلة : ” إن الأرض مركز الكون ” . وإنه (أي جابر) قد إتخذ منها سنداً فلسفياً لمنهجه في البحث . والحقيقة إن هذه الفرضية كانت في عصر جابر تمثل الفرضية الفلكية المتداولة . وهي بطبيعتها تتجاوز عصر بطليموس ، وتصعد إلى فلسفة أرسطو الطبيعية (15) .
ونحسب إنه من العدل والإنصاف أن نقول كلمة بحق التصور الفلكي الإسلامي عامة وتصور جابر خاصة ، وهو إن المسلمين قد سجلوا تحفظات وأشروا ملاحظات جديدة على نظام بطليموس . وهذه التحفظات والملاحظات شكلت بداية نقدية ، وأسهمت من جانبها مع جهود نقدية لاحقة من تكوين مضمار أبستمولوجي ساعد في بناء نظام فلكي جديد للكون (16) .
لقد كونت هذه الفرضية ركناً مهماً من أركان البناء الفلسفي للمنهج عند جابر . وهي في حقيقة الأمر فرضية تعترف بأن الأرض هي مركز الكون . وإن الكواكب الأخرى تجري وتدور حول هذا المركز . وعلى هذا الأساس الفلكي أقام جابر منهجه في البحث . ونقف هنا ونستمع إلى ما يقوله جابر في هذا الصدد : ” تعلم إن الكواكب أعمل في عالمنا من البروج لقربها منه ، ولبعد فلك البروج وتوسط فلك الكواكب بين هذا العالم وبين فلك البروج ” (17) .
وإذا كانت هذه هي الأسس الفلسفية للمنهج في البحث عند جابر ؛ فماهي إذن آليات المنهج وتنوعات إيقاعه ؟ هذه القضية يبحث فيها المحور اللاحق .
آليات المنهج وتنوعات إيقاعاته
إن الجانب الأخر من أبستمولوجيات المنهج عند جابر ، هو البحث في آليات المنهج ، ومن ثم رصد تنوعات إيقاعات هذا المنهج ، والتي نقصد بها أنواع المنطق التي إستخدمها جابر في مضمار العلوم ، وبالتحديد في مضمار منطقيات البحث والمعرفة العلمية .
ولاحظ الباحث إن المنهج عند جابر إستخدم نوعاًً من المنطق ، والتي نزلت إصوله إلى دائرة الثقافة الإسلامية عامة ، وثقافة عصر جابر بن حيان خلال ترجمة كتب أرسطو المنطقية وشروح الإفلاطونية المحدثة عليها ، والتي كان من ضمنها كتاب إيساغوجي لفرفريوس الصوري الذي يتقدم الصفوف ، وترجمات لمنطق الرواقية والأبيقورية القضوي الممزوج بحجج الشكاك والمعجون بنزعة حسية راجحة ، والتي تلقفها في البداية علماء الكلام الإسلاميين عامة والأشاعرة خاصة ، والذين إتكأوا عليه في مهاجمة منطق الفلاسفة المرجح لمنطق أرسطو (18) . حقيقة إن هذه الثقافة المنطقية المتنوعة المصادر كانت رائجة في عصر جابر بن حيان والشاهد على ذلك حضورها في نصوصه صدى وروحاً . وهذا ما سنبحثه في الصفحات اللاحقة .
فعلاً لقد إستخدم المنهج عند جابر نوعين من المنطق ؛ إستقرائي يحفر وينقب عن الماكث المتخفي في الظاهرة الطبيعية التي تبحث فيها العلوم ، ويقدم المنهج من خلال إلإستعانة بفعل الإستقراء وصفاً ومن ثم يرتقي خطوة خطوة ليقدم تفسيراً للظاهرة الطبيعية . وإستدلالي يعتمد لغة العلوم موضوعاً ويستخدم طريقة التحليل والتركيب نهجاً وإسلوباً . وإعادة عرض النتائج في موديل منطقي مستفيد من هندسة إقليدس ، سواء في رمزيتها أو إشتقاقيتها (19) .ولهذا سننظر إلى أبستمولوجيا المنهج عند جابر من خلال اللحظتين الأبستمولوجيتين الآتيتين :
الأولى – الوصف والتفسير :
يبدأ المنهج بحثه بموضوع محدد ، وقد يكون هذا الموضوع شيئاً ، أو قد يكون ظاهرة طبيعية . وإن الخطوة الأولى من عمل صاحب المنهج ، هو القيام بتقديم وصف للشئ أو للظاهرة . وتشارك في عمل الوصف الحواس وذلك من خلال ما تلتقطه من صور عن الأشياء والظواهر ، والعقل وذلك من خلال تكوين مفاهيم أو أُطر عقلية تقابل المدركات الحسية (وهي الوصف العقلي لها) . والحقيقة إن الوصف يُشكل المستوى الأبستمولوجي الأول من آليات المنهج وتنوع إيقاعاته الأبستمولوجية .
أما المستوى الأبستمولوجي الثاني في آليات المنهج عند جابر ، فهو التفسير والذي يشير في مثابرته الأبستمولوجية إلى تدخل الذات العارفة في صياغة الفهم الأبستمولوجي للعالم . وهنا نلحظ إن الفلسفة عادت للظهور بقوتها من جديد في آليات المنهج . فعلاً لقد أعان المنهج جابر على معرفة حقيقة الكون ، وذلك من خلال ما توافرت له من وسائل وطرق بحث . وهي على مستوى التفكير تضم أساليب التنظير واللغة وقواعد البناء (المنطق) . في حين كانت على مستوى التجريب والإختبار تشمل أدوات بسيطة ساعدته بحدود ما على إختبار الحقيقة الماكثة في ظواهر الكون . ومن ثم تلت ذلك خطوة أُخرى تمثلت في أساليب تتجاوب وهذا التطلع التجريبي ، فكان الأستقراء . جاء بعد ذلك الإستدلال إسلوباً مسانداً للتجريب والملاحظة في تراث جابر بن حيان .
ويُلاحظ إن جابراً في نصوصه المتوافرة قد دعا إلى دراسة الظاهرة الطبيعية ضمن شروط البحث العلمي . ومن هذا الطرف تمتع الوصف بنوع من الحيادية . أما التفسير فقد كان على عكس الوصف ولهذا الحال إبتعد نوعاً ما عن الحيادية . وبين إن الإنسان قد يتدخل في عملية تفسير الظاهرة وذلك من خلال التفكير ، ولهذا التدخل كان التفسير بمنظار جابر منحازاً متأثراً بجملة عوامل فعلت فعلها في دائرة تفكير العالم – الفيلسوف .
ويبدو إن جابراً في عملية الوصف للظاهرة الطبيعية لم يقف عند حدود الإعتماد على لغة التداول اليومي ، وإنما إنصرف إلى وضع صيغة الوصف في إطار لغة رمزية . وإن جابراً بهذا السلوك تطلع إلى تدوين الوصف بلغة رمزية ، وذلك عن طريق تكميم التفسير المقدم للظاهرة برموز . والحقيقة إن هذا العمل الذي أنجزه جابر ، كان له أهمية في تاريخ العلم والمنهج على حد سواء . وفعلاً إن الرجل إنتقل في وصف الظاهرة من صيغ اللغة المتداولة إلى دائرة اللغة الرمزية* .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* وبالمناسبة إن اللغة الرمزية هي مجموعة من سلاسل أو مصفوفات تتألف من رموز . إن علم قواعد أو نحو اللغة الرمزية شبيه بقواعد نحو اللغة العادية ، ويطلق عليها إصطلاح قواعد الصيغ الصورية أو الرمزية . وبعض الأحيان تُسمى بقواعد السنتاكس . للإطلاع أنظر :
A – Michael Harrison, Introduction to Formal Language Theory, Wasly 1978
B – A. G. Hamilton, Logic For Mathematics, CambridgeUniversity Press 1978
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والواقع إن البحث هنا يندرج ضمن ما أصطلحنا على تسميته بأبستمولوجيا اللغة . وهذا النوع من البحث يدرس بنية النظام اللغوي ومقدار إرتباط مكوناته بالواقع وبعالم التجريد . ومن ثم يميز في مستويات النظام اللغوي بين لغة الحياة (لغة الواقع) واللغة
الفوقية والتي تشمل المنطق واللغات الرمزية . وبذلك يصبح لدينا الجواب متوافراً على التساؤل المُثار دائماً : لماذا يصاحب كل تطور علمي ، تطوراً في أبنية المنطق والعلوم الرمزية (العلوم الرياضية) ووسائلها ؟ والواقع إن هذا التطور في اللغات ، هو تلبية لحاجة الإكتشافات العلمية الجديدة (وإن الأجهزة اللغوية المتداولة أصبحت عاجزة عن التعبير عن الأكتشاف الجديد) وبالمقابل إن التجديدات في الأنظمة اللغوية نجحت في التعبير عن جوهر الإكتشافات العلمية الجديدة .
إن طرفاً مهماً من هذا التطور العلمي تجسد في نزعة جابر الرمزية في الوصف والتفسير للظاهرة الطبيعية ، والتي تمثلت في حضور الإنموذج المنطقي بكل مواصفاته في دائرة فهمه . وذلك إدراكاً منه إلى إن حضور الرمزية ، هو توفير الدقة والوضوح لصيغ الوصف والتفسير ، وفي الوقت ذاته تُبعد هذه الصيغ من الوقوع في التناقض الذي تعجُ به لغة التداول اليومي (وهي بذور جنينية نحو بناء لغة علمية خاصة) . كما إن هذه الرمزية تتيح عملية الإستنتاج بيُسر ، حيث تبدأ بترتيب تراكيب التفسير والوصف بإسلوب منطقي ، يوفر تتابع التراكيب (القضايا العلمية) بحيث تُشكل بناءً علمياً يتصف بنوع من الصرامة المنطقية . وفي الحقيقة هذا هو هدف العلم والمنهج وأمنية العالم وفيلسوف العلم وفلسفة المنهج .
ونحسبُ من المفيد هنا الإشارة إلى إن تداول الرموز واللغة الرمزية في الفترة التي ظهر فيها جابر من تاريخ تطور العلم ، كانت محدودة جداً حتى في العلوم الرمزية (الصورية) وهي العلوم التي تتعامل بلغة الرموز . ولعل الشاهد على ذلك تعامل علم المنطق والرياضيات بلغة الرموز في تلك الفترة . فقد كان فعلاً تعاملهما محدوداً . وإن
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للإطلاع على أهم الدراسات في مضمار المنطق الرمزي والبناء الرمزي للعلوم ، أنظر:
A – Rudolf Carnap, Introducation to Symbolic Logic and Its Applications, Dover Books 1958
B – Alfred Tarski, Introduction to Logic and Methodology of Deductive Sciences, Dover Books 1994
C – Michael Hollett & Ulrich Majer, David Hellbert’s Lectures on the Foundition of Mathematics and Physics (1891 – 1933) Springer 2004
D – Pierre Duhem, To Save the Phenomena: An e Essay on the Idea of Physical Theory from Plato to Galileo, University of Chicago Press 1969
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كل ذلك كان له الأثر على عمل جابر ، فأبقاه مقيداً بحدود عصره في تداول لغة الرمز.
وعلى كل نحاول هنا تقديم عرض لصيغة الوصف (وصف الظاهرة الطبيعية) كما هي في لغة التداول ، ومثلما وردت في نصوص جابر . ومن ثم نحاول وضعها في الصورة الأخرى التي تقدم بها لوصف الظاهرة الطبيعية ذاتها مُستخدماً لغة الرموز . يقول جابر ، وهو يستخدم لغة التداول : ” إن للنار أن تصير هواء بالقوة ، وللهواء أن يصير ماء بالقوة ، وللماء أن يصير أرضاً بالقوة ، فللنار أن تصير أرضاً بالقوة ” (20) .
أما الصورة الرمزية لهده الصيغة التي تقدم بها جابر ، فهي في حقيقتها تكشف عن إسلوب بحث علمي يرقى بحدود إستخدام لغة الرموز إلى أكثر النماذج (الموديلات) العلمية دقة وصرامة ، وهو الأنموذج المنطقي . ومن المهم الإشارة هنا إلى إن الأنموذج المنطقي من الزاوية التاريخية والأبستمولوجية ، الذي يُعد من الموديلات المنطقية – الهندسية التي توحدت العلوم في داخلها (21) . ولهذا كانت العلوم التي عرضت أبنيتها مستعينة بالمنطق وقواعده ، تتطلع إلى بلوغ الدرجات العالية من الوضوح والدقة وإستبعاد التناقض عنها ، وتوفير الفرصة للباحث للإستنتاج والإشتقاق ، ومن ثم توسيع دائرة المعرفة العلمية . وفي هذا المجال تقدمت دائرة فهم جابر بوصف للظاهرة الطبيعية السابقة ، مستخدمة هذه المرة اللغة الرمزية ، ومستفيدة من الإنموذج المنطقي في عرض مثال من العلم الطبيعي :
يقول جابر : ” أ إن كانت في بعض ب
و ب في بعض ج
و ج في بعض د
ف د في بعض أ ضرورة
و أ في بعض د هذا ما لاشك فيه ” (22) .
ويُلاحظ إن جابراً قد ميز بين الظاهرة البسيطة والظاهرة المركبة ، وطالب بإستيعاب هذا التمييز ، وأن يكون متوافراً للباحث في صيغتين لغوتين ، يعرضان تفسيرين علمين ؛ واحد للظاهرة البسيطة ، والأخر للظاهرة المركبة . يقول جابر : ” إن الأشياء إنقسمت قسمين ، وهي إما بسيطة وإما مركبة ، فما كان منها في الكون فهو مركب مطلق أو مركب ثان أو مركب مركب . فأما ما كان في البسيط الأول . فممتنع أن يخرج كل ما فيه بالقوة إلى الفعل لا لذاته ولا لأجزائه . أما لذاته فلأن البسيط غير متناه ، وما لم يكن متناهياً فهو غير فان ” (23) .
إن جهاز المفاهيم الذي إستخدمه جابر كان له الأثر في تحديد هوية الأبستمولوجيا ومنهجها . وفعلاً فإن الباحث لاحظ سلطة أرسطو واضحة الحضور فيه ، كما إن هيمنتها على نصوصه بينة . وإن هذه الشبكة من المفاهيم الأرسطية أثرت على تشكيل مفهوم الأبستمولوجيا عنده . ومن هذا الطرف كان لها الدور في تعويق حركة المنهج كذلك . وحكمت عليه أن يقف عند حدود الفهم الأرسطي . وإذا كان ذلك عيباً نسجله على جابر ، فإنه بحدود عصره وظروفه يسجل تقدماً كبيراً ، خاصة وإنه ينزع إلى تأسيس قاعدة فلسفية لمنهج العلوم في دار تنظر إلى ثقافة الغريب الوافد بعين الشك والريبة .
لقد ضم جهاز المفاهيم (الأرسطي – الجابري) مقولات مثل : القوة والفعل ، الزمان والمكان . ثم أضاف إليها في النص السابق مقولات جديدة ، وكان هدفه توسيع هذا الجهاز ، ومن ثم زيادة مساحة إستخدامه . والمقولات الجديدة ، هي التناهي واللاتناهي. والحقيقة إن فكرتي التناهي واللاتناهي ، هما من المقولات الجديرة بالإهتمام في موضوعة التفسير كإجراء منهجي ، وهما في الوقت نفسه من المفاهيم التي تقاسمت الأهتمام بهما الفلسفة والرياضيات . ولعل أبحاث برتراند رسل شاهد على ذلك (24) . إلا إن التناهي واللاتناهي عند جابر قد جرى بحثهما حصراً في دائرة البحث الميتافيزيقي – الإنطولوجي (الفيزيقي) ؛ أي تناهي العالم أو لاتناهي العالم ، أو بمعاني أُخرى تم بحثهما في إطار : العالم محدود أم غير محدود . وجاءت مناقشة جابر لهما من زاوية المدرك الديني ، فهو يذهب إلى إن تناهي العالم تحمل دلالة على ” إنه فان ” وإن لاتناهي الخالق برهان على ” إنه ليس بفان ” (25) .
وظهر لنا إن الإطار العام الذي تمت فيه مناقشة هذه القضية ، هو إطار منهجي – أبستمولوجي ، مما يحملنا على القول إن جابر يشارك فلاسفة العلم في معالجة هذه القضية . واليوم نحن نعلم إن عدداً من فلاسفة العلم يناقشون هذه المسألة في الإطار المرجعي ذاته الذي ناقش فيه جابر المسألة السابقة ، وإن عدداً محسوباً منهم قد أقروا بتناهي العالم ومحدوديته ، وبوجود ” مبدع منظم ” لهذا العالم (26) (وبالطبع هناك عدد منهم يعترف بتناهي العالم ولكن بلا محدوديته وبعض منهم ينكر وجود مهندس أو صانع أو منظم …) .
الثانية – التحليل والتركيب :
قدم المنطق مرة أخرى للعلوم إنموذجاً ، وفيه تحريض للعلوم للإفادة منه في توحيدها . وفي هذا المضمار نحسب إن دائرة تفكير جابر كانت واعية لمثابرة المنطق في توحيد العلوم . وهذا الإنموذج الذي قدمه المنطق ، ومن خلال إفادات جابر كانت اللغة هي الخيار . ومن المعروف إن آليات المنهج ، هما الوصف والتفسير ، واللذان من طرفهما يحفزان العالم على البحث عن لغة للعلم تتناسب وتطلعاته . وإن الدقة التي توفرها مكونات اللغة هدف من الأهداف التي ينشد العالم بلوغها . أما الإجراء المنهجي الجديد ” التحليل والتركيب ” ، فإنه إجراء ينظر إلى اللغة على أساس إنها الخطوة الأكثر أهمية في الإجراء العلمي . فالتحليل هو تحليل للغة العلم . والتركيب هو إعادة بناء العمارات العلمية والأبستمولوجية وفق شروط وقواعد البناء المنطقي *.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* طريقة التحليل مغايرة لطريقة التركيب وتسير بطريق معاكس لها . للتفصيل في ماهيتهما أنظر :
A – Rey Georges. “The Analytic L Synthetic Distinction,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Ed. By Edward Zalta 2003
B – Leonard Linsky. Analytic / Synthetic and Semantic Theory, Springer 1970
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لقد إستخدم جابر هاتين الطريقتين في إجراءاته المنهجية . ولا نقول جديداً إذا قلنا إن هاتين الطريقتين تُعدان اليوم من الإجراءات المنهجية المهمة في الميثدولوجيا والأبستمولوجيا خاصة وفلسفة العلوم عامة . إن هدفنا هنا معرفة فهم جابر لهذه الإجراءات المنهجية . وفعلاً إن الباحث في نصوص جابر يلحظ إن تفكيره كان تفكيراً علمياً منظماً ، نازعاً إلى الإعتماد على عدة أساليب . ولعل واحد من هذه الأساليب ، هو طريقة التركيب ، وهي نهج يسلكه الباحث في سعيه لفهم طبيعة الظاهرة موضوع البحث . والتركيب طريق لبناء هياكل نظرية للعلوم ، سواء كانت صورية (رمزية منطق ورياضيات وفيزياء نظرية …) أم تجريبية . وهو في الوقت ذاته سبيل لبناء النظريات الأبستمولوجية بوجه عام . إلا إن عمله ليس حُراً بل إنه عمل مشروط ومقيد بمجموعة قواعد بنائية ، منها ما يُفيد في إختبار جهاز المفاهيم (أبجديات تتألف من مفاهيم أولية) وهذه الشروط هي : الدقة والوضوح ، والخلو من الغموض واللبس . وإن المفهوم الثانوي يخضع لقاعدة بنائية أُخرى ، وهي أن تكون صيغة المفهوم خالية من التناقض ومتناغماً مع المفهوم الأولي أو مجموعة المفاهيم الأولية . وأن تكون لغة الصيغة واضحة ودقيقة وموجزة * .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* للتفاصيل في القواعد البنائية من الزاوية المنطقية ، أنظر :
A – R. Carnap,The Logical Structure of the World, Trans. By Rolf George, University of California Press 1967
B – Pierre Wagner (ed), Carnap’s Logical Syntax of Language, Macmillan 2009
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من هنا نفهم : لماذا يتطلع فلاسفة العلم والباحثون في المناهج ، ومنذ أمد بعيد ، إلى ضرورة أن تكون الدقة والوضوح من سمات هياكل الأبستمولوجيا التي ينشدون بنائها ؟ تحقق هذا لهم بإستخدام اللغة الرمزية ، فكانت الرياضيات هي اللغة الرمزية للعلوم . ومعلوم عند الجميع ما تتميز به الرياضيات من دقة ووضوح ، ورمزية تتيح الإستنتاجية للعالم ، وذلك من أجل أن يكون البناء الأبستمولوجي للعلم بعيداً عن أي منزلق يؤدي إلى التناقض ، ويجعل العملية الإستنتاجية التي يقوم بها العالم غير سليمة.
إن إشارة جابر لطريقة التركيب وما تحتاج إليه جاء في قوله : ” إن لنا نكتاً في كتب التعليم (الرياضيات) وغيرها … أو على ذكر التعليم والتركيب ، ولابد لنا من ذكر الأوائل (الأوائل من المفاهيم أو من القضايا أي البديهيات) التي يحتاج إليها ” (27) .
وتتقدم على طريقة التركيب طريقة أُخرى ، تمهد لها سبيل البحث ، وهي طريقة التحليل ، والتي عن طريقها نتمكن من الوصول إلى الأبجديات من المفاهيم أو الأوليات ، ونتعرف على شروط إختيارها ، وكيفية توافر الدقة والوضوح فيها ، وإستبعاد الغموض واللبس عنها ، ووضع نماذج (موديلات) نظرية للعلوم ملتزمة بقواعد البناء . إن إشارة جابر لطريقة التحليل وما تتطلبه من لوازم جاءت في قوله : ” هو علم يخرج بالحدس ، وستراه في موضعه كله يخرج في الوزن بعد التحقيق الطويل البعيد … وقد فرضنا أولاً أ مرتبة وب مرتبة وج مرتبة ود مرتبة . وإن أ ليست ولا واحد من حدود ب ولا ج ولا د ” (28) .
لم تكتف نصوص جابر بوصف الروح التحليلية – التركيبية للمنهج العلمي . بل قدمت شواهد وأمثلة على هذه الروح المستقاة من الصيغ التي تصف الظواهر الطبيعية ، ميدان المنهج العلمي وساحة عمله . يقول جابر : ” ونحتاج أن نضرب لذلك مثلاً وإلا كان مجهولاً .. مثال المركب الأول الطبيعة ، ومثال المركب الثاني تركيبها الأول ؛ فالحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، والنار والهواء والأرض والماء ” (29) . في الحقيقة إن هذا الشاهد يُبين لنا الروح التحليلية – التركيبية التي تمتع بها منهج جابر . فالطبيعة مفهوم مركب ، وهو في حقيقته يتألف من مكونات كثيرة . إنه مفهوم يتسع لضم كل مكونات العالم الخارجي . ولهذا كانت تركيبته عالية التعقيد . أما المكونات التي تُشكل أجزاء الطبيعة ، فهي بسائط تؤلف بمجملها هذا المركب الذي نسميه الطبيعة . وهنا تتحدد القيمة المنهجية – الأبستمولوجية لمثال جابر .
كذلك أدت اللغة دوراً فاعلاً في التعبير عن الروح التحليلية – التركيبية في البحث في نصوص جابر . وهذه المرة جاءت الشواهد معروضة في كتابه المعنون ” الحدود ” . فقد عرض في هذا الكتاب مواصفات نظرية عامة للغة العلمية * ، ومهد لإنجاز ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* للإطلاع على الدراسات الفلسفية المعاصرة في مضمار بناء اللغات العلمية ، أنظر :
A – Howard Sankey. The Language of Science: Meaning Variance and Theory Comparison, Language Sciences 22 (2): 117 – 136 (2000)
B – Gary Gutting. Conceptual Structures and Scientific Change, Studies in History and Philosophy of Science Part A 4(3): 209 – 230
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بوضع طريقة التحليل المنطقي للغة . وهي طريقة تنهض على التمييز بين لغة التخاطب اليومي المليئة بمفاهيم غامضة وقضايا (جمل) تُثير التناقض وبين اللغة الفنية الدقيقة للعلم على مستوى المفاهيم والخالية من التناقض على مستوى القضايا (30) . ويبدو إن جابراً كان واعياً إلى إن لغة التخاطب بالرغم مما تتصف به من مواصفات سابقة ، فهي السبب في الخلاف بين الناس ، وذلك بما تحدثه من تشويش فكري وإرباك علمي (أبستمولوجي) .
ولذلك نفهم الدوافع التي حملت جابر إلى التطلع نحو تأسيس لغة فنية للعلم . وحقيقة إن المنهج ساعده على إنجاز مسعاه ومن خلال طريقتي التحليل والتركيب . ونقف هنا ونتساءل : ما هي جهود جابر النازعة إلى بناء منهج علمي يستخدم لغة فنية دقيقة وواضحة من حيث المفاهيم (التي تُشكل أوليات البناء) ، وذات تراكيب قضوية (قضايا) خالية من أي تناقض ؟ ونحن لا نريد أن نستغرق في هذه المسألة في هذه المسألة لأن غرضنا هو لفت الأنظار ، والدعوة إلى مراجعة كتاب الحدود الذي كتبه جابر بن حيان (31) .
إن كتاب الحدود مهمُ من طرفين ؛ الأول إنه حمل روحاً تحليلية – تركيبية . والثاني إنه نص يتعلق بنظرية التعريف التي تحتل مكانة بالغة في كل من المنطق والأبستمولوجيا ، وخصوصاً في البناء النظري للمعرفة * . وعن نظرية الحدود أو
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* فيما يخص نظرية التعريف في المنطق أنظر :
Horty J., Frege on Definitions: A Case Study of Semantic Content, OxfordUniversity Press, New York 2007
Robinson J., Definition, Clarendon Press, Oxford 1950
أما فيما يتعلق بدور التعريف في الأبستمولوجيا (البناء النظري للعلوم ) أُنظر :
John Locke, An Essay Concerning Human Understanding, Ed. By P. H. Nidditch, OxfordUniversity Press 1975
وهو أحد الأناجيل الأبستمولوجية الحديثة الكلاسيكية (أو نظرية المعرفة وهو الإصطلاح الذي نتحفظ عليه) . ونقصد الأناجيل الثلاثة للأبستمولوجيا الحديثة ؛ الأنجيل الأبستمولوجي التجريبي (لوك المذكور أعلاه) ، والأنجيل الأبستمولوجي العقلي الديكارتي والإنجيل الأبستمولوجي النقدي الكانطي . وهذا موضوع يحتاج إلى أبحاث خاصة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التعريف يقول جابر : إن الحد هو ” الإحاطة بجوهر المحدود على الحقيقة حتى لا يخرجُ منه ما هو فيه ولا يدخلً فيه ما ليس منه ، ولذلك صار لا يحتملُ زيادة ولا نقصان ” (32) . ومن ثم عرض علينا بعض التعريفات الملتزمة بشروط التعريف ، وذلك من حيث شروط اللغة وقواعد البناء (أي شروط التحليل والتركيب) (33) .
وإعتماداً على ما توفره طريقتي التحليل والتركيب ، ميز جابر بين عقلية العالم والإنسان الإعتيادي . وفعلاً فقد بين إن عقلية العالم تكون مقيدة عندما تعمل في ميدان الطبيعة ، ولذلك نفهم لماذا إستخدم جابر الرموز في التعبير عن الظاهرة الطبيعية . إذ إن الرموز مكنته من وضع موديلاً (صورة بناء إنموذجي) للظاهرة الطبيعية . ولعل مايميز هذا الموديل إنه بناء يتألف من مجموعة رموز لا علاقة لها بالأخطاء التي تُصاحب العملية الأبستمولوجية .
إن كل ذلك يمكن فهمه عند جابر في إفادة تقدم بها ، وهي في حقيقة الأمر تتحدث عن مكونات الموديل المنطقي (الرمزي) للظاهرة الطبيعية . وإن المكونات كانت بمجملها مجوعة رموز . ولنقف نستمع لإفادة جابر الرمزية : ” إن الأشكال الأول هي أ ب ج د ، وهي المرتبة الأولة … ثم المنزلة الثانية وهي هـ و ز ح … ثم المنزلة الثالثة وهي ط ي ك ل … ثم بعد ذلك م ق س ع ، ثم بعد ذلك ف ص ق ر ، ثم بعد ذلك ذ ص ظ غ ” (34) .
المثابرة الجابرية في الأبستمولوجيات العلمية ونهج الإصلاح والتوحيد
إن أول شكل من التطبيقات التي أجراها جابر على المنهج وفلسفته ، هو المثابرة التي أنجزها في التصنيف ، والذي تقدم به لعلوم عصره ونهجه في إصلاح وتوحيد العلوم . كان تصنيفه في حقيقته لوحة للعلوم ، تتوحد فيها وتتشابك بحيث تُشكل شجرة تتفرع منها أغصان جميع علوم عصره . وإن قارئ نصوصه يمسك بيده على أدلة عدة تُفصح عن مشروع نقدي وإصلاحي لهذه العلوم .
لقد بدأ الخطوة الأولى في التصنيف بتدقيق وفحص المصادر الأبستمولوجية (المعرفية) التي يعتمد عليها الباحث ، وهو يسعى إلى تشكيل أبنية العلوم . والحقيقة إن هذه المصادر لعبت الدور الفاعل في وضع تصنيف للعلوم ، فهي التي حددت درجة إرتباط العلوم بأرض الواقع وميدان الطبيعة ، فكانت على هذا الأساس علوم الواقع والطبيعة (والعلوم التطبيقية) . وإن هذه المصادر هي التي حددت درجة التجريد التي تتطلع إليها علوم أخرى . ولذلك كانت علوم التجريد والصورة (العلوم النظرية) . إن العلوم الأولى توسلت بأساليب الحس والملاحظة والتجريب . بينما إعتمدت العلوم الثانية على أساليب التفكير والتأمل والترميز والمنطق .
ويُلاحظ على نصوص جابر ، إنها عرضت نوعاً من التدرجية المعرفية ، تدرجية تحملنا على تأكيد منهجية تفكيره . فكانت خطوته الأولى تثبيت الأساس المنهجي لتصنيف العلوم ولذلك كانت إفادته الأولى تتحدث عن الحواس الطريق الأول للمعرفة . وجاءت تلك الإفادة في خطابه الفلكي الذي يتكلم عن طبيعة الكواكب . وعن هذه القضية أفاد قائلاً : ” وطباع الكواكب عند الحس إنما يكون من الثواني التي هي : الحارة اليابسة ، والحارة الرطبة ، والباردة اليابسة والباردة الرطبة ” (35) .
بينت هذه الإفادة إن الحس الطريق المعرفي الأول لبناء المعرفة البشرية . وإنه المصدر الأول لتصنيف العلوم ، وهو السبيل الذي ينقل عالم الواقع بألوانه وصوره المتعدة وكيفياته المختلفة . ولذلك كانت علوم الحس مطبوعة بهذا التنوع والإختلاف . كما إن الحس ليس هو المصدر الوحيد عند جابر . بل هناك طريق ثان ؛ إنه الكلام المنقول (الرواية) ، وهي بالتأكيد رواية العلم (الإخبار العلمي) . وهو طريق من طرق المعرفة البشرية ، ومصدر من مصادر تصنيف العلوم . وإن قبول الرواية يعتمد على مدى ما تحمله من صدق . وإن صدقها يتقرر من خلال الإعتماد على ما يكشفه من حقائق أو أباطيل . ولهذا بين جابر بكلمات دقيقة ؛ ” وهذا – وحق سيدي – كلام جوهري نقي ما فيه شوب ولا رمز . ولقد صورت لك به طبائع الكواكب في مصوغاتها على حقها ” (36) .
ويظهر على المناقشة التي أجراها جابر حول طرق المعرفة ، إن تفكيره المعرفي (الأبستمولوجي) قد ميز بين المعرفة الساذجة والمعرفة العلمية (بحدود عصره) . وهو تمييز له أهميته في تاريخ الأبستمولوجيا وفلسفة العلوم . ولهذا بين جابر ما تتميز به المعرفة العلمية عن المعرفة الساذجة ، فذكر إن الأولى تمثل آراء العلماء الباحثين وتفسيراتهم . أما الثانية فهي تشمل كلام الناس العاديين . وجاءت إفادات جابر عن هذه المسألة ، أثناء حديثه عن قضية فلكية لا زال الناس علميون وغير علميين يتداولونها ، ولدقة هذه القضية نشير إلى النقد والإصلاح الذي تقدم به جابر لها . ونقصد بها قضية الشروق والغروب ، أو الشرق والغرب . يقول جابر : ” يسير من المغرب إلى المشرق على كرة الأرض بحركة ظاهرة للحس ، فكأن هذا القول شكل في العيان عند جل الناس ولا خبرة لديهم … وذلك إنا لو سألنا مائة ألف من الناس : من أين تطلع الشمس ؟ يقال : من المشرق وتغرب من المغرب . وذلك إذا سُمي المشرق مشرقاً والمغرب مغرباً . وإنما هو بالإضافة إلى الشمس ، وإلا فالواجب على ما حكينا عن أن يكون المغرب مشرقاً والمشرق مغرباً ليكون الصواب ” (37) . هذا تصحيح معرفي جدير بالتقدير ، تصحيح لمفاهيم نشأت وإستقرت على مباحث العلوم والتفكير العلمي ، إنها إلتفاتة جابرية مهمة في تاريخ الأبستمولوجيا وتصحيح المفاهيم وتعديل الأفكار .
جاء بعد الحواس في بناء المعرفة ، العقل طريقاً ومصدراً للمعرفة البشرية ، طريقاً يمكن الإعتماد عليه في العملية الأبستمولوجية لتصنيف العلوم . والعقل يلعب دوراً مهماً في تحويل الصور الحسية إلى صور عقلية تتألف من مفاهيم نظرية هي في واقع الحال أُطر نظرية للمعرفة . وقوانين (وقضايا) هي أكثر تعقيداً في بناء المعرفة من المفاهيم التي تتميز بكونها أبنية معرفية أولية أو أبجديات معرفية بسيطة . وعن هذه المسألة أفاد جابر موضحاً : ” إن إصول النقل من الأمور الحسية إلى الأمور العقلية التي هي في غاية العناد لها والبعد منها في جميع الأمور كلها يجب أن تكون أولاً أولاً ، كما يجب ذلك في تعاليم جميع العلوم ” (38) .
تقدم جابر بعد هذا التأسيس لمصادر المعرفة ، بتوصيف لخارطة أبستمولوجية تتوزع فيها العلوم بحيث تتحددُ مكانة لكل منها ، وتتعينُ علاقة بعضها بالبعض الآخر ، فتكون شجرة للمعرفة تتشابك فيها أغصان العلوم وفروعها . ولكن لاحظ الباحث على تفكير جابر إنه تصدى لدارسة علوم مصادرها غير مصادر المعرفة البشرية ، ونعني بها علوم الدين . والحقيقة إن الرجل درسها بجوار علوم مصادر المعرفة البشرية .
صنف جابر علوم عصره في ضربين ، ثم إستدرك وأضاف ضرباً ثالثاً . وعلى أساس هذا التصنيف الأبستمولوجي الثلاثي ، يمكن الحديث عن شجرة العلوم عند جابر ، والتي تتشابك فيها أغصان علوم ثلاثة :
1ـــــــــــــــــــــــــــــــــ2ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 3
علم الدين علم الدنيا العلم الفلسفي(39)
تحمل هذه الشجرة للعلوم والأدق للمعارف دلالات في غاية الأهمية ، فهي تحمل من الشواهد على توحيد العلوم ، أو على الأصح توحيد العلوم ، وترفض في الوقت ذاته الحواجز التي تقام بين المعرفة والعلوم . إنه درس نحن بأمس الحاجة إليه ، فهو ينظر إلى العلوم بمختلف حقولها على إنها في مرتبة واحدة . إنه رأي جابري نعتز به في لجة الصراع غير المشروع المحتدم في دوائر العلوم .
هذه هي شجرة العلوم ، أما أغصانها فهي ثلاثة ، ولنبدأ بغصن علوم الدين وفروعه
، ثم غصن علوم الدنيا وفروعه . وأخيراً غصن العلم الفلسفي وفروعه . ولما كان هدفنا تقديم شواهد على توحيد العلوم ، فإننا نكتفي هنا بتقديم رسوم إيضاحية لأغصان هذه العلوم :
1 – غصن علوم الدين :
1ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ2
شرعي عقلي
1ــــــــــــــــــــــــ2 1ــــــــــــــــــــــــــــــــ2
ظاهري باطني علم الحروف علم المعاني
1ــــــــــــــــــ2
إلهي فلسفي
2 – غصن علوم الدنيا :
1 ـــــــــــــــــــــــــــــــــ2
شريف وضيع
ـــــ1ـــــ ــــ1ـــــ
علم الصنعة علم الصنائع
3 – غصن العلم الفلسفي :
1 ــــــــــــــــــــــــ2 ــــــــــــــــــــــــــــــ3 ـــــــــــــــــــــــــــ4
العلوم الطبيعية العلوم النجومية العلوم الحسابية العلوم الهندسية
البعد البيداغوجي للمنهجيات وترتيب العلوم
ما هو البعد البيداغوجي للمنهجيات عند جابر بن حيان ؟ وما هي الوظيفة البيداغوجية لترتيب العلوم الذي تقدم به ؟ حقيقة إن الشكل الثاني من التطبيقات التي أجراها جابر على المنهج وفلسفته ، كان ترتيب العلوم في منهج دراسي ، يُقدم علوم العصر إلى المتعلمين . وهنا أقترح ترتيباً من خلال قراءة نصوص جابر . والملاحظ إن في هذا المنهج تتقدم بعض العلوم مواداً دراسية للمتعلم ، في حين تتأخر علوم أخرى في جدول المواد الدراسية . وهذا التقديم والتأخير تحكمهما شروطاً بيداغوجية (تربوية – تعليمية) . والحق إن قارئ نصوص جابر يقف على أبعاد مشروع نقدي – إصلاحي لهذه العلوم من زاوية ما يمكن أن نصطلح عليه في تاريخ الثقافة العربية ، وهو إصطلاح البيداغوجيا المعرفية (الأبستمولوجية) .
لقد أعلن جابر في رسائله الفلسفية عن برنامج تربوي (تعليمي) للمتعلمين الذين يتطلعون إلى أن يكونوا علماء المستقبل ، برنامج يُعرفهم من خلاله بالمناهج التي تستخدمها علوم سبعة . وهي بتقديره تمثل علوم العصر يومذاك . ولبيان حدود هذه العلوم وطبيعتها نتساءل : ما هي العلوم السباعية التي إقترحها جابر مواداً لبرنامج تعليمي للمتعلمين ؟ إن الإشارة إلى المناهج السباعية جاءت بعنوان فرعي ، فقال : ” القول في السباعية ؛ إن السباعية هي العلوم التي قدمنا الوعد بها ، إنا نشرحها في كتبنا هذه أعني كتب الموازين ” (40) .
إن هذه الإشارة الجابرية مهمة جداً في تاريخ العلوم والبيداغوجيا . فهي تذكرنا بالفنون الحرة السبعة التي هيمنت على برامج التعليم في أوربا ، والتي إرتبطت بإسم كابلا (41) ومن الثابت إن هناك مسافة زمنية بين كابلا وجابر بن حيان ، وهي بالتأكيد مسافة محسوبة لصالح جابر . إذ من المعروف تاريخياً ووفقاً للمصادر الأكاديمية الغربية إن الكثير من المؤلفات العلمية العربية والفلسفية ذات الطبيعية العلمية قد ترجمت إلى العبرية واللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي . ولعبت هذه الترجمات دوراً مؤثراً في تكوين دائرة الثقافة الأوربية العبرية واللاتينية ، ونحن مطمئنون من إن كتب جابر بن حيان قد ترجمت يومذاك وعلى هذا الأساس منح الغربيون لقب أب الكيمياء لجابر بن حيان مشاركة مع العالم روبرت بويل (أنظر الهامش الأول / الصفحة الأولى من هذا البحث) .
أما العلوم السبعة التي تشكل البرنامج التعليمي ، فهي حسب نصوص جابر علوماً (بينما كانت فنون كابلا السبعة فنوناً والعلوم شكلت جزءً من كل) . وكانت علوم جابر السبعة هي :
1 – علم الطب وحقيقة ما فيه
2 – علم الطبيعة وإخراج ما بها
3 – علم الخواص وما فيها ، أعني علم الطلسمات
4 – العلم الأكبر العظيم الباطل في زماننا
5 – العلم العظيم .. علم إستخدام الكواكب العلوية
6 – علم الطبيعة كله وهو علم الميزان
7 – علم الصور وهو علم التكوين (42) .
وتوسع جابر في كتابه المعنون كتاب البحث ، نقول توسع في نهجه التربوي في ترتيب العلوم مواداً دراسية ، فتناول الجانب الآخر من هذا النهج . وكان هدفه تناول العلاقة بين العالم والمتعلم ، وذلك بإتجاه خلق مناخ ملائم لنقل العلوم ، وإنجاز المنهجية التي تؤكد عليها . ولذلك تمنى توافر مجموعة مواصفات تربوية في شخصية المتعلم ، وهي في الوقت ذاته شروط المنهج الذي تؤلف العلوم مواده .
إن واحداً من أهم الشروط التربوية التي دعا جابر إلى توافرها في المنهج الدراسي ، هو ضرورة تقديم العلوم بإسلوب مبسط بحيث يتلائم وطبيعة المتعلم . وهنا وجدناه يُسطر مجموعة من الشروط التي تُشكل بمجملها الشرط التربوي العام . وهي : أن يكون متعلم العلوم ” ذا طبيعة لينة ” تتقبل جميع ما يقوله العالم ” من جميع جوانبه ” (43) .
وحذر جابر المتعلم من الإعتراض على مسألة علمية قدم لها الأستاذ عرضاً كافياً (44) . ودعاه إلى الموازنة بين العلم ومكانة الأستاذ ، وذكره في خطاب بمنزلة الأستاذ ، وبين له بأن منزلته ” منزلة العلم نفسه . ومخالفة العلم مخالف للصواب ، ومخالف الصواب حاصل في الخطأ والغلط ” وهذا أمر لا يقبله ” عاقل” (45) .
وطالب جابر بتوافر مجموعة من المواصفات في شخصية المتعلم حتى تتحقق الأبعاد التربوية لمنهج تدريس العلوم . وهذه المواصفات هي : أن يكون مطيعاً لأستاذه في ” العلم والدرس وسماع البرهان عليه وحفظه ” (46) . ودعوته إلى رفض ” التكاسل والتشاغل ” عن العلم والدرس . وأن يكون مستمعاً جيداً لأستاذه و ” كتوماً لسره ” (47) ، متفرغاً للعلم ” دائم الدرس و ” كثير الفكر فيه ” (48) .
كما إقترح جابر مجموعة شروط تربوية على صعيد شخصية الأستاذ وذلك بإتجاه تحقيق الأبعاد البيداغوجية للعلوم وإنجاز وظيفتها التربوية المتمثلة في إكمال متطلبات المنهج الدراسي . فمن الشروط التي طالبها : أن يقوم الأستاذ بإختيار المتعلم ومعرفة ” قريحته ” والوقوف على إمكاناته في ” الإصغاء والقبول إلى أدب إذا سمعه ” (49) .
ولاحظ الباحث على إفادات جابر إنها أعلت من مكانة الأستاذ . وذلك من خلال تداولها إصطلاحاً مهماً ، وهو جدير بالأستاذ ، وهو إصطلاح الأستاذ الرباني . إنها فعلاً مكانة إستحقها معلم العلوم في عصر جابر . ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى مثل هذا النمط من المعلمين ، في زمن تتصارع فيه المادة والمظهر والشهرة والألقاب دون غطاء علمي حقيقي * .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* فهناك من يترقى علمياً لأسباب يعرفها الجميع (فلا تتعجبوا إن ترقى واحداً منهم بتحقيق صفحات معدودات من طوق الحمام لأبن حزم) ، ولا تتعجبوا إن تم عرقلة ترقية باحث جاد طول عمره لأسباب طائفية (وهو العلماني الكافر بكل طائفية منذ إن قرأ إفلاطون وأرسطو وكتاب رسل : لماذا أنا لست مسيحياً) أو لأسباب يعرفها ثجيل والعم شعسان في قسم الفلسفة البغدادي العتيد أيام زمان وصاحبه الرواندي الصغير .. وعميد كلية التربية في الموصل الحدباء ، الذي ترقى بثلاث بحوث فقط ، في إثنين منها ظهر إسمه مع إسماء تدريسيين لاحول لهم ولاقوة وهو العميد والسياسي قاطع الأرزاق والحقوق (فخان العقيدي ولياقات الإداري الرشيد) .. فهذا عيبُ إحتج عليه الفيلسوف أبا سفيان / وندد به بوجوههم ، وبذلك دخل الفيلسوف مدني صالح حضرة تاريخ الفلسفة المجيد ، وذهب شعسان وربعه وعميد كلية التربية زيرشوك إلى مزبلة التاريخ تلعنهم أجيال جديدة من الفلاسفة في اليوم خمس مرات .
وفي الختام ذكرى ورحمة للشهيد الدكتور خضر الدوري الذي كان يقاوم مواقف الشر كلما صدرت من عرضحالجي التاريخ ضد تعضيد بحث لكاتب السطور، وهكذا أفشلت عدالة الدوري طيب الله ثراه كل محاولات العرضحاجي في إيقاف بحث واحد من سيل بحوثه المنشورة في بيروت وجامعة الكويت . ومن ثم كان كاتب السطور الخبير على كتاب دراسات في فلسفة التاريخ ، وكان مؤرخ الزمن التعيس وعرضحالجي التاريخ مشاركاً بكتابة فصل فيه . وكان كاتب السطور موضوعياً ففصل بين شر العرضحالجي ومواقفه ضد كاتب السطور وهذا الكتاب ، فكتب تقريراً تفصيلياً عدل فيه الكثير الكثيرمن فصله وفصل الملاح والحفو وملاحظات طفيفة على فصل الجواهري الذي أشار إلى ريادة كاتب السطور في مضمار فلسفة التاريخ وهمش لمؤلفاته وأبحاثه . ولم يرفض صاحب القلم الكتاب وإنما أوصى بنشره شرط الأخذ بالتعديلات ، ومن ثم نشر الكتاب ، فكان ذكرى وعبرة يتحدث عنها الجواهري والحفو ، في حين ظل الشر يعصر نفوس العرضحالجي والملاح ما دام هناك نهار وليل . فكان الجواهري رجل الصدق الحكيم ، في حين ظل العرضحالجي والملاح منظفي الأتربة الأكاديميين …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن مواصفات الأستاذ الرباني بتشبيهات جابر ، هي أن يكون ” كالراعي والسائس للأشياء التي يتولى صلاحها وإصلاحها ، فمتى عسرت عليه أو عسرت عن التقويم فأما أن يطرحها وإما أن يتعبه تقويمها إلى أن تستقيم ” (50) . وأن يكون من ذوي الخبرة بحيث يتمكن من نقل العلوم إلى المتعلم بمقدار ” ما يلقنه إليه ” (51) . وأن يكون ” سمحاً بما عنده من العلم . وليس على كل أحد ولكن على مثل هذا التلميذ الذي رتبناه تلك المرتبة ” (52) .
وإشترط جابر أن تكون العلاقة بين العالم والمتعلم علاقة مودة وتعاطف ، وذلك لأن ” سبيل الأستاذ والتلميذ أن يكونا متعاطفين بعضهما على بعض تعاطف قبول ” (53) . وبذلك إتخذت الإجراءات التربوية في نهج ترتيب العلوم من شخصية الأستاذ الهدف المركزي لأنه محور العملية التعليمية في المضمار التربوي الإسلامي . وعن هذه المسألة أفاد جابر ” ولا يزال في تدريجه على ذلك من مرتبة إلى مرتبة إلى أن يبلغ إلى آخر المراتب ويصير في عداد الأستاذين الذين يجب عليهم للتلامذة مثل ما وجب له في أول أمره ” (54) .
تعقيب ختامي :
والختام سؤال : ما الفائدة من دراسة نص معرفي (أبستمولوجي) ماكث مستقر في الذمة التاريخية ؟ صحيح إن النص الذي كتبه جابر بن حيان يدخل في الذمة التاريخية . ولكن من الصحيح جداً إن هذا النص الجابري يكشف عن تجربة أبستمولوجية رائدة في صياغة نص أبستمولوجي منفتح على المنتوج المعرفي الإنساني في إيقاعاته الثلاثية : الأبستمولوجيات والميثدولوجيات والبيداغوجيات (المعرفيات والمنهجيات والتربويات) ، وفيه دروس وعبر ، نتعلم منها ونحن نسعى إلى كتابة نصوص أبستمولوجية عربية معاصرة .
وعلى هذا الأساس نعيد إنتاج السؤال السابق بالصيغة الآتية : ما هي الدروس التي نتعلمها من قراءة النص الأبستمولوجي الذي كتبه قلم جابر بن حيان ؟ إنها الدروس الآتية :
أولاً – إن الدرس الذي نتعلمه ، هو إن ما كتبه جابر يُشكل ركناً من أركان ذاكرتنا الأبستمولوجية ، وفيه بيان لفعل الإجتهاد العربي الإسلامي في مضمار الأبستمولوجيات (المعرفيات) ، وفيه كشف لوظيفة المعرفيات في الدار الثقافية العربية الإسلامية . كما وفيه شهادة على روح الإنفتاح على كل حديث متجدد في نبضه الميثدولوجي وإيقاعه الأبستمولوجي الوثاب .
ثانياً – إن الأبستمولوجيات بما تمتلكه من روح التجدد ، تكون قادرة على إنجاز مشاريع الحوار مع النصوص الأبستمولوجية الوافدة ، وذلك بهدف إستكشاف الحقيقة الماكثة في مضمومات النصوص . ومن ثم إظهارها لتكون محكات (معايير) أبستمولوجية ينتفع العقل العربي في تأسيس مشاريع أبستمولوجية جديدة ، وهو يودع السنوات الأخيرة من القرن العشرين ، ويستقبل القرن الحادي والعشرين (أنظر لتاريخ نشر هذا البحث) .
إن الدرس المستفاد ينهض على تنشيط العقل العربي ، ووضعه على أتم الإستعداد لإحداث وثبة أبستمولوجية تنقل مجمل مؤسسات التعليم والثقافة والكتابة والإصدار والنشر إلى مضمار العصر . وفي الوقت نفسه لتشارك في صياغة مشروع ثقافي يستبطن كل ما هو متجدد من الأبستمولوجيات والميثدولوجيات والبيداغوجيات .
ثالثاً – إن الإفادة من قراءة النص الأبستمولوجي الجابري تضعنا أمام نمط من الأبستمولوجيات ، هي الأبستمولوجيات الثقافية ، ومن هذا الطرف هي نافعة حيث يتدرب عليها العقل العربي المعاصر ، وهو يسعى إلى تكوين دائرة أبستمولوجياته المعاصرة والمتطلعة إلى كل ما هو جديد في عقود القرن الحادي والعشرين .
إن طريق التدريب هنا يكون من خلال قراءة هذه الأبستمولوجيات في كتاب أو مقالة أو رسالة جامعية ، وليس من خلال التدريب عليها في المختبر والمعمل ، والأجهزة العلمية وآلات الإستكشاف والرصد .
رابعاً – تعلمنا نصوص جابر على إن هناك نمطاً من الأبستمولوجيات مؤسسة على الحس والتجربة ، وميثدولوجيات تعتمد الإستقراء والمنطق الإستقرائي النازع إلى التعامل مع الظاهرة الطبيعية من خلال الرصد ، ومعتمداً الحواس صعوداً إلى تحسين النظرة إلى العالم ، وبدءً بإستخدام أبسط الوسائل المساعدة للحواس وإرتقاءً إلى أعقد الأجهزة العلمية .
خامساً – إن النمط الآخر من الأبستمولوجيات الذي تُعلمنا أياه نصوص جابر ، هو أبستمولوجيات العقل والنظر الناهضة على منهجيات الإستدلال والمنطق الإستدلالي ، أبستمولوجيات نازعة إلى إقتراح موديلات نظرية تتمثل بلغات رمزية ومصفوفات رياضية وذلك لعرض تصوراتنا عن العالم والظواهر ، بحيث لا تتعامل مع مفاهيم وقضايا مرتبطة بالحس والواقع ، وإنما مع متواليات رمزية ، ومصفوفات من مفاهيم تُشكل سلاسل من القضايا تتابع بعضها البعض على شكل سيل نظري يُكون عمارة أبستمولوجية لهذا العلم أو ذاك .
سادساً – درس يعلمنا إمكانية الحديث عن أنواع من الأبستمولوجيات ؛ أبستمولوجيات فلسفية ، أبستمولوجيات فيزياوية ، أبستمولوجيات فلكية ، أبستمولوجيات غنوصية (صوفية) ، أبستمولوجيات كيمياوية ، أبستمولوجيات لغوية ، وأبستمولوجيات منطقية . وفي داخل ذلك يمكن الحديث عن أنماط متفرعة مثل : أبستمولوجيات شعرية ، وأبستمولوجيات خطابية ، وأبستمولوجيات جدلية ..
سابعاً – تكشف لنا إبستمولوجيات جابر عن إيقاع أبستمولوجي يتنقل فيه قلم جابر من مضمار الكيمياء إلى ميدان الفلسفة ، ومن فلك الفلسفة إلى محيط الأبستمولوجيات . وإن النظر في هذه الأبستمولوجيات تقدم لنا دروساً تفيدنا ، ونحن نشرعُ في تأسيس عمارات أبستمولوجية مستفيدة من الوثبات التي أحدثتها العلوم في مختلف أوجه الحياة .
ثامناً – إن قراءة النص الأبستمولوجي الجابري يُفيدنا في درس معرفي مهم ينبغي أن نلفت الأنظار إليه في دارنا الثقافية العربية الإسلامية المعاصرة ، وهو ضرورة أن تتغذى الفلسفة من العلم والعلم من الفلسفة ، وبخلاف ذلك فإن خفض العلاقة مؤذي للطرفين وللمحيط الثقافي العام . إذ إن هذا الخفض سيؤدي إلى إصابة ثقافتنا بحالة من الجدب والتصحر . وهو مرض معرفي لا نريده لثقافتنا .
تاسعاً – بين هذا البحث إن المنهج لا ينفصل عن فلسفة الفيلسوف والباحث . وإن تاريخ المنهج ، والفلسفة والعلم يُقدم لنا شواهد كثيرة . فمثلاً إن المنهج الديالكتيكي عند إفلاطون مرتبط بفلسفته (وبطريقيها الصاعد والنازل) ، بل وإنه معلمُ من معالمها . وإن المنهج الإستدلالي (وبحدود ما إستقرائيته) عند أرسطو مرتبط بفلسفته وسمة من سماتها . وإن المنهج الحدسي – الإستنباطي عند ديكارت مؤسس على فلسفته ومعبر عنها . وإن المنهج الإستقرائي عند فرنسيس بيكون قائم على فلسفته ونزعته الحسية التجريبية النازعة إلى تجديد الأورغانون .
وأخيراً ما منهج جابر إلا جُهد مؤسس على فلسفته ، ونابت عليها ، وهو دليلها في الرؤية والبحث . ولهذا يُعدُ عمل جابر في تأسيس المنهج على الفلسفة ، جُهداً متقدماً على ما عمله بيكون وديكارت . إنه لحظة من لحظات إبداع العقل العربي الإسلامي ، وشاهد على إن التفكير العربي الإسلامي كان تفكيراً ممنهجاً منظماً .
الهوامش
1 – Kemmeny J. G, Philosopher Looks at Science, New jersey 1959, p. 11
2 – أنظر : محمد عابد الجابري ؛ مدخل إلى فلسفة العلوم ، تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة ، ط2 ، دار الطليعة ، بيروت 1982 ، ص ص 16 – 17
3 – المصدر السابق
4 – أنظر : جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل / منشور في كتاب مختار من رسائل جابر بن حيان ، صححها ونشرها المستشرق بول كراوس ، مكتبة الخانجي 1354 هجرية ، ص 100
5 – المصدر السابق
6 – المصدر السابق
7 – أنظر : زكي نجيب محمود ؛ جابر بن حيان ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975 ، ص ص 13 – 14 وهو فصل في غاية الأهمية .
8 – راجع تفاصيل هذه المواقف عند كل من :
A – Einstein A.The Laws of Science and the Laws of Ethics, New York 1942
B – Eddington A. S. The Nature of the Physical World, New York 1989
C – Russell B. Religion and Science, London 1960
9 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق ، ص 1
10 – المصدر السابق ، ص 39
11 – المصدر السابق ، ص 2
12 – المصدر السابق ، ص ص 2 – 3
13 – المصدر السابق ، ص 15
14 – المصدر السابق
15 – أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ بيئة الفكر الفلسفي الحديث ، مديرية دار الكتب ، جامعة الموصل 1986 ، ص 40
وكذلك :
Hull W. H. History and Philosophy of Science, London 1966, pp. 40 – 41
16 – راجع تفاصيل ذلك :
نلينو ك ؛ علم الفلك عند العرب في القرون الوسطى ، روما 1911 / وهو سلسلة محاضرات .
17 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق ، ص 3
18 – أنظر :
1 – محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ،مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1986 ، الفصل الرابع ، ص ص 109 – 110
2 – محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في علم المنطق عند العرب مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1987 ، ص ص 11 – 22
3 – محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي : دراسة في جهود إبن حزم المنطقية ، مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1987 ، ص ص 23 – 26 ، 41 – 56
4 – محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب الإيساغوجي وأثره في الغرب والعالم الإسلامي / موقع الفيلسوف / 26 إكتوبر 2012
19 – للإطلاع على الأساس المنطقي لهندسة إقليدس ، أنظر :
محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس / منشور في مجلة أداب الرافدين – جامعة الموصل (مجلة محكمة) / العدد 11 سنة 1979 ، ص ص 117 – 150
20 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق
21 – من الأمثلة التقليدية في تاريخ العلم ، والتي تأثرت بالإنموذج المنطقي هندسة إقليدس . أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس (مصدر سابق) .
22 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق
23 – المصدر السابق ، ص 4
24 – أنظر :
Kemeny J. G., Op. Cit,
25 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق
26 – أنظر لمعرفة هذه المواقف :
A – Frank. P. P, Modern Science and Its Philosophy, Massachusetts 1950
B – Brood C. B, Scientific Thought, London 1952
27 – جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، ص 2
28 – جابر بن حيان ؛ كتاب ميدان العقل / منشور في كتاب مختار رسائل جابر (مصدر سابق) ، ص 215
29 – المصدر السابق ، ص 5
30 – للإطلاع على جديد الدراسات في مضمار التحليل المنطقي للغة ، أُنظر :
A – Rodulf Carnap. Logical Syntax of Language, Trans. By Amethe Smeaton, Open Court Publishing 2003
B – E. H. Reck,(ed) From Frege to Witteggnstein: Perspective on Early Analytic Philosophy, Oxford University Press 2002, pp. 39 – 51
31 – جابر بن حيان ؛ كتاب الحدود / منشور في كتاب مختار رسائل جابر / ص ص 97 – 114
32 – المصدر السابق ، ص 97
33 – المصدر السابق ، ص ص 112 – 114
34 – جابر بن حيان ؛ كتاب ميدان العقل (مصدر سابق) ، ص 214
35 – جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، ص 29
36 – المصدر السابق ، ص 31
37 – المصدر السابق ، ص 34
38 – المصدر السابق ، ص 116
39 – المصدر السابق
40 – المصدر السابق
41 _ للإطلاع على الفنون السبعة وكابلا أنظر :
Butts R., Acultural History of Education, New York 1947
42 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق ، ص ص 47 48
43 – جابر بن حيان ؛ كتاب البحث / منشور في كتاب رسائل جابر / ص 501
44 – المصدر السابق
45 – المصدر السابق
46 – المصدر السابق
47 – المصدر السابق ، ص ص 501 – 503
48 – المصدر السابق ، ص 503
49 – المصدر السابق
50 – المصدر السابق ، ص 502
51 – المصدر السابق ، ص 504
52 – المصدر السابق ، 505
53 – المصدر السابق
54 – المصدر السابق ، ص 504
آرسطو والشروح على كتبه : تاريخ وشواهد
الفلسفة / حُب الحكمة الفيلسوف / مُحب الحكمة
والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة
مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Commentaries on Aristotle
Dr. MOHAMAD FARHAN
أرسطو والشروح على كتبه : تاريخ وشواهد
الدكتور محمد جلوب الفرحان
رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يجري الحديث في أوساط الباحثين الأكاديميين الغربيين المهتمين بمصادر الفلسفة اليونانية عامة ، ومصادر الفلسفة الهيلينستية خاصة ، عن نمط من الأدب الفلسفي المتولد من قراءات شارحة على نصوص الفيلسوف اليوناني أرسطو . والحقيقة إن هذا الأدب من الضخامة ، حيث شكل بحد ذاته موسوعات كبيرة ، وخصوصاً في العصرين الهيلينستي (ومن ثم الوسيط كذلك) . وكان هدفها توضيح أعمال أرسطو . والحقيقة إن الإمساك بالخيوط الأولى من تاريخ محاولة الشرح على المتون الأرسطية تصعد إلى فترة قريبة جداً من حياة المعلم الأول . فقد كان طلاب أرسطو ، من أوائل (الرواد) من تقدم بشرح وتفسير لكتاباته .ومن ثم تحول إلى تقليد لازم المدرسة المشائية في الفترتين الهيلينستية والرومانية . مع ملاحظة إن الإفلاطونيين المحدثين في نهايات الإمبراطورية الرومانية كتبوا العدديد من الشروح على مؤلفات أرسطو ، وذلك سعياً منهم في محاولة دمج أرسطو في فلسفتهم . وإستمرت الشروح تُكتب بأقلام باحثين مسيحيين خلال الإمبراطورية البيزنطية ، ومن قبل الفلاسفة الإسلاميين والباحثين الغربيين الذين ورثوا هذه النصوص .
أما خلال المرحلة الهيلينستية من تاريخ الفلسفة اليونانية (وبالطبع تشمل فترة هيمنة اللغة اللاتينية كذلك) سادت نوعاً من الشروح الفلسفية . ولما كانت للفيلسوفين اليونانيين المعلم إفلاطون ، والتلميذ أرسطو سلطة معرفية وفلسفية يومذاك ، فقد فرضت نصوصهما الفلسفية نفسها على الباحثين في هذه الفترة ، وكتبت عنهما الكثير من الشروح والدراسات . ونحسب من المفيد الإشارة إلى أغراض الشرح في البداية كانت متنوعة ومختلفة من شارح وأخر . ولكن بمضي الزمن تحول الشرح إلى تقليد وضعت له القواعد والأصول .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من المصادر الإنكيزية المهمة في هذا المضمار :
1 – Roy K. Gibson, Christina Kraus, (editors), The Classical Commentary: Histories, Practices, Theory, Brill 2002
2- Lloyd Newton, (editor), Medieval Commentaries on Aristotle’s Categories, Leidan, Brill 2008
3- Richard Sorabji (editor), Aristotle Transformed: The Ancient Commentators and their Influence, Duckworth 1990
4 – Miira Tuominen, The Ancient Commentators on Plato and Aristotle, Durham 2009
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وما دام الحديث يجري عن الفيلسوف أرسطو والشروح التي وضعت على كتبه ، ففي الإمكان التركيز على التقليد الشارح لكتب أرسطو . ولذلك نقول إن الغرض الأولي لشرح نص أرسطو ، هو توضيح وبيان معنى ودلالات النص الذي كتبه أرسطو . وجرت العادة على تقسيم نص أرسطو إلى لامات . واللامة هو النص الذي يبدأ بكلمة هي عنوان الموضوع الذي يدرسه النص وغالباً ما يبدأ النص أو اللامة وينتهي بأقواس التنصيص ، مثل “ ” . وبعض الأحيان إن النص بكامله وليست أجزاء أو لامات منه يتم إقتباسه ، وثم من يجري وضع الشرح والتفسير عليه . وفي أحيان أخرى يتم إقتباس بداية النص فقط . ونلحظ دائماً إنه بعد اللامة ، يأتي تحليل النص .
وكان من الرواد في تدشين عملية الشرح (والتوسع في النص الأرسطي) تلميذ أرسطو ، الفيلسوف المشائي ثيوفروستس (371 – 287 ق.م) وجاء إلى أثينا شاباً ودرس في أكاديمية إفلاطون ، وبعد موت إفلاطون إلتحق بإرسطو ، وعينه أرسطو وصياً على كتاباته وخليفة له على المدرسة المشائية . وفعلاً ترأس ثيوفروستس المدرسة المشائية (فكان الرئيس الثاني بعد أرسطو الرئيس الأول) لفترة إمتدت ست وثلاثين سنة …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Algra et al, The History of Hellenistic Philosophy, Cambridge 1999, pp. 52 – 53
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمثلاً ثيوفروستس إخترع خمسة ضروب منطقية قياسية للشكل الأول من نظرية أرسطو القياسية ، وبين بدقة عالية قواعد الأقيسة الإشتراطية . مع ملاحظة إنه إختلف مع أستاذه أرسطو في جوانب مُحددة ، وجمع الكثير من المعارف المتعلقة بالحيوانات والظواهر الطبيعية والتي سبق إن إستبعدها أرسطو وشطبها من مضمار بحثه .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Johann Jakob Brucker, The History of Philosophy, from the Earliest periods, (1837) pp. 349 – 453
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ثم جاء الفيلسوف المشائي ستراتو لامبسكوس (335 269 ق.م) وهو الرئيس الثالث للمدرسة المشائية (اللوقيون) بعد موت ثيوفروستس . إن أهمية ستراتو في تاريخ الفلسفة المشائية ، يعود إلى إنه أول فيلسوف مشائي حملت نصوصه توسيعاً لفلسفة أرسطو الطبيعية ، وأول فيلسوف مشائي قام بقراءة نقدية لفلسفة أرسطو الطبيعة ، وهو أول فيلسوف مشائي شطب أي إحتمال لوجود الإله خارج العالم المادي (تذكر رجاءً مفهوم المحرك الذي لا يتحرك عند أرسطو ، والذي يعادل مفهوم الله الذي حرك العالم).
ووفقاً لرواية شيشرون (106 – 43 ق.م) فقد كان ستراتو يتمتع بذكاء عال رغم إنه أهمل الجوانب الإخلاقية في فلسفته . ويبدو إن رأي شيشرون مقبول جزئياً ، وذلك لأن ستراتو قد رهن حياته لدراسة العلم الطبيعي . وعلى هذا الأساس توسع في العناصر الطبيعة من فكر أرسطو . هذا طرف جداً مهم في فهم مكانة ستراتو خلال التطورات التي حدثت على فلسفة أرسطو في تاريخ المدرسة المشائية وفلاسفتها . ولعل الطرف المثير للجدل في تفكير ستراتو (الذي فيه خروج على فلسفة المعلم الأول) ، هو نفي ستراتو الحاجة إلى إفتراض الله الفاعل في تشكيل الكون . أما مقابلة رأي شيشرون برواية مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، والتي قدمت لنا قائمة من مؤلفات ستراتو الأخلاقية ، يصبح رأي شيشرون موضع تساؤل وبحث . وفعلاً فقد ذكر لارتيوس في موسوعته المعنونة حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، عدة عناوين لمؤلفات ستراتو الإخلاقية ، والتي ضاعت ولم يبقى منها سوى فقرات محفوظة في كتابات مؤلفين جاءوا فيما بعد .
ونحسب إن كتابات الفيلسوف المشائي ستراتو لها أهمية بالغة في تاريخ الفلسفة المشائية ، فقد دشنت عملية توسيع لجوانب من فلسفة أرسطو ، كما فيها ملامح مشروع نقدي تقويمي للنظريات الطبيعية للمعلم الأول ، خصوصاً في مفهومي الزمان والمكان وكذلك لنظريات الفيلسوف الذري ديمقريطس ، التي كان لها حضور في فلسفة أرسطو الطبيعية . فمثلاً رفض ستراتو الفرضية الديمقريطيسية للمكان الفارغ . وإعتقد بالمقابل بأن المكان على الدوام مملوء بنوع من المادة . ولعل القضية التي دار حولها الجدل ، هي نفي ستراتو لأي شكل من الإلوهية خارج العالم المادي . مما حمل هذا الإعتقاد إلى قول بعض الأكاديميين إلى إن ستراتو مؤمن بوحدة الوجود ، وذهب نفر من الباحثين في القرن السابع عشر إلى التقريب بينه وبين إسبينوزا وفلاسفة الإسبينوزية . كما نفى ستراتو خلود النفس ، وهاجم البراهين التي أوردها إفلاطون في محاورة فيدون .
لقد كان ستراتو إنموذجاً خاصاً من الفلاسفة المشائيين ، الذين تطلعوا لبناء نظام فلسفي يتجاوب وظروف عصره التي هي بالتأكيد مختلفة عن ظروف المعلم الأول ، ويتناغم وأرائه الخاصة التي فيها نقد وتقويم لفكر فيلسوف إسطاغيرا . فمثلاً كان ستراتو معاصراً للفيلسوف أبيقور ، وفلسفة أبيقور هي فلسفة تجديدية للمذهب الفلسفي الذري عامة ، وفلسفة ديمقريطس خاصة . وهذا شكل تحدياً فلسفياً لم يكن وارداً أمام المعلم الأول أرسطو . ولذلك تصدى للمذهب الذري ، سواء الأبيقوري ، أو حضوره الخاص في فلسفة أرسطو ، وسعى إلى تقويم المذهب الذري بصورته الأصلية الديمقريطسية أو الذرية أو صداه في الفلسفة الأرسطية . ولكن رغم هذا النقد للمذهب الذري ، فقد تولد إعتقاد عند ستراتو بدفع المذهب الذري ، وهو إعتقاد مادي متسور بإلحاد ينفي وجود الإله المستقل عن العالم . والإعتقاد بدلاً عنه بنوع من وحدة الوجود .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للتفاصيل أنظر :
1 – Tiziane Dorandi, Chronology / In Algra et al, The Cambridge History of Hellenistic Philosophy, Cambridge University Press 2005, p. 36
2 – Eduard Zeller, Outlines of the history of Greek Philosophy, Routledge 2000, p. 204
3 – David Furley, From Aristotle to Augustine: Routledge History of Philosophy, Routledge 2003, p. 157, 162 – 163
4 – IrvineIsrael, Enlightenment Contested: Philosophy, Modernity and Emancipation of Man, OxfordUniversity Press 2006, p. 447, 450 – 451
5 – Diogenes Laertius, Life of Strato, translated by Robert Drew Hicks / part from / Lives of Eminent Philosophers, Loab Classical Library 1925
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونعرف خلال بدايات الإمبراطورية الرومانية بعض الأسماء من مشاهير الفلاسفة المشائيين الذين كتبوا رسائل حول فلسفة أرسطو . ومن بين هؤلاء إندرنيقوس الروديسي (إزدهر عام 60 ق .م) وهو الرئيس الحادي عشر للمدرسة المشائية في روما (حوالي 58 ق.م) . وأهمية إندرنيقوس تعود إلى إنه قام بإعداد نشرة جديدة لأعمال أرسطو (وكذلك لأعمال خليفته ثيوفروستس) . والواقع إننا اليوم ندينُ لنشرة إندرنيقوس في طرفين ؛ الأول إنها كونت الأساس للنشرات الحديثة . والثاني إنا ندين له في المحافظة على عدد كبير من أعمال أرسطو . إضافة إلى ذلك فقد قدم إندرنيقوس نفسه شارحاً لبعض مؤلفات أرسطو ؛ فقد وضع شرحاً على الطبيعيات ، وشرحاً على الأخلاق ، وشرحاً على المقولات .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
William Smith, Op. Cit,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نيكولاس دمسقس (ولد حوالي 65 ق.م) . واليوم نعتمد على معرفة شروحه على فلسفة أرسطو من خلال مخطوطة سريانية تم إكتشافها في كيمبريدج عام 1901 . وتاريخ هذه المخطوطة يعود إلى حوالي 1400 . وبالمناسبة إن كيمبريدج قد حصلت عليها عام 1632 ، وهي في حالة فقيرة وغير منظمة … ويُرجح الأكاديميون الغربيون إلى إن هذا العمل قد كُتب في روما بحدود القرن الأول الميلادي ، وذلك للإنتقادات التي وجهت لنيكولاس حينها ، والتي دارت حول إن إشتغاله بالفلسفة يعود إلى مغازلته ومحاباته للأثرياء من الرجال وأصحاب السلطة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Lulofs, H. J. Drossart. On the Philosophy of Aristotle, Brill, 1969, p. 46, p. 5
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن الشراح الرواد الإسكندر الأيجي (إزدهر في القرن الأول الميلادي) هو فيلسوف مشائي إزدهر في روما ، وكان معلماً للإمبراطور نيرون (37 – 68 م) الذي كتب شروح على فلسفة أرسطو ، وبالتحديد كتب شرحاً على كتاب المقولات وكتاب في السماء .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Benjamin Jowett, Alexander of Aegae / In William Smith, Dictionary of Greek and Roman Biography and Mythology, Little, Brown and Company, Boston 1867, pp. 110 -111
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويبدو لنا إن محاولات الفلاسفة المشائيون الأوائل قد تطلعت إلى البحث في إمكانية تطوير وتوسيع أعمال أرسطو . ولكن من الممكن الحديث إلى إنه في زمن إندرنيقوس تحولت مهمة المدرسة المشائية وفلاسفتها إلى المحافظة على تراث أرسطو والدفاع عنه . ولعل من الرموز الكبيرة في الفترة الرومانية ، هو الإسكندر الإفروديسي (إزدهر سنة 200 ميلادية) والذي كتب العديد من الشروح على كتب أرسطو ، وفترة مهمة جداً في تاريخ الفلسفة ، وهي فترة صعود نجم الإفلاطونية المحدثة والعقيدي المسيحي في القرن الثالث الميلادي ، وهو القرن الذي أشر نهاية المدرسة المشائية كمدرسة مستقلة . ولكن الإفلاطونيين المحدثين حاولوا بجد في دمج فلسفة أرسطو في نظامهم الفلسفي ، وكانت الحصيلة ظهور العدديد من شروح الإفلاطونيين المحدثين على كتب أرسطو . مع ملاحطة إنه في القرن الخامس الميلادي ظل الحديث يجري عن فيلسوف مشائي ، هو أولمبدريس الكبير ، والذي علم في الإسكندرية ، وكان معلماً للفيلسوف الإفلاطوني المحدث بروقلس .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للتفصيل أنظر :
Robert Sharples, “The PeripateticSchool” / In David Furley, From Aristotle to Augustine (Op. Cit), p. 153
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما الإسكندر الأفروديسي فكان رئيس المدرسة المشائية في بدايات القرن الثالث الميلادي ، وقد عاش وعلم في أثينا . وإشتهر بشروحه على كتب أرسطو ، وبكتابة رسائل فلسفية أصيلة . من أهم شروحه ؛ شرحه الواسع على كتاب التحليلات الأولية (الكتاب الأول) ، وشرح على كتاب الجدل (الموضوعات) ، وشرح على كتاب الأنواء الجوية (السماء العلوية) ، وشرح على كتاب الحاس والمحسوس ، وشرح على الميتافيزيقا (من الكتاب الأول وحتى الخامس) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للإطلاع أنظر :
Donald Zeyl, Daniel Devereux, Philip Mitsis, Encyclopaedia of Classical Philosophy, 1997, p. 20
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما وله شرح على الكتب التسعة الأخيرة من الميتافيزيقا .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
William Fortenbaugh, R. Sharples, Theophrastus of Eesus, Brill 2005, p. 22
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفعلاً فقد تعهد عدد من فلاسفة الإفلاطونية المحدثة حسب رأي الباحث وليم وينويل على وضع تفاسير وتوضحيات على كتب أرسطو ، وخصوصاً على موضوع الديالكتيك (الجدل ) الذي تركه إفلاطون بحثاً ناقصاً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
William Whenwell, History of Inductive Sciences: From the Earliest Periods to the Present times, 1837, pp. 271 – 275
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمثلاً كتب فرفريوس الصوري (القرن الثالث الميلادي) كتاباً عن المقولات ، وقد لاحظنا إنه إنتخب بعضاً من مقولات أرسطو (وليست كلها) ، وأطلق على كتابه عنوان المقدمة أو الإيساغوجي ، وكما أشرنا في العديد من أبحاثنا إلى إن هذا الكتاب قد لعب دوراً فاعلاً في الغرب والعالم الإسلامي (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب الإيساغوجي وأثره في الغرب والعالم الإسلامي / منشور على صفحات موقع الفيلسوف / 26 إكتوبر 2012) . بينما لاحظ الكاتب ريتشارد سوربجي إلى إن فرفريوس تطلع بجدية إلى إثبات حالة التناغم بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو ، وبالتحديد فيما يتعلق بالمقولات الأرسطية ونظرية المثل الإفلاطونية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Richard Sorabji, “Aristotle Commentators” / In Routledge Encyclopaedia of Philosophy1998, pp. 435 – 437
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما تابع تلميذ فرفريوس الفيلسوف الإفلاطون المحدث إمبيلكوس السوري ، مشروع التناغم بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو (مع إستبطان عال للفيثاغورية والثيورجيا المصرية أو الفكر الهرمسي) (أنظر : محمد جلوب الفرحان : إمبليكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ربيع 2011) .
ومن ثم أكمل الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ديكسبيس (إزدهر عام 350م) مشاور أستاذه إمبيلكوس ، فكتب العديد من الشروح على كتب إفلاطون وكتب أرسطو . وفي واحد منها شرح ودافع عن المقولات الأرسطية ، وتوسع فيها جزئياً . والحقيقة إن ديكسبيس في هذا الشرح ، فسر لواحد من الحكام السلوقيين (وهم خلفاء الإسكندر الذين أقاموا الدولة السلوقية في العراق والشام) المقولات الأرسطية . وحاول في الوقت ذاته تفنيد إعتراضات إفلوطين على المقولات الأرسطية ، كما دافع عن مشروع التناغم بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو . وبالمناسبة فقد قام الأستاذ جون ديلون بترجمة النشرة اليونانية لكتاب ديكسبيس : مقولات أرسطو إلى الإنكليزية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للتفاصيل أنظر :
1 – J. Dilon, Dexippus: On Aristotle Categories, Duckworth 1990
2 – L. Gerson, Aristotle and Other Platonists, CornellUniversity Press 2005, p. 292
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن ثم جاء الشارح ثامسطيوس (317 – 390م) والذي تعلم الفلسفة على يد والده ، ورهن حياته بصورة رئسية على دراسة أرسطو . وأثناء دلك درس الفيثاغورية والإفلاطونية . وفي بداية شبابه كتب شروحاً على مؤلفات أرسطو ، وقد نشرت دون موافقته وحققت سمعة عالية . وقد صرف معظم سنوات شبابه في أسيا الصغرى وسورية . ومن ثم تحول إلى القسطنطينية وعلم الفلسفة لمدة عشرين عاماً . وفي العام 355 أُختير سنتوراً رغم إنه لم يكن مسيحياً .
ووفقاً لرواية فوتوس (810 – 893م وزار الخلافة العباسية وفي محنته إختار بغداد منفى له) وهو كاتب مجاميع من القرن التاسع الميلادي ، فإن ثامسطيوس كتب العديد من الشروح على كتب أرسطو مثل التحليلات الثانية ، والطبيعيات وحول النفس (وقام بترجمته إلى الإنكليزية روبرت تد عام 1996) . كما له أعمال على إفلاطون . وذكرت موسوعة سودا (وهي موسوعة من القرن العاشر الميلادي) بأن له شرح على طبيعيات أرسطو يتألف من ثمانية كتب (وفعلاً فقد قام بترجمته روبرت تد إلى الإنكليزية في ثماني كتب ، ونشره بدءً من عام 2003 وحتى 2011) ، وإن شرحه على التحليلات الأولى يتكون من كتابين وكذلك الحال لشرحه على التحليلات الثانية . وإن رسالته حول النفس تتألف من سبعة كتب ، كما له كتاب واحد على المقولات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر :
Peter Heather & David Moncur, Politics, Philosophy and Empire in Fourth Century, LiverpoolUniversity Press, 2001
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي القرن الخامس الميلادي قدم أمونيوس هرمي (440 – 520م) عرضاً فلسفياً بين فيه إتفاق إفلاطون وأرسطو على كون الله هو الصانع للعالم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Sorabji, Op. Cit,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن ثم وضع الفيلسوف الإسكندراني أولمبيدرس الإسكندراني (الشاب وذلك تمييزاً له عن أولمبيدرس الكبير ، وهو الفيلسوف المشائي الذي عاش في القرن الخامس) وهو تلميذ وحواري الفيلسوف أمونيوس هرمي . وأولمبيدرس الشاب فيلسوف إفلاطوني محدث عاش في السنوات الأولى من الإمبراطورية البيزنطية . ونحسب إن أهمية أولمبيدرس بالغة الأهمية في تاريخ الفلسفة ، فهو الفيلسوف الوثني الأخير في الإسكندرية ، الذي حافظ على التقليد الإفلاطوني (بعد غلق جوستنيان للأكاديمية في أثينا وعموم المدارس الوثنية في الإمبراطورية عام 529م .
وبعد موت أستاذه أمونيوس هرمي عام 520 خلفه على رئاسة مدرسة الإسكندرية للإفلاطونية المحدثة . وإنه نجح في أن يبقى بعيداً من عمليات الإضطهاد والملاحقة القضائية التي تعرض لها عدد من رفاقه الإفلاطونيين المحدثين (من أمثال الفيلسوف هركليس الإسكندراني…) . ويبدو إن مدرسة الإسكندرية خلال رئاسته كانت أكثر أكاديمية وأقل إهتماماً بالشؤون السياسية . كما إنها كانت أقل إهتماماً بالشؤون الدينية من أكاديمية أثينا . ولكل هذه الأسباب ظلت بعيدة عن المساءلة والملاحقة . وفعلاً بعد موته إنتقلت المدرسة إلى قيادة الأرسطيين المسيحين ، ومن ثم إنتقلت إلى القسطنطينية .
ولعل أهمية أولمبيدرس الشاب في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة ، وتاريخ الفلسفة الإسلامية خاصة (لأننا نحسب إن شروحه لها صدى في نصوص فلسفية إسلامية مختلفة) يكمن في إنه كتب سيرة إفلاطون ، وكتب شروحاً على العديد من محاورات إفلاطون ، كما كتب بالطبع شروحاً على مؤلفات أرسطو . وبالمناسبة كتب أولمبيدرس مدخلاً في غاية الأهمية للفلسفة الأرسطية . وفوق كل ذلك فإن أولمبيدرس يحتل مكانة مهمة في الكتابة عن تاريخ مدرسة الإفلاطونية المحدثة . وفعلاً فقد كتب الكثير من المعلومات عن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس / رئيس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة ، والتي لا تتوافر في المصادر الأخرى .
ومن أعماله التي ظلت خالدة ولم يطويها الدهر : شروح على محاورات إفلاطون مثل شرح على محاوراة القيبيادس ، شرح على محاورة جورجياس ، شرح على محاورة فيدون . ومدخل على منطق أرسطو ، وشرح على كتاب أرسطو في السماء العلوية (الأنواء الجوية) ، وشرح على المقولات الأرسطية . كما له شروح ومحاضرات حول النظرية الفلكية (التنجيم) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للتفصيل أنظر الأبحاث الممتازة التي كتبها الأستاذ هارولد تارنت :
1 – Horold Tarrant, “ Olympiodorus and History “, / In From the OldAcademy to Later Neo – Platonism: Studies in the History of Platonic Thought, Aldershot 2010
2 – H. Tarrant, “ Olympiodorus and Plato’s Republic “ (Op. Cit)
3 – H. Tarrant, “ Restoring Olympiodorus Syllogstic “ (Op. Cit)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وشارك إثنين من فلاسفة القرن السادس الميلادي ، في وضع شروح على كتب أرسطو ، وهما كل من سمبليقوس (490 – 560م) و بوثيوس (480 – 525م) . والأول (أي سمبليقوس) فقد كان حوارياً لكل من أمونيوس هرمي و دمسقس (458 – 538م) وهما من أواخر فلاسفة مدرسة الإفلاطونية المحدثة في أثينا . وقد تعرضا الثلاثة ومعهم أعضاء أخرين إلى الإضطهاد والمحاكمة بعد قرار جوستنيان عام 528 أو 529 بغلق المدارس الفلسفية وطرد الوثنين ومصادرة أملاكهم ، فأُجبروا على طلب اللجوء إلى البلاط الفارسي . كتب سملبيقوس بكثافة العديد من الشروح على كتب أرسطو ، منها شرح على كتاب السماء ، والطبيعيات ، والمقولات ، وكتاب النفس …
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر :
IIsetiaut Hadot, The Life and Work of Simplicius in Greek and Arabic Sources / In Richard Sorabji (Ed.), Aristotle Transformed, London 1990, pp. 275 – 303
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومثل سمبيلقوس مثل كل الإفلاطونيين المحدثين حاول المصالحة بين مبادئ الفيثاغورية ، والإيلية التي إحتوتها فلسفة إفلاطون في الطابق الثاني من مكوناتها (الفيثاغورية ) والطابق الثالث نظرية المثل (الإيلية) ، والرواقية ومبادئ أرسطو . إضافة إلى دفاعه عن رأي أرسطو في أبدية العالم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
Whenwell, Op. Cit, pp. 271 – 275
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أما أهمية بوثيوس فتكمن في جانبين ؛ الأول إنه قام بترجمة أجزاء من بعض من كتب أرسطو المنطقية إلى اللاتينية . وهذه الأجزاء فرضت هيمنتها على دائرة التفكير الفلسفي الغربي منذ القرن السادس وحتى القرن الثاني عشر (وهو القرن الذي شهد ترجمة عبرية ولاتينية عارمة من العربية) . والثاني إنه قام بترجمة كتاب الجدل (المواضيع) وهو جزء من كتب أرسطو المنطقية إلى اللاتينية . ولكن الذي حدث في الترجمة ، إن بوثيوس مزج بين النص المترجم وشرحه الذي جاء مزيجاً من الأفكار الأرسطية والإفلاطونية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
للتفصيل أنظر :
Boethius, Consolation of Philosophy, Translated by Joel Relihan, Norton: Hackett Publishing Company, 2001
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن المحاولات الشارحة لفلسفة أرسطو (والتي كان لها صدى في مصادر التراث الفلسفي الإسلامي) ، محاولة جون فيلوبنس (يوحنا النحوي) (490 – 570م) الإسكندراني . وهو شارح أرسطي ، وكاتب مثير للجدل في عصره ، خصوصاً في خروجه على التقليد الأرسطي – الإفلاطوني المحدث . فقد قرأ التراث الأرسطي من زاوية ميثدولوجية (منهجية) قادته إلى التجريبية والعلوم الطبيعية . ولمواقفه المثيرة للجدل إتهمته الكنيسة بعد موته بالهرطقة (الكفر) (عامي 680 – 681) وخصوصاً في قضية تفسير الثالوث . كما إن نقده لفيزياء أرسطو كان له أهمية في تاريخ العلم ، فقد ترك أثاراً على العديد من الفلاسفة والعلماء في عصر النهضة ، مثل غاليلو (1564 – 1642م) والذي إقتبس أشياء من يوحنا النحوي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر :
B. Mitrovic, “ Leon Batista Alberti and Homogenity of Space “ / in The Journal of the Society of Architectural Historians, Vol. 63, No4 (2004), pp. 424 – 439
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويوحنا النحوي درس في الإسكندرية وبدأ نشر كتاباته عام 510م . وهو تلميذ (وبعض الأحيان كاتب ناسخ) للفيلسوف الإفلاطوني المحدث أمونيوس هرمي . وكاتابات يوحنا المبكرة كانت متولدة من محاورات أستاذه أمونيوس . إلا إنه طور بمرور الزمن طريقته المستقلة في شروحه ، ومن ثم نهضت على منهجية جديدة ، تمثلت في نقد أرسطو حول النفس والفيزياء ، بل وتطور تفكيره العلمي الخاص ، فكان من أوائل المفكرين الذين رفضوا ديناميكيا أرسطو .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنطر:
Morris Cohen & Drabkin, A Source Book in Greek Science, Cambridge 1958, p. 220
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما إن أهمية يوحنا النحوي تكمن في إنه بين سوء فهم فرفريوس الصوري وبرقلس لفلسفة أرسطو ، وخطأ محاولتهما في دمج مبادئ أرسطو بمبادئ افلاطونيتهما المحدثة . بل وخطأ محاولتهما في المصالحة بين أرسطو ونظرية المثل الإفلاطونية . وبدلاً من ذلك عرض تفسيراً مسيحياً للتراث الأرسطي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر :
Bruker, Op. Cit, pp. 349 – 353
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن شروحه على تراث أرسطو : شرحه عل كتاب العالم والفساد ، وشرحه على النفس ، وشرحه على المقولات ، وشرحه على التحليلات الأولى ، وشرحه على التحليلات الثانية ، وشرحه على الطبيعيات (الفيزياء) . أما رسائله المهمة ، فهي رسالتان ؛ الأولى حول أزلية العالم ضد برقلس . والثانية أزلية العالم ضد أرسطو .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر :
S. Piens, An Arabic Summary of a lost Work of John Philoponus, Oriental Studies 2 (1972), pp. 320 – 352
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبعد موته وصدور قرارات الهرطقة بحقه من قبل الكنيسة ، إنحسر الإهتمام به في العالم الغربي . ولكن ترجمة أعماله إلى السريانية والعربية ، فتح باب إهتمام جديد بفكره في العالم العربي ، فحُفظت أعماله ، ودرسها العرب وأفادوا منها بما يتناسب وتطلعاتهم الفلسفية والنقدية لفلسفة المعلم الأول .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر:
Ibid,
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن شراح أرسطو جون دمسقس (يوحنا الدمشقي) (ولد ما بعد النصف الثاني من القرن السابع الميلادي ، وتوفي في القدس عام 749م) ، وهو بالعربية يوحنا بن منصور بن سرجون التغلبي (أي من قبيلة تغلب العربية المسيحية التي كانت مواطنها الصحراء السورية) . وهو راهب وقس سوري ، ولد وترعرع في دمشق ، وعمل كإداري للخليفة العربي في دمشق .من أهم مؤلفاته : الفصول الفلسفية ، ويُعرف بالديالكتيك (أو الجدل) . وهو كتاب يدرس المنطق ، وغرض المؤلف هو توفير إعداد للقارئ لفهم أغراض الكتاب والفصول اللاحقة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر :
David Richard Tomas, Syrian Christians Under Islam: the first thousand years, Brill 2001, p. 19
Suzanne Conkin Akbaei, Idols in the East: European Representations of Islam and the Orient, (1100 – 1450), ConnellUniversity Press 2009, p. 204
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كما كتب أعمالاً حول مؤلفات أرسطو .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر :
Bruker, Op. Cit,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ومن ثم جاء القرن التاسع الميلادي ، ومعه بدأ فصل جديدة لكتب أرسطو وفلسفته والشروح على مؤلفاته ، لها طعم حضاري جديد ، ومذاق فيه المحافظة على تراث أرسطو الذي فقده الغرب مع إنقسام الكنيسة إلى غربية وشرقية ، وأصبح تراث أرسطو في ملك الكنيسة الشرقية ، فغادر أراضي بني يونان والغرب ، ودخل أراضي الأتراك التي ستصبح جزءً من أراضي العالم الإسلامي . وهكذا دخل أرسطو إلى العالم الأسلامي مع المدرسة الإفلاطونية في بغداد ، وبالتحديد مع ثابت بن قرة (826 – 901م) والذي ترجم أعمال أرسطو والشروح عليه إلى العربية .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر:
Sorabji, Op. Cit,
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولد ثابت بن قُرة في مدينة حران ، وهي مدينة صابئية عريقة ، يشتهر جُل علمائها بالفلك والرياضيت والتنجيم ، وكانت لهم إتصالات واسعة بالعلم والثقافة اليونانية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر :
Tobias Churtons, The Golden Builders, Barnes & Noble Publishing 2006, p. 27
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وبدعوة من محمد بن موسى بن شاكر (803 – 873م) ذهب إلى بغداد للدارسة في بيت الحكمة (وبالمناسبة إن عائلة موسى بن شاكر تتكون من ثلاثة إخوة من الباحثين في بيت الحكمة ، وقد إهتموا بالفلك والرياضيات ، ولهم أبحاث مهمة ومؤلفات .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لمزيد من التفاصيل أنظر :
Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco – Arabic Translation Movement in Baghdad and Early Abbasaid Society, Routledge 1998, p. 133
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفعلاً قدم ثابت إلى بيت الحكمة وعمل مع أولاد موسى بن شاكر . ولعب دوراً فاعلاً في الترجمة من اليونانة إلى العربية (ويقال من السريانية إلى العربية كذلك) . فقد كان يتقن اليونانية والعربية والسريانية بطلاقة عالية . كما كان له الأثر في تكوين خلايا العلماء العرب الأولى في بيت الحكمة ، فقد قاد مع طلبته برامج البحث في بيت الحكمة ، والتي تمثلت في مجالات الرياضيات ، والفلك ، والتنجيم ، والسحر ، والميكانيكا ، والطب ، والفلسفة .
ولعل من أهم ترجماته إضافة إلى كتب أرسطو والشروح عليها ، ترجماته من اليونانية إلى العربية لأعمال أبولونيوس (262 – 190 ق.م) ، و أرخميدس (287 – 212 ق.م) ، وإقليدس (إزدهر عام 300 ق.م) ، وبطلميوس (90 – 168م) . ومن ثم قام ثابت بإصلاح ترجمة كتاب الأصول لإقليدس ، والذي ترجمه حنين بن إسحق (809 – 873م) . وأعاد كتابة ترجمة حنين لكتاب بطلميوس المجسطي ، وترجم كتاب الجغرافيا لبطلميوس .
ونحسب من المهم الإشارة إلى علو كعب ثابت بن قرة في مضمار الفيزياء عامة ، وفيزياء أرسطو خاصة ، على الرغم من إنه رفض المفاهيم الأرسطية والمشائية للمكان الطبيعي . ووضع بدلاً عنه نظرية الحركة الصاعدة والنازلة (ويبدو لنا إن الأثر الإفلاطوني واضح في النظرية) والتي هي تسبب الوزن .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنظر :
Mohammed Abattouy, “Greek Mechanics in Arabic Context: Thabit ibn Gurra, al – Isfizan and the Arabic Traditions of Aristotelian and Euclidean Mechanics”, / Science in Context 14, pp. 205 – 206
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ونتطلع في أكمال صورة فهم عن الطرق التي مرت بها الفلسفة اليونانية إلى دار الفلسفة العربية الإسلامية ، في كتابة مقال بعنوان إفلاطون والشروح على محاوراته : تاريخ وشواهد (تم كتابته وصدر في مجلة أوراق فلسفية جديدة / ومن ثم ظهر على صفحات موقع الفيلسوف) . ويتبعها مقال ثالث بعنوان الترجمة والمترجمون : من اليونانية والسريانية إلى العربية