في جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يُونان

الفلسفة : حُب الحكمة             الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Greek Philosophers and Their Visits To Babylon

Dr. MOHAMAD FARHAN 

 في جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يُونان

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  من الثابت القار في دوائر علم الفلك والتنجيم اليونانيين خاصة ، ودوائر التفكير الديني والفلسفي اليونانيين عامة الإعتراف بأن هناك جسوراً من الأتصال ، ومن ثم الأخذ والتفاعل قد حدثت بين منتوجات العقل البابلي وعقل العم يُونان وفي مراحل تاريخية متقدمة على ولادة السيد المسيح على الأقل بسبعة قرون ، وبالتحديد مع تباشير شروق شمس الفلسفة اليونانية على يد طاليس فيلسوف اليونان الأول (إن أبحاثنا في هذا العدد تصحح الخطأ الشائع ، والذي يردد ليل نهار على إن طاليس هو فيلسوف اليونان الأول الوحيد ، هذا غير صحيح وإنما كان هناك فلاسفة أخرون معاصرون له ، وخصوصاً في قوائم ما يُسمى بالحكماء السبعة (أو حسب ديوجانس لارتيوس الأثنتا عشر وفي رواية أخرى السبعة عشر) ومنهم من تقدم عليه وفقاً لكتاب فرق الفلاسفة ، الذي كتبه أبولدورس وهو واحد من مصادر ديوجانس لارتيوس في كتابه الشهير حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . وبالمناسبة إن كتاب فرق الفلاسفة قد ضاع وطواه النسيان بُعيد إنجاز ديوجانس لارتيوس كتابة موسوعته حياة وآراء  ، وللقارئ نقول إن كتاب فرق الفلاسفة سيتردد ذكره في أطراف من مباحث هذا العدد .

  الحقيقة إن جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يُونان ، ليس حلماً فنطازياً لفيلسوف عراقي – بابلي ، وإنما هي حصيلة قراءات عميقة وواسعة لإمهات كتب وموسوعات تاريخ الفلسفة اليونانية القديمة منها وخصوصاً التي كُتبت في العصرين الهيليني والهيلينستي ، والتي تُرجمت إلى الإنكليزية وهذا ماتُدلل عليه أبحاثنا وكتبنا ومشاريع أبحاثنا المتنوعة خلال ما يُقارب الأربعة عقود مضت . ولهذا نقول للقارئ والباحث في مضمار الفلسفة اليونانية ، إن الحديث عن جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يونان ، هو هم أكاديمي ، وكدُ فلسفي جمع كل الشذرات المتناثرة في أمهات مصادر الفلسفة اليونانية ، والتي تُجمع على إن مثل هذا الإتصال قد حدث فعلاً ما بين منتوجات العقل البابلي وفلاسفة العم يُونان . وهنا نقدم أمثلة منتخبة تدلل على نماذج من الأتصال البابلي – اليوناني :

أولاً – زيارة طاليس لبابل وجلب معه الجداول الفلكية الكلدانية

     حقيقة إن هناك إجماع بين الباحثين في بواكير التفكير الفلسفي اليوناني ، على إن طاليس قد إعترف بأنه زار بابل ، وإطلع على الفكر الفلكي الكلداني وهذا ما تؤكده كتب تاريخ الفلسفة اليونانية . ونود هنا أن نوضح مسألة إرتبكت على مؤرخي الفلسفة اليونانية قديماً وحديثاً . وهي إنهم فشلوا في إدراك معاني ودلالات اللفظة كلداني . ونقول لهم إن كلمة كلداني تعني عالم الفلك وتدل على وظيفته وهي مراقبة أو رصد حركة الأفلاك في القبة السماوية .  وفعلاً فإن طاليس جلب معه إلى أيونيا الجداول الفلكية الكلدانية ، والتي على أساسها تكهن طاليس بالتاريخ الدقيق لوقوع كسوف الشمس ، والتي إرتبط توقعه بحصاد وفير لمحصول الزيتون . فقام طاليس بتأجير معاصر الزيتون وجنى أرباحاً وفيرة .

ثانياً – إقترح طاليس على تلميذه فيثاغوراس بزيارة بابل

    فعلاً إن ما تذكره بعض المصادر التاريخية القديمة إن طاليس إقترح على فيثاغوراس بزيارة بابل والإتصال بالحكمة البابلية (الرياضية) عامة ومنها الكلدانية (الفلكية) خصوصاً . ولعل قارئ مصادر الإفلاطونية المحدثة التي كتبت عن حياة فيثاغوراس (وخصوصاً نصوص فرفريوس الصوري وإمبيلكوس السوري) يلحظ إنه زار بابل وإتصل بعلمها الرياضي ، وجلب معه ما يُعرف بمبرهنة فيثاغوراس ، التي يتردد صداها في كل كتب الرياضيات اليونانية أو الفصول التي كتبت في موسوعات الرياضيات الحديثة والمعاصرة . وهي في الحقيقة مبرهنة عراقية أبدعها العقل الرياضي العراقي (أو الكلداني البابلي) كما تجمع نتائج الأبحاث الأركيولوجية التي حفرت في المناطق الحضارية العراقية ، والتي أنجزها جهابذة من علماء الأثار من جامعات غربية وشرقية متنوعة .

  وكذلك فقد جلب فيثاغوراس من بابل التي تجول فيها أو من أقاليم كانت تقع يومذاك ضمن الحدود الجغرافية للمملكة البابلية (أجزاء من بلاد الشام أو سوريا) . نقول جلب معه تعاليم الأورفية أو عقائد أورفيوس ، وهي شكل من الأخوة العقدية (ذات طبيعة فلسفية – دينية) خصوصاً في عقيدة النفس التي ستترك أثرها على الفكر الفلسفي اليونانية من خلال عبورها من مسارات عقائد الفيثاغورية إلى إفلاطون ومن ثم إلى الفلسفة الغربية حتى يومنا الحاضر هذا طرف .

 وإن الطرف الثاني هو التكوين الأخوي للأورفية (إخوة دينية أو الأصح إخوة عقدية ذات طبيعة فلسفية تدور حول عقيدة النفس ..) وعلى أساس ذلك كون فيثاغوراس إخوته الفيثاغورية التي هي في جوهرها إحياء لفكرة الأخوة الأورفية التي جلبها من مملكة بابل الكبرى . ويبدو إن إهتمام فيثاغوراس بالموسيقى الدينية عبر له من خلال الأورفية البابلية . ولعل تراتيل الفيثاغورية التي كانت تصدح خلال الطقوس اليومية في المدرسة الفيثاغورية ، هي تراتيل أورفية .

ثالثاً – إحتلال الإسكندر ونشوء المدارس الفلسفية الرواقية في بابل

   بعد إحتلال الأسكندر (353 – 323 ق.م) للعراق ، ومن ثم موته في بابل المفاجئ (وبالتحديد في قصر نبوخذ نصر) والتي إتخذها عاصمة ومركزاً لعملياته الحربية . فإن جنرالاته وخصوصاً سلوقيا / نيكاتور (358 – 281) قد نجح في السيطرة على العراق بعد معارك طاحنة وأسس مملكته السلوقية (التي إمتدت من 312 – وحتى 64 ق.م) ، والتي إستمرت في البداية من بابل عاصمة لها . ولكن خليفته فكر في إنشاء عاصمة جديدة تعكس الهوية الجديدة للمملكة ، فأسس عاصمته الجديدة سلوقيا التي تقع على ضفاف دجلة الخالد (وهناك قصة حول تأسيس وإستشارة علماء الفلك البابليين / الكلدان) ، والتي تقع في الجهة المقابلة لعاصمة الفرس في العراق قبل تدمير الإسكندر لإمبراطوريتهم .

  المهم في أمر الإتصال بين بابل والفلسفة اليونانية ، هو إن السلوقيين أنشأوا الكثير من المدارس الفلسفية الرواقية . ولعل أشهرها المدرسة الرواقية البابلية (أو مدرسة سلوقيا الرواقية) والتي تخرج منها الفيلسوف الرواقي ديوجانس البابلي ، والذي سيصبح رئيس المدرسة الرواقية في أثينا بعد إن شد الرحال وذهب هناك لإكمال دراساته الفلسفية ، وأصبح له حواريين ومنهم من خلفه في قيادة المدرسة الرواقية في أثينا .

رابعاً – تعاون رجال اللاهوت البابليين مع السلطات اليونانية (السلوقية)

   ذكرنا سابقاً بأن سلوقيا / نيكتور أتخذ من بابل عاصمة لمملكته الجديدة ، وكانت بابل مركز العلم واللاهوت . وفعلاً فقد إستمرت مكانة الكهنة البابليون ، وخصوصاً الكلدان / رجال الفلك الذين كانوا مقربين من الحكام السلوقيين ، يستشيرونهم في أمور الحياة والحرب (وقراءة الطالع من حسن وسئ) . وهكذا كان تعاون رجال اللاهوت البابليين قد إتخذ شكليين سلبي وإيجابي . وكان حرصهم هو رفض الفكرة السلوقية في نقل عاصمتهم من بابل إلى مدينة جديدة ، بل والعمل على إفشالها . وفعلاً لما سألهم الحاكم السلوقي عن قراءة الطالع وتحديد الوقت المناسب لبداية العمل في تأسيس العاصمة الجديدة ، قدموا الكثير من القراءة غير السارة في إنشاء العاصمة الجديدة . وفي النهاية إكتشف الحاكم السلوقي خطة رجال اللاهوت البابليين في إفشال فكرة الإنتقال وتعطيل مشروع إنشاء عاصمة لمملكته السلوقية . إلا إن رجال اللاهوت البابليين إعترفوا له ، وإن هدفهم الإبقاء على بابل عاصمة الثقافة والعلم . فعفى عنهم ومن ثم تعاونوا في إنشاء العاصمة الجديدة ، وإنتقل بعض منهم إلى سلوقيا العاصمة الجديدة .

خامساً – مشاركة رجال اللاهوت البابليين في الحياة العلمية والدينية اليونانية

    ساهم عدد من رجال اللاهوت والكهنة ، ومنهم مؤرخين في العلم الكلداني (الفلك) في التأليف والنشر باللغة اليونانية . فكانت مؤلفاتهم تكون مرحلة تفاعل بين الفكر اللاهوتي العلمي والعقل اليوناني . وهنا أقدم أمثلة دالة في مضمار التفاعل الثقافي والعلمي البابلي – اليوناني . منها النبية ” هيروفيل ” وهي واحدة من النبيات اليونانيات ، وهي كلدانية ، تعود إصولها إلى جنوب بابل (أي عراقية الإصول) ، وهي بنت الكاتب والمؤرخ بيروسوس ، وهو عالم فلك وكاهن للإله بل مردوخ البابلي ، والذي إشتهر بكتابه الذي ألفه باليونانية والذي كان بعنوان التاريخ الكلداني . وكان نشطاً في بدايات القرن الثالث قبل الميلاد  .

سادساً – الفيثاغوري الجديد أبولونيوس التاني وزيارته إلى بابل

    وتجدد وعد اللقاء بين الفلسفة اليونانية ودوائر المعرفة العلمية واللاهوتية البابلية مرة أخرى ، وبالتحديد في بداية القرن الأول الميلادي ، وذلك بزيارة الفيلسوف الفيثاغوري الجديد أبولونيوس (15 – 98م) (والذي يُعرف بالمسيح التاريخي والذي كان معاصراً لمسيح الكنيسة ، ويطلق على إنجيل المسيح التاريخي أبولونيوس بالإنجيل الفيثاغوري وله ضريح في تركيا وكانت تقدسه العوائل الرومانية الحاكمة) . وفعلاً فقد تجول أبولونيوس في العراق أولاً وإلتقى حواريه ديمس في نينوى . ومن ثم ذهبا سوية إلى بابل . وهذه الزيارة وماحدث فيها وأقوال المسيح الفيثاغوري الجديد أبولونيوس ، سجلها ديمس الموصلي في مذكراته ، التي وصلت إلى مكتبة الإمبراطورة الرومانية من إصول عربية (حمصية) جوليا دومنا (170 – 217م) والتي كانت تعبد وتقدس المسيح أبولونيوس وتزور ضريحه وتقدم الهدايا له . وهي التي طلبت من الفيلسوف السفسطائي فيلوستروتس (170 – 247م) من كتابة مؤلفه حياة أبولونيوس وبالإعتماد على مذكرات الموصلي ديمس .

سابعاً – كلدان بابل في موسوعة ديوجانس لارتيوس وقضية الفلاسفة

   إن قارئ المقدمة التي كتبها مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) لموسوعته المعنونة حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، يدرك بشكل واضح لعبة ديوجانس لارتيوس الجدلية في السؤال الذي أثاره حول إمكانية وجود فلاسفة (وبالطبع فلسفة) خارج المحيط الجغرافي اليوناني . يرى ديوجانس لارتيوس إن هناك من يقول بأن دراسة الفلسفة قد بدأت في حضارات غير يونانية (يطلقون إصطلاح برابرة على كل ما هو غير يوناني) . ويرون إن البابليين والآشوريين كان لهم  ” كلدانيهم ” (أن كلمة كلدان تعني مهنة الفلك والتنجيم وهذا هو المقصود) . وبالطبع إن ديوجانس سرب الكثير من الأراء حول فلاسفة الشرق غير اليونانيين في موسوعته .

  صحيح إن ديوجانس جادل في مسألة قيام فلسفة عند ما أسماهم بالبرابرة . وهذه مسألة لا تهمنا إلا إن الذي يهمنا إن ديوجانس إعترف بأن الإصطلاح البابلي للفلاسفة (بالطبع علم الفلك واحد من علوم الفلسفة) هو الكلداني . وقد بينا بأن الكلداني كان معلماً للفيلسوف اليوناني الأول طاليس (وأبحاثنا بينت إنه ليس الأول الوحيد) وعلى جداوله الفلكية عمل تنبؤه بكسوف الشمس … والفيلسوف فيثاغوراس زار بابل وإطلع على العلم الرياضي الكلداني .. إذن جسور الحوار العلمي والفلسفي بين بابل وبلاد العم يونان حقائق بديهية لا يستطيع إن يخفي شمسها غربال متبجح جاهل بحركة الأفكار ورحلة العلوم من بلاد أجدادنا الكلدان إلى ديار أعمامنا اليونان (إذا ما إعترفنا بأن دماءنا إمتزجت بدماء الحكام السلوقيين الذين إمتد حكمهم للعراق كجزء من مملكتهم الكبرى ما يُقارب الثلاثة قرون من الزمن) .    

Posted in Apollonius, Damis, Dr.MOHAMAD FARHAN, Greek Philosophers and Their Visits to Babylon, Neopythagoreanism, Philostratus, Porphyry of Tyre, Pythagoras, Pythagoreanism, The Lives and Opinions of Eminent Philosophers, في جسور الإتصال ما بين بابل وفلاسفة العم يُونان, فيثاغورية الإفلاطونية المحدثة, فيثاغوراس, فيثاغوراس وفكرة النفس الشرقية, فيثاغوراس والمعرفة الرياضية العراقية, فيثاغوراس وجلب الأورفية, فيثاغوراس وزيارته إلى بابل, كلدان بابل في موسوعة ديوجانس لارتيوس وقضية الفلسفة, كتاب فرق الفلاسفة لأبولدورس مصدراً لديوجانس لارتيوس, مدرسة فلسفية عراقية - كندية إلكترونية, مركز دريد للدراسات, مشاركة رجال اللاهوت البابليين في الحياة العلمية والدينية اليونانية, أبولونيوس الفيثاغوري وحواريه الموصلي دميس وفلاسفة الهنود والمجوس, أبولونيوس الفيثاغوري الجديد, إقتراح طاليس على تلميذه فيثاغوراس بزيارة بابل, إحتلال الإسكندر ونشوء المدارس الفلسفية الرواقية في بابل, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوف العراقي ديوجانس البابلي, الفيثاغوري الجديدالتاني وزيارته غلى بابل, المدرسة الرواقية البابلية, الإمبراطورة الرومانية العربية جوليا دمانا, السفسطائي فيلوستروتس, تعاون رجال اللاهوت البابليين مع السلطات اليونانية السلوقية, جلب فيلسوف اليونان الأول طاليس ؟ للجداول الفلكية البابلية الكلدانية, حضور الفلك البابلي في تراث علماء الفلك اليونان, ديوجانس لارتيوس, سلوقيا بابل, طاليس وزيارته إلى بابل

تأمل في الخطابات السياسية لسولون الحكيم

الفلسفة : حُب الحكمة        الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

                  مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

Solon of Athens: An Analysis of His Political Letters

Dr. MOHAMAD FARHAN

تأمل في الخطابات السياسية لسولون الحكيم

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الديمقراطية والطغيان في الوطن العربي : الدرس السياسي اليوناني

هذا البحث يهديه الكاتب إلى

الشعوب العربية التي تناضل ضد أنظمة الطغيان والإستبداد 

و تتطلع في الوقت ذاته إلى نهار جديد فيه أمل واعد 

لتأسيس أنظمتها السياسية الديمقراطية الحقيقية

وعن طريق الأساليب المدنية السلمية المتاحة .  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

   بداية نحسب من المفيد إن نشير إلى إن هذه الرسائل أو الخطابات الأربعة (بتقديرنا) لها قيمة في غاية الأهمية من ناحيتين : الأولى من الناحية الفلسفية ، إذ من المعروف إن السياسة مضمار من ميدان الفلسفة العملية ، وبل وحتى الفلسفة النظرية (التأملية) والتي سيكتب فيها إفلاطون أطراف مهمة من رائعته محاورة الجمهورية ، وسيخلط تلميذه إرسطو بين الجانبين العملي (الواقعي) والنظري في دراسته لدول – المدن اليونانية في كتابه الإنجيلي المعنون السياسة . ومن الناحية التاريخية ، فهذه النصوص (أو الأدق الشذرات المتبقية منها) هي من النصوص السياسية الأولى التي نزلت إلينا من القرنيين السابع والسادس قبل الميلاد . وقد أشرنا أدناه إلى معرفة آرسطو بشخصية الطاغية بيرانيدر ، والذي وصفه بكونه ” إنموذجاً للطاغية الشرير ” وخصوصاً في كتابه (أي كتاب آرسطو) المعنون دستور الأثينيين .

أولاً – تأمل في خطاب سولون إلى الطاغية بيرانيدر

   تدلل القراءة الداخلية لنص الخطاب السياسي الذي بعثه ما أسميه ” الفيلسوف السياسي ” الحكيم سولون إلى طاغية كورنثيا بيرانيدر ، على حقيقية سياسية ، وهي إن الطاغية قد أرسل برسالة إلى الحكيم سولون ، يشرح له فيها طبيعة الواقع السياسي في دولة – مدينة كورنثيا . ويبدو إنه تطلع من الحكيم أن يتقدم له بتحليل لهذه الظاهرة السياسية (ونصيحة في كيفية معالجتها) وما يلفها من خوف متجذر في نفوس المواطنين الكورنثيين ، وخيارات الطاغية الصعبة ، وما يحمل المستقبل السياسي الكورنيثي من مفاجآت متولدة ليست من بين عامة الشعب الكورنيثي ، وإنما من شاطئ سياسي لم يُفكر به الطاغية على الإطلاق ، وهو شاطئ الحاشية السياسية التي في الظاهر حاشية مخلصة للطاغية . ولكن في حقيقة الأمر لها حساباتها الخاصة التي فشل الطاغية في معرفتها وتقدير خطورتها عليه .

  إذن على أساس رسالة طاغية بيرانيدر ، جاء خطاب سولون السياسي التحليلي لظاهرة الطاغية (الدكتاتورية / الشمولية بلغة عصرنا السياسية على الأقل) جواباً ورداً على تلك الرسالة (الكلمة بلغة سولون) . يقول سولون : ” لقد أرسلت كلمة لي تقول فيها إن الشعب الكورنيثي …” (1) . الحقيقة إن الرسالة كشفت عن هواجس الطاغية ومخاوفه بل وأساليبه في معالجة ظاهرة رد فعل الشعب الكورنيثي على فعل الطاغية السياسي ورفضه بإسلوب مستبد لفهم حقيقة مطالبة الشعب الكورنيثي المشروعة بالتغيير في شكل نظام الحكم الذي إختاره الطاغية وفرضه دون وجه حق على الشعب الكورنيثي . يقول الطاغية بيرانيدر برواية سولون ونص رسالته التي نقلها لنا ديوجانس لارتيوس : ” إن الشعب الكورنيثي يتآمر عليك (أي على الطاغية بيرانيدر) … ” (2) .

   هنا نلحظ الطاغية بيرانيدر قرأ الظاهرة السياسية من زاويته والتي تحمل لوماً مريراً للشعب الذي رفض الظلم وطالب بحقه في العيش في ظل نظام سياسي عادل . فعلاً لقد قطع الطاغية الظاهرة السياسية من جذورها الأساسية وهذا هو شأن الطغاة في كل عصر وزمان . ولكن سولون الحكيم عارف بأسباب تآمر الشعب على الطاغية ، ولهذا جاءت نصيحته السياسية للطاغية مشروطة بفهم الأسباب التي تقف وراء ظاهرة الطغيان ، والتي تجاهلها أو شطب دورها في رد فعل الشعب ضده . والواقع إن نصيحة سولون لفتت إنتباه الطاغية إلى الأسباب الحقيقة وراء التآمر ، فبينت له بأنه ليس من الصحيح تجاهل مطالب الشعب الكورنيثي ، وعدم الإهتمام بمحاولاتهم المتكرر في رفض هذا النمط من الحكم . ولهذا بين له  بأن قرائتك لها نتائج وخيمة وسيئة ، وبلغة خطاب سولون ” ليست جيدة على الإطلاق ” (3) .

  وبعد ذلك ذهب سولون محللاً القشرة السياسة للطبقة الحاكمة وحاشيتها ، وهذا هو الطرف الخطير الذي يهدد الطاغية بيرانيدر ، ولكنه عصب عينيه عنها وركز فقط على رد فعل الشعب الكورنيثي . الحقيقة إن كلام سولون الحكيم فيه تحليل لخوف الطاغية ، وبين له بأن الآمان مفقود ، ولا ضمان وإطمئنان من الحاشية على الإطلاق وهذه مسألة سياسية أدركها سولون وغابت عن أذهان الطاغية . ولذلك أكد له بأن الخطر سيأتي لا محالة من الحاشية التي لها حساباتها السياسية الخاصة . فقال له : ” بأن هناك من لاتشك فيه على الإطلاق ، بأنه سيتآمر ضدك . وذلك بسبب الخوف منك ، ولكن هذا الخوف تجذر في أعماقه ، وهو بالتأكيد عارف بأنك لا تحب (بل ولا تريد) أن تكون خائفاً من مثل هذه الأشياء على الإطلاق . وإن خطة هذا الفرد من الحاشية ، هو الذي قلب المدينة كلها ضدك . وبالمقابل يعمل على ربح المدينة لصالحه ، وإنك بالتأكيد بعيداً كل البعد عن الشك ذرة به ” (4) .

  ومن ثم يعود سولون في تحليل ظاهرة الطغيان وما ستنتهي إليه من نتائج مدمرة وخطيرة على مستوى نظام حكم الطاغية ومستقبل الشعب الكورنيثي على السواء ، فرأى سولون إن الطاغية ركز لومه على الشعب الكورنيثي فقط ، وتجاهل في الوقت ذاته دور العوامل الأخرى المتخفية خلف هذه الظاهرة السياسية . فقال سولون مجادلاً الطاغية : ” وحتى تهرب من اللوم ، لوم الشعب الكورنيثي ، (وهذا طرف من حجة سولون = منا) هو أن تكون طاغية مطلقة . وعلى هذا الأساس يترتب عليك أن تمنح السلطة العليا للقوى الأجنبية على حساب حقوق المواطنين الكورنثيين . وبهذا الخيار لا يمكن لواحد منهم أن يُفكر بالمعارضة والتآمر عليك ” (5) .

  وبعد هذا الدوران في التحليل السياسي ، وصلت سفينة سولون إلى هدفها النهائي ، وأعني النصيحة الساسية السولونية (نسبة إلى سولون الحكيم) ، وهو ” من الأفصل أن تتخلى من هذا الطريق ” من الحكم (التخلي من الطغيان) و” ذلك لأنه لا واحد سيتأمر عليك ، وإنك لا تحتاج أن تلغي دور الشعب الكورنيثي من هذا الطريق ” (6)

ثانياً – تأمل في خطاب سولون إلى الشاعر الفيلسوف إيمينايدس

   لانقول جديداً إذا ما ذكرنا للقارئ  الكريم بأن هذه الخطاب السياسي ، هو نوع من الحوار النفسي بين سولون الحكيم وبين الشاعر الإسطوري إيميناس كما نحسب ، وهو إيمينايدس الشاعر الإسطوري على إجماع جميع المصادر المتوافرة لنا . ويبدو  إن خيال الشاعر الحكيم سولون ، هو الذي رتب هذا النوع من الحوار وإصطنعه ، وذلك سعياً لمناقشة أغراض متنوعة منها ما يخص التشريعات التي أنجزها سولون أو أصدرها وتطلع إلى إنجازها . كما وناقش قضية دور الألهة والمشرعين إضافة إلى دور الشعب . وهي قضية فيها مراهنات كثيرة وخطيرة في ذلك العصر ، وخصوصاً قضيتي الديمقراطية والطغيان ودور القائد الديماغوغي في تعزيز الطغيان على الرغم من إنه ولد في رحم النظام الديمقراطي .  وهذه القضية التي يُعالجها سولون لها بالتأكيد خطورة وعليها مراهنات على صعيد عصرنا كذلك .

  وفي الإمكان وضع هذه القضية السولونية بصيغة بسيطة وفي شكل الإسئلة الثلاثة الأتية :

 هل الألهة والأرباب يمتلكون القوة والسلطة في فرض التشريعات والقوانين ؟ أو هل المشرعون وصانعو القوانين يمتلكون القوة والسلطة على إنجاز التشريعات والقوانين ؟ أم إن الشعب هو صاحب السلطة والقوة الوحيدة القادرة على إنجاز مثل هذه التشريعات والقوانين ؟*

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  *وقبل تحليل خطاب سولون الذي بعثه إلى الشاعر وصانع القوانين إيمينايدس ، نود أن نشير إلى بعض الحقائق التي تنفعنا في فهم هذا الخطاب السولوني وأغراضه . أولاً إن إيمينايدس أو إيمينايدس كنوسوسي ، نسبة إلى الإسم القديم لمدينة كريت وهو كنوسوس ، وإيمينايدس هو شخصية شبه إسطورية من القرن السابع أو السادس قبل الميلاد (وفعلاً فقد وجدنا إنه بعث برسالة إلى سولون الحكيم وهذا ما يدلل على وجود نوعاً من المراسلات بينهما أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الأول ، الفقرة رقم 9) . وإيمينايدس هو متنبئ وشاعر فيلسوف يوناني . وهناك قصة إسطورية نسجت حول حياته ، والتي تذهب إلى إن إيمينايدس أثناء رعيه لأغنام والده ، نام لمدة سبع وخمسين سنة في كهف مقدس للأله زوس ، وهو واحد من كهوف كريت . وبعد إن إستيقض من نومه مرات عديدة ، جاءته النبوة (7) . كتب إيمينايدس حسب قائمة ديوجانس لارتيوس العديد من القصائد الشعرية ، منها قصيدة تألفت من خمسة آلاف بيتاً عالج فيها قضية الخلق وإصول الألهة وقصائد متنوعة أخرى (8) . وكتب رسالة نثرية في تقديم الضحايا في كريت ، وأخرى حول الدستور الكريتي (9) . ويبدو إن الرسالة الأخيرة كانت موضوع إهتمام كل من سولون والفيلسوف أرسطو حين كتب كتابه الدستور الأثيني .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إستهل سولون حجته في مناقشة إيمينايدس بالإعتراف بواقعية نبض التشريعات والقوانين ، من جهة كونها نسبية وليست مطلقة ، فقد تكون مقبولة وتحقق أماني الأثينيين لحظة صدورها ، ولكنها على حد تقويم سولون ” إن القدر مكتوب عليها ، على أن تكون غير قادرة على تقديم الخدمات طويلة الآمد للأثينيين ” (10) حالها حال ” محاولتك (أي محاولة إيمينايدس) في تطهير المدينة ” (11) . والحقيقة إن الحكيم سولون قد إستغل حضور الشاعر الفيلسوف الإسطوري إيمينياس ليطرح محنة دولة – مدينة أثينا وشعبه الأثيني ، وليرسم تفاصيل مآساة الديمقراطية الأثينية والصراع مع الطاغية بيسستروتس ونظام الطغيان والإستبداد . إنها حقاً محنة سولون ومدينته أثينا والديمقراطية الأثينية ، لكن في التقويم الأخير هي محنة الإنسانية والديمقراطية في كل زمان ومكان .

    ومن طرف البحث عن إجابات عن الأسئلة التي رفعناها أعلاه ، والتي وردت بصيغ مختلفة في خطاب سولون إلى الشاعر الفيلسوف إيمينايدس ، وجدنا إن سولون قد نظر إلى دور الألهة والمشرعين والشعب بمنظار سولوني مختلف عما ذهب إليه إيمينايدس . فمثلاً رأى ” إنه لا الألهة ولا المشرعين بقادرين أن يعملوا شيئاً جيداً أكثر من عمل المدن بحد ذاتها ” . كما إنه بالمقابل وجد ” إن الشعب يمتلك القوة ، وهو الذي يقود الناس من وقت وآخر إلى الإعتقاد بالأراء التي يختارونها . وعلى هذا الأساس فإن القوى الإلهية والقوانين تكون نافعة ، عندما يكون المواطنين خاضعين لنظام حكم جيد . ولكن خلاف ذلك فإن المواطنين يكون عليلين (مرضى بالمعنى السياسي = منا) عندما يكونون خاضعين لنظام حكم سئ ” (12) .

   ومن ثم كشف سولون بصراحة السياسي الحكيم المسؤول ، بأنه ” لا القوانين ولا التعديلات التشريعية التي عملتها ، كانت فاعلة ما دام في السلطة من يتجاوزعليها . وإنهم بتجاوزاتهم هذه قد سببوا للمنفعة العامة أضراراً عميقة هذا من طرف . ومن طرف أخر إنهم عجزوا من وقف بيسستروتس من فرض نظام الطغيان (وحكم الطغاة) ” (13) . كما ذكر سولون الأثينيين من إنهم ” قد ضيعوا الفرصة وذلك عندما لم يصدقوه حين حذرهم من المخاطر المحتملة . وبالمقابل فإن بيسستروتس قد حصد النتيجة لصالحه وذلك عندما خدع الأثينيين بالكلام المعسول ، بينما أنا سولون هو الذي أخبرهم بالحقيقة ، وقال لهم الصدق ” (14) .

   وأستمر سولون في تحليله السياسي لظاهرة الطغيان وما رافقها من نتائج مدمرة لحال الشعب ونظام الحكم الأثينيين . وبالمقابل قدم نفسه أمام مجلس المدينة نفسه ومشروعه لإنقاذ دولة – مدينة أثينا . فذهب محللاً وبتفاصيل تقارن بين شخصية سولون الحكيم وشخصية بسستروتس الطاغية ، فقال : ” أنا الذي أوضح للمجلس حكمة سولون المتعالية عليهم ، وبين بالمقابل أفعالهم المتخبطة ، وأعلمت أولئك الذين كانت تساورهم الشكوك ، بأن بسستروتس رجل شهوة ومتعطش للطغيان . وبالمقارنة بينت لهم بأنني الشجاع وليس من المترددين ، في الدفاع عن الدولة ضد الطاغية بسستروتس . إلا إنهم شجبوا أقوالي وإتهموا سولون بالجنون ” (15) .

  وهنا إنتخى سولون الحكيم بحميته السياسية وأخذ يصرخ بصوت مدوي قائلاً :

 ” أوه  وطني ،

هنا أنا سولون مستعد للدفاع عنك بالكلمة والفعل .

ولكنني بنظر أولئك الرجال  أبدو مجنوناً

ولذلك قررت هجرك والرحيل عنك

وسأبقى الخصم الوحيد للطاغية بيسستروتس

ودع أولئك الرجال أن يكونوا حراساً أوفياء له

وليبتهجوا بالقيام بهذا الدور ” (16) .  

   وبعد هذه المناجاة مع الوطن وما حل به ، عاد سولون ليحلل سياسياً التحولات التي حدثت في الوطن بعد رحيله ، وكيف تحول رفاق المعارضة إلى رفاق للطاغية ، بل وتحولوا إلى أبواق تحشد الحشود لينظموا لمسيرة الطاغية ، ويكونوا قواعد لحراسته . إنها فعلاً خيانة عقيدية ومآساة للديمقراطية . ولعل العودة إلى الأطراف الأخيرة من خطاب سولون السياسي ، لتدلل على شدة الألم السولوني وهو يصف المآساة السياسية لدولة – مدينة أثينا وشعبها . يقول سولون وهو يناشد الوطن :

” وأنت عارف بالرجل صديقي الذي سيطر على الطاغية بذكاء عال ، وكيف بدأ حركته ؛ أولاً بتحول عقيدي دراماتيكي (ديموغوغي) (1) ، ومن ثم قام بجرح نفسه ،

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 – تعني كلمة ديماغوغي اليونانية القائد الذي جاء من بين صفوف العامة من الشعب . والحقيقة إن هذه الكلمة – الإصطلاح السياسي ظهرت لأول مرة في اليونان القديمة . وهي في الأصل لا تحمل أية دلالة سلبية ، ولكن فيما بعد إرتبط بها معنى القائد المُشكل (صاحب المشاكل أو صانعها) في النظام الديمقراطي الأثيني . والديماغوغي هو نوع من القائد (ويعكس نوعاً من القيادة) التي إنبثقت بين صفوف الطبقات الفقيرة والمعدمة . وعادة الديماغوغي ضد الحرية والتحرر ، ويستخدم العنف في التعامل مع الأزمات التي يمر بها الوطن . ودائماً يستغل الديماغوغي النقاط الهشة في النظام الديمقراطي لصالحه ، وذلك بسبب إن السلطة النهائية بيد الشعب . للتفاصيل أنظر :

Michael Signer, Demogogue: The Fight to Save Democracy from Its Worest Enamies, Macmillan 2009, pp. 32 – 38

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 وجاء إلى محكمة أثينا العليا (2) ، يصرخ ويقول :

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

2 – إن كلمة هيليا اليونانية تعني المحكمة العليا في أثينا القديمة . وهناك من يرى إن الأسم جاء من الإستماع والذي كان يحدث عادة خارج البنايات وتحت أشعة الشمس . وهيليا في قراءات أخرى هي إسم المكان الذي يحدث فيه الإستماع ، ومنه جاء إسم القضاة باليونانية ، وهي هيليستس . كما ومنه جاءت عملية الحكم . للتفاصيل أنظر :

A – Aristotle, Constitution of Athens, Ed. By John Edwin Sandys, The Lawbook Exchange 2000 (331 pages)

B – R. K. Sinclair, Democracy and Participation in Athens, Cambridge University Press 1991, p. 20

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظروا كيف عاملني الأعداء ، إنهم عاملوني بهذه الطريقة !!

ومن ثم دعا الناس للإنضمام حراساً للطاغية ، وفعلاً فقد كان عددهم أربعمائة رجلاً شاباً . وبالمقابل تخلوا عن نصيحتي (هنا يلمح سولون إلى فعل بيسستروتس وتسلله إلى السلطة أنظر للتفاصيل الفقرة الأتية والمعنونة تأمل في خطاب سولون إلى الطاغية بيسستروتس ، وخصوصاً مؤشرات من سيرته) .

دعهم ينظموا إليه ، ويكونوا حراساً مدججين بالسلاح .

والحاصل من كل ذلك إلغاء الديمقراطية .

إنه لا أمل منهم في مساعدة الفقراء ، فدولتهم هي دولة العبودية .

والآن كلهم أصبحوا عبيد الطاغية بسستروتس ” (17) .

ثالثاً – تأمل في خطاب سولون إلى الطاغية بسستروتس

  حمل هذا الخطاب السولوني تحليلاً سياسياً واقعياً لنظام الطاغية بسستروتس وكيفية تسلله إلى السلطة وتعطيل النظام الديمقراطي وإقامة نظام الطغيان .  إن ذلك حدث من خلال إستغلال بيسستروتس لحالة الفوضى التي عمت أثينا خصوصاً بعد إنتصار الأثينيين على الميغاريين وفرض الأخيرة (أي ميغارى) حالة المقاطعة الإقتصادية التي إستمرت لعقود  ، ومن النافع أن نشير إلى إن سولون أسس تحليله ونقده السياسيين للطاغية ونظام الطغيان على حقائق وحجج في مجملها تتعلق بحياة ومصالح الأثينينين . وفيها كان سولون موضوعي في المناقشة ، فقد إعترف بصداقته للطاغية خصوصاً قبل أن يفرض نظام الطغيان ، وقارن حال أثينا والأثينيين عندما كان سولون في السلطة وفي ظل الديمقراطية . وبين للطاغية بأن إختيار نظام الطغيان سهل وميسور وكان في إمكانه (أي سولون) عندما كان في السلطة إن يختار الطغيان ، ولكنه فضل الديمقراطية لإنها النظام الذي يتوافق والإثينيين وهو شأن أثيني وليس شأن سولون الديمقراطي أو بيسستروتس الطاغية .

  ولكل هذه سعى الباحث إلى توفير للقارئ بعض المؤشرات من سيرة الطاغية بيسستروتس وشرح للظروف التي تسلل من خلالها إلى السلطة وفرض نظام الطغيان . وكذلك تقديم كشوف عن ردود الفعل الأثينية على نظام الطغيان ، والتي تمثلت بنفي بيسستروتس مرتين ، وإغتيال الأثينيين لولده هيباركوس ووريثه ، ومن ثم نفي ولده هيبياس وتجديد النظام الديمقراطي الأثيني وذلك من خلال العودة إلى جوهر الإصلاحات التي قام بها سولون الحكيم .  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مؤشرات من سيرة الطاغية بيسستروتس

بيسستروتس أو في قراءة أخرى بيسستروتيس (القرن السادس ق.م) وفقاً للمعلومات النازلة إلينا من المصادر اليونانية الأولية ، وهي كل من كتاب التواريخ (الكتاب الأول) للمؤرخ اليوناني هيرودوتس (484 – 425 ق.م) ، وكتاب الدستور الأثيني (الجزء 13 ، 14 و 16) للفيلسوف اليوناني آرسطو (384 – 322 ق.م) ، هو (أي بيسستروتس) طاغية أثينا المشهور ، والذي ولد في اليونان خلال الصراع الطويل الأمد بين دولة – مدينة أثينا ودولة – مدينة ميغارى ، والذي يتلخص في النزاع حول ملكية أراضي كل من إليسوس (الفسينيا) وجزيرة سالاميس . وهذا الصراع إنتهى عام 565 ق.م بهزيمة الميغاريين وتشتيت جيشهم على يد بيسستروتس الذي قاد الجيش الأثيني في المعارك .

 والواقع إن الصراع الميغاري – الأثيني قد لعب دوراً في شهرة بيسستروتس بين صفوف الأثينيين . وعلى الرغم من إنه لم يمتلك تجمع سياسي يمكنه من الصعود إلى السلطة ، إلا إنه أخذ يتقدم الصفوف في حياته . وفي فترة عمت فيها الفوضى والإضطرابات ، قام بيسستروتس بإقناع الجمعية الأثينية بتعيينه قائداً للحرس ، وهنا إستغل منصبه وعصف بالجمعية الأثينية وأعلن نفسه طاغية .

   ولكن بيسستروتس تعرض للنفي مرتين ، كانت الأولى عام 555 ق.م ، ومن ثم عاد إلى أثينا بإحتفالية حملت العديد من الأثينيين من الإعتقاد بأن الألهة راضية عليه . وهكذا عاد طاغية من جديد . ومن ثم نفي مرة ثانية ، وبعد عشرة سنوات جمع حشود من المقاتلين ، وبالتحديد من المناطق المحلية (الريفية / الفلاحية) المجاورة لأثينا ، وعاد إلى السلطة حتى موته عام 527 ق.م .

  لقد حكم الطاغية بيسستروتس أثينا خلال الفترة مابين 561 و 527 ق.م . ويرتبط بإسمه الإحتفالات البنثانيك (إحتفالات ذات طبيعة دينية – رياضية …) . ولعل أشهر هذه الإحتفالات ، الإحتفالات التي أُقيمت في عصر بيسستروتس ، هو إحتفال عام 566 ق.م . وكذلك يرتبط بإسمه محاولة إعادة نشر الملاحم الهومرية (نسبة إلى الشاعر هوميروس) .

  ويُنظر إلى بيسستروتس على إنه مناصر للطبقات الدنيا من المجتمع الأثيني . وفعلاً حين صعد إلى السلطة لم يتردد في تحدي الطبقة الإستقراطية ، والذي تمثل في الحد من إمتيازاتها ، بل وتخطى ذلك إلى إنتزاع الأراضي منهم وتوزيعها على الفقراء . كما وساعد مالياً العديد من البرامج الفنية والدينية . وبيسستروتس هو إسم لثلاثة طغاة حكموا أثينا خلال الفترة الممتدة من عام 546 وإلى 510 ق.م ، وهم كل من الأب بيسستروتس وولديه كل من هيبياس الأثيني (الذي خلف والده عام 527 ق.م) وهيباركوس (مات مقتولاً عام 514) .

  ومن الملاحظ إن عائلة الكيمونا الأثينية النبيلة قد لعبت دوراً في طرد الطاغية هيبياس ، وذلك من خلال رشوة كاهنة الوحي في معبد دلفي ، وحملها على إخبار الإسبارطيين على ضرورة تحرير أثينا . وفعلاً حدث هذا في عام 510 ق.م وتم نفي هيبياس . وبعد ذلك قام كليثنيز (ولد عام 570 ق.م وهو خال رجل الدولة الأثيني بريكلس (495 – 429 ق.م) بتجديد النظام الديمقراطي الأثيني القديم وعلى أسس العودة إلى إصلاحات سولون الحكيم . للتفاصيل أنظر :

1 – A. French. “The Party of Peisistratos”. Greece & Rome. Vol. 6, No. 1, March 1959,pp. 45 – 57

2 – B. M. Lavelle. Fame, Money and Power: The Rise of Peisistratos and Democratic Tyrany at Athens, The University of Michigan Press 2005  

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  بدأ الخطاب بحقيقة ، وهي قبول سولون العودة إلى أثينا بعد إن إختار المنفى إختيار خلال فرض بسستروتس لنظام الطغيان . فقال وهو يخاطب الطاغية بيسستروتس : ” أنا متأكد جداً سوف لا أتعرض إلى أي نواع من الشر على يديك ، وأنت عارف بأنني كنت صديقاً لك قبل أن تفرض نظام الطغيان ” (18) . إنها فعلاً مقدمة سياسية هادئة مؤسسة على الوقائع وتفصل بين المصلحة الفردية ومصلحة الشعب الأثيني الذي إختار النظام الديمقراطي ، والأن يائس ويعاني سراً وعلانية من شرور الطغيان .

   وعلى هذا الأساس السياسي تحول الخطاب إلى إسلوب حوار ومحاجة بين الحكيم سولون والطاغية بسستروتس . فالقضية في أساسها ليست قضية سولون ومعاضته الفردية كما يصورها الطاغية وإنما هي قضية الأثينين عامة  وسولون واحداً منهم . ولهذا أفاد سولون مجادلاً بسستروتس الطاغية : ” والأن إن قضيتي لا تختلف عن قضية أي مواطن أثيني ، يائس وحزين من الطغيان ” (19) .

  وجادل سولون الطاغية بأن نظام الحكم هو خيار الأثينيين ، فهم وحدهم الذين يمتلكون الحرية في إنتخاب الحاكم وشكل الحكم المناسب لهم ، وهذه القضية هي التي حملت سولون أن يقف في صف الأثينيين ويضع نفسه معارضاً لصديقه السابق بعد أن تحول إلى طاغية . يقول سولون ” وسواء إنه من الأفضل للأثينيين أن يعيشوا تحت نظام سياسي يقوده فرد واحد (طاغية) ، أوالعيش في ظلال الديمقراطية ” (20) وهذا الأمر بينه سولون للطاغية بصراحة ، وإنه متروك للشعب الذي هو في الحقيقة مجموعة أفراد : ” وهذا الأمر بيد الأفراد ، ومعروف إن لكل فرد رأي وقرار ، والذي يعكس إتجاهاته ومشاعره الخاصة ” (21) إذن مسألة الخلاف والمعارضة ليست بين سولون بشخصة وبسستروتس الطاغية ، وإنما هي قضية دولة – مدينة أثينا والشعب الأثيني برمته أفراداً وجماعات .

  ومن ثم تحول التحليل السياسي السولوني إلى شواطئ الواقعية السياسية النقدية أو على الأدق الشكل السولوني القديم لها . فقد إعترف سولون بأن نظام بسستروتس ليس من أسوء أنظمة الطغيان ، بل إنه من أفضلها ، ولكنه من طرف أخر هو ليس ” بالجيد في نظري ” أما الإثينيين فهم أحرار في إختياراتهم وهذا الأمر يعود إليهم . وهنا أفاد سولون موضحاً : ” وأنا أعترف بأنك أفضل من كل الطغاة ، ولكنني صراحة لا أستطيع الحكم على إن طغيانك هو جيد لي ، وإنما ذلك يعود إلى الأثينيين ” (22) .

  وإنتهى الخطاب السياسي السولوني بالمقارنة بين الفعل السياسي الذي أنجزه سولون الحكيم لصالح اثينا والأثينيين ، والفعل السياسي الذي قام به الطاغية بسستروتس ، وفي هذه المقارنة نقد وتوصيف للظروف التي عمل فيها سولون في تعزيز النظام الديمقراطي الأثيني ، وهي الظروف ذاتها (أي الصعود إلى السلطة) التي إستغلها بسستروتس في الإنفراد بالسلطة وإقامة نظام الطغيان . والحقيقة إن سولون لم يغفل الإشارة إلى النقاط الهشة في النظام الديمقراطي والتي سمحت للطاغية من الصعود ومن ثم إلغاء الديمقراطية وتحويل دولة – مدينة أثينا إلى نظام طغيان ذاعت سمعته السيئة في عالم اليونان القديم . ولهذا أفاد سولون مدققاً : ” وعلى الأقل سيوجه لي اللوم خصوصاً بعد قيامي بتأسيس نظام المساواة في الحقوق المدنية بين الأثينيين ، وبعد رفضي كل المحاولات لأكون طاغية بنفسي ، بينما كانت السلطة بيدي . ونعود إلى العقد ونسألك : ماذا أنت فاعل الآن ؟ ” (23) . إنه سؤال السياسي الواقعي سولون الحكيم ، وهو بالتأكيد سؤال الشعب الأثيني الذي يتطلع إلى يوم أثيني جديد ليس فيه وجود للطغيان والطاغية بسستروتس . وهو سؤال يرعب الطاغية في كل لحظة تغيب فيها الشمس ، وفي كل لحظة فيها شروق جديد .        

رابعاً – تأمل في خطاب سولون إلى ملك ليديا كرويسوس

   ونحسب من النافع أن نُعلم القارئ بأن هذا الخطاب السولوني ، خطاب قصير جدا جدا . ورغم إنه قصير فهو مهم من ثلاثة نواح : الأولى إنه خطاب موجه من الحكيم سولون إلى ملك ليديا كرويسوس ، وفيه محاجة مقتضبة حول الديمقراطية والإستبداد والطغيان . والثانية إنه درس سياسي من طرف إن ملك ليديا يسمع لما يقوله الحكيم سولون ، ومسرور في قدوم سولون الواعد إلى بلاطه . والثالثة إن سولون مهموم بصورة غير إعتيادية بما يجري في بلاده أثينا ، ولذلك رهن حياته للإنتصار للديمقراطية ليل نهار ، وبالمقابل فضح مبررات الإستبداد وإغتصاب السلطة بقوة السلاح والرجال وهذا ما قام به الطاغية بيسستروتس .

 بدأت الرسالة بتحية قدمها سولون إلى كرويسوس ملك ليديا+ ، وهذه ترجمة لها : ” أشكرك على هذه الإرادة الخيرة وإهتمامك بشخصي . وأقسم بالإلهة مينيرفا : بأنني إذا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

+ لتقديم فهم دقيق لهذا الخطاب السولوني ، وعلاقة سولون بملك ليديا ، وطبيعة عقيدته بالإلهة مينيرفا التي أقسم فيها ، نقدم هذين الهامشين :

1 – كرويسوس (595 – 547 ؟ ق.م) ملك مملكة ليديا للفترة من 560 وحتى 547 ق.م ، وهو العام الذي تمكنت القوات الفارسية من دحر قواته . والحقيقة إن هزيمة كرويسوس على يد الفرس ترك أثراً كبيراً على العالم الهيليني (اليوناني الخالص) كما وتركت معلماً خاصاً في تقويمهم السنوي ، وبالتحديد في القرن الخامس قبل الميلاد .

  ونود أن نشير هنا إلى حقيقتين تاريخيتين :

الأولى – الخلفية التاريخية لمأساة كرويسوس ومملكة ليديا :

       من الثابت تاريخياً إن علاقة كرويسوس بالمستعمرات الأيونية (اليونانيون الأيونيون) لا تعمل لصالحه يومذاك ، وذلك بسبب نظام دفع إجور الحماية التي يوفرها ملك ليديا لهذه المستعمرات . وبالرغم من إن كرويسوس لم يُظهر أية مواقف عدائية لهم ، بل إنه كان ودوداً لهم أكثر من والده . الأمر الأخر من ظروف المآساة ، هو إن كرويسوس منح ملجأً للأمير دارستوس بن الملك غوردياس ملك مملكة فريجيا ، والذي طرده والده بعد قتله لأخيه . وهذا فعلاً ما يُخبرنا به هيرودوتس ، فيقول إن كرويسوس رحب به لاجئاً في المملكة . ولكن دارستوس قتل خطأً أتيس بن الملك كرويسوس ، ومن ثم قتل نفسه .

   في ظل هذه الظروف تزايدت القوة الفارسية في الأناضول ، وكرويسوس هو الحامي للمدن الأيونية ضد التهديدات الفارسية . لذلك بدأ بالترتيب لحملة ضد كورش الكبير الفارسي (576 – 530 ق.م) . وقبل أن يُباشر حملته ، فضل إستشارة الوحي في معبد دلفي وإستشارة المتنبئ إمفايروس ، وذلك للإختيار بين القيام بحملته أو البحث عن حلفاء . غير إن الإستشارة جاءت غامضة . وبالصيغة الآتية : إذا هاجم كرويسوس الفرس ربما سيدمر الإمبراطورية . ومن ثم تحول هذا الوحي إلى واحدة من قضايا الوحي المشهورة والمثيرة للجدل في معبد دلفي .

  وإعتماداً على النصيحة التي قُدمت له تحالف كرويسوس مع دولة إسبرطة القوية ، ثم تحالف مع المصريين والبابليين ، وبدأ حملته ضد الفرس في عام 547 ق.م . وكانت العادة إذا جاء الشتاء إنسحب الطرفان . وفعلاً فعل كريسوس ، ولكن كسرى إستمر في الهجوم وأسر كريسوس في مدينة سارد عاصمة مملكة ليديا . وهكذا أصبحت رسالة الوحي واضحة ، وهي إن إمبراطورية كريسوس القوية تدمرت بيد كريسوس … للتفاصيل أنظر :

1 – Herodotus, Histories (Op. Cit), Book, 1, 34 – 45

2 – Stephanie West, “Croesus’ Second Reprive and Other Tales of the Parsian Court”, Classical Quarterly 53 (2003), pp. 419 – 424   

الثانية – شهادة سولون الحكيم :

   تكشف هذه الشهادة السولونية عن الكثير من المرامي المتخفية (تجاه ملك ليديا كرويسوس) وراء خطاب سولون ذو الطبيعة الفلسفية العالية ، والذي لا يقل مقاماً عن خطاب إفلاطون وأرسطو فيما بعد (على الإقل بعد قرنين من الزمن) . ونحسب إن كلاهما (أي إفلاطون وتلميذه آرسطو) قد تعلما الكثير من خطاب سولون و إستبطنا الطريقة السولونية في معالجة هذه القضية الأكسيولوجية في نصوصهما التي درست مضمار السعادة .

  ونرى من النافع في فهم قوة خطاب سولون الأكسيولوجي على الملك كرويسوس الذي كان يتطلع إلى  الإستماع من سولون على جواب يُرضيه ، هو أن نذكر بعض الحقائق التي يعرفها الإثنان ؛ الملك كرويسوس والحكيم سولون ، والتي لا تؤهل كرويسوس أن يكون سعيداً : الأول هو موت إبن الملك كرويسوس مقتولاً بيد ضيف الملك والذي إنتحر هو الأخر (أي القاتل) . الثاني هو موت زوجة الملك إنتحاراً بسبب مقتل ولدها . الثالث هو إن الملك كرويسوس ومن قبله والده قد رهنا حرية المستعمرات الأيونية (اليونانية) بيد مملكة ليديا ، وإن الأخيرة بالمقابل وفرت الحماية لليونانيين في هذه المستعمرات لقاء دفع أتاوة (ما يشبه الجزية) . وهذا الموقف بالتأكيد لم يرضي اليونانيين سواء الذين كانوا يعيشون في هذه المستعمرات أو يوناني أثينا ومنهم سولون الحكيم .

  ولذلك تشعر إن في هذا الخطاب السولوني ذو الطبيعة الحوارية بين الملك كرويسوس وسولون ، الكثير من الأشياء التي تكشف عن عدم إرتياح سولون من كرويسوس بالرغم من إن الملك كان يتودد لسولون ، ويوجه له الدعوات المتكررة بالزيارة ، والإستضافات المتنوعة لسولون في قصره .  والحقيقة إن القارئ يمكنه أن يقرأ القصة كاملة عند المؤرخ اليوناني هيرودوتس ، وفي كتابه التواريخ / الكتاب الأول . ولكن ما يهمنا منها ، هو الإشارة إلى إن هذا الخطاب السولوني ، يكشف عن قدرة فلسفية حوارية تمتع بها سولون ، وهو يواجه السؤال الأكسيولوجي (الذي رفعه الملك كرويسوس) المتعلق بالسعادة ، وهذا السؤال جاءعلى لسان الملك :

   من هو الإنسان السعيد ؟ ويبدو لنا أولاً إن شخصية كرويسوس في هذا الخطاب ، شخصية مصطنعة لأغراض المعالجة الفلسفية لقضية السعادة . وثانياً وهذه حقيقة تاريخية ، وهي إن الملك كرويسوس كان من الأثرياء الذين ذاعت شهرتهم العالم القديم (وفي الرواية الفارسية إنه قارون الذي جاء ذكره في القرآن) . وثالثاُ إنه يحكم مملكة قوية آمنة . ولهذا كان الملك موهوماً بأن جواب سولون سيكون بلا شك ، هو إن الملك كرويسوس هو الإنسان السعيد .  ولكن جواب سولون صدم الملك وخيب آماله على الإطلاق . فقد بين سولون دون مجاملة وملق ، إن كرويسوس ليس واحداً من سعداء العالم ، وهذا هو خلاصة جواب سولون الحكيم ، وهي إن هناك  ثلاثة رجال أكثر سعادة من كرويسوس ، وهم رجل الدولة الأثيني تيلوس الذي كان له ولدان من أجمل فتيان العالم ، وتمتع برؤية أحفاده ، ومات مدافعاً عن أثينا خلال الحرب ، فدفنه الأثينيين بكل شرف وإحترام ، والثاني والثالث هما الأخوين كليوبس وبايتن اللذان أعزا أمهما خلال الإحتفالات الدينية وبذلا جهداً بطولياً ، وفي النهاية ناما فماتا في نومهما ، بعد إن دعت لهما أمهما بالسعادة الكاملة  للتفاصيل أنظر :

       Herodtus, Op.Cit, Book 1, 6 – 94 

2- الإلهة مينيرفا : وهي ألهة الحكمة والفنون والصناعات والدفاع . وبالتحديد منذ القرن الثاني قبل الميلاد ونازلاً أخذ الرومان يعادلون بينها وبين ألهة اليونان أثينا . وهي ألهة عذراء للموسيقى والشعر والطب والتجارة والمهن والسحر . وغالباً ما ترتبط الجذور الثقافية السرية لعبادتها بالبومة . ولهذا يُطلق عليها ” بومة مينيرفا ” وذلك لإرتباطها رمزاً بالحكمة .

  وحال مينيرفا حال أثينا التي حسب الإسطورة التي نسجت حولها ، إنها ولدت من عقل أبيها ، الإله جوبيتر عند الرومان (زوس عند اليونان) . وهناك إعتقاد إلى إن هذه العقيدة وبضمنها الإلهة مينيرفا غريبة على اليونان ، وإنها جاءت إلى اليونان وإيطاليا من الشرق . وهناك مصادر أخرى تُرجح إنها تولدت في أسيا الصغرى (تركيا اليوم) حيث المستعمرات الأيونية . في حين ترى مصادر أخرى إن إسمها جاء من المينز والذي يعني العقل أو الذاكرة والتذكر .

  ويحتفل الرومان بالألهة مينيرفا كل عام خلال الفترة الممتدة ما بين 19 آذار وحتى 23 آذار . ومينيرفا تُعبد جنباً إلى جنب الإله جوبيتر في معبد مينيرفا مديكا ، وفي معبد مينيرفا دلبورم والذي شيده عام 50 ق.م القائد السياسي والعسكري بومبيس الكبير (106 – 48 ق.م) وفي منطقة اليوم تشغلها كنيسة تسمى كنيسة ” القديسة مريم سوبرا مينيرفا ” (منا : وهي مسألة تلفت الإنتباه إلى الإمكانية المسيحية في تحويل معبد لعبادة رموز من الديانات الوثنية اليونانية إلى كنيسة لقديسات مسيحيات) … للتفاصيل أنظر :

William Smith, Op.Cit, V.2, p. 1090

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 لم أفكر بالشئ الذي لا تعلو عليه قيمة أي شئ في هذا العالم ، وهو العيش في ظلال الديمقراطية ، فإنني بالتأكيد راغب ، بل وهذا ما أفضله وهو العيش معك في قصرك على العيش في أثينا ما دام بيسستروتس قد صنع من شخصه طاغية بالقوة والإجبار .

والحقيقة إن الحياة تكون عندي أكثر بهجة عندما يسود العدل والمساواة في عموم الكون . وعلى أي حال سأتوجه أليكم وأرى حضرتكم في هذا الفصل من السنة . وأنا أتطلع بسرور للإستمتاع بحسن ضيافتكم وكرمكم ” (24) .

تعقيب    

 صحيحُ إن حياة الحكيم (وربما الفيلسوف) سولون ، ونصوصاً من خطاباته السياسية سجلت حضوراً قوياً في كتاب ديوجانس لارتيوس حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . ولكن من الصحيح جداً إنها نزلت إلى ديوجانس من مصادر متنوعة كثيرة (وهذا ما بيناه فعلاً في الباب المعنون : مصادر ديوجانس لارتيوس في الكتابة عن سولون / البحث الحالي) . كما إن أهمية نصوص سولون تعود إلى إنها كونت مقدمات سياسية إنموذجية مبكرة في الفكر السياسي اليوناني (والأدق الأثيني) ومشروع إصلاح للتشريعات الدستورية الأثينية هذا من طرف . وإنها من طرف أخر جذبت إهتمام إثنين من كبار العقول اليونانية ، وهما كل من المؤرخ اليوناني الكبير (أبو التاريخ) هيرودوتس ، وفيلسوف اليونان الكبير آرسطو . وفعلاً إن قارئ كتاب التواريخ لهيرودوتس يلحظ إن سولون وخطاباته السياسية سجلت إهتماماً غير إعتيادي . في حين إن آرسطو إحتفل بها في كتابه الدستور الأثيني إحتفالاً تطلع إلى تأسيس مضمار فلسفة سياسية مهمتها إنجاز إصلاح دستوري لمدينة – دولة أثينا (وربما تطلع أرسطو إلى حدود جغرافية أوسع) …

  ومعلوم إن هناك إختلاف بين ذهنيتين سياسيتين ؛ ذهنية الحكيم – الفيلسوف الإرستقراطي سولون ، وذهنية القائد العسكري بيسستروتس الذي ولد في رحم الطبقات الفقيرة والمعدمة . وهذه الحقيقة تقدم لنا فهماً في الصراع بين الشخصيتين كما عكستها الخطابات السياسية ، وهو الصراع بين نظام ديمقراطي مدعوم بالطبقة الإرستقراطية ، ونظام إستبدادي إنفرد بالسلطة وكان نصير الفقراء والمعدمين . كما تيسر لنا هذه الحقيقة فهماً في كيفية صعود بيسستروتس لسلم السلطة ، وعودته إلى السلطة مرتين بدعم من الفقراء ورجال فتيان محليين (أولاد الفلاحين) بعد إقصائه من السلطة ونفيه مرتين .

  وعلى هذا الأساس بقي سولون الحكيم في سجلات التاريخ حكيم وفيلسوف الإرستقراط ، بينما ظل بيسستروتس طاغية ونصير الفقراء والمعدمين . ولا تنسى إن الحكيم سولون إعترف في خطاباته السياسية بأن ” بيسستروتس من أفضل الطغاة ” . ولعل مسك الختام القول بأن من جديد هذا البحث ، هو تقديم شخصية سولون فيلسوفاً . وهذا فعلاً ما بينه واحد من مصادر ديوجانس لارتيوس ، وهو الكاتب أبولودورس في كتابه المعنون فرقة الفلاسفة . وهذا الأمر له أهمية خطيرة في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وذلك من حيث إنه يقدم فهماً جديداً يدلل على إن الفيلسوف اليوناني طاليس لم يكن كما تردد كتب تاريخ الفلسفة اليونانية لقرون مضت (وبالطبع كتب تاريخ الفلسفة بالعربية كذلك) من إنه فيلسوف اليونان الأول والوحيد بلا منازع ، وإنما في الحقيقة هناك فلاسفة أخرون ، ومنهم سولون مثلاً يُشاركون طاليس في إبوة الفلسفة اليونانية ، وكانوا في الوقت ذاته معاصرين له ومنهم من هو أكبر سناً من طاليس ، وظلت نصوصهم خالدة في حين لم تبقى من كتابات طاليس سوى جملتين أو ثلاث (وهذه المسألة أشرنا إليها في الباب المعنون : ديوجانس لارتيوس : المقدمة الفلسفية الناقصة / من البحث الحالي) . 

الهوامش :

 1 – ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة رقم 17

2 – المصدر السابق

3 – المصدر السابق

4 – المصدر السابق

5 – المصدر السابق

6 – المصدر السابق

7 – ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الأول (حياة إيمينايدس الفقرات من 1 – 13) الفقرات من 1 – 2 

8 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 5

9 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 6

10 – المصدر السابق ، الكتاب الأول (حياة سولون) ، الفقرة رقم 18

11 – المصدر السابق

12 – المصدر السابق

13 – المصدر السابق

14 – المصدر السابق

15 – المصدر السابق

16 – المصدر السابق

17 – المصدر السابق

18 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 19 (ولم يظهر الرقم في الطبعة ولكن المقارنة بين رقم الفقرة 18 وهي الفقرة التس سبقتها ، ومقارنة بالفقرة التي جاءت بعدها وحملت الرقم 20 ، يظهر بصورة بديهية إن رقم هو 19 .

19 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 19

20 – المصدر السابق

21 – المصدر السابق

22 – المصدر السابق

23 – المصدر السابق

24 – المصدر السابق ، الفقرة رقم 20   

 

Posted in Dr.MOHAMAD FARHAN, Pisitratus to Solon, Plato, Solon of Athens: An Analysis of His Political Letters, Solon to Croesus, Solon to Epimanides, Solon To Periander, Solon to Pisistraus, فكر ما قبل الفلسفة, قضية الديمقراطية والطغيان والقائد الديماغوغي, كنيسة القديسة مريم سوبرا مينيرفا, مآساة ملك ليديا كرويسوس, مآساة الديمقراطية الأثينية, مؤشرات من سيرة الطاغية بيسستروتس, مدرسة فلسفية عراقية - كندية إلكترونية, مركز دريد للدراسات, معبد دلفى, هيرودوتس وكتابه التواريخ, أوراق فلسفية جديدة / العدد 10, أبولودورس وكتابه فرق الفلاسفة, أثر الدستور الكريتي لإيمياندس على الدستور الأثيني لأرسطو, أرسطو وكتاب السياسة, أرسطو وكتابه الدستور الأثيني, إفلاطون ومحاورة الجمهورية, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الإلهة مينيرفا, الإمكانية المسيحية في تحويل معبد وثني إلى كنيس القديسات, الديمقراطية والطغيان في العالم العربي : الدرس السياسي اليوناني, الشاعر الأسطوري إيمينايدس, بركليس, تأمل في خطاب سولون إلى ملك ليديا كرويسوس, تأمل في خطاب سولون إلى الشاعر الفيلسوف إيمينايدس, تأمل في خطاب سولون إلى الطاغية بيرنيدار, تأمل في خطاب سولون إلى الطاغية بيسستروتس, ديوجانس لارتيوس, سولون الحكيم الأثيني فيلسوفاً, طاغية كورنثيا بيرنيدار

المدرسة الكلبية : فلسفة وفلاسفة

 الفلسفة : حُب الحكمة       الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

            مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

CYNICISM: PHILOSPHY and PHILOSOPHERS

Dr. MOHAMAD FARHAN

المدرسة الكلبية : فلسفة وفلاسفة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم : بحثُ في الإصطلاح

    نحسبُ إن الإصول الفلسفية لهذه المدرسة تصعد إلى أراء وعقائد مجموعة من الفلاسفة اليونان القدماء ، والذين يُعرفون بالكلبيين . وفي إسم المدرسة وفلسفتها روح ساخرة ومتمردة على كل بهارج الحياة ومظاهرها الزائلة . ومن هنا جاء إسمها باليونانية والمترجم إلى الإنكليزية بلفظة سينك أي السخرية ، وللدلالة على سلوك الشخص وتفكيره جاءت لفظة سينكل أي الساخر أو المُثير للسخرية والضحك هذا طرف من إشتقاق إسم المدرسة والفلسفة والفيلسوف . أما الطرف الأخر لإسم المدرسة ، فيكمن في المحاولات القديمة للإجابة عن السؤال : لماذا سُمي هؤلاء الفلاسفة بالكلبيين ؟ ولعل واحدة من هذه المحاولات ترى بإن السبب وراء التسمية ، هو إن الفيلسوف الكلبي الأول أنتيسثينيس (445 – 365 ق.م) ، كان يُعلم ويلقي محاضراته في الجمنزيوم المسمى كاينوساركس في مدينة أثينا . وإن كلمة كاينوساركس تعني مكان ” الكلب الأبيض ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمة روبرت درو هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 الكتاب السادس ، الفقرة رقم 23) .

  ونحسبُ على أساس الطرف الأخير ، إن كلمة الكلب ، هي كلمة فيها قذف وتجريح للفلاسفة الكلبيين الأوائل . كما وفيها تسفيل وإلحاق الضرر بهم ، وذلك بسبب عدم إلتزامهم بقواعد الحياء والحشمة ، وخروجهم على تقاليد وروتين الحياة اليونانية ،  وفضلوا العيش على أرصفة شوارع المدن اليونانية . وفعلاً فإن الفيلسوف الكلبي ديوجانس الساخر ، قد أدرك المعاني السلبية (التي تحمل الذم) في كلمة كلب وكلبية ، ولكنه سعى بكل قوة إلى تحريرها من مضمونها السلبي ، وتوجيها توجيهاً إيجابياً لصالح هذه النزعة الفلسفية الساخرة والمتهكمة من بهارج الحياة بكل ألوانها . ولعل في كلمات الفيلسوف ديوجانس الكلبي الصدق الكثير . فقد كانوا ينادونه ” ديوجانس الكلب ” . وفي رده عليهم ما يحمل التصحيح ، فقال : ” الكلاب الأخرى تعضُ أعدائها أما أنا فأعضُ أصدقائي لأنقذهم ” .  

   وقد حفظت لنا كتابات الفلاسفة الكلبيون المتأخرون ، نصوصاً تشهد على تحويل كلمة كلب و كلبية وكلبي ، من معانيها السلبية التي تحمل الذم والإنتقاص ، إلى معاني إيجابية تحمل معاني التسامي والعلو والتي تشتغل لصالحهم ، وتقوض دعاوي خصومهم . ولعل الشرح الكلبي المتأخر يوضح ذلك :

  هناك أربعة أسباب تدور حول السؤال : لماذا سُمي هؤلاء الفلاسفة بالكلبيين ؟

أولاً بسبب روح التشابه وعدم وجود إختلافات في طريقتهم في العيش والحياة . ولذلك شكلوا نحلة (فرقة) متساوية (لا إختلاف فيها) ، وهم بهذا المعنى مثل الكلاب ؛ يأكلون في الأماكن العامة ، ويتزاوجون في الشوارع ، ويمشون حفاة ، وينامون في الحبوب (وهي جرار أو أحواض فخارية كبيرة مهجورة) في تقاطع الشوارع .

ثانياً بسبب إن الكلب حيوان لا يعرف الحياء والعار ، ولذلك كونو نحلة (طائفة) متحررة من العار والحياء . وهذا ليس بمعنى التواضع ، وإنما بمعنى السمو والعلو .

ثالثاً بسبب إن الكلب هو الحارس الآمين ، ولذلك كان الفلاسفة الكلبيون ، الحراس الأمينون على عقائدهم الفلسفية .

رابعاً وبسبب إن الكلب حيوان متميز (متفوق) ، يمتلك القابلية على التمييز بين الأصدقاء والأعداء .

  وعلى هذا الأساس فإن الفلاسفة الكلبيين يعترفون بحق الأصدقاء المناسبين إلى الفلسفة ، ويقومون بإستقبالهم بكل رحابة وإبتهاج . وبالمقابل فإن الأخرين اللذين لا يتلائمون مع الفلسفة ، فإنهم يُطردون مثل الكلاب ، وذلك عن طريق النباح عليهم . (أنظر : دونالد دولي ؛ تاريخ الكلبية من ديوجانس وحتى القرن السادس الميلادي / نشرة أوراق كلاسيكية – برستول 1937 ، ص 5) .

تأملات تاريخية في إصول الحركة الكلبية

  لاحظ الباحثون الأكاديميون في إصول وتاريخ الفلسفة الكلبية ، بأن هناك أثاراً لعدد من الفلاسفة على بنية الفلسفة الكلبية ، وعلى نمط حياتهم الذي إختاروه . ومن هؤلاء الفلاسفة ، فيثاغوراس (570 – 495 ق.م) والإخوة الفيثاغورية التي نظمها كأسلوب حياة للجماعة الفيثاغورية رجالاً ونساءً . وهكذا دافع الفيثاغوريون عن حياة البساطة ، وإسلوب العيش المشترك للجماعة الفيثاغورية في إطار قواعد تضبط حياة المدرسة الفيثاغورية . وبذلك يمكن القول إن نمط الحياة الفيثاغوري ، قد تقدم على الكلبية بقرون عدة ، حيث تصعد المدرسة الفيثاغورية إلى القرن السادس قبل لميلاد . حقيقة إن الفيثاغوريين في بعض الجوانب من حياتهم كانوا كلبيين في القرن السادس قبل الميلاد . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الكلبيين ومدرستهم في القرن الرابع وما بعد كانوا فيثاغوريو القرن الرابع قبل الميلاد وما بعد (للتفصيل عن الفيثاغورية أنظر : محمد جلوب الفرحان 1 – تحليل أرسطو للعلم البرهاني (رسالة ماجستيرأُجيزت في صيف عام 1976) ، نشرة وزارة الإعلام العراقية ، بغداد 1983 ، الفصل الأول المعنون الفلسفة الرياضية قبل أرسطو (إضافات الفيثاغورية) ، ص ص 18 – 30 . 2- فلسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد / منشور على موقع الفيلسوف ، 3 أذار 2011 . 3 – دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع خريف 2011) .

  كما لاحظ الدارسون في إصول الكلبية ، إلى وجود رموز يونانية وغير يونانية ، قد تقدموا على الكلبيين ، وكانوا رواداً لهم . منهم الفيلسوف السيكوثي أناكارسيس ، وبالمناسبة إن السيكوثيين هم شعوب أسيوية جاورت اليونان ، وتزاوجوا مع اليونان ، والشاهد على ذلك أناكارسيس الذي كان سيكوثي وأمه تراقية يونانية ، والذي جاء إلى أثينا في القرن السادس قبل الميلاد ، وبالتحديد في العام 589 ق.م ، والذي تربطه صداقة بالحكيم اليوناني صولون (638 – 558 ق.م وهو واحد من الحكماء السبعة ، وقد خصه ديوجانس لارتيوس في الكتاب الأول من موسوعته حياة وآراء .. بإثنتي وعشرين فقرة ، بذأت بالفقرة رقم 45 وإنتهت بالفقرة رقم 67)

   وأناكارسيس هو بتقدير المصادر اليونانية واحد من رواد الكلبية الأوائل . والحقيقة إن مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس قد تناوله ضمن حديثه عن الحكماء السبعة (واللذين رفع عددهم إلى حوالي الأثنا عشر..) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمه إلى الإنكليزية روبرت درو هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 ، الكتاب الأول ، الفرة 101 . والواقع إن ديوجانس قد خص أناكارسيس بخمس فقرات ، بدأت بالفقرة رقم 101 ، وإنتهت بالفقرة 105) . وحسب هذه المصادر فإن أناكارسيس وحكيم سيكوثي ، قد عاشا سوية ، حياة مشتركة بسيطة ، كانت موضوع نقد وإستهجان من زاوية الأعراف اليونانية . ومن هذا الطرف تحول نمط حياتهما إلى مثال إحتفل به الكلبيون (أنظر : أر مارتن ؛ اللهجة السيكوثية : أناكارسيس والكلبيون / منشور في كتاب ماريا أوديل وأخرون ؛ الكلبيون : الحركة الكلبية في الماضي وتراثها ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 1996) .

   ولاحظنا إن هناك من الباحثين من تجاوز المحيط الثقافي اليوناني وجيرانه في البحث عن شواهد زهدية متقدمة على الكلبيين ، وذهبوا يفكرون ويربطون النزعة الزهدية للكلبية بمصادر من حضارات أبعد جغرافياً بحدود ما ، فمثلاً حاولوا ربطها بالفلاسفة الهنود العراة (جيمنسوفستس ، والتي تعني الفيلسوف الهندي العاري – الزاهد أو الراهب البوذي) . ويحسب هؤلاء الباحثون إن قصص الفلاسفة الهنود العراة قد وصلتهم ربما من خلال عساكر الإسكندر التي إحتلت أطراف من الهند يومذاك أو ربما أبعد من ذلك . ومن هذا الطرف تبنى الكلبيون طريقتهم الزهدية الصارمة ، وعدم إحترامهم القوانين وإنقيادهم إلى الأعراف والتقاليد (أنظر : ج . روم ؛ العقول الكلبية والمتوحشون النبلاء : الكلبية قبل الكلبيين / بحث منشور في المصدر السابق) .

  ومن ثم نظر الباحثون في مصدر مهم للفلسفة الكلبية ، وهي السفسطائية وفلاسفتها الجوالون ، كما إنهم بدأوا في القرن الخامس قبل الميلاد بإثارة أسئلة كبرى حول  تلامس مظاهر متنوعة من المجتمع اليوناني ، مثل الدين والقوانين والأخلاق . والسفسطائيون هم مجموعة فلاسفة جوالين ، رافقوا الحركة الديمقراطية في المجتمع الأرستقراطي اليوناني ، ومنهم بروتاغوراس ، وجورجياس ، وبردكيوس ، وهبياس وأخرون . ومن النافع أن أشير هنا وإعتماداً على كوثري إلى إن سقراط كان سفسطائياً وبتقديرنا إلى حد الثلاثين من عمره ..وهذا الكلام أدليت به إلى إذاعة النور اللبنانية ضمن حوار حول تاريخ الفلسفة وموضوعات خاصة بفلسفة التاريخ / خريف 1998 / الحلقة مسجلة بحدود الساعة (أنظر : كوثري ؛ تاريخ الفلسفة اليونانية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1969 / المجلد الثالث ، ص 401) .

 ومسك الختام حديث عن الأثر الذي تركه سقراط على الحركة والفلسفة الكلبية ، ومن خلال تعاليمه وذكرى دروسه على تلميذه وحواريه أنتيسثينس مؤسس المدرسة الكلبية . صحيح إن سقراط لم يكن فيلسوفاً زاهداً ، ولكنه كان صاحب منهج عرف بمنهج التهكم والتوليد ، وهو منهج كشف جهل السياسيين ، وتناقض في حجج السفسطائيين فلاسفة الحركة الديمقراطية ، فإتهموه بإفساد الشباب والقول بآلهة غير آلهة المدينة ، وواجه حكم الموت ، وكان الفيلسوف الكلبي أنتيسثينس حاضراً اللحظات الأخيرة من حياة أستاذه سقراط . ومن هذا الطرف السقراطي ، إمتلك أنتيسثينيس وعموم الكلبيين الشجاعة في التمرد السلبي على القوانين والأعراف . وبالمقابل تنبيه الناس على الأخطاء في سلوكهم وإعتقاداتهم وإسلوب حياتهم . صحيح إن هناك إختلافات بين مواقف الأستاذ سقراط حول الثروة ، ومواقف التلميذ أنتيسثينيس . فالأستاذ سقراط لم يكن زاهداً ، ولكنه كان مُحباً للفضيلة . فإن التلميذ على عكس أستاذه قاد في المجتمع الأثيني حركة وفلسفة تدعو الناس إلى العيش حياة الزهد والفقر  . ولكنه في الوقت ذاته عزز الخط الأخلاقي للأستاذ سقراط ، فكان التلميذ أنتيسثينيس يدعو المجتمع الأثيني إلى العيش وفقاً للفضيلة (أنظر : كريستوفر تايلر ؛ سقراط : مدخل موجز ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2001) .        

تأمل في مبادئ المدرسة الكلبية الفلسفية

والكلبية هي واحدة من أهم الفلسفات الهيلينستية على الإطلاق ، وذلك لأنها قدمت للناس صور من السعادة الممكنة ، والخلاص من المعاناة في عصر غاب فيه اليقين . وفي الإمكان تلخيص مبادئها الأساسية بالصورة الآتية :

أولاً – إن هدف الحياة هو السعادة ، والتي تتحقق عن كريق العيش وفقاً للطبيعة .

ثانياً – تعتمد السعادة على الإكتفاء الذاتي ، والسيطرة على الميول العقلية .

ثالثاُ – إن إنجاز الإكتفاء الذاتي ، هو أن يعيش الإنسان حياة ” الأريت ” .( والأريت مفهم يوناني يعني أن يعيش بدرجات من الإمتياز . وبعض الأحيان تعني أن يعيش الإنسان حياة الفضيلة . وتعني كذلك بأن ” يعيش الإنسان بأحسن ما يستطيع أو الوصول إلى أعلى الممكنات الإنسانية (أنظر للتفصيل : ورنر ييجر ؛ مُثل الثقافة اليونانية ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورج ، نيويورك 1945 ، المجلد الأول ، ص 5)

رابعاً – إن الطريق إلى الأريت ، هو تحرير النفس من تأثير الثروة ، والشهرة والسلطة ، والتي لا قيمة لها في الطبيعة .

خامساً – تسبب المعاناة والعذابات ، الأحكام الكاذبة ، والتي هي سبب الإنفعالات السلبية والشخصية الشريرة .

  وعلى هذا الأساس فإن الكلبي لا يملك ملكاً ، ويرفض كل صور الثروة والأموال ، والشهرة والسلطة والسمعة (أنظر : أي لونك ؛ التقليد السقراطي : ديوجانس ، كريتيس والأخلاق الهيلينستية / منشور في كتاب (وشارك فيه مجموعة باحثين ) : الكلبيون : الحركة الكلبية في الماضي وتراثها ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 1996 ، ص ص 28 – 29) .

  ويتطلب العيش وفقاً إلى الطبيعة ، تلبية الضروريات للوجود فقط . وإن الإنسان يصبح متحرراً عن طريق تحرير النفس من الحاجات التي نتيجة للتقاليد والعادات . ولهذا تبنى الكلبيون شخصية هيركلس بطلاً مثالياً لهم (وهو بطل إلهي وفقاً للإسطورة اليونانية ، وهو إبن رب الأرباب زوس (أنظر : كارل كيرني ؛ أبطال اليونان ، نشرة دار تايمز وهيدسن ، لندن 1959) . وفعلاً فإن الطريق الكلبي للحياة ، يتطلب التدريب المستمر ، وليس فقط التدريب على الأحكام والتعبيرات العقلية ، وإنما عن طريق التدريب الرياضي كذلك . ولذلك كان ديوجانس دائماً يقول :

  هناك نوعان من التدريب ؛ العقلي والجسمي ، والأخير تم خلقه في العقل بسرعة .. ولكن الواحد منهما بدون الأخر يكون ناقصاً .. ولما كانت الصحة والنشاط يعملان في خدمة ما هو خير ، فإنهما بالتأكيد يعتمدان على كل من العقل والجسم سوية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب السادس ، 70) .

  والحقيقة إن الفيلسوف الكلبي ليس بفيلسوف إنسحابي (وهذا يشمل المجتمع الكلبي عامة) ، بل هو دائماً مكشوف ، شاخص أمام أنظار الجمهور ، وعند الحديث عن الفيلسوف الكلبي فهو شخصية واحدة على طول خط الحياة ، لا يعرف التلون بضغط الظروف ، ولا يتصنع المواقف ليرضي السلطة والسلطان بمعناها العام . وهو شخصية صبورة يواجه الإعتداءات بإعتدال ، لأنه عارف بأن مظهره وسلوكه الذي لا يتناسب وتقاليد وأعراف المجتمع المحلي المنغلق الذي يعيش في وسطه . ولذلك فإن الفيلسوف الكلبي بدلاً من التأكيد على هويته المحلية ، تطلع نحو هوية المواطن العالمي . وفعلاً فإن الكلبيين هم الذين إخترعوا فكرة العالمية أو الكوسموبولتية . ولعل صدى ذلك تجده في السؤال ، الذي يُلقى على الكلبيين دائماً من قبل الجمهور المحلي : من أين أتيتم ؟ فإن ديوجانس يجيب ” أنا مواطن العالم “ (المصدر السابق ، 63) .

  وإن الكلبي هو مثال للواعظ اليومي للناس ، وهو الحارس الأمين (وكلب الحراسة الأمين) على مقدرات الإنسانية ، وعمله الحقيقي هو تنبيه الناس على الخطأ في إسلوب حياتهم . ولعل المثال من حياة الكلبي (وبالمناسبة إن تداول كلمة العظ هي للسخرية فقط) يكشف حقيقة عمله ، فهو دائماً يحفر عميقاً من أجل الإمساك بالقيم المتخفية في جذور التقاليد والأعراف . ومن هذا الطرف يمكن الحديث عن الفلسفة الكلبية بأنها فلسفة تركز على الأخلاق فقط . والشاهد على ذلك الأثر الذي تركته في العالم الهيلينستي عامة ، وعلى الفلسفة الرواقية خاصة . ومن الشهادات الرواقية على أثر الفلسفة الكلبية عليها ، إسمع إلى ما يقوله الفيلسوف الرواقي ” أبولودورس ” (إزدهر في عام 150 ق.م) ، فقد أفاد باحرف الواحد : ” إن الفلسفة الكلبية هي أقصر الطرق إلى الفضيلة ” (أنظر : المصدر السابق / الكتاب السابع ، 121) .  وفعلاً فإن الكثير من هذه الآراء الكلبية قد إمتصتها وإستبطنتها المدرسة الرواقية (أنظر : مالكولم سوكفيلد ؛ فكرة الرواقية للمدينة ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1991) .

فلاسفة المدرسة الكلبية الأوائل

  وإن الفيلسوف الأول  من فلاسفة المدرسة الفلسفية الكلبية ، هو الفيلسوف أنتيسثينيس ، وهو أثيني من جهة الوالد*وتراقي من طرف الأم ، بدأ حياته محارباً

ــــــــــــــــــــــــــ

* لقد خصص ديوجانس لارتيوس الحديث عن الفيلسوف الكلبي أنتسثينيس ، الكتاب السادس من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وبالتحديد تسعة عشر فقرة ، تبدأ بالفقرة رقم 1 وتنتهي بالفقرة رقم 19 . ورغم إن ديوجانس يعتمد بعض الأحيان على مصادر معادية للكلبية ، فهو من المصادرالفلسفية الأولى التي وصلت إلينا كاملة . والذي قام بترجمته إلى الإنكليزية روبرت درو هيكز ، وهو من نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية ، والصادر عام 1925 .

ــــــــــــــــــــــــــ

 ، وفعلاً فقد قاتل في شبابه في معركة تناجرا (بين أثينا من طرف وتناجرا وطيبة من طرف أخر وذلك في عام 426 ق.م ، وكان عمره ثمانية عشر ربيعاً) ، ومن ثم أصبح حوارياً وتلميذاً للفيلسوف السفسطائي جورجياس (485 – 380 ق.م) والذي تعلم على يديه فن الخطابة (وهذه التلمذة على يد السفسطائي جورجياس ، تمنحنا فرصة مهمة لفهم الكثير من أنماط حياة الكلبيين ، فهم فلاسفة جوالون ، حالهم بدرجات ما تشبه حال فلاسفة السفسطائية ..) . ومن ثم كما يبدو لنا إن التلميذ أنتيسثينيس ، إنقلب على أستاذه جورجياس ، وأصبح تلميذاً متحمساً للفيلسوف الشهيد سقراط (469 – 399 ق.م) وكان ذلك في نهايات القرن الخامس قبل الميلاد .

   إن هذا الإنقلاب الدرامي في حياة أنتيسثينيس وتفكيره ، خلق إنعاطفاً فكرياً وترجيحاً لفلسفة المعلم الجديد سقراط وعلى حساب فلسفة المعلم الأول جورجياس ، والذي يعدُ واحداً من خصوم سقراط . ونحسب إن ذكريات دروس المعلم جورجياس في الخطابة ظلت متخفية تحت جلد الخطاب الفلسفي الذي أنتجه أنتيسثينيس ، وإن مأساة معلمه سقراط ، التي تلوثت فيها يد بعض السفسطائيين ، سببت تروما (الصدمة النفسية) وجرحاً نازفاً ، عاشه أنتيسثنيس بقية عمره ،  وحمله معه إلى قبره . وفعلاً فإن المصادر التي تناولت حياته ، وخصوصاً ديوجانس لارتيوس ، تذكر بإنه كان حاضراً لحظة إعدام أستاذه سقراط ، وتشير إلى أن أنتيسثينيس لم ينسى على الإطلاق مسببي مأساته وقتلته ( أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 9) .

   تبنى أنتيسثينيس الجانب الأخلاقي من التعاليم الفلسفية للأستاذ الشهيد سقراط ، وطوره ليتناسب ونزعته الفلسفية الأخلاقية ، التي تدافع بقوة عن حياة الزهد ، وذلك خلال التأكيد على العيش وفقاً للفضيلة . وهو بمنظار العديد من كتاب المرحلة الهيلينستية ، وخصوصاً المتأخرين ، هو المؤسس الحقيقي للفلسفة الكلبية . وبدأ محاضراته في كاينوساركس ، وهو مجاور لمعبد هركليس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 13) .

    واليوم يقدم لنا كاينوساركس فهماً للأسباب التي حملت الكلبيين ، ومنهم أنتيسثينيس على وجه الخصوص ، على عدم التمسك بمواطنتهم وهويتهم الأثينية ، ففضلوا الهوية الكوسموبولتية والمواطنة العالمية (وهذه الفكرة الكلبية ستلقى لها ترحيباً وتبنياً قوياً عند الرواقية ، وربما من خلالها أو من خلال الكلبيين المتأخرين إستبطاناً ملفت للنظر عند المسيحية) (أنظر الكتاب الممتاز : دونالد دولي : تاريخ الكلبية من ديوجانس وحتى القرن السادس الميلادي ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج ، ص ص 209 وما بعد) . نقول وفقاً لقواعد الحياة الثقافية الأثينية يومذاك ، فإن كاينوساركس كان مكاناً تعليمياً للأشخاص الذين تكون أمهاتهم أجنبيات . وفعلاً كما ذكرنا أعلاه إن أم أنتيسثينيس كانت تُراقية أجنبية على الرغم من والده الأثيني القُح .

  وحسب رواية ديوجانس لارتيوس ، فإن كتابات أنتيسثينيس تشكل عشر مجلدات كاملة . ولكن مع الأسف لم يبقى منها سوى مقاطع متفرقة . وكان يفضل إسلوب المحاورة في الكتابة (ويبدو في هذا الأسلوب الأثر السقراطي ، والذي يُعزز الفهم لدينا في طرفين ؛ الأول إن أسلب لمحاورة السقراطية ، قد تبناه فيما بعد معظم تلاميذ سقراط ، من أمثال أنتيسثينيس ، أكسانوفان ومن ثم إفلاطون .. والثاني إن محاورات أكسانوفان السقراطية ، ومحاورات إفلاطون السقراطية ، هي في الأصل نسخً أكسانوفانية وإفلاطوني لمحاورات سقراط الشفهية في الأصل) .

  لقد هاجم أتيسثينيس في محاوراته بعض من معاصريه من أمثال الخطيب والجنرال الأثيني القبايدس (450 – 44 ق.م) ، ومعلمه الأول ، السفسطائي جورجياس ، وإفلاطون (424 – 347 ق.م) . وكان إسلوبه يتمتع بالأناقة والصفاء . وزعم الخطيب والمؤرخ اليوناني ثيوبومبس (ولد عام 380 ق.م) في رسالة بعنوان ” في الشفقة ” (والتي فيها هجوم على إفلاطون) ، بأن إفلاطون إستحوذ دون وجه حق ، على الكثير من أفكار أنتيسثينيس . وعلى أي حال ، فإن شيشرون كان له رأي أخر بحق الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس ، فبعد قراءة لبعض مؤلفات أنتيسثينيس ، وصفه ” بالرجل الأكثر ذكاءً من المثقف ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 4) .

  ومن ثم جاء الفيلسوف الكلبي ” ديوجانس السينوبي (نسبة إلى مدينة سينوب التركية اليوم) (ولد حوالي 412 – 323 ق.م) . وهو فيلسوف يوناني ، وواحد من مؤسسي الفلسفة الكلبية . ولد في سينوب ، وهي مستعمرة أيونية ، تقع على البحر الأسود (أنظر : لوي نيفيا ؛ ديوجانس سينوب : الرجل في الحوض الفخاري ، نشر دار كرين وود 1998) . وإتخذ ديوجانس من هركليس مثالاً له ، جسده في حياته وتصرفاته . وإعتقد إن الفضيلة تُفصح عن حالها في أفضل صورة في الفعل ، وليس في النظرية *.

ـــــــــــــــــــــــــــ

* ومن الملاحظ على مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، إنه قد خص الفيلسوف الكلبي ديوجانس بحجم كبير من الفقرات ، بحيث جاءت ثلاثة أضعاف الفقرات التي كتبها عن الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس ، وفعلاً فقد شغلت من الكتاب السادس من موسوعته حياة وأراء … ، الفقرات التي تبدأ بالفقرة 20 وتنتهي بالفقرة الحادية والثمانيين .

ــــــــــــــــــــــــــ

  كما وإستخدم الأسلوب الكلبي في الحياة والتصرف ، وذلك لنقد القيم والأعراف الإجتماعية ، والتي رأها صورة للمجتمع الفاسد . وأعلن عن نفسه مواطناً كوسموبولتياً أي عالمياً . وهناك روايات تذكر بأنه تابع خُطى الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس ، وأصبح مريداً مخلصاً له على الرغم من قسوة المعلم التي صبها عذاباً جسدياً على التلميذ ديوجانس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، التاب 6 : 18 ، 21) . ورواية اللقاء بين الإثنين ، هي موضوع شك . فليس هناك ما يؤكد على إن الرجلين إلتقيا في حياتهما (أنظر : أي لونك ؛ التقليد السقراطي : ديوجانس ، كريتس والأخلاق الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 45) .

  وتذكر المصادر التي أعتنت بديوجانس ، إلى إنه إصطنع فضيلة الجوع والفقر ، وبدأ بالتسول في الأسواق العامة ، وذلك من أجل العيش ، وينام في الأحواض الفخارية المهملة في الأسواق . وتحول إلى ظاهرة فلسفية مشهورة ، وبالتحديد في حمله مصباحه في ضُحى النهار ، زاعماً بأنه يبحث عن الرجل الآمين الصادق . ومعروف عنه ، إنه تهكم وسخر من الإسكندر المقدوني (356 – 323 ق.م) الرمز السياسي الكبير يومذاك . كما ووبخ إفلاطون ، وهاجمه في تفسيره لسقراط ، وتخريب محاضراته .

  وبعد رحلة بحرية ، قبض عليه القراصنة ، وباعوه عبداً في أسواق النخاسة . قررالإستقرار في كورنيثا . وهناك سلم مصباح الفلسفة الكلبية ، إلى وريثه الفيلسوف الكلبي كريتس ( والذي كان بدوره معلماً لزينون الأكتومي ، مؤسس الفلسفة الرواقية) . ولم يبقى لنا من مؤلفات ديوجانس العديدة شئ حي . ولكن جاءتنا التفاصيل عن حياته من خلال روايات نقلها لنا ديوجانس لارتيوس ، في كتابه الموسوعة الشهير حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : ديوجانس لارتيوس وموسوته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) . والحقيقة إنه رغم ضياع مؤلفات ديوجانس الكلبي ، فإن مؤرخ الفلسفة ديوجانس لرتيوس يذكر بأنه كتب عشرة كتب ، ومجلد من الرسائل ، وسبع مسرحيات تراجيدية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 80).

   واليوم كل ما لدينا روايات عن حياته ، وأقوال تنسب له ، وهي مبعثرة في مصادر كلاسيكية (أنظر : لوس نفيا ؛ المصدر السابق ، ص 226) . وبالطبع إختلط فيها الحقيقي الأصيل الذي كتبه يراع الفيلسوف الكلبي ديوجانس ، بالروائي المنحول الذي أضافته خيالات الكتاب وذلك لملأ الفراغات الناقصة عن حياة وآراء هذا الفيلسوف الظاهرة * .

ـــــــــــــــــــــــــ

* وبالمناسبة فإن العقل العربي الإسلامي ، قد تعرف في وقت مبكر معقول ، على الفلسفة الكلبية ، وخصوصاً على رمزها الظاهرة الثقافية ” ديوجانس ” . ولعل من الشواهد التاريخية على معرفة العقل العربي الإسلامي بآراء ديوجانس وتداولها ، المصادر الآتية :

1 – أبو الفرج بن هندو ؛ الكلم الروحانية من الحكم اليونانية / دراسة وتحقيق وشرح الدكتور محمد جلوب الفرحان ، نشرة الشركة العالمية للكتاب ، ط1 بسروت 2001 ، ص ص 233 – 240) .

2 – حنين بن إسحاق ؛ آداب الفلاسفة ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ، ط1 ، الكويت 1985 ، ص 45 

3 – مسكويه ؛ جاويدان خرد ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ، دار الأندلس ، بيروت بلا تاريخ ، ص 216

4 – المبشر بن فاتك ؛ مختار الحكم ومحاسن الكلم ، حققه عبد الرحمن بدوي ،  ط1 ، مدريد 1958 ، ص ص 72 – 74

ــــــــــــــــــــــــ

 فلاسفة كلبيون من القرن الرابع قبل الميلاد

 وقبل الحديث عن كريتس الطيبي (365 – 285 ق.م) ، وريث ديوجانس على المدرسة الكلبية ، نود المرور على قائمة من أسماء الفلاسفة الكلبيين في القرن الرابع قبل الميلاد ، والذين لازم بعض منهم ديوجانس ، وكانوا تلاميذاً له ، ويتقدم القائمة أونيسكرتيوس (360 – 290 ق.م) وكان تلميذاً وحوارياً لديوجانس رغم إن ولديه قد تقدموا عليه في الزمن في التلمذة على يد ديوجانس(أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 84) ، ومنهم الفيلسوف فيلسكوس الإيجيني (عاش في نهايات القرن الرابع قبل الميلاد) وكان تلميذاً لديوجانس مثل والده أونيسكرتيوس وأخيه الأصغر إندروسثينس واللذان سبقا والدهم وجاءوا إلى أثينا وتعلموا الفلسفة بحضور محاضرات المعلم ديوجانس (المصدر السابق ، الكتاب 6 : 75) .

  ومن الفلاسفة الكلبيين اللذين درسوا على يد ديوجانس ، الفيلسوف هيجسيس سينوب (إزدهر عام 325 ق.م) وهو تلميذاً لديوجانس ، وكذلك مونميوس السركوسي (بالعربية سرقاسطة) وهو من فلاسفة الكلبية في القرن الرابع قبل الميلاد ، وكان في الأصل عبداً ، ومن ثم أصبح تلميذا لديوجانس وأصبح زميلاً للفيلسوف كريتس الطيبي الذي كان في الوقت ذاته تلميذاً لديوجانس (المصدر السابق ، الكتاب 6 :82 . وفعلاً فقد خصص له مؤرخ الفلسفة ديوجانس فقرتين وهما 82 و 83) ، ومنهم الفيلسوف الكلبي ثراسليس (إزدهر عام 325 ق.م) . ومن ثم تصاعد نجم الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي (365 – 285 ق.م) وأصبح رئيساً للمدرسة الكلبية* .

ـــــــــــــــــــــــــ

* ولدينا قوائم بأسماء فلاسفة المدرسة الكلبية ، تُغطي القرن الرابع والثالث والأول قبل الميلاد . كما وتمتد قوائمنا ، فتغطي فلاسفة الكلبية في القرون الميلادية ، الأول والثاني والرابع والخامس .

ـــــــــــــــــــــــــ     

  ولد كريتس عام 365 ق.م في طيبة اليونانية (أنظر : الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 52) ، وهو إبن أسكوندرس ، ومن خلال والده ورث كريتس ثروة هائلة . وقد أورد ديوجانس لارتيوس عدداً من الروايات (خصص ديوجانس لارتيوس من موسوعته حياة وآراء .. للحديث عن كريتس ثمان فقرات من الكتاب السادس ، بدأت بالفقرة رقم 85 وإنتهت بالفقرة 93) ، التي تشرح التحولات التي حدثت في حياة كريتس . منها الرواية التي تشرح أسباب توزيع الفيلسوف لأمواله على مواطني طيبة . فترى إن الفيلسوف شاهد في إحدى المسرحيات التراجيدية ، إنقلاب حياة الملك تيليفوس الدراماتيكية ، فبعد إن كان صاحب المُلك والسلطة ، تحول إلى متسولاً في الشوارع . وفي رواية أخرى إن الفيلسوف كريتس أودع أمواله عند صاحب بنك ، وإشترط عليه في الإتفاق بينهما ، أن يسلم هذه الأموال لأولاده . ولكن إذا أصبحوا فلاسفة ، فطلب منه أن يوزعها على الفقراء (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب 6 : 87 – 88) .

  ومن ثم إنتقل كريتس إلى أثينا ، وأصبح تلميذاً لديوجانس . وهناك بعض المصادر لا ترى بإن هذه العلاقة بين التلميذ كريتس والمعلم الفيلسوف الكلبي ديوجانس يقينية . إلا إننا نحسب إن هناك إفادات يقينية وردت على لسان كريتس ، تؤكد على قيام مثل هذه العلاقة ، فقد قال بالحرف الواحد ” إنه كان زميلاً لديوجانس ، والذي تحدى كل محاولات الحسد والغيرة ” (المصدر السابق ، الكتاب 6 : 93) .

  وتذكرُ روايات أخرى بأن كريتس تتلمذ على يد إثنين من فلاسفة المدرسة الميغارية ، وهما كل من ستلابو (360 – 280 ق.م) وتلميذه البرايسن الأكيني (إزدهر سنة 330 ق.م) (المصدر السابق ، 6 : 85) ، وعاش كريتس حياة بسيطة مملوءة بالفرح والبهجة* . ومن النافع الإشارة إلى إن بلوتارك ، الذي

ـــــــــــــــــــــــ

* وهذه إشارات كافية تلوح على عبورالفلسفة الميغارية إلى ديار الفلسفة الكلبية ، وخصوصاً مع الفيلسوف الكلبي كريتس . ويبدو إن صدى دروس الأساتذة الميغاريين ؛ برايسن وستلابو ، وبالتحديد دروسهما في منطق القضايا الميغاري ، قد عبرت خلال كريتس إلى تلميذه زينون الأكتومي مؤسس الرواقية ، ومن خلال الرواقية أو الإفلاطونية المحدثة التي إستبطنت الكثير من الفكر الرواقي ، وبالتحديد الفكر المنطقي عبرت الى دائرة المباحث الفلسفية والمنطقية الإسلامية .

ــــــــــــــــــــــ

ولد في نهايات النصف الأول من القرن الأول الميلادي ، وبالتحديد في العام 46 ، وتوفي عام 120 ، قد كتب سيرة ذاتية تفصيلية عن الفيلسوف الكلبي كريتس . ولكن مع الأسف تعرضت للضياع ، وبقيت منها إشارات فقط ، يِؤكد فيها بلوتارك على علو كعب كريتس ، ويصفه بالتحديد بأنه إنسان من نوع خاص . فيقول :

   كان كريتس لايملك شيئاً ، سوى محفظته ، وردائه الرث ، ودائماً تراه يُضاحك الحياة بدعابة ساخرة ، وكأنه في مهرجان .

   وقيلً إنه كان يُعاني من عوق جسمي ، تمثل في تحدُب في أكتافه ، وعرج في واحدة من رجليه . وإعتاد الأثينيون على تلقيبه بفاتح الأبواب ، وذلك بسبب دخوله كل البيوت دون تردد ، وإن الناس كانوا يستقبلونه بترحيب وتشريف . فقد كان يدخل بيوت الأصدقاء حتى دون توجيه دعوة له (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ بلوتارك مؤرخاً للفلسفة اليونانية / سينشر على موقع الفيلسوف) .

  كتب الفيلسوف الكلبي كريتس العديد من الرسائل ، تناول فيها موضوعات فلسفية متنوعة ، كونت بمجموعها كما يحسب ديوجانس لارتيوس كتاباً . ويعتقد لارتيوس إن كريتس كان يُفضل إسلوب المحاورة . وعلى هذا الأساس قارن لارتيوس بين إسلوب كريتس وإسلوب إفلاطون . ولكن هذه الرسائل – الكتاب لم تبقى متداولة لفترة طويلة ، فقد ضاعت وطواها النسيان (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب السادس : 98) .

  وهناك ست وثلاثون رسالة فلسفية كلبية ، حفظها لنا القدر من الضياع ، واليوم تُنسب إلى الفيلسوف الكلبي كريتس ، ويرى الدارسون إنها كُتبت ولفقت في القرن الأول قبل الميلاد . وكريتس هو مؤلف لعدد من التراجيديات الفلسفية ، وعدد من القصائد الشعرية الصغيرة والتي يُطلق عليها بالألعاب . ويبدو من خلال ما تبقى من مقاطع لكتابات كريتس ، يتبينُ إنه كان يُعلم إسلوب الزهد البسيط . ولهذا كان صاحب نهج زهدي معتدل أكثر من سلفه ديوجانس .

  وفعلاً في مقطع ظل محفوظاً له ، تأكدت هذه النزعة الزهدية المعتدلة ، فقد جاء فيه ، إن رجلاً سأل الفيلسوف كريتس قائلاً : ” ماذا سيكون حالي إذا أصبحت فيلسوفاً ؟ فرد عليه الفيلسوف ” ستكون قادراً بالتأكيد ” . ومن ثم فصل أكثر ” ستكون قادراً على فتح محفظتك بسهولة ، وتصرف بسخاء ، وتوزع بكرم بدلاً مما عليه أنت الآن ؛ الخجل يلفك ، كثير التردد ، ودائماً ترتجف مثل أيادي المشلولين . وبدلاً من ذلك ، إذا كانت محفظتك مملوءة ، فبالتأكيد ستنظر بكل ذلك . ولكن إذا كانت محفظتك فارغة ، فإنك لا تكون متحيراً ممتحناً . وإذا حاولت مرة أن تستعمل النقود ، فإنك ستكون قادراً على التصرف بها بسهولة ويسر. ولكن إذا كنت لا تملك شيئاً ، فإنك لا تستحق شيئاً ، وإنك ستعيش بقناعة مع ما تملك ، ولا ترغب بما لا تملك ، ولا تبتئس بما سيأتي في طريقك ” (أنظر : أدورد أونيل ؛ حكايات : المعلم الكلبي ، نشرة دار الباحثين الأكاديميين ، مونتانا 1977 ، الفقرة رقم ) .   

   كما وجذب كريتس العديد من التلاميذ ، وبالمناسبة كانت الفيلسوفة الكلبية هبريشا الماروني (إزدهرت عام 325 ق.م) واحدة من طالباته (وقد خصها ديوجانس لارتيوس بالفقرات 96 و97 من كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب السادس) ، وهي أخت تلميذ له يُدعى ميتروكلس . وقيل إن هبريشا هامت به عشقاً ، وأحبت طريقه في الحياة ، فكان الحاصل تمردها على إسلوب حياة عائلتها الثرية . ومن ثم تزوجت منه ، فكان زواجهما زواجاً إحتفالياً في مدينة أثينا ، وذلك بسبب إن هذا الزواج تأسس على علاقات المساواة والإحترام بين الزوجين . فتحولت قصتهما إلى حديث كل لسان أثيني . وفعلاً فقد تسائل الناس : كيف يجوز لأمرأة محترمة أن تتصرف بهذه الطريقة ؟ وكان لهما من هذا الزواج ولد وبنت (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع ، خريف 2011) .

  كما كان كريتس معلماً للفيلسوف الرواقي زينون الأكتومي (334 – 262 ق.م) ، وبالترجيح في السنوات الأخيرة من القرن الرابع الميلادي . وبلا شك فقد ترك أثراً ملحوظاً على تطور فلسفته الرواقية . وبالمقابل فإن التلميذ الفيلسوف زينون عندما يتحدث عن كريتس ، فإن كلامه مملوء بعبارات التقدير والإحترام العاليين . (أنظر : ديوجانس لارتيوس : الكتاب الأول : 15 ، الكتاب السادس : 105 ، والكتاب السابع : 2 …) . وفعلاً إن قارئ موسوعة ديوجانس لارتيوس حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، وخصوصاً عندما يتحدث عن كريتس وزينون الأكتومي ، يتأكد بأن كتابات زينون ، كانت واحدة من المصادر المهمة التي عرفتنا بالفيلسوف الكلبي كريتس (المصدر السابق ، الكتاب السادس : 91 ، وقارن كذلك الكتاب السابع : 4) .

  أما طلاب كريتس الأخرون التي حفظت لنا أوراق التاريخ أسماءهم ، منهم ميتروكلس (إزدهر عام 325 ق.م) . وهو فيلسوف كلبي من مارونيا (وقد خصه مؤرخ الفلسفة ديوجانس لارتيوس بفقرتين من كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب السادس ، وهما الفقرة رقم 94 والفقرة رقم 95) ، درس أولاً في مشائية أرسطو ، ومن ثم تحت يد الفيلسوف المشائي ثيوفروستس (خليفة أرسطو على المدرسة) ولكنه تحول إلى الكلبية* ، بعد إلتحاقه بالفيلسوف كريتس ومتابعة أبحاثه الفلسفية تحت إشرافه (المصدر السابق ، الكتاب السادس : 94) .

ـــــــــــــــــــــــــ

 * وهنا نلفت الأنظار إلى إن أفكار الفلسفة الأرسطية ، والمدرسة المشائية ممثلة بأراء ثيوفروستس ، قد عبرت إلى الفلسفة الكلبية ومن خلالها إلى الرواقية ، وبالطبع من خلال ميتروكلس . ونحسبُ خلال كل هذه المصادر عبرت إلى دائرة الثقافة العربية الإسلامية ، خصوصاً إذا وضعنا في إعتبارنا المدراس الرواقية التي إنتشرت في العراق وفارس والهند وبلاد الشام في عهد السلوقيين خلفاء الإسكندر المقدوني ، ومنها المدارس الرواقية البابلية التي إنطلق شعلتها في سلوقيا عاصمة السلوقين التي أسسوها على ضفاف دجلة الخالد (تقع اليوم بقاياها جنوب بغداد ، وكانت مقابلة لعاصمة الفرس ، طيسفون التي تقع على الجهة الأخرى من دجلة  خلال الإحتلال الفارسي للأراضي العراقية) والتي ولد فيها وتخرج من مدرستها الفلسفية الفيلسوف الرواقي الشهير ديوجانس البابلي ، ومن ثم شد الرحال إلى أثينا ، وأصبح رئيساً للمدرسة الرواقية في أثينا .

ــــــــــــــــــــــــــ

 ومنهم مونميوس السركوسي الذي كان تلميذاً لديوجانس الكلبي ، ومن ثم تعرف على كريتس وتابع دراسة الفلسفة بصحبته . وكتب كتابين ؛ الأول بعنوان في الدوافع . والثاني بعنوان التشجيعُ على الفلسفة (المصدر السابق ، الكتاب السادس : 82 – 83) . ومنهم الفيلسوف الكلبي ثيومبروتس (إزدهر عام 300 ق.م) وكان تلميذاً وزميلاً للفيلسوف كريتس الطيبي . وكذلك منهم الفيلسوف كليمونس الكلبي (إزدهر عام 300 ق.م) ، وهو تلميذ للفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي (أنظر : ماريا أوديل : الكلبيون : الحركة الكلبية وتراثها (مصدر سابق) ، ص 392) .

فلاسفة المدرسة الكلبية في القرن الثالث قبل الميلاد

  يتقدم القائمة الفيلسوف الكلبي (الساخر) بايون بوريسثينس (325 – 250 ق.م) ، ويُشار إليه كفيلسوف كلبي وسفسطائي (وأحسب هنا قد وقع خلط واضح بين الكلبية والسفسطائية ، وذلك لأن حال الفيلسوف الكلبي في السلوك حال السفسطائي ، فهو فيلسوف جوال يسكن الشوارع وينام في الأماكن العامة ..) . وتذكر المصادر حادثة مهمة غيرت إتجاه الفيلسوف بايون ، فقد وقع أسيراً ، وبيع عبداً في أسواق النخاسة ، وبعد تحريره ، رحل إلى أثينا متطلعاً إلى دراسة الفلسفة . وفعلاً بعد إن حط الركاب في عاصمة الفلسفة ، إنخرط في الدراسة في معظم المدارس الفلسفية هناك . ومن ثم تبنى إسلوب الحياة الكلبي ، وتدرب على إسلوبهم الساخر ، وفعلاً فقد سخر من حماقات البشر ، وهاجم الدين . وبالمقابل أعلى من مكانة الفلسفة .

  جاء بايون في الأصل من مستعمرة أولبيا اليونانية (هي اليوم جزء من أوكرانيا) والتي تقع في الساحل الشمالي للبحر الأسود ، وبالتحديد على مدخل نهر بوريسثنيس ، الذي جاء منه لقب الفيلسوف الكلبي بايون . صحيح إن المصادر تشير إلى إنه عاش في الفترة ما بين 325 و 250 قبل الميلاد . ولكن ليست هناك شواهد تاريخية دقيقة على تاريخ ولادته ووفاته بالتحديد اليقين .

  إلا إننا نتلمس عند المؤرخ اليوناني سترابو (63 ق .م – 24 م) شهادة تاريخية نافعة ، فقد ذكرته معاصراً للجغرافي وعالم الرياضيات القورينائي أرتوسثينس (الليبي) (276 – 194 ق.م) ، والذي ولد عام 276 ق.م (أنظر : دون رولر ؛ جغرافية أرتوسثينس : مقاطع مترجمة وشرح ، نشرة مطبعة جامعة برنكتون 2010) . بينما حفظ لنا ديوجانس لارتيوس على شهادة منقولة عن الفيلسوف الكلبي بايون ، يصف فيها سلالته التي ترتبط بالملك المقدوني إنتيغونس الثاني غونتس (319 – 239 ق.م) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 4 : 46 – 47) .

   ذكرنا أعلاه إن بايون بعيد وصوله إلى أثينا ، بدأ بدراسة الفلسفة . وفعلاً إستهل دراسته في الأكاديمية تحت إشراف أكسينوكرتس (396 – 314 ق.م) والذي كان رئيساً للأكاديمية الإفلاطونية من 339 وإلى 314 ق.م (المصدر السابق ، ص 15) وهو المدافع عن العودة إلى إفلاطون وفلسفته (أنظر : الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 48) ، ومن ثم إنتقل للدراسة تحت إشراف كريتس الأثيني (توفي ما بين 268 و 264 ق.م) وكان رئيساً للأكاديمية كذلك (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، ص 21) .

  ومن ثم أصبح فيلسوفاً كلبياً (المصدر السابق) ، وهناك إحتمال من إنه درس تحت إشراف الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي ، والذي كان رئيساً للمدرسة الكلبية يومذاك . وحسب ديوجانس لارتيوس فإن بايون أقام علاقة مع الفيلسوف القورينائي ثيودورس الملحد (340 – 250 ق.م) (المصدر السابق ، الكتاب 2 : 86) ، والذي حينها كان يعيش في اليونان والأسكندرية ، وقبل أن يتحول إلى مدينته قورنيا (أنظر : ألكرا وأخرون ؛ المصدر السابق ، ص 52) . ومن المحتمل إن إلحاد ثيودورس قد ترك أثراً على الفيلسوف الكلبي بايون (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 4 : 54) .

  وأخيراً أصبح تلميذاً للفيلسوف المشائي ثيوفروستوس (المصدر السابق ، 52) وبعدئذ رحل إلى اليونان ومقدونيا ، وأصبح من أعضاء الدائرة الثقافية لحاشية الملك المقدوني أنتيغونس الثاني غونتس (المصدر السابق ، 46 ، 54) . ومن ثم بدأ بتدريس الفلسفة في مدينة روديس (المصدر السابق ، 49 ، 53) . ونحسب قبل أن نغادر الحديث عن الفيلسوف الكلبي بايون ، إن نذكر حقيقتين :

أولاً – يرى الدارسون الأكاديميون اليوم ، إن بعض وجهات ديوجانس لارتيوس جاءت من مصادر معادية للفيلسوف بايون ، وخصوصاً في قضية إلحاده . ولكن الفقرات المتبقية من تراث بايون ، تكشف بأن الفيلسوف كان صاحب نظرة دينية شكية ، فيما يتعلق بالأديان السرية والوحي (أنظر : دونالد ديودلي ؛ تاريخ الكلبية ، ص ص 64 – 66) .

ثانياً – إن التنوع في مصادر دراسة الفيلسوف الكلبي بايون ، قد كونت ظاهرة فلسفية ، إنفتحت فيها المدارس الفلسفية بعضها على البعض الأخر . ومن خلال هذا الطريق تلاقحت الأفكار الفلسفية المتنوعة ، وعبرت من جيل من الفلاسفة إلى جيل أخر وكأنها المكون الفلسفي للمدرسة الكلبية مثلاً . مع الإشارة إلى إن هذا الحال يشمل مختلف المدارس الفلسفية . وهذا ما نراه في دراسات أخرى .

  ومن الفلاسفة الكلبيين في القرن الثالث قبل الميلاد ، كل من ديمترس الإسكندري (إزدهر عام 275 ق.م) وهو من تلاميذ الفيلسوف الكلبي ثيومبروتس و إيشكليس الأفسوسي (إزدهر في عام 275 ق.م) وهو من تلاميذ الفيلسوفيين ثيومبروتس وكليمونس . والفيلسوف الكلبي تيماركوس الإسكندري (إزدهر عام 275 ق.م) وهو تلميذ الفيلسوف الكلبي كليمونس . و ساكرس (إزدهر عام 275 ق.م) . ووفقاً لرأي مؤلفي كتاب الكلبيون : الحركة الكلبية في الماضي وتراثها ، فإنهم كانوا من حواريي الفيلسوف الكلبي ميتروكلس ، تلميذ كريتس الطيبي ، وأخ زوجته هبريشا الماروني (أنظر : ماريا أوديل وأخرون ؛ المصدر السابق) .

  ومن الكلبيين في هذا القرن ، كان الشاعر سوتيدس الماروني (إزدهر في عام 275 ل.م) . وقد تشرب الفلسفة الكلبية ، وعكسها شعراً ، سخر فيه من الرموز الحاكمة وأخلاقها ، ودفع بسبب ذلك حياته . ولد سوتيدس في مارونيا ربما في تراقيا أو كريت . وهو شاعر ساخر ، كتب باللهجة الأيونية ، وعاش في الإسكندرية خلال حكم بكلميوس الثاني فيلادلفيس (309 – 296 ق.م) والذي إمتد حكمه لمصر ما بين 285 و246 ق.م (أنظر للتفاصيل عن فرعون مصر بطلميوس الثاني : بول ماكشاين وفيليب كولمان (مجموعة بحوث بإشرافهما) ؛ بطلميوس الثاني فيلادلفيس وعالمه ، بيرل 2008) .

  وفعلاً فإن الشاعر الكلبي سوتيدس ، قد هاجم بطلميوس ، وذلك بسبب زواجه من إبنته أريسانيو ( توفيت حوالي 260 ق . م) (أنظر : بلوتارك ؛ تربية الأطفال ، الفقرة رقم 11 أ / مترجمة في كتاب كراهام شبلي ؛ عالم اليونان بعد الإسكندر 0323 – 30 ق.م) ، نشرة روتليدج (سلسلة تاريخ روتليدج للعالم القديم) ، لندن 2000 ، ص 138) . ولهذا السبب تعرض الشاعر الكلبي إلى السجن ، ومن ثم هرب ولاذ إلى جزيرة كانوس ، وبعد فترة قصيرة قبض عليه الأدميرال باتروكلس ، والذي بدوره تلقى أوامر قتله ورماه في مياه البحر . ولكن ظل الشاعر خالداً ، في حين لف التاريخ قتلته برداء من العار .

  ومنهم الكاتب الكلبي الساخر مينبيس جدارا (الأردني) وقد خصص له ديوجانس لارتيوس صفحات من الكتاب السادس من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (والتي تضم الفقرات 99 ، 100 و101) . وعلى الرغم من ضياع جميع أعمال مينبيس جدرا ، فإنه ترك أثراً واضحاً على كل من الباحث الأكاديمي الروماني ماركوس ترتنتيوس فيرو (116 – 27 ق.م) ، والكاتب الخطيب الأشوري الساخر لوكين الساموستي (125 – 180 م) (واللقب نسبة إلى مدينة ساموستا الواقعة في أعالي الفرات الخالد) هذا طرف  . والطرف الثاني من فهم الأثر الذي تركه الكاتب الكلبي الساخر مينبيس الأردني على الأدب اليوناني والروماني ، واضح من خلال الجنس الأدبي الذي إرتبط بإسمه ، والذي يطلق عليه إصطلاح الأدب الساخر المينبيسي .

   ولد مينيبيس في مدينة جدارا (اليوم هي جزء من الأرن ويطلق عليها أُم قيس) ، وكان عبداً يعمل في خدمة مواطني بونتس ، وبعد إن حصل على حريته ، توجه إلى طيبة وعاش هناك بقية من حياته . وهناك قصة غريبة ينفرد بها ديوجانس لارتيوس ، كان الحاصل منها إنتحار الكاتب الكلبي مينيبيس . وبالمقابل نجد رواية لوكين الذي يتقدم على ديوجانس بحدود نصف قرن من الزمن على الأقل ، والذي وجدناه يُعلي من مكانة مينيبيس إلى مقام الفلاسفة الكلبيين الأوائل الرواد ، من أمثال أنتسيثينس ، ديوجانس وكريتس الطيبي .

  ومن أعمال الكاتب الكلبي (الساخر) مينيبيس ، والتي يُعددها مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، كتابات نقدية فيها هجوم على الأبيقورية والرواقية ، وكتاب الوصايا ، ورسائل كتبها الألهة ، والرد على الفلاسفة الطبيعيين (وهذا الكتاب يُذكرني بعناوين إسلامية مشابهة ، وقريبة مثل الرد على الدهريين ..) والرد على رجال الرياضيات ورجال النحو . وكتاب عن ولادة أبيقور ، والإحتفالات في المدرسة الأبيقورية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، التاب 6 ، الفقرة رقم 101) .

  ووفقاً للخطيب والنحوي أثانيوس ، والذي عاش في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلاديين ، فإن هناك كتاباً بعنوان السمبوزيوم (الأجتماع) يُنسبه إلى الكاتب الكلبي مينبيس (أنظر : دونالد بودلي ، تاريخ الكلبية (مصدر سابق) ، ص 70) . ونحسب إن عنوان الكتاب سمبوزيوم ، يُذكرنا بواحدة من أهم محاورات إفلاطون والتي حملت العنوان ذاته (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور على موقع الفيلسوف ، 2 نوفمبر 2011 ، القسم الثاني والمعنون محاورات إفلاطون من زاوية تاريخية) ، ولا تتوافر لدينا نسخة من هذا الكتاب لنعرف حقيقة هذا الكتاب ، وهل هو مجرد عنوان ؟ أم إن هناك إستثمار لفكرة الكتاب الإفلاطوني ؟ أم هو معارضة كلبية للموضوع الإفلاطوني ؟ أم إنه لا هذا ولا ذاك ، وإن الكتاب في جوهره تأسيس مستقل أنتجه يراع الكاتب الكلبي مينبيس .

 ومن الفلاسفة الكلبيين في القرن الثالث قبل الميلاد ، الفيلسوف ميندميس ، والذي لا نعرف شيئاً محدداً عن تاريخ ولادته ، ولا عن وفاته . ولكن كل مانعرفه إنه كان من فلاسفة الكلبية في القرن الثالث . إلا إن ما نعرفه قطعاً ، هو إن ديوجانس لارتيوس من مصادرنا الأولى عن ميندميس . وفعلاً فقد خصص في كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وبالتحديد الكتاب السادس ، الفقرات الأربعة ؛ 102 ، 103 ، 104 و 105 . ولكن كلام لارتيوس جاء عاماً عن الكلبية ، ماعدا مقدمة الفقرة 102 ، وبالتحديد السطرين الأولين ، اللذان أشار فيهما إلى إنه ” كان من تلاميذ كولتس لامبسكيوس ” وعن بعض الخوارق المتداولة عنه (لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب السادس ، الفقرة رقم 102) .

  والمعلم كولتس لامبسكيوس (320 – 268 ق.م) هو تلميذ للفيلسوف أبيقور ، وواحد من أشهر حوارييه ، والذي كتب رسالة بعنوان : هل إنه من المستحيل العيش وفقاً لمبادئ فلاسفة آخرون ؟ (أنظر : ألكرا وآخرون ؛ المصدر السابق ، ص 51) . صحيحُ إنه ليس هناك تأكيد مئة في المئة على إن ميندميس ، كان تلميذاً للأبيقوري كولتس . ولكن الصحيح كذلك إن هناك رأي مقابل نهض على نسختين من المخطوطات البردية ، اللتان تم إكتشافهما لاحقاً ، وفيهما لاحظ الأكاديميون على وقوع تنازع بين ميندميس وكولتس ، حول آراء الأبيقورية في الشعر .

  ومن فلاسفة الكلبية في القرن الثالث قبل الميلاد ، الفيلسوف والشاعر والمشرع كركيدس مكلوبلس (290 – 220 ق.م) نسبة إلى مدينة مكلوبلس اليونانية (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة 76) . ومنهم تيليس الميغاري (إزدهر عام 235 ق.م) ، وهو معلم كلبي وكاتب خطابات . والمصدر الوحيد الذي حفظ لنا بعض المقاطع المنتزعة من مصادر تعود إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي ، هو ستوبس المقدوني . والمقاطع السبعة حملت العناوين الآتية : في الظاهر والوجود ، في الكفاية الذاتية ، حول المنفى ، مقارنة بين الفقر والثروة ، في اللذة التي ليست هي بهدف الحياة ، وفي الظروف ، وفي التحرر من الإنفعال (أنظر : أدورد أونيل ؛ تيليس : المعلم الكلبي ، نشرة دار الأكاديميين 1977 ، ص ص 12 – 15) . وفي أعماله يشير دائماً إلى سقراط وديوجانس . وضم مقاطع من أعمال الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي ، ستلابو وبايون بوريسثينس  (أنظر : دونالد ديدلي ؛ تاريح الكلبية (مصدر سابق) ، ص 86) .

   ومن فلاسفة الكلبية في القرن الأول قبل الميلاد ، الكاتب الساخر ميليكر جدرا (الأردني – الفلسطيني) . يصنفه مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، كاتباً كلبياً مع الكاتب الكلبي الساخر مينبيس (ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب السادس ، الفقرة رقم 99) . كتب مليكر شعراً ساخراً مثيراً ، ضاع الكثير الكثير منه ، ولم يبقى سوى 134 قطعة نثرية ساخرة ، والتي حفظها لنا المخطوط المعنون المجموع اليوناني ، وهو اليوم المصدر الوحيد لكتابات مليكر جدرا (أنظر : بيتر جي ؛ المجموع اليوناني وقطع يونانية قديمة أخرى ، الناشر ألين لين 1974 ، ص 142) .

  والشاعر والكاتب الساخر (الكلبي) ميليكر جدرا ، هو إبن أوكرينس ، والذي ولد في مدينة جدرا (اليوم تسمى أم قيس في الأردن) . وكانت يومذاك نصف هيلينستية ، تقع في شمال فلسطين . وذهب للدراسة في مدينة صور اللبنانية ، ومن ثم تحول إلى مدينة كوس ، التي صرف فيها بقية حياته ، ومات فيها في عمر متقدم . وإعتماداً على مخطوط المجموع اليوناني ، فإن الأكاديميين يرجحون إلى إنه إزدهر خلال (95 – 93 ق.م) ، وبالتحديد خلال حكم الملك سيلوقس السادس إيبهانس نكتر ، حاكم المملكة السلوقية (للإطلاع على تاريخ المملكة السلوقية أنظر : أميل كوهرت وسوزان وايت ؛ من سمرقند وإلى سرديس : مشروع جديد للإمبراطورية السلوقية ، لندن 1993) .

  إضافة إلى ربط ديوجانس لارتيوس للشاعر الساخر ميليكر بالكاتب الكلبي مينيبيس ، فإننا نلحظ إن رأيه وجد صدى قوياً لدى بعض الباحثين الأكاديميين ، فرددوا نسبته إلى المدرسة الفلسفية الكلبية ، وذهبوا إلى إن حال ميليكر حال مينيبيس ، كتب مقالات نثرية ساخرة ، بث فيها الفلسفة في إسلوب تصويري مرح . ومن سوء حظنا إن هذه المقالات هي الأخرى ضاعت وطواها النسيان .  ويبدو إن شهرة الكلبي ميليكر جدرا ترتبط بالمقاطع 134 التي حفطها مخطوط المجموع اليوناني (أنظر : وليم سميث ؛ معجم الأساطيروالسير اليونانية والرومانية ، نشرة لتل براون وشركاؤه ، بوسطن 1867 ، ص 385) .

 كما وتحتفل المصادر المهتمة بالمجاميع الشعرية والنثرية اليونانية في المرحلة الهيلينستية ، بالشاعر الكلبي والكاتب الساخر ميليكر جدرا ، وذلك لأنه كتب مجموعاً شعرياً ، عُرف بعنوان الكارلاند ، وهو مجموعة قصائد تركز على موضوع خاص محدد . إنتخب فيه قصائد لست وأربعين شاعراً من عصور يونانية مختلفة . و الكارلاند يعني مقارنة القصائد الشعرية القصيرة الجميلة ، بالزهور الملونة الجميلة . وفي المدخل الذي كتبه ميليكر للمجموع ، تحدث فيه عن أسماء زهور مختلفة ، وصنفه على الطريقة الألفبائية وإعتماداً على الحروف الأولى التي يبدأ بها البيت الشعري ولكل قطعة شعرية منتخبة . ولعل من المؤسف القول بأن مجموع الكارلاند قد تعرض للضياع . ولكن الحظ كان في جانبنا ، فقد شكل الأساس الذي تبناه مخطوط المجموع اليوناني (أنظر : فيليب سميث ؛ كارلاند ميليكر ، منشور في كتاب وليم سميث ؛ المصدر السابق) .

Posted in Aristotle, Cynicism : Philosophy and Philosophers, Dr.MOHAMAD FARHAN, Philostratus, Plato, فلاسفة كلبيون من القرن الرابع قبل الميلاد, فلاسفة المدرسة الكلبية في القرن الثالث قبل الميلاد, مدرسة فلسفية عراقية - كندية إلكترونية, مركز دريد للدراسات, الفلاسفة الكلبيون وفكرة المواطنة العالمية, الفلسفة الكلبية وإهتمامات العقل العربي, الفلسفة الكلبية وعبور الأرسطية ومن خلالها إلى الرواقية, الفيلسوف الكلبي كريتيس وتلميذه الرواقي زينون الأكتومي, الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي, الفيلسوف الكلبي مونميوس السركوسي, الفيلسوف الكلبي هيجسيس سينوب, الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس وأستاذه سقراط, الفيلسوف الكلبي المؤسس أنتيسثينيس, الفيلسوف الكلبي بايون بوريسثينيس, الفيلسوف الكلبي ثراسليس, الفيلسوف الكلبي ديمترس الأسكندري, الفيلسوف الكلبي ديوجانس الساخر, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوف السيكوثي أناكارسيس / غير يوناني, الفيلسوف العراقي ديوجانس البابلي, الكاتب الكلبي الأردني مينبيس جدرا, الكاتب الأردني الفلسطيني الساخر ميليكر جدارا, الشاعر سوتيدس الماروني, بحث في إصطلاح الفلسفة الكلبية, تأمل في مبادئ الفلسفة الكلبية, تأملات تاريخية في إصول الفلسفة الكلبية

آرسطو والشروح على كتبه : تاريخ وشواهد

الفلسفة / حُب الحكمة       الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Commentaries on Aristotle

Dr. MOHAMAD FARHAN

أرسطو والشروح على كتبه : تاريخ وشواهد

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   يجري الحديث في أوساط الباحثين الأكاديميين الغربيين المهتمين بمصادر الفلسفة اليونانية عامة ، ومصادر الفلسفة الهيلينستية خاصة ، عن نمط من الأدب الفلسفي المتولد من قراءات شارحة على نصوص الفيلسوف اليوناني أرسطو . والحقيقة إن هذا الأدب من الضخامة ، حيث شكل بحد ذاته موسوعات كبيرة ، وخصوصاً في العصرين الهيلينستي (ومن ثم الوسيط كذلك) . وكان هدفها توضيح أعمال أرسطو . والحقيقة إن الإمساك بالخيوط الأولى من تاريخ محاولة الشرح على المتون الأرسطية تصعد إلى فترة قريبة جداً من حياة المعلم الأول . فقد كان طلاب أرسطو ، من أوائل (الرواد) من تقدم بشرح وتفسير لكتاباته .ومن ثم تحول إلى تقليد لازم المدرسة المشائية في الفترتين الهيلينستية والرومانية . مع ملاحظة إن الإفلاطونيين المحدثين في نهايات الإمبراطورية الرومانية كتبوا العدديد من الشروح على مؤلفات أرسطو ، وذلك سعياً منهم في محاولة دمج أرسطو في فلسفتهم . وإستمرت الشروح تُكتب بأقلام  باحثين مسيحيين خلال الإمبراطورية البيزنطية ، ومن قبل الفلاسفة الإسلاميين والباحثين الغربيين الذين ورثوا هذه النصوص . 

   أما خلال المرحلة الهيلينستية من تاريخ الفلسفة اليونانية (وبالطبع تشمل فترة هيمنة اللغة اللاتينية كذلك) سادت نوعاً من الشروح الفلسفية . ولما كانت للفيلسوفين اليونانيين المعلم إفلاطون ، والتلميذ أرسطو سلطة معرفية وفلسفية يومذاك ، فقد فرضت نصوصهما الفلسفية نفسها على الباحثين في هذه الفترة ، وكتبت عنهما الكثير من الشروح والدراسات . ونحسب من المفيد الإشارة إلى أغراض الشرح في البداية كانت متنوعة ومختلفة من شارح وأخر . ولكن بمضي الزمن تحول الشرح إلى تقليد وضعت له القواعد والأصول .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 من المصادر الإنكيزية المهمة في هذا المضمار :

1 – Roy K. Gibson, Christina Kraus, (editors), The Classical Commentary: Histories, Practices, Theory, Brill 2002

2- Lloyd Newton, (editor), Medieval Commentaries on Aristotle’s Categories, Leidan, Brill 2008

3- Richard Sorabji (editor), Aristotle Transformed: The Ancient Commentators and their Influence, Duckworth 1990

4 – Miira Tuominen, The Ancient Commentators on Plato and Aristotle, Durham 2009

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وما دام الحديث يجري عن الفيلسوف أرسطو والشروح التي وضعت على كتبه ، ففي الإمكان التركيز على التقليد الشارح لكتب أرسطو . ولذلك نقول إن الغرض الأولي لشرح نص أرسطو ، هو توضيح وبيان معنى ودلالات النص الذي كتبه أرسطو . وجرت العادة على تقسيم نص أرسطو إلى لامات . واللامة هو النص الذي يبدأ بكلمة هي عنوان الموضوع الذي يدرسه النص وغالباً ما يبدأ النص أو اللامة وينتهي بأقواس التنصيص ، مثل “     ” .  وبعض الأحيان إن النص بكامله وليست أجزاء أو لامات منه يتم إقتباسه ، وثم من يجري وضع الشرح والتفسير عليه . وفي أحيان أخرى يتم إقتباس بداية النص فقط . ونلحظ دائماً إنه بعد اللامة ، يأتي تحليل النص .

  وكان من الرواد في تدشين عملية الشرح (والتوسع في النص الأرسطي) تلميذ أرسطو ، الفيلسوف المشائي ثيوفروستس (371 – 287 ق.م) وجاء إلى أثينا شاباً ودرس في أكاديمية إفلاطون ، وبعد موت إفلاطون إلتحق بإرسطو ، وعينه أرسطو وصياً على كتاباته وخليفة له على المدرسة المشائية . وفعلاً ترأس ثيوفروستس المدرسة المشائية (فكان الرئيس الثاني بعد أرسطو الرئيس الأول) لفترة إمتدت ست وثلاثين سنة …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

Algra et al, The History of Hellenistic Philosophy, Cambridge 1999, pp. 52 – 53 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 فمثلاً ثيوفروستس إخترع خمسة ضروب منطقية قياسية للشكل الأول من نظرية أرسطو القياسية ، وبين بدقة عالية قواعد الأقيسة الإشتراطية . مع ملاحظة إنه إختلف مع أستاذه أرسطو في جوانب مُحددة ، وجمع الكثير من المعارف المتعلقة بالحيوانات والظواهر الطبيعية والتي سبق إن إستبعدها أرسطو وشطبها من مضمار بحثه .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Johann Jakob Brucker, The History of Philosophy, from the Earliest periods, (1837) pp. 349 – 453

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ثم جاء الفيلسوف المشائي ستراتو لامبسكوس (335 269 ق.م) وهو الرئيس الثالث للمدرسة المشائية (اللوقيون) بعد موت ثيوفروستس . إن أهمية ستراتو في تاريخ الفلسفة المشائية ، يعود إلى إنه أول فيلسوف مشائي حملت نصوصه توسيعاً لفلسفة أرسطو الطبيعية ، وأول فيلسوف مشائي قام بقراءة نقدية لفلسفة أرسطو الطبيعة ، وهو أول فيلسوف مشائي شطب أي إحتمال لوجود الإله خارج العالم المادي (تذكر رجاءً مفهوم المحرك الذي لا يتحرك عند أرسطو ، والذي يعادل مفهوم الله الذي حرك العالم). 

   ووفقاً لرواية شيشرون (106 – 43 ق.م) فقد كان ستراتو يتمتع بذكاء عال رغم إنه أهمل الجوانب الإخلاقية في فلسفته . ويبدو إن رأي شيشرون مقبول جزئياً ، وذلك لأن ستراتو قد رهن حياته لدراسة العلم الطبيعي . وعلى هذا الأساس توسع في العناصر الطبيعة من فكر أرسطو . هذا طرف جداً مهم في فهم مكانة ستراتو خلال التطورات التي حدثت على فلسفة أرسطو في تاريخ المدرسة المشائية وفلاسفتها . ولعل الطرف المثير للجدل في تفكير ستراتو (الذي فيه خروج على فلسفة المعلم الأول) ، هو نفي ستراتو الحاجة إلى إفتراض الله الفاعل في تشكيل الكون . أما مقابلة رأي شيشرون برواية مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، والتي قدمت لنا قائمة من مؤلفات ستراتو الأخلاقية ، يصبح رأي شيشرون موضع تساؤل وبحث . وفعلاً فقد ذكر لارتيوس في موسوعته المعنونة حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، عدة عناوين لمؤلفات ستراتو الإخلاقية ، والتي ضاعت ولم يبقى منها سوى فقرات محفوظة في كتابات مؤلفين جاءوا فيما بعد .

  ونحسب إن كتابات الفيلسوف المشائي ستراتو لها أهمية بالغة في تاريخ الفلسفة المشائية ، فقد دشنت عملية توسيع لجوانب من فلسفة أرسطو ، كما فيها ملامح مشروع نقدي تقويمي للنظريات الطبيعية للمعلم الأول ، خصوصاً في مفهومي الزمان والمكان وكذلك لنظريات الفيلسوف الذري ديمقريطس ، التي كان لها حضور في فلسفة أرسطو الطبيعية . فمثلاً رفض ستراتو الفرضية الديمقريطيسية للمكان الفارغ . وإعتقد بالمقابل بأن المكان على الدوام مملوء بنوع من المادة . ولعل القضية التي دار حولها الجدل ، هي نفي ستراتو لأي شكل من الإلوهية خارج العالم المادي . مما حمل هذا الإعتقاد إلى قول بعض الأكاديميين إلى إن ستراتو مؤمن بوحدة الوجود ، وذهب نفر من الباحثين في القرن السابع عشر إلى التقريب بينه وبين إسبينوزا وفلاسفة الإسبينوزية . كما نفى ستراتو خلود النفس ، وهاجم البراهين التي أوردها إفلاطون في محاورة فيدون .

  لقد كان ستراتو إنموذجاً خاصاً من الفلاسفة المشائيين ، الذين تطلعوا لبناء نظام فلسفي يتجاوب وظروف عصره التي هي بالتأكيد مختلفة عن ظروف المعلم الأول ، ويتناغم وأرائه الخاصة التي فيها نقد وتقويم لفكر فيلسوف إسطاغيرا . فمثلاً كان ستراتو معاصراً للفيلسوف أبيقور ، وفلسفة أبيقور هي فلسفة تجديدية للمذهب الفلسفي الذري عامة ، وفلسفة ديمقريطس خاصة . وهذا شكل تحدياً فلسفياً لم يكن وارداً أمام المعلم الأول أرسطو . ولذلك تصدى للمذهب الذري ، سواء الأبيقوري ، أو حضوره الخاص في فلسفة أرسطو ، وسعى إلى تقويم المذهب الذري بصورته الأصلية الديمقريطسية أو الذرية أو صداه في الفلسفة الأرسطية . ولكن رغم هذا النقد للمذهب الذري ، فقد تولد إعتقاد عند ستراتو بدفع المذهب الذري ، وهو إعتقاد مادي متسور بإلحاد ينفي وجود الإله المستقل عن العالم . والإعتقاد بدلاً عنه بنوع من وحدة الوجود .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للتفاصيل أنظر :

1 – Tiziane Dorandi, Chronology / In Algra et al, The Cambridge History of Hellenistic Philosophy, Cambridge University Press 2005, p. 36

2 – Eduard Zeller, Outlines of the history of Greek Philosophy, Routledge 2000, p. 204

3 – David Furley, From Aristotle to Augustine: Routledge History of Philosophy, Routledge 2003, p. 157, 162 – 163

4 – IrvineIsrael, Enlightenment Contested: Philosophy, Modernity and Emancipation of Man, OxfordUniversity Press 2006, p. 447, 450 – 451

5 – Diogenes Laertius, Life of Strato, translated by Robert Drew Hicks / part from / Lives of Eminent Philosophers, Loab Classical Library 1925

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

  ونعرف خلال بدايات الإمبراطورية الرومانية بعض الأسماء من مشاهير الفلاسفة المشائيين الذين كتبوا رسائل حول فلسفة أرسطو . ومن بين هؤلاء إندرنيقوس الروديسي (إزدهر عام 60 ق .م) وهو الرئيس الحادي عشر للمدرسة المشائية في روما (حوالي 58 ق.م) . وأهمية إندرنيقوس تعود إلى إنه قام بإعداد نشرة جديدة لأعمال أرسطو (وكذلك لأعمال خليفته ثيوفروستس) . والواقع إننا اليوم ندينُ لنشرة إندرنيقوس في طرفين ؛ الأول إنها كونت الأساس للنشرات الحديثة . والثاني إنا ندين له في المحافظة على عدد كبير من أعمال أرسطو . إضافة إلى ذلك فقد قدم إندرنيقوس نفسه شارحاً لبعض مؤلفات أرسطو ؛ فقد وضع شرحاً على الطبيعيات ، وشرحاً على الأخلاق ، وشرحاً على المقولات .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

William Smith, Op. Cit,

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 

 نيكولاس دمسقس (ولد حوالي 65 ق.م) . واليوم نعتمد على معرفة شروحه على فلسفة أرسطو من خلال مخطوطة سريانية تم إكتشافها في كيمبريدج عام 1901 . وتاريخ هذه المخطوطة يعود إلى حوالي 1400 . وبالمناسبة إن كيمبريدج قد حصلت عليها عام 1632 ، وهي في حالة فقيرة وغير منظمة … ويُرجح الأكاديميون الغربيون إلى إن هذا العمل قد كُتب في روما بحدود القرن الأول الميلادي ، وذلك للإنتقادات التي وجهت لنيكولاس حينها ، والتي دارت حول إن إشتغاله بالفلسفة يعود إلى مغازلته ومحاباته للأثرياء من الرجال وأصحاب السلطة .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Lulofs, H. J. Drossart. On the Philosophy of Aristotle, Brill, 1969, p. 46, p. 5

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ومن الشراح الرواد الإسكندر الأيجي (إزدهر في القرن الأول الميلادي) هو فيلسوف مشائي إزدهر في روما  ، وكان معلماً للإمبراطور نيرون (37 – 68 م) الذي كتب شروح على فلسفة  أرسطو ، وبالتحديد كتب شرحاً على كتاب المقولات وكتاب في السماء .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Benjamin Jowett, Alexander of Aegae / In William Smith, Dictionary of Greek and Roman Biography and Mythology, Little, Brown and Company, Boston 1867, pp. 110 -111

 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    ويبدو لنا إن محاولات الفلاسفة المشائيون الأوائل قد تطلعت إلى البحث في إمكانية تطوير وتوسيع أعمال أرسطو . ولكن من الممكن الحديث إلى إنه في زمن إندرنيقوس تحولت مهمة المدرسة المشائية وفلاسفتها إلى المحافظة على تراث أرسطو والدفاع عنه . ولعل من الرموز الكبيرة في الفترة الرومانية ، هو الإسكندر الإفروديسي (إزدهر سنة 200 ميلادية) والذي كتب العديد من الشروح على كتب أرسطو ، وفترة مهمة جداً في تاريخ الفلسفة ، وهي فترة صعود نجم الإفلاطونية المحدثة والعقيدي المسيحي في القرن الثالث الميلادي ، وهو القرن الذي أشر نهاية المدرسة المشائية كمدرسة مستقلة . ولكن الإفلاطونيين المحدثين حاولوا بجد في دمج فلسفة أرسطو في نظامهم الفلسفي ، وكانت الحصيلة ظهور العدديد من شروح الإفلاطونيين المحدثين على كتب أرسطو . مع ملاحطة إنه في القرن الخامس الميلادي ظل الحديث يجري عن فيلسوف مشائي ، هو أولمبدريس الكبير ، والذي علم في الإسكندرية ، وكان معلماً للفيلسوف الإفلاطوني المحدث بروقلس .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للتفصيل أنظر :

 Robert Sharples, “The PeripateticSchool” / In David Furley, From Aristotle to Augustine (Op. Cit), p. 153

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   أما الإسكندر الأفروديسي فكان رئيس المدرسة المشائية في بدايات القرن الثالث الميلادي ، وقد عاش وعلم في أثينا . وإشتهر بشروحه على كتب أرسطو ، وبكتابة رسائل فلسفية أصيلة . من أهم شروحه ؛ شرحه الواسع على كتاب التحليلات الأولية (الكتاب الأول) ، وشرح على كتاب الجدل (الموضوعات) ، وشرح على كتاب الأنواء الجوية (السماء العلوية) ، وشرح على كتاب الحاس والمحسوس ، وشرح على الميتافيزيقا (من الكتاب الأول وحتى الخامس) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للإطلاع أنظر :

Donald Zeyl, Daniel Devereux, Philip Mitsis, Encyclopaedia of Classical Philosophy, 1997, p. 20

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    كما وله شرح على الكتب التسعة الأخيرة من الميتافيزيقا .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

William Fortenbaugh, R. Sharples, Theophrastus of Eesus, Brill 2005, p. 22

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    وفعلاً فقد تعهد عدد من فلاسفة الإفلاطونية المحدثة حسب رأي الباحث وليم وينويل على وضع تفاسير وتوضحيات على كتب أرسطو ، وخصوصاً على موضوع الديالكتيك (الجدل ) الذي تركه إفلاطون بحثاً ناقصاً .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

William Whenwell, History of Inductive Sciences: From the Earliest Periods to the Present times, 1837, pp. 271 – 275

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فمثلاً كتب فرفريوس الصوري (القرن الثالث الميلادي) كتاباً عن المقولات ، وقد لاحظنا إنه إنتخب بعضاً من مقولات أرسطو (وليست كلها) ، وأطلق على كتابه عنوان المقدمة أو الإيساغوجي ، وكما أشرنا في العديد من أبحاثنا إلى إن هذا الكتاب قد لعب دوراً فاعلاً في الغرب والعالم الإسلامي (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب الإيساغوجي وأثره في الغرب والعالم الإسلامي / منشور على صفحات موقع الفيلسوف / 26 إكتوبر 2012) . بينما لاحظ الكاتب ريتشارد سوربجي إلى إن فرفريوس تطلع بجدية إلى إثبات حالة التناغم بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو ، وبالتحديد فيما يتعلق بالمقولات الأرسطية ونظرية المثل الإفلاطونية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Richard Sorabji, “Aristotle Commentators” / In Routledge Encyclopaedia of Philosophy1998, pp. 435 – 437

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 كما تابع تلميذ فرفريوس الفيلسوف الإفلاطون المحدث إمبيلكوس السوري ، مشروع التناغم بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو (مع إستبطان عال للفيثاغورية والثيورجيا المصرية أو الفكر الهرمسي) (أنظر : محمد جلوب الفرحان : إمبليكوس مؤرخاً للفلسفة اليونانية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني ربيع 2011) .

  ومن ثم أكمل  الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ديكسبيس (إزدهر عام 350م) مشاور أستاذه إمبيلكوس ، فكتب العديد من الشروح على كتب إفلاطون وكتب أرسطو . وفي واحد منها شرح ودافع عن المقولات الأرسطية ، وتوسع فيها جزئياً . والحقيقة إن ديكسبيس في هذا الشرح ، فسر لواحد من الحكام السلوقيين (وهم خلفاء الإسكندر الذين أقاموا الدولة السلوقية في العراق والشام) المقولات الأرسطية . وحاول في الوقت ذاته تفنيد إعتراضات إفلوطين على المقولات الأرسطية ، كما دافع عن مشروع التناغم بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو . وبالمناسبة فقد قام الأستاذ جون ديلون بترجمة النشرة اليونانية لكتاب ديكسبيس : مقولات أرسطو إلى الإنكليزية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للتفاصيل أنظر :

1 – J. Dilon, Dexippus: On Aristotle Categories, Duckworth 1990

2 – L. Gerson, Aristotle and Other Platonists, CornellUniversity Press 2005, p. 292

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومن ثم جاء الشارح ثامسطيوس (317 – 390م) والذي تعلم الفلسفة على يد والده ، ورهن حياته بصورة رئسية على دراسة أرسطو . وأثناء دلك درس الفيثاغورية والإفلاطونية . وفي بداية شبابه كتب شروحاً على مؤلفات أرسطو ، وقد نشرت دون موافقته وحققت سمعة عالية . وقد صرف معظم سنوات شبابه في أسيا الصغرى وسورية . ومن ثم تحول إلى القسطنطينية وعلم الفلسفة لمدة عشرين عاماً . وفي العام 355 أُختير سنتوراً رغم إنه لم يكن مسيحياً .

   ووفقاً لرواية فوتوس (810 – 893م وزار الخلافة العباسية وفي محنته إختار بغداد منفى له) وهو كاتب مجاميع من القرن التاسع الميلادي ، فإن ثامسطيوس كتب العديد من الشروح على كتب أرسطو مثل التحليلات الثانية ، والطبيعيات وحول النفس (وقام بترجمته إلى الإنكليزية روبرت تد عام 1996) . كما له أعمال على إفلاطون . وذكرت موسوعة سودا (وهي موسوعة من القرن العاشر الميلادي) بأن له شرح على طبيعيات أرسطو يتألف من ثمانية كتب (وفعلاً فقد قام بترجمته روبرت تد إلى الإنكليزية في ثماني كتب ، ونشره بدءً من عام 2003 وحتى 2011) ، وإن شرحه على التحليلات الأولى يتكون من كتابين وكذلك الحال لشرحه على التحليلات الثانية . وإن رسالته حول النفس تتألف من سبعة كتب ، كما له كتاب واحد على المقولات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :

Peter Heather & David Moncur, Politics, Philosophy and Empire in Fourth Century, LiverpoolUniversity Press, 2001

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وفي القرن الخامس الميلادي قدم أمونيوس هرمي (440 – 520م) عرضاً فلسفياً بين فيه إتفاق إفلاطون وأرسطو على كون الله هو الصانع للعالم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Sorabji, Op. Cit,

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن ثم وضع الفيلسوف الإسكندراني أولمبيدرس الإسكندراني (الشاب وذلك تمييزاً له عن أولمبيدرس الكبير ، وهو الفيلسوف المشائي الذي عاش في القرن الخامس) وهو تلميذ وحواري الفيلسوف أمونيوس هرمي . وأولمبيدرس الشاب فيلسوف إفلاطوني محدث عاش في السنوات الأولى من الإمبراطورية البيزنطية . ونحسب إن أهمية أولمبيدرس بالغة الأهمية في تاريخ الفلسفة ، فهو الفيلسوف الوثني الأخير في الإسكندرية ، الذي حافظ على التقليد الإفلاطوني (بعد غلق جوستنيان للأكاديمية في أثينا وعموم المدارس الوثنية في الإمبراطورية عام 529م .

   وبعد موت أستاذه أمونيوس هرمي عام 520 خلفه على رئاسة مدرسة الإسكندرية للإفلاطونية المحدثة . وإنه نجح في أن يبقى بعيداً من عمليات الإضطهاد والملاحقة القضائية التي تعرض لها عدد من رفاقه الإفلاطونيين المحدثين (من أمثال الفيلسوف هركليس الإسكندراني…) . ويبدو إن مدرسة الإسكندرية خلال رئاسته كانت أكثر أكاديمية وأقل إهتماماً بالشؤون السياسية . كما إنها كانت أقل إهتماماً بالشؤون الدينية من أكاديمية أثينا . ولكل هذه الأسباب ظلت بعيدة عن المساءلة والملاحقة . وفعلاً بعد موته  إنتقلت المدرسة إلى قيادة الأرسطيين المسيحين ، ومن ثم إنتقلت إلى القسطنطينية .

  ولعل أهمية أولمبيدرس الشاب في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة ، وتاريخ الفلسفة الإسلامية خاصة (لأننا نحسب إن شروحه لها صدى في نصوص فلسفية إسلامية مختلفة) يكمن في إنه كتب سيرة إفلاطون ، وكتب شروحاً على العديد من محاورات إفلاطون ، كما كتب بالطبع شروحاً على مؤلفات أرسطو . وبالمناسبة كتب أولمبيدرس مدخلاً في غاية الأهمية للفلسفة الأرسطية . وفوق كل ذلك فإن أولمبيدرس يحتل مكانة مهمة في الكتابة عن تاريخ مدرسة الإفلاطونية المحدثة . وفعلاً فقد كتب الكثير من المعلومات عن الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس / رئيس المدرسة السورية للإفلاطونية المحدثة ، والتي لا تتوافر في المصادر الأخرى .

   ومن أعماله التي ظلت خالدة ولم يطويها الدهر : شروح على محاورات إفلاطون مثل شرح على محاوراة القيبيادس ، شرح على محاورة جورجياس ، شرح على محاورة فيدون . ومدخل على منطق أرسطو ، وشرح على كتاب أرسطو في السماء العلوية (الأنواء الجوية) ، وشرح على المقولات الأرسطية . كما له شروح ومحاضرات حول النظرية الفلكية (التنجيم) .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للتفصيل أنظر الأبحاث الممتازة التي كتبها الأستاذ هارولد تارنت :

1 – Horold Tarrant, “ Olympiodorus and History “, / In From the OldAcademy to Later Neo – Platonism: Studies in the History of Platonic Thought, Aldershot 2010

2 – H. Tarrant, “ Olympiodorus and Plato’s Republic “ (Op. Cit)

3 – H. Tarrant, “ Restoring Olympiodorus Syllogstic “ (Op. Cit)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

       وشارك إثنين من فلاسفة القرن السادس الميلادي ، في وضع شروح على كتب أرسطو ، وهما كل من سمبليقوس (490 – 560م) و بوثيوس (480 – 525م) .  والأول (أي سمبليقوس) فقد كان حوارياً لكل من أمونيوس هرمي  و دمسقس (458 – 538م) وهما من أواخر فلاسفة مدرسة الإفلاطونية المحدثة في أثينا . وقد تعرضا الثلاثة ومعهم أعضاء أخرين إلى الإضطهاد والمحاكمة بعد قرار جوستنيان عام 528 أو 529 بغلق المدارس الفلسفية وطرد الوثنين ومصادرة أملاكهم ، فأُجبروا على طلب اللجوء إلى البلاط الفارسي . كتب سملبيقوس بكثافة العديد من  الشروح على كتب أرسطو ، منها شرح على كتاب السماء ، والطبيعيات ، والمقولات ، وكتاب النفس …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :

IIsetiaut Hadot, The Life and Work of Simplicius in Greek and Arabic Sources / In Richard Sorabji (Ed.), Aristotle Transformed, London 1990, pp. 275 – 303

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   ومثل سمبيلقوس مثل كل الإفلاطونيين المحدثين حاول المصالحة بين مبادئ الفيثاغورية ، والإيلية التي إحتوتها فلسفة إفلاطون في الطابق الثاني من مكوناتها (الفيثاغورية  ) والطابق الثالث نظرية المثل (الإيلية) ، والرواقية ومبادئ أرسطو . إضافة إلى دفاعه عن رأي أرسطو في أبدية العالم .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Whenwell, Op. Cit, pp. 271 – 275

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   أما أهمية بوثيوس فتكمن في جانبين ؛ الأول إنه قام بترجمة أجزاء من بعض من كتب أرسطو المنطقية إلى اللاتينية . وهذه الأجزاء فرضت هيمنتها على دائرة التفكير الفلسفي الغربي منذ القرن السادس وحتى القرن الثاني عشر (وهو القرن الذي شهد ترجمة عبرية ولاتينية عارمة من العربية) . والثاني إنه قام بترجمة كتاب الجدل (المواضيع) وهو جزء من كتب أرسطو المنطقية إلى اللاتينية . ولكن الذي حدث في الترجمة ، إن بوثيوس مزج بين النص المترجم وشرحه الذي جاء مزيجاً من الأفكار الأرسطية والإفلاطونية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للتفصيل أنظر :

Boethius, Consolation of Philosophy, Translated by Joel Relihan, Norton: Hackett Publishing Company, 2001

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ومن المحاولات الشارحة لفلسفة أرسطو (والتي كان لها صدى في مصادر التراث الفلسفي الإسلامي) ، محاولة جون فيلوبنس (يوحنا النحوي) (490 – 570م) الإسكندراني . وهو شارح أرسطي ، وكاتب مثير للجدل في عصره ، خصوصاً في خروجه على التقليد الأرسطي – الإفلاطوني المحدث . فقد قرأ التراث الأرسطي من زاوية ميثدولوجية (منهجية) قادته إلى التجريبية والعلوم الطبيعية . ولمواقفه المثيرة للجدل إتهمته الكنيسة بعد موته بالهرطقة (الكفر) (عامي 680 – 681) وخصوصاً في قضية تفسير الثالوث . كما إن نقده لفيزياء أرسطو كان له أهمية في تاريخ العلم ، فقد ترك أثاراً على العديد من الفلاسفة والعلماء في عصر النهضة ، مثل غاليلو (1564 – 1642م) والذي إقتبس أشياء من يوحنا النحوي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :

B. Mitrovic, “ Leon Batista Alberti and Homogenity  of Space “ / in The Journal of the Society of Architectural Historians, Vol. 63, No4 (2004), pp. 424 – 439

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

   ويوحنا النحوي درس في الإسكندرية وبدأ نشر كتاباته عام 510م . وهو تلميذ (وبعض الأحيان كاتب ناسخ) للفيلسوف الإفلاطوني المحدث أمونيوس هرمي . وكاتابات يوحنا المبكرة كانت متولدة من محاورات أستاذه أمونيوس . إلا إنه طور بمرور الزمن طريقته المستقلة في شروحه ، ومن ثم نهضت على منهجية جديدة ، تمثلت في نقد أرسطو حول النفس والفيزياء ، بل وتطور تفكيره العلمي الخاص ، فكان من أوائل المفكرين الذين رفضوا ديناميكيا أرسطو .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنطر:

Morris Cohen & Drabkin, A Source Book in Greek Science, Cambridge 1958, p. 220

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  كما إن أهمية يوحنا النحوي تكمن في إنه بين سوء فهم فرفريوس الصوري وبرقلس لفلسفة أرسطو ، وخطأ محاولتهما في دمج مبادئ أرسطو بمبادئ افلاطونيتهما المحدثة . بل وخطأ محاولتهما في المصالحة بين أرسطو ونظرية المثل الإفلاطونية . وبدلاً من ذلك عرض تفسيراً مسيحياً للتراث الأرسطي .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :

Bruker, Op. Cit, pp. 349 – 353

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ومن شروحه على تراث أرسطو : شرحه عل كتاب العالم والفساد ، وشرحه على النفس ، وشرحه على المقولات ، وشرحه على التحليلات الأولى ، وشرحه على التحليلات الثانية ، وشرحه على الطبيعيات (الفيزياء) . أما رسائله المهمة ، فهي رسالتان ؛ الأولى حول أزلية العالم ضد برقلس . والثانية أزلية العالم ضد أرسطو .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :

S. Piens, An Arabic Summary of a lost Work of John Philoponus, Oriental Studies 2 (1972), pp. 320 – 352

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وبعد موته وصدور قرارات الهرطقة بحقه من قبل الكنيسة ، إنحسر الإهتمام به في العالم الغربي . ولكن ترجمة أعماله إلى السريانية والعربية ، فتح باب إهتمام جديد بفكره في العالم العربي ، فحُفظت أعماله ، ودرسها العرب وأفادوا منها بما يتناسب وتطلعاتهم الفلسفية والنقدية لفلسفة المعلم الأول .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر:

Ibid,

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ومن شراح أرسطو جون دمسقس (يوحنا الدمشقي) (ولد ما بعد النصف الثاني من القرن السابع الميلادي ، وتوفي في القدس عام 749م) ، وهو بالعربية يوحنا بن منصور بن سرجون التغلبي (أي من قبيلة تغلب العربية المسيحية التي كانت مواطنها الصحراء السورية) . وهو راهب وقس سوري ، ولد وترعرع في دمشق ، وعمل كإداري للخليفة العربي في دمشق .من أهم مؤلفاته : الفصول الفلسفية ، ويُعرف بالديالكتيك (أو الجدل) . وهو كتاب يدرس المنطق ، وغرض المؤلف هو توفير إعداد للقارئ لفهم أغراض الكتاب والفصول اللاحقة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :

David Richard Tomas, Syrian Christians Under Islam: the first thousand years, Brill 2001, p. 19

Suzanne Conkin Akbaei, Idols in the East: European Representations of Islam and the Orient, (1100 – 1450), ConnellUniversity Press 2009, p. 204

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  كما كتب أعمالاً حول مؤلفات أرسطو .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :

Bruker, Op. Cit,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 ومن ثم جاء القرن التاسع الميلادي ، ومعه بدأ فصل جديدة لكتب أرسطو وفلسفته والشروح على مؤلفاته ، لها طعم حضاري جديد ، ومذاق فيه المحافظة على تراث أرسطو الذي فقده الغرب مع إنقسام الكنيسة إلى غربية وشرقية ، وأصبح تراث أرسطو في ملك الكنيسة الشرقية ، فغادر أراضي بني يونان والغرب ، ودخل أراضي الأتراك التي ستصبح جزءً من أراضي العالم الإسلامي . وهكذا دخل أرسطو إلى العالم الأسلامي مع المدرسة الإفلاطونية في بغداد ، وبالتحديد مع ثابت بن قرة (826 – 901م) والذي ترجم أعمال أرسطو والشروح عليه إلى العربية .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر:

Sorabji, Op. Cit,

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ولد ثابت بن قُرة في مدينة حران ، وهي مدينة صابئية عريقة ، يشتهر جُل علمائها بالفلك والرياضيت والتنجيم ، وكانت لهم إتصالات واسعة بالعلم والثقافة اليونانية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :

Tobias Churtons, The Golden Builders, Barnes & Noble Publishing 2006, p. 27

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

   وبدعوة من محمد بن موسى بن شاكر (803 – 873م) ذهب إلى بغداد للدارسة في بيت الحكمة (وبالمناسبة إن عائلة موسى بن شاكر تتكون من ثلاثة إخوة من الباحثين في بيت الحكمة ، وقد إهتموا بالفلك والرياضيات ، ولهم أبحاث مهمة ومؤلفات .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لمزيد من التفاصيل أنظر :

   Dimitri Gutas, Greek Thought, Arabic Culture: The Graeco – Arabic Translation Movement in Baghdad and Early Abbasaid Society, Routledge 1998, p. 133

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وفعلاً قدم ثابت إلى بيت الحكمة وعمل مع أولاد موسى بن شاكر . ولعب دوراً فاعلاً في الترجمة من اليونانة إلى العربية (ويقال من السريانية إلى العربية كذلك) . فقد كان يتقن اليونانية والعربية والسريانية بطلاقة عالية . كما كان له الأثر في تكوين خلايا العلماء العرب الأولى في بيت الحكمة ، فقد قاد مع طلبته برامج البحث في بيت الحكمة ، والتي تمثلت في مجالات الرياضيات ، والفلك ، والتنجيم ، والسحر ، والميكانيكا ، والطب ، والفلسفة .

  ولعل من أهم ترجماته إضافة إلى كتب أرسطو والشروح عليها ، ترجماته من اليونانية إلى العربية لأعمال أبولونيوس (262 – 190 ق.م) ، و أرخميدس (287 – 212 ق.م) ، وإقليدس (إزدهر عام 300 ق.م) ، وبطلميوس (90 – 168م) . ومن ثم قام ثابت بإصلاح ترجمة كتاب الأصول لإقليدس ، والذي ترجمه حنين بن إسحق (809 – 873م) . وأعاد كتابة ترجمة حنين لكتاب بطلميوس المجسطي ، وترجم كتاب الجغرافيا لبطلميوس .

  ونحسب من المهم الإشارة إلى علو كعب ثابت بن قرة في مضمار الفيزياء عامة ، وفيزياء أرسطو خاصة ، على الرغم من إنه رفض المفاهيم الأرسطية والمشائية للمكان الطبيعي . ووضع بدلاً عنه نظرية الحركة الصاعدة والنازلة (ويبدو لنا إن الأثر الإفلاطوني واضح في النظرية) والتي هي تسبب الوزن .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أنظر :

Mohammed Abattouy, “Greek Mechanics in Arabic Context: Thabit ibn Gurra, al – Isfizan and the Arabic Traditions of Aristotelian and Euclidean Mechanics”, / Science in Context 14, pp. 205 – 206

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ونتطلع في أكمال صورة فهم عن الطرق التي مرت بها الفلسفة اليونانية إلى دار الفلسفة العربية الإسلامية ، في كتابة مقال بعنوان إفلاطون والشروح على محاوراته : تاريخ وشواهد (تم كتابته وصدر في مجلة أوراق فلسفية جديدة / ومن ثم ظهر على صفحات موقع الفيلسوف) . ويتبعها مقال ثالث بعنوان الترجمة والمترجمون : من اليونانية والسريانية إلى العربية

 

Posted in Aristotle, Commentaries on Aristotle, Dr.MOHAMAD FARHAN, Plato, Plotinus, Porphyry of Tyre, Pythagoreanism, فرفريوس الصوري ومشروع التناغم بين فلسفتي إفلاطون وآرسطو, فرفريوس الصوري والإيساغوجي ومقولات آرسطو, فرفريوس الصوري اللبناني, مجلة أوراق فلسفية جديدة / 9, مركز دريد للدراسات, نيكولاس دمسقس وشروحه على كتب أرسطو, يوحنا النحوي / جون فيلوبنس وقراءة آرسطو من زاوية منهجية, يوحنا النحوي وإقتباس غاليلو أشياء منه, يوحنا النحوي وإهتمام العرب بفكره, يوحنا النحوي وترجمة أعماله إلى السريانية والعربية, يوحنا النحوي وسوء فهم فرفريوس وبرقلس لفلسفة آرسطو, يوحنا الدمشقي / جون دمسقس وشروحه على كتب آرسطو, آرسطو والشروح على كتبه : تاريخ وشواهد, أندرنيقوس الروديس ونشرة جديدة لأعمال أرسطو وثيوفراستس, أندرنيقوس الروديسي الرئيس الحادي عشر للمدرسة المشائية, أهمية شروح أولمبيدريس الإسكندراني في تاريخ الفلسفة الإسلامية, أولمبيدريس الكبير معلم بروقلس, أولمبيدريس الإسكندراني والمحافظة على التقليد الإفلاطوني بعد غلق المدارس الفلسفية, إمونيوس هرمي ومشروع إتفاق إفلاطون وآرسطو على كون الله الصانع للعالم, إمبيلكوس السوري ومشروع التناغم بين فلسفتي آرسطو وإفلاطون, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الإسكندر الإفروديسي وشروحه على كتب آرسطو, الإسكندر الإفروديسي رئيس المدرسة المشائية في بداية القرن 3 الميلادي, الإسكندر الإيجي وشروحه على فلسفة أرسطو, بوثيوس وترجمة أجزاء من كتب أرسطو المنطقية إلى اللاتينية, ثيوفرستس, ثامسطيوس وشروحه على مؤلفات آرسطو, ثابت بن قرة وإصلاح ترجمة كتاب الإصول لإقليدس لحنين بن إسحق, ثابت بن قرة وإعادة ترجمة كتاب المجسطي لبطليموس لحنين بن إسحق, ثابت بن قرة وترجمة كتاب الجغرافيا لبطليموس, ثابت بن قرة وترجمة أعمال أبولونيوس, ثابت بن قرة وترجمة أعمال أرخميدي وإقليدس وبطليموس, ثابت بن قرة وترجمة أعمال أرسطو والشروح عليها, جوستنيان وغلق المدارس الفلسفية, ديكسبوز ودعوته للتوفيق بين فلسفتي إفلاطون وأرسطو, سمبليقوس ومحاولة المصالحة بين مبادئ فيثاغوراس والإيلية, سمبليقوس ومحاولة المصالحة بين الرواقية ومبادئ آرسطو, سمبليقوس وشروحه على كتب أرسطو, ستراتو لامبسكوس الرئيس الثالث للمدرسة المشائية, ستراتو ومشروع المقاربة مع إسبينوزا, ستراتو ونفيه خلود النفس, ستراتو وهجومه على براهين إفلاطون في محاورة فيدون, ستراتو ووحدة الوجود, ستراتو وأبيقور والمذهب الذري

الأبستمولوجيا وفلسفة المنهج عند جابر بن حيان

 الفلسفة / حُب الحكمة         الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Jaber Ibn Hayyan: Epistemology and Philosophy of Methodology

Dr. MOHAMAD FARHAN 

الأبستمولوجيا وفلسفة المنهج عند جابر بن حيان  

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

  تحتل النصوص الأبستمولوجية التي كتبها جابر بن حيان (المتوفى نحو عام 160 هجرية) مكانة متقدمة في تاريخ عملية التدوين للفكر الأبستمولوجي في دار الثقافة الإسلامية . ونحسبُ إن إعادة قراءة هذه النصوص في ضوء ما توفره دوائر الأبستمولوجيات المعاصرة من منهجيات (مثدولوجيات) متداخلة ، تُمكننا من إنتاج نصوص أبستمولوجية إسلامية معاصرة ، تُفيدنا في إنشاء ديوان الأبستمولوجيات العلمية أو علم المعرفة الإسلامي* .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نشر هذا البحث في مجلة المنطلق اللبنانية / العدد 118 / ربيع – صيف 1997 ، ص ص 95 – 124 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 في الحقيقة إن قراءة نصوص جابر الأبستمولوجية ، هي قراءة لحكاية العلم في حقبة من تاريخ الأبستمولوجيات عامة ، والإسلامية خاصة . وإنها في الوقت ذاته تضعنا وجه لوجه أمام صور الحوار الثقافي المتقدم ، والتي كان الحاصل منها هذه التكوينات الأبستمولوجية التي ولدتها ذهنية عالم مسلم ، وبالتحديد في مرحلة تاريخية متقدمة من تاريخ فلسفة العلم وعلم العلم . وعلى أساس هذه الجهود الأبستمولوجية ، وخصوصاً في طرفها الكيمياوي ، منح الغربيون جابر بن حيان لقب ” أب الكيمياء ” * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* لقد منح الغربيون جابر بن حيان (721 – 815م) لقب أب الكيمياء ومشاركة مع روبرت بويل (1627 – 1691م) (أنظر : مورين بروس ؛ المعرفة التحليلية (المختبرية) : الخيمياء ، الكيمياء والثورة العلمية (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة جامعة هارفارد 2005) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  ونشعر إن في هذه القراءة فعل إسترجاع لإنموذج حيوي متفرد من الأبستمولوجيات الإسلامية ، سيسهم بدوره في إعادة التوازن في مكونات شخصيتنا الثقافية ، بعد إن هيمنت أجناس من الثقافات غاب بينها النص الأبستمولوجي ، والذي يفتح أبواب التبادل بين العلم ومعطياته والتأمل الفلسفي الإسلامي ، والذي نعتقد إن في حضوره قوة لثقافتنا الإسلامية .

  ولهذا نتساءل : هل في الإمكان إسترجاع هذه التكوينات الإبستمولوجية ، التي ولدتها دائرة تفكير جابر ، أسوار فلسفية ومنهجيات وتربويات ، تُسهم في تعزيز مكانة الأبستمولوجيات في الدار الثقافية الإسلامية ؟ إن البحث يقترح إمكانية الإسترجاع ، وذلك من خلال فتح أبواب الحوار مع المنتوج الأبستمولوجي المعاصر .

المغامرة الأبستمولوجية في صياغة المنهج (الميثدولوجيا)

   في الواقع إن جابراً كتب نصوصاً أبستمولوجية عدة ، تناول فيها المنهج وطبيعته . وحقيقة إن هذه النصوص تكشف أبعاد المغامرة الأبستمولوجية التي أنجزها عقل جابر ، والمستفيدة من توجهات أستاذه الإمام الصادق في علم الكيمياء . وإن هذه المغامرة مكنته من تحديد طبيعة المنهج وعلى أساس الموضوع الذي يدرسه ، وحدود الوظيفة التي يقوم بها المنهج وفي كل حقل من حقول المعرفة ، وبين إن تلون المنهج وتنوعه يعود إلى الموضوع الذي يتناوله المنهج بالدراسة .

  ولعل من المفيد أن نبدأ بحثنا بإفادة معاصرة تُضئ لنا درب البحث . وهذه الإفادة أشارت إلى : إن ” البحث في منهج العلم ، وفرضياته ومفاهيمه ، موضوعه وحدوده ، والوسائل التي يستخدمها ، هو من إختصاص فلسفة العلم ” . وإذا كانت هذه هي حدود

المنهج ومضمار نشاطه ، فالسؤال : ما هي الإفادات التي عرضتها نصوص جابر بن حيان والتي تكشف عن طبيعة المنهج وفعالياته ؟

  عرضت نصوص جابر مجموعة إفادات تشكل بمجملها فهماً يُحددُ طبيعة المنهج وفعالياته . إن ما يميز هذه الإفادات هو التداخل بين ما هو معرفي (أبستمولوجي) وما هو منهجي (ميثودولوجي) في بنيتها . ونحسب إنه من المفيد أن نبدأ هذا البحث بإقتراح مفهوم لكلمة ميثودلوجي ، وذلك لأن هذا المفهوم سيُعيننا في وضع مقاربة بينه وبين ما تقدم به جابر من إفادات خاصة بالمنهج .

  إن الميثودلوجيا في الأصل كلمة يونانية تم تبنيها في جميع اللغات ، ومنها اللغة الإنكليزية . وهي تتألف من مقطعين ؛ الأول ميثود وتعني الطريقة أو المنهج . والثاني لوجيا وتعني العلم . وبذلك فإن الميثودلوجيا تعني علم الطريقة أو علم المنهج . والكلمة اليونانية ميثود تعني ” الطريق إلى ” أو ” المنهج المؤدي إلى ” ، ثم إستقرت بعد ذلك لتشكل إصطلاحاً يُطلق على علم المناهج (أي مناهج العلوم) . ويُعرف المنهج العلمي بأنه جملة من الإجراءات العقلية والعملية التي يقوم بها العالم من بداية بحثه حتى آخر خطواته . وذلك بهدف الكشف عن الحقيقة والبرهنة عليها أو التحقق منها (2) .

  ولهذا يمكن القول إن التداخل الذي أشرنا إليه في نصوص جابر بين ما هو أبستمولوجي ، وما هو ميثدولوجي له دلالته المهمة ، خصوصاً إذا ما وضعنا في الإعتبار بأن الدراسات المعاصرة قد تناولت هذين الإصطلاحين بالتحديد وأشارت إلى التداخل بينهما . فقد بينت أن الأول أوسع من الثاني ، بل ويحتويه في دائرة بحثه . فالأبستمولوجيا تتناول بالدرس العلوم وفروضها ونتائجها ، وذلك لتحديد قيمتها وحصيلتها الموضوعية . بينما تقتصر الميثدولوجيا على دراسة المناهج العلمية دراسة وصفية وتحليلية* وذلك لبيان مراحل الكشف العلمي (3) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  * الحقيقة إن فهم الجابري للأبستمولوجيا والميثدولوجيا فيه تبسيط شديد لتاريخ التحولات الحادثة في مضماري الأبستمولوجيا والمثيدولوجيا من طرف . ويتعارض مع المنهج الفلسفي الفمنستي الذي تحول إلى معارض للأبستمولوجيات والميثدولوجيات التي صاغها الفلاسفة والعلماء الرجال . وبالمقابل صاغ الفلاسفة الفمنستيون أبستمولوجيات وميثدولوجيات فمنستية خاصة ناقشت موضوعية العلوم … للأطلاع عل المجهود الفلسفي الفمنستي في مضمار الأبستمولوجيا أنظر :

Elizabath Anderson, “Feminist Epistemology and Philosophy of Science “The Stanford Encyclopaedia of Philosophy, summer 2004 Edition

Miranda Fricker, Epistemic Injustice: Power and Ethics of Knowing, OxfordUniversity Press, 2009, pp. 1 – 20

وأنظر البحث الرائد في اللغة العربية الذي كتبه الدكتور محمد جلوب الفرحان ، وبعنوان : الأبستمولوجيا الفمنستية : دور الجندر في المعرفة / ستظهر خلاصة عنه على موقع الفيلسوف .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وإذا كانت هذه هي حدود المنهج في دائرة الفهم الأبستمولوجي والمنهجي (الميثدولوجي) الطرائقي ؛ فما هو مفهوم جابر بن حيان له ؟ إن المتأمل في إفادات جابر المتعلقة بالتشجير الأبستمولوجي للعلوم ، يتيقن بما لا يقبل الشك إلى إن الرجل أدرك بأن لكل علم من العلوم منهجه الخاص به . ونحسب على هذا الأساس إن مراجعة ذلك التشجير الأبستمولوجي للعلوم ، يحملنا على ذكر جملة حقائق تخص المناهج الآتية :

أولاً – مناهج علوم الدين :

    فعلاً لقد حدد جابر المناهج التي تستخدمها علوم الدين . وجاء ذلك في إشارة مهمة بين فيها إن المنهج يتشكل على أساس طبيعة الموضوع الذي يتناوله . وهنا إقترب جابر كثيراً من دائرة الأبستمولوجيا وفلسفة العلوم عامة وعلم المناهج خاصة . فكلاهما أفاد بأن موضوع البحث هو الذي يحدد شكل وآليات المنهج الذي يمتلك القدرة على دراسته وتحقيق الهدف . وهنا لاحظ الباحث إن بداية بسيطة قد تحققت على يد جابر . بداية تندرج ضمن حدود ما يُعرف بأبستمولوجيا المنهج (وفي هذا الإصطلاح وكذلك إصطلاح منهج الأبستمولوجيا نقد وخروج على الحدود البسيطة التي رسمها محمد الجابري بين الأبستمولوجيا والميثدولوجيا) . والآن نشعر إن الضرورة تقتضي منا الإنتقال إلى الإفادات التي أدلى بها جابر في هذا المضمار .

  تُفيد نصوص جابر إلى إن علوم الدين تستخدم نوعين من المناهج ، وذلك بالإستناد إلى التشجير الثنائي الذي إقترحته النصوص لهذه العلوم ، فهي على نوعين : علوم شرعية وعلوم عقلية . وبسبب هذه الطبيعة المزدوجة تداولت هذه العلوم نوعين من المناهج ؛ مناهج نقلية تعتمد إسلوب التلقين للحقيقة المطلقة ، المنقولة عن السماء من خلال الوحي . وهو منهج مطبوع باليقين والصدق المطلق ، ومن هذا الطرف فإن الحقيقة التي يعرفها المنهج النقلي لا تقبل الجدل والنقاش ، وهي حقيقة مسلم بها . ومناهج عقلية جاورت المناهج النقلية ، وعملت بجنبها وهي تستند إلى العقل مصدراً وطريقاً للمعرفة البشرية .

  ولعل ما يمكن الإحتفال به في هذه القضية ، هو دعوة نصوص جابر إلى التعايش بين مناهج النقل ومناهج العقل ، إضافة إلى إنها ذكرت مناهج مساندة لهما ، وهي مناهج اللغة والمنطق ، والتي أجرت تطبيقاتها في علمي المعاني والتأويل (4) .

ثانياً – مناهج علوم الدنيا :

    والسؤال المرفوع هنا : ما هي حدود مناهج علوم الدنيا ؟ وما هو المجال الذي تعمل فيه مثل هذه المناهج ؟ تحدثت نصوص جابر عن نوع أخر من المناهج ، والتي تُشكل في علم الميثدولوجيا ، الإجراءات العملية من فعاليات المنهج . ومن هذا الطرف فإن مناهج علوم الدنيا هي مناهج تطبيقية عملية ، وبإصطلاحات جابر هي ” علم الصنعة ” و ” علم الصنائع ” (5) .

ثالثاً – مناهج ” العلم الفلسفي ” :

  ضمت إفادات جابر في موضوع العلم الفلسفي ، أنواعاً مختلفة من المناهج تحت خيمة ” مناهج العلم الفلسفي ” ، وهي تشمل بإصطلاحلت جابر مناهج ” العلوم الطبيعية ” و ” العلوم الحسابية ” و ” العلوم الهندسية ” . وإن التأمل في مناهج هذه العلوم من زاوية ” أبستمولوجيا المنهج ” يحملنا على القول إلى إن هذه العلوم تعتمد على طريقين :

الأول – طريق الحس :

  إن العلوم التي تعتمد هذا الطريق هي العلوم الطبيعية ، وإن المنطق هنا هو المنطق الإستقرائي . وإن اللغة المتداولة تتألف من أبجديات من المفاهيم تتعامل مع الوقائع أو هي أطر عقلية لوصف هذه الوقائع . غير إن هذا الحال المنهجي لا يعني إن هذه العلوم لم تستخدم مناهج من أنواع مختلفة ، إنها في حقيقة الأمر وفي عصر جابر لاذت لتوسيع ساحة بحثها نحو أساليب نظرية مكنتها من إنجاز هذه المهمة .

الثاني – طريق العقل :

  إن العلوم التي إختارت هذا المسار المنهجي ، هي العلوم الرياضية . وإن منطق العلوم الرياضية هو الإستدلال . وإن اللغة المستخدمة هنا هي عبارة عن مجموعة مفاهيم على شكل رموز عالية التجريد وليست لها علاقة بعالم الوقائع .

  وفعلاً فقد أفصحت إفادات جابر عن كل الفعاليات الميثدولوجية (المنهجية) ، وبينت إن العلوم الفلسفية تستند إلى منهج مزدوج ” حسي – عقلي ” . وهي بهذا السند ربطت نشاط المنهج برأسين : رأس يعمل في الوجود (العالم الخارجي) وهذا يُشكل ما نصطلح عليه بإنطولوجيا المنهج . وإن هذه الإنطولوجيا تتشكل أولاً عن طريق الحواس . ورأس يرتبط بالعقل ونشاط الذهن (6) . إنه طريق يؤسس منظوماته المعرفية (الأبستمولوجية) بالمشاركة مع الحس وهذا ما نسميه بأبستمولوجيا المنهج .

الأسس الفلسفية للمنهج :

   صحيحُ إن أبستمولوجيات جابر هي رهينة للفيزياء المتداولة في عصره . وهي فيزياء أرسطو والمتولد منها من صور شارحة وتفاصيل يبدو فيها تعديلات مضافة . وبايولوجيات وكيميائيات وفلكيات مختلطة بأمشاج إسكندرانية تصعد في إصولها إلى جالينوس وأرخميدس وبطلميوس (خصوصاً كتابه المجسطي الذي حمل التعديل الفلكي للكون الذي قدمه أرسطو) . وهندسة إقليدس وما حملته من هوامش إسكندرانية ، والتي مثلت موديلاً نظرياً عالياً في إشتراطات عصر أبستمولوجيات جابر المستبطنة لفكرانيات هرمسية وافدة إلى المركب الأبستمولوجي الذي صاغه جابر بن حيان (وبالمناسبة إن دوائر الأهتمام الأوربي اللاتيني ما بعد القرن الثاني عشر أخذت تطلق على تراث جابر بن حيان العلمي وخصوصاً الكيميائي إصطلاح بالتراث الجابري وأبو الكيمياء الحديثة مشاركة مع روبرت بويل للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الوافد الأبستمولوجي الكيميائي / موقع الفيلسوف / 2 نوفمبر 2012) .

  وصحيح ُ كذلك إن النصوص التي كتبها جابر هي ليست في معظمها إنتاج نشاط تجريبي إختباري ، ولا هي في معظمها نصوص متولدة من عقل هو نتاج تجربة أبستمولوجية نظرية ، وإنما هي إنتاج متولد من قراءات واسعة لنصوص في أبستمولوجيات ملونة ، والتي وفدت عبر مصادر ورسائل كانت متداولة في الدار الثقافية الإسلامية عصر جابر بن حيان . وإن هذه الأبستمولوجيات الثقافية (نقصد نصوص في الأبستمولوجيا متوفرة للقراءة والإطلاع ، وبذلك هي مجرد نصوص ثقافية في الأبستمولوجيا) فيها حضور لثقافات أبستمولوجية تنتمي إلى مضمار العقل والتجارب النظرية (مع نضح لتجارب إختبارية قام بها جابر بنفسه فعلاً في مضمار تحويل المعادن والأكسيرات وفعاليات كيميائية متنوعة ..) .

  ونحسب إنه من المفيد أن نضيف إلى إن المنهج عند جابر قد تكونت هياكله الأولى عن طريق فعل إمتصاص وقراءة معمقة لثقافة كيمياوية وافدة وما تولد من تجاربه الإختبارية ، مما كان لها الأثر في كتابتة نص أبستمولوجي متميز في إشتراطات عصره في المنهجيات ، والذي أثار الكثير من الإندهاش لدى القارئ والمتخصص من هذا الحضور المبكر القوي للثقافة الكيمياوية في نصوص جابر بن حيان .

  ورغم هذا الواقع الأبستمولوجي المتفرد الذي أنتجه يراعُ جابر . إلا إننا وجدنا إن حركة اللاوعي عنده قد طفحت على سطح النص الأبستمولوجي ، مما كان الحاصل من ذلك إنتاج نمط من الأبستمولوجيات التي تدافع عن فكر ميثالوجي (فيه تقاطع كما يبدو حتى العظم مع طبيعة الأبستمولوجيات العلمية ، ولكننا عرفنا في الأبستمولوجيات المعاصرة ما يشبه ذلك في نصوص معاصرة أصحابها يتعبدون لقوى مافوقطبيعية ..) إذن لا غرابة في موقف جابر بن حيان على الإطلاق . نقول فكر ميثالوجي ، يحمل من رموز الإسطورة وفعل السحر وقوة الساحر والطلسم (هذا جاء من الأثر الهرمسي الذي حملته النصوص الإسكندارانية)… وفعلاً ففي نصوص جابر إمكانية التعبير واردة ، في صورة مفاهيم ومقولات عن تجربة السباحة في مضمار الخيال والتي تكون مقيدة بصور من الإشتراطات حيناً والمتحررة حيناً أخر من الإشتراطات في آن واحد . إن ذلك جاء في طرف منه في صياغة فرضيات المنهج عند جابر أو ما إصطلحنا عليه بالأسس الفلسفية للمنهج .

  حقيقة إن إفادات جابر الأبستمولوجية تُشكل في هذا المضار ، إطاراً يمكن تسميته بفلسفة المنهج . ونحاول هنا مصاحبة جابر في نصوصه بهدف التعرف عن قرب على الإفادات التي أدلى بها عن حقيقة الفلسفة التي نهض عليها المنهج . ولعل أول أمر يلاحظه القارئ لنصوص جابر ، إنها حملت الكثير من الإشارت التي تكفي للقول على إنها أكدت على حضور الفلسفة عند إختيار المنهج . ونحسب بين السطور التي خطها جابر شعاراً منهجياً يُفيد بلغتنا المعاصرة : ” إن منهجاً بلا فلسفة ، هو منهج يتخبط ولا يعرف طريقه ” . ولذلك أصبح من اللازم قبل أية خطوة يخطوها الباحث هو صياغة الأسس الفلسفية التي يقوم عليها المنهج .

  إن الأسس الفلسفية للمنهج ، هي أجوبة على مجوعة من الأسئلة التي شخصت أمام الباحث جابر بن حيان . وهذه الأسئلة مثل : هل الكون مخلوق ؟ ما طبيعة الخالق ؟ ما طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق ؟ وهل الكون سيبقى موجوداً في المستقبل كما هو موجود في الحاضر ؟ وما طبيعة التفسير الكيفي للأشياء والظواهر الطبيعية ؟ وما هومركز الكون ؟ * والحقيقية إن هذه الأسئلة بمجملها هي أسئلة إنطولوجية . وإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وبالمناسبة إن مثل هذه الأسئلة أو ما يشبهها قد واجهها الأبستمولوجيون المحدثون من تجريبيين حسيين مثل فرنسيس بيكون هوبز ولوك وجورج باركلي وهيوم وجون ستيوارت مل … والعقليون مثل ديكارت ومالبرانش وإسبينوزا ولايبنز .. والنقديون مثل كانط والأبستمولوجيون المعاصرون والقائمة طويلة . للتفاصيل في هذه القضية أنظر المصادر التي تم إختيارها للأشارة إلى تاريخ وتنوع وجهات النظر إلى الأبستمولوجيا الحديثة والمعاصرة في الغرب ، وبالمقابل إلى ضيق المفهوم العربي الأكاديمي للأبستمولوجيا المتداول مع الأسف :

Bertrand Russell, History of Westren Pilosophy, Routledge Classics 2012

Robert Audi, Epistemology: A Contemporary Introduction of Knowledge, Cambridge Uneiversity Press 1998

William Alston, Perceiving God: The Epistemology of Religous Experience, CornellUniversity Press 1991

John Greco, “Virtues and Vices of Vittue Eipstemology”, Candain Journal of Philosophy, 1993, 23: 413 – 433

Nicholes Wolterstorff, Epistemology of Religion, 1999, pp. 303 – 324

Fredrick Schmitt(ed), Socializing Epistemology, Lanham 1994

وأنظر كذلك مصادرنا السابقة عن الأبستمولوجيا الفمنستية عند حديثنا عن الحدود الضيقة لأصطلاحي الأبستمولوجيا والميثدولوجيا عند المرحوم محمد عابد الجابري طيب الله ثراه .

  وفي مضمار أبستمولوجيا الفمنست السود ، أنظر الكتاب الممتاز :

Patricia Collins, Black Feminist Thought : Knowledge, Consciousness and Politics of Empowerment, Routledge, New York 2000

وبالمناسبة أنظر محاولتنا الرائدة في مضمار الأبستمولوجيا التاريخية والمعنونة : القدر والإنسان : بحث أبستمولوجي في تواريخ اليعقوبي وإبن الأثير ، دار الطليعة ، بيروت 1986 ، وأنظر محاولتنا الجريئة في إنشاء أبستمولوجيا قرآنية ، والتي ظهرت في كتابنا المعنون : الخطاب التربوي الإسلامي ، الشركة العالمية للكتاب ، بيروت 1999 ، الفصل الأول ، ص 25 – 27 . وقبل كل ذلك أنظر محاولتنا الجنينية في تأسيس مضمار أبستمولوجيا النقد الأدبي ، والتي ظهرت في مقالتنا المبكرة وتحت عنوان : أثر البيئة في الحكاية الشعبية العراقية / مجلة الجامعة – تصدرها جامعة الموصل (على الأكثر ظهرت عام 1977) ، ص ص 103 – 107 من القطع الكبير / منشورة الآن على موقع المرحوم الدكتور عمر الطالب .  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

الإجابة عليها أسست ما إصطلحنا عليه بإنطولوجيا المنهج . وهذا يعني إن هذا المحور ، هو بحث في إنطولوجيا المنهج عند جابر بن حيان .

   جاءت الإجابة على تلك الأسئلة على صورة فرضيات . والواقع إن هذه الفرضيات تحدد ماهية فعل التأمل الذي مارسه جابر وهو يتناول مكونات منهج العلوم ، ومن ثم دقق الخطوات التي ينجزها ، وحسب النتائج التي توصل إليها . وبالتأكيد فإن تأملاته كانت محكومة بظروف العصر الذي عاش وتلقى تعليمه فيه ، وإكتسب منه مكوناته الثقافية ، وتعرف من خلاله على العلوم والمناهج الرائجة والمهيمنة على مساراته .

  وفعلاً فإن تأملات جابر تضع بأيدينا أكثر من دليل على إرتباطها بظروف عصره . فقد عاش ” خلال الشطر الأكبر من القرن الثامن الميلادي ” (7) . وللدقة كما بينا في هامش أعلاه إنه عاش مابين 721 – 815م . فإنه حياته شغلت (79 عاماً) من القرن الثامن وعقد ونصف (15 عاماً) من بدايات القرن التاسع الميلاديين . وعاش في جزء مهم من ديار الإسلام (كوفة وبغداد – العراق) . وإنه بحكم إنتمائه العائلي فقد تشرب مبادئ الإسلام ، مما كان لكل ذلك من الأثر على تكوين ذهنيته الفلسفية – العلمية (الأبستمولوجية) ، والتي كانت تستظل بمدركات إسلامية تنزع إلى التأمل في الكون والخلق صعوداً إلى معرفة الخالق .

  ونحسب من النافع الإشارة إلى إن ثقافة جابر قد تمثلت جميع علوم عصره ، وعلى الأخص النتاج الثقافي العلمي اليوناني بطرفيه الهيليني والهيلينستي . وكان لهذا التمثل دلالته في تأملاته ، حيث قدمت نفسها إنموذجاً دالاً على حالة النمو والتواصل المعرفيين الإنسانيين .

  كانت حصيلة كل ذلك إنشاء نص فلسفي أبستمولوجي مطبوع بسمتي الأصالة والمعاصرة بمقاييس عصر جابر . ونقف هنا ونتساءل : ما حدود إنطولوجيا المنهج عند جابر ؟ تمثلت هذه الإنطولوجيا في الفرضيات الآتية :

أولاً – فرضية الإيمان ” بوجود خالق للكون ، والأعتراف في الوقت ذاته بإن هذا الكون مخلوق ” .

  إقتصرت إنطولوجيا المنهج عند جابر (بحدود هذه الفرضية) على مجموعة تأملات فلسفية هي في حقيقتها إجابة على التساؤلات الآتية : هل الكون مخلوق ؟ ما طبيعة الخالق ؟ ما العلاقة بين الخالق والمخلوق ؟ ولاحظ الباحث إن فعل التأمل عند جابر ، قد وضع الكون موضوعاً للبحث والتفكير . وذهب إلى إن الكون بأشيائه وظواهره ، وما فيه من نواميس ، هو من خلق الله . إنه قرار إنطولوجي بأن هذا الكون مخلوق ، وهو مخلوق بتركيبته الفيزيائية التي تتكون من أشياء وظواهر ، وعلاقات بين الظواهر ، وعلاقات بين الأشياء ، وعلاقات بين الأشياء والظواهر ، وعلاقات بينها وبين البشر . وإن علاقة البشر بالكون تتحدد بنوع من الإستثمار ، والذي يكون بإسلوب من النظر إلى الكون والظواهر والأشياء . وبطريقة المحاولة على فهم ما يجري من أحداث ومن خلال ما توافر من آدوات وأساليب ولغة .

  وإستناداً إلى ذلك تشكل منهج البحث عند جابر ، وبالطبع هو سند فلسفي (إيماني) يعترف بأن النواميس والقوى والظواهر الطبيعية والأشياء تعود في أصلها إلى فعل من أفعال الخالق . ويبدو في الظاهر إن هذه الفرضية تقع خارج مضمار المنهج ، إلا إنها في الواقع تندرج ضمن موضوعات فلسفة المنهج . وهي تذكرنا بمواقف فلاسفة العلم والمناهج غرباً وشرقاً . وبالتحديد نستطيع إستذكار عدد من أسماء الفلاسفة والعلماء الذين أسهموا في صياغة نماذج من فلسفة العلم والمنهج . وإن شلة منهم من إعترف بأن هذا الكون وما تحكمه من قوانين دليل على إنه إبداع وخلق من لدن مبدع أو تنظيم مهندس (8) . وفي هذه القضية بالذات يكون حال جابر شبيه بالتأكيد بحالهم .

  وبذلك تكون تأملات جابر في الكون قد شكلت أساساً فلسفياً لمنهج البحث . وجاء التعبير عن هذه الأسس في بداية كتابه المعنون ” إخراج ما في القوة إلى الفعل ” (وبالطبع العنوان فلسفي وفيه إستبطان لأفكار أرسطو الفيزيائية) . إستهل جابر كلامه بوصف الخالق وعلمه ، وإعلان إسلامه بالشهادة لله ورسوله . فقال : ” الحمد لله الذي ليس كمثله شئ وهو على كل شئ قدير ، الأول بلا مثال ، والآخر بلا زوال . وتعالى وتقدست أسماؤه ، وهو بكل شئ محيط ، واللطيف الغامض في بطون الأجزاء وظاهرها ، وما في أوسطها ، العلي إلى ما لا نهاية ، والأسفل إلى ما لا نهاية له ، القدير على إدراك جميع الأشياء لطيفها وكثيفها ” (9) .

  إن المتأمل في هذه الفرضية يخرج بإستنتاج وحيد ، وهو إن في بنية هذه الفرض يتشابك الوجودي بالمعرفي (الإنطولوجي بالأبستمولوجي) في حضور الذات الآلهية هذا طرف . والطرف الثاني هو إن جابراً ظل يتحرك على أرضية فلسفية – دينية مشتركة عند صياغة الأساس الفلسفي للمنهج . ولذلك وجدناه يُدخل في وصف الوجود تفاصيل تدلل على وجود الخالق ، وحكمته في خلق الوجود . يقول جابر ” إن قطب تلك البروج وفلك الكواكب قطب واحد ، ومقدارها مقدار واحد . وهذه تسير خلاف هذه : أليس ذلك من صنعة حكيم ؟ ” (10) . ولعل من الملفت للنظر إن هذا الإستنتاج الأنطولوجي الذي أقامه جابر ، هو الإستنتاج الإنطولوجي ذاته الذي توصل إليه أنشتاين بعد أكثر من أحد عشر قرناً وهو يتأمل في إنطولوجيا الكون ويصيغ نظرياته الفيزيائية في النسبية العامة والخاصة ونظرية الحقل الموحد * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* إنظر للتفاصيل :

Bertrand Russell. The ABC of Relativity, Allen & Unwin, London 1969

وفي البدأ نشر أنشتاين النظرية النسبية الخاصة ، وبالتحديد عام 1905 ، وبعد أحد عشر عاماً نشر النظرية النسبية العامة (1916) ومن ثم جمع بينهما في نظرية الحقل الموحد . وللإطلاع على رأي أنشتاين في مفهوم الله والإيمان أنظر الكتاب الممتاز :

Victor Stenger. Has Science Found Good? Prometheus Books, 2003

وهنا أشارك القارئ بما ورد في الفصل الثالث عن إيمان أنشتاين وعقيدته الدينية ” فقد رد أنشتاين على سؤال الحاخام هربرت كولدستاين عندما سأله الحاخام بالنص : هل تؤمن بالله ؟ فقال أنشتاين بالحرف الواحد : ” أنا مؤمن بإله الفيلسوف إسبينوزا ، الذي يكشف عن نفسه في الإنسجام بين الموجودات ” (عقيدة وحدة الوجود) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ثانياً – فرضية الإيمان ” إن هذا الكون سيبقى موجوداً في المستقبل ، كما هو موجود في الحاضر ” .

  لاحظ الباحث إن منهج البحث عند جابر قد نهض على أساس هذه الفرضية الإنطولوجية ، ولذلك أصبحت مهمة المنهج مقيدة بمعرفة قوانين هذا الكون في الحاضر ، ومن ثم التكهن بأن هذه القوانين ستظل فاعلة في المستقبل . والحقيقة إن هذه الفرضية تكشف عن خصوصية جدل التحول والإستمرار عند (جابر – أرسطو) جدل التحول والإستمرار من الحاضر إلى المستقبل ، جدل التحول والإستمرار من القوة إلى الفعل .  

  إن هذه الفرضية تعترف بأزواج من الجدليات في فهم حقيقة الكون ؛ جدل القوة والفعل ، جدل الزمان والوجود (المكان) ، وجدل الزمان والزمان (الحاضر والمستقبل) . وللوقوف على فهم جابر لهذه الجدليات نذكر النص الآتي : ” فالشئ الذي هو بالقوة هو الذي يمكن أن يكون وجوده في الزمان الآتي المستقبل ” (11) . والحقيقة إن إفادات جابر لا تقتصر على وصف الجدليات الفاعلة في فهم طبيعة الكون ، وإنما تقدمت بتوصيف لمنطق الممكنات الذي يخترقها ، وهذا المنطق له أهميته في تاريخ المنهج وفلسفته . وعن هذا المنطق قال جابر : ” كقيام القاعد وقعود القائم ، والشئ بالفعل الموجود في الزمان الحاضر وسائر الأفعال الكائنة كقعود القاعد وقيام القائم ” (12) .

ثالثاً – فرضية الإيمان ” إن حقيقة الأشياء تعتمد على كيفياتها ” .

   أسس جابر منهجه في البحث على التفسير الكيفي للظواهر الطبيعية . وهذا التفسير أو المنهج الكيفي يقوم على الكشف عن خواص الأشياء . وفي الحقيقة إن هذه المسألة بينت الوضع الذي كان عليه العلم في عصر جابر ، والذي كان مشروطاً بمرجعية أرسطو الفيزيائية (الطبيعية) * . ويُلاحظ إن جابراً وقع فعلاً تحت هيمنة سلطة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  * هناك عدد هائل من المقالات والكتب الأكاديمية الممتازة التي كتبت عن سلطة أرسطو في الفيزياء  . وهنا أحيل القارئ والأكاديمي العربيين إلى :

أولاً – إلى الكتاب المجموع الذي أشرفت على جمع مقالاته :

Lindsay Judson (ed), Aristotle’s Physics: A Collection of Essays, Claredon Press, Oxford 1991

ثانياً – الكتاب الممتاز الذي تناول العلم الفيزيائي (الطبيعي) عند أرسطو :

Andrea Flacon, Aristotle and the Science of Nature: Unity without Uniformity, CambridgeUniversity Press 2005

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المرجعية الأرسطية ، حيث إن محاولاته للخروج عليها كانت جداً محدودة . وهذا هو قدر العلماء ، فهم محكومون بظروف عصرهم ، وليس في إمكانهم تجاوز كل ذلك ، لأن فعل التجاوز وإقامة القطيعة الأبستمولوجية ومن ثم تدشين درب ومنهج أبستمولوجيين ، مرهون بإختراع تكنولوجيات بحثية تُلغي حدود العصر الذي عاشوا فيه . وإن حدث مثل هذا فإنه لا يحدث بالتأكيد إلا في مراحل الإنعطاف . وهذا الأمر ينطبق على عصر جابر (ولا تنسى إن الغرب يتحدث عن جابر أباً للكيمياء الحديثة ..) ، ولذلك كان في تأملاته الفلسفية وبصيرته المنهجية لا يسمحان له على شطب كل تلك الإشتراطات ومن ثم تخطي بوابة العصر ودخول عتبات عصر جديد . ومن المعروف إن عصر جابر تعامل مع نوع من التكنولوجيات التقليدية التي ليس فيها إمكانية قلب تفسير حقيقة الأشياء من الكيفي (النوعي) إلى الكمي (الرياضي) وإن ظهرت تباشير جابرية لوحت بإستخدام محدود للكمي . وفعلاً لم تتوافر لجابر مثل هذه التكنولوجيات ، ولو توافرت لأعانته في معرفة الأوزان الذرية للعناصر الفيزيائية . ولكن مثل هذه الفرصة الأبستمولوجية لم تتحقق للإنسانية إلا بعد أشواط حضارية * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  * إن مثل هذا الإنعطاف والتحول لم يحدث إلا بعد أكثر من عشرة قرون ، وبالتحديد أصبح حلم جابر بن حيان ناجزاً على يد الكيميائي الإنكليزي جون دالتون (1766 – 1844م) بعد قيامه ببث روح جديد في النظرية الذرية (وهي نظرية الفيلسوف الذري اليوناني ديمقريطس) التي كونت مايسمى بالنظام الجديد للفلسفة الكيمائية (عام 1808) . للإطلاع على التفاصيل أنظر :

Frank Greenaway. John Dalton and the Atom, CornellUniversity Press, New York 1966

Elizabeth Patterson. John Dalton and the Atomic Theory, Garden City, New York 1970

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لقد كان جابر إبن عصره ، بل وكان مرتبط به أشد إرتباط ، ولذلك جاءت فلسفته المتخفية وراء منهجه وأبستمولوجياته ، معبرة عن كل ذلك . فلجأت إلى الوصف الكيفي للأشياء والظواهر ، مما يُعد فضيلة أبستمولوجية وميثدولوجية محسوبة لصالحه . فهي فضيلة من حيث إنها كشفت عن تعامل الرجل بموضوعية مع الأشياء والظواهر . فقد قدم وصفاً غير متأثر إلى حد ما بميول ذاتية وطموح علمي فيه نوع من البايز (الإنحياز) . ولهذا كان التفسير الذي قدمه مطبوع بحيادية علمية وفق إشتراطات عصره .

  ونحسبُ من النافع الإشارة إلى إن تفكير جابر في الوقت ذاته ، جنح نحو شاطئ من شواطئ التفكير العلمي الطامح ، وتحول من دائرة التفكير الموضوعي الحيادي إلى محيط التدخل والتأمل المنحاز . فمن المعروف إن الوصف يعتمد على مفاهيم وتصورات وإعتقادات . وهذا هو مجال التفلسف في موضوعات العلم . والحق إن تأملات جابر في هذا المضمار كانت نشطة إلى أبعد الحدود . وبذلك جاءت فرضيته الفلسفية التي ينهض عليها المنهج تستند إلى الكيفيات في التفسير . وعن ذلك أفاد جابر قائلاً : ” إن الطبيعة كائنة من تضاعيف الكيفيات بالحركة والسكون ” (13) .

  كما حملت فرضية المنهج إشارة في غاية الأهمية ، إشارة تجاوزت عصر جابر ، وإخترقت في الوقت ذاته جدران الزمان والمكان ، فهي تُلقي ضوءً جديداً في فهم فعالية التفسير العلمي للظواهر الفيزيائية (الطبيعية) . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن ذهنية جابر كانت تتحسس أهمية التفسير الكمي ، وذلك لكونه تفسيراً دقيقاً للظواهر . وإستناداً إلى ذلك جعل جابر التفسير الكمي يعمل بجوار التفسير الكيفي وفي آن واحد . وعن ذلك ذكر : ” وإبتداء تضاعيفها (أي الطبيعة) إمتزاج الكمية معها ، فالطبيعة إذاً أربعة أشياء إبتداء حركة وسكون بكيفية وكمية . هذا هو جوهر الطبيعة ” (14) . إنها حقاً إضاءة منهجية تدلل على قدرة العقل المسلم على فتح أبواب جديدة للتأمل الفلسفي (الأبستمولوجي) في مناهج العلوم والبحث ، خارج حدود العمل الإنساني المرهون بظروف العصر وإشتراطات تكنولوجياته .

رابعاً – فرضية الإيمان ” إن الأرض مركز الكون ” .

    لاحظ الباحث إن جابراً في هذه الفرضية أعاد كتابة فرضية بطليموس (عاش في القرن الثاني الميلادي) الفلكية القائلة : ” إن الأرض مركز الكون ” . وإنه (أي جابر) قد إتخذ منها سنداً فلسفياً لمنهجه في البحث . والحقيقة إن هذه الفرضية كانت في عصر جابر تمثل الفرضية الفلكية المتداولة . وهي بطبيعتها تتجاوز عصر بطليموس ، وتصعد إلى فلسفة أرسطو الطبيعية (15) .

  ونحسب إنه من العدل والإنصاف أن نقول كلمة بحق التصور الفلكي الإسلامي عامة وتصور جابر خاصة ، وهو إن المسلمين قد سجلوا تحفظات وأشروا ملاحظات جديدة على نظام بطليموس . وهذه التحفظات والملاحظات شكلت بداية نقدية ، وأسهمت من جانبها مع جهود نقدية لاحقة من تكوين مضمار أبستمولوجي ساعد في بناء نظام فلكي جديد للكون (16) .   

  لقد كونت هذه الفرضية ركناً مهماً من أركان البناء الفلسفي للمنهج عند جابر . وهي في حقيقة الأمر فرضية تعترف بأن الأرض هي مركز الكون . وإن الكواكب الأخرى تجري وتدور حول هذا المركز . وعلى هذا الأساس الفلكي أقام جابر منهجه في البحث . ونقف هنا ونستمع إلى ما يقوله جابر في هذا الصدد : ” تعلم إن الكواكب أعمل في عالمنا من البروج لقربها منه ، ولبعد فلك البروج وتوسط فلك الكواكب بين هذا العالم وبين فلك البروج ” (17) .

  وإذا كانت هذه هي الأسس الفلسفية للمنهج في البحث عند جابر ؛ فماهي إذن آليات المنهج وتنوعات إيقاعه ؟ هذه القضية يبحث فيها المحور اللاحق .

آليات المنهج وتنوعات إيقاعاته

  إن الجانب الأخر من أبستمولوجيات المنهج عند جابر ، هو البحث في آليات المنهج ، ومن ثم رصد تنوعات إيقاعات هذا المنهج ، والتي نقصد بها أنواع المنطق التي إستخدمها جابر في مضمار العلوم ، وبالتحديد في مضمار منطقيات البحث والمعرفة العلمية .

  ولاحظ الباحث إن المنهج عند جابر إستخدم نوعاًً من المنطق ، والتي نزلت إصوله إلى دائرة الثقافة الإسلامية عامة ، وثقافة عصر جابر بن حيان خلال ترجمة كتب أرسطو المنطقية وشروح الإفلاطونية المحدثة عليها ، والتي كان من ضمنها كتاب إيساغوجي لفرفريوس الصوري الذي يتقدم الصفوف ، وترجمات لمنطق الرواقية والأبيقورية القضوي الممزوج بحجج الشكاك والمعجون بنزعة حسية راجحة ، والتي تلقفها في البداية علماء الكلام الإسلاميين عامة والأشاعرة خاصة ، والذين إتكأوا عليه في مهاجمة منطق الفلاسفة المرجح لمنطق أرسطو (18) .  حقيقة إن هذه الثقافة المنطقية المتنوعة المصادر كانت رائجة في عصر جابر بن حيان والشاهد على ذلك حضورها في نصوصه صدى وروحاً . وهذا ما سنبحثه في الصفحات اللاحقة .

 فعلاً لقد إستخدم المنهج عند جابر نوعين من المنطق ؛ إستقرائي يحفر وينقب عن الماكث المتخفي في الظاهرة الطبيعية التي تبحث فيها العلوم ، ويقدم المنهج من خلال إلإستعانة بفعل الإستقراء وصفاً ومن ثم يرتقي خطوة خطوة ليقدم تفسيراً للظاهرة الطبيعية . وإستدلالي يعتمد لغة العلوم موضوعاً ويستخدم طريقة التحليل والتركيب نهجاً وإسلوباً . وإعادة عرض النتائج في موديل منطقي مستفيد من هندسة إقليدس ، سواء في رمزيتها أو إشتقاقيتها (19) .ولهذا سننظر إلى أبستمولوجيا المنهج عند جابر من خلال اللحظتين الأبستمولوجيتين الآتيتين :

الأولى – الوصف والتفسير :

   يبدأ المنهج بحثه بموضوع محدد ، وقد يكون هذا الموضوع شيئاً ، أو قد يكون ظاهرة طبيعية . وإن الخطوة الأولى من عمل صاحب المنهج ، هو القيام بتقديم وصف للشئ أو للظاهرة . وتشارك في عمل الوصف الحواس وذلك من خلال ما تلتقطه من صور عن الأشياء والظواهر ، والعقل وذلك من خلال تكوين مفاهيم أو أُطر عقلية تقابل المدركات الحسية (وهي الوصف العقلي لها) . والحقيقة إن الوصف يُشكل المستوى الأبستمولوجي الأول من آليات المنهج وتنوع إيقاعاته الأبستمولوجية .

  أما المستوى الأبستمولوجي الثاني في آليات المنهج عند جابر ، فهو التفسير والذي يشير في مثابرته الأبستمولوجية إلى تدخل الذات العارفة في صياغة الفهم الأبستمولوجي للعالم . وهنا نلحظ إن الفلسفة عادت للظهور بقوتها من جديد في آليات المنهج . فعلاً لقد أعان المنهج جابر على معرفة حقيقة الكون ، وذلك من خلال ما توافرت له من وسائل وطرق بحث . وهي على مستوى التفكير تضم أساليب التنظير واللغة وقواعد البناء (المنطق) . في حين كانت على مستوى التجريب والإختبار تشمل أدوات بسيطة ساعدته بحدود ما على إختبار الحقيقة الماكثة في ظواهر الكون . ومن ثم تلت ذلك خطوة أُخرى تمثلت في أساليب تتجاوب وهذا التطلع التجريبي ، فكان الأستقراء . جاء بعد ذلك الإستدلال إسلوباً مسانداً للتجريب والملاحظة في تراث جابر بن حيان .

  ويُلاحظ إن جابراً في نصوصه المتوافرة قد دعا إلى دراسة الظاهرة الطبيعية ضمن شروط البحث العلمي . ومن هذا الطرف تمتع الوصف بنوع من الحيادية . أما التفسير فقد كان على عكس الوصف ولهذا الحال إبتعد نوعاً ما عن الحيادية . وبين إن الإنسان قد يتدخل في عملية تفسير الظاهرة وذلك من خلال التفكير ، ولهذا التدخل كان التفسير بمنظار جابر منحازاً متأثراً بجملة عوامل فعلت فعلها في دائرة تفكير العالم – الفيلسوف .

  ويبدو إن جابراً في عملية الوصف للظاهرة الطبيعية لم يقف عند حدود الإعتماد على لغة التداول اليومي ، وإنما إنصرف إلى وضع صيغة الوصف في إطار لغة رمزية . وإن جابراً بهذا السلوك تطلع إلى تدوين الوصف بلغة رمزية ، وذلك عن طريق تكميم التفسير المقدم للظاهرة برموز . والحقيقة إن هذا العمل الذي أنجزه جابر ، كان له أهمية في تاريخ العلم والمنهج على حد سواء . وفعلاً إن الرجل إنتقل في وصف الظاهرة من صيغ اللغة المتداولة إلى دائرة اللغة الرمزية* .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 * وبالمناسبة إن اللغة الرمزية هي مجموعة من سلاسل أو مصفوفات تتألف من رموز . إن علم قواعد أو نحو اللغة الرمزية شبيه بقواعد نحو اللغة العادية ، ويطلق عليها إصطلاح قواعد الصيغ الصورية أو الرمزية . وبعض الأحيان تُسمى بقواعد السنتاكس . للإطلاع أنظر :

A – Michael Harrison, Introduction to Formal Language Theory, Wasly 1978

B – A. G. Hamilton, Logic For Mathematics, CambridgeUniversity Press 1978

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  والواقع إن البحث هنا يندرج ضمن ما أصطلحنا على تسميته بأبستمولوجيا اللغة . وهذا النوع من البحث يدرس بنية النظام اللغوي ومقدار إرتباط مكوناته بالواقع وبعالم التجريد . ومن ثم يميز في مستويات النظام اللغوي بين لغة الحياة (لغة الواقع) واللغة

الفوقية والتي تشمل المنطق واللغات الرمزية . وبذلك يصبح لدينا الجواب متوافراً على التساؤل المُثار دائماً : لماذا يصاحب كل تطور علمي ، تطوراً في أبنية المنطق والعلوم الرمزية (العلوم الرياضية) ووسائلها ؟ والواقع إن هذا التطور في اللغات ، هو تلبية لحاجة الإكتشافات العلمية الجديدة (وإن الأجهزة اللغوية المتداولة أصبحت عاجزة عن التعبير عن الأكتشاف الجديد) وبالمقابل إن التجديدات في الأنظمة اللغوية نجحت في التعبير عن جوهر الإكتشافات العلمية الجديدة .

 إن طرفاً مهماً من هذا التطور العلمي تجسد في نزعة جابر الرمزية في الوصف والتفسير للظاهرة الطبيعية ، والتي تمثلت في حضور الإنموذج المنطقي بكل مواصفاته في دائرة فهمه . وذلك إدراكاً منه إلى إن حضور الرمزية ، هو توفير الدقة والوضوح لصيغ الوصف والتفسير ، وفي الوقت ذاته تُبعد هذه الصيغ من الوقوع في التناقض الذي تعجُ به لغة التداول اليومي (وهي بذور جنينية نحو بناء لغة علمية خاصة) . كما إن هذه الرمزية تتيح عملية الإستنتاج بيُسر ، حيث تبدأ بترتيب تراكيب التفسير والوصف بإسلوب منطقي ، يوفر تتابع التراكيب (القضايا العلمية) بحيث تُشكل بناءً علمياً يتصف بنوع من الصرامة المنطقية . وفي الحقيقة هذا هو هدف العلم والمنهج وأمنية العالم وفيلسوف العلم وفلسفة المنهج .

  ونحسبُ من المفيد هنا الإشارة إلى إن تداول الرموز واللغة الرمزية في الفترة التي ظهر فيها جابر من تاريخ تطور العلم ، كانت محدودة جداً حتى في العلوم الرمزية (الصورية) وهي العلوم التي تتعامل بلغة الرموز . ولعل الشاهد على ذلك تعامل علم المنطق والرياضيات بلغة الرموز في تلك الفترة . فقد كان فعلاً تعاملهما محدوداً . وإن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

للإطلاع على أهم الدراسات في مضمار المنطق الرمزي والبناء الرمزي للعلوم ، أنظر:

A – Rudolf Carnap, Introducation to Symbolic Logic and Its Applications, Dover Books 1958

B – Alfred Tarski, Introduction to Logic and Methodology of Deductive Sciences, Dover Books 1994

C – Michael Hollett & Ulrich Majer, David Hellbert’s Lectures on the Foundition of Mathematics and Physics (1891 – 1933) Springer 2004

D – Pierre Duhem, To Save the Phenomena: An e Essay on the Idea of Physical Theory from Plato to Galileo, University of Chicago Press 1969

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

كل ذلك كان له الأثر على عمل جابر ، فأبقاه مقيداً بحدود عصره في تداول لغة الرمز.

  وعلى كل نحاول هنا تقديم عرض لصيغة الوصف (وصف الظاهرة الطبيعية) كما هي في لغة التداول ، ومثلما وردت في نصوص جابر . ومن ثم نحاول وضعها في الصورة الأخرى التي تقدم بها لوصف الظاهرة الطبيعية ذاتها مُستخدماً لغة الرموز . يقول جابر ، وهو يستخدم لغة التداول : ” إن للنار أن تصير هواء بالقوة ، وللهواء أن يصير ماء بالقوة ، وللماء أن يصير أرضاً بالقوة ، فللنار أن تصير أرضاً بالقوة ” (20) .

   أما الصورة الرمزية لهده الصيغة التي تقدم بها جابر ، فهي في حقيقتها تكشف عن إسلوب بحث علمي يرقى بحدود إستخدام لغة الرموز إلى أكثر النماذج (الموديلات) العلمية دقة وصرامة ، وهو الأنموذج المنطقي . ومن المهم الإشارة هنا إلى إن الأنموذج المنطقي من الزاوية التاريخية والأبستمولوجية ، الذي يُعد من الموديلات المنطقية – الهندسية التي توحدت العلوم في داخلها (21) . ولهذا كانت العلوم التي عرضت أبنيتها مستعينة بالمنطق وقواعده ، تتطلع إلى بلوغ الدرجات العالية من الوضوح والدقة وإستبعاد التناقض عنها ، وتوفير الفرصة للباحث للإستنتاج والإشتقاق ، ومن ثم توسيع دائرة المعرفة العلمية . وفي هذا المجال تقدمت دائرة فهم جابر بوصف للظاهرة الطبيعية السابقة ، مستخدمة هذه المرة اللغة الرمزية ، ومستفيدة من الإنموذج المنطقي في عرض مثال من العلم الطبيعي :

يقول جابر : ” أ إن كانت في بعض ب

                و ب في بعض ج

                و ج في بعض د

               ف د في بعض أ ضرورة

               و أ في بعض د هذا ما لاشك فيه ” (22) .

   ويُلاحظ إن جابراً قد ميز بين الظاهرة البسيطة والظاهرة المركبة ، وطالب بإستيعاب هذا التمييز ، وأن يكون متوافراً للباحث في صيغتين لغوتين ، يعرضان تفسيرين علمين ؛ واحد للظاهرة البسيطة ، والأخر للظاهرة المركبة . يقول جابر : ” إن الأشياء إنقسمت قسمين ، وهي إما بسيطة وإما مركبة ، فما كان منها في الكون فهو مركب مطلق أو مركب ثان أو مركب مركب . فأما ما كان في البسيط الأول . فممتنع أن يخرج كل ما فيه بالقوة إلى الفعل لا لذاته ولا لأجزائه . أما لذاته فلأن البسيط غير متناه ، وما لم يكن متناهياً فهو غير فان ” (23) .

  إن جهاز المفاهيم الذي إستخدمه جابر كان له الأثر في تحديد هوية الأبستمولوجيا ومنهجها . وفعلاً فإن الباحث لاحظ سلطة أرسطو واضحة الحضور فيه ، كما إن هيمنتها على نصوصه بينة . وإن هذه الشبكة من المفاهيم الأرسطية أثرت على تشكيل مفهوم الأبستمولوجيا عنده . ومن هذا الطرف كان لها الدور في تعويق حركة المنهج كذلك . وحكمت عليه أن يقف عند حدود الفهم الأرسطي . وإذا كان ذلك عيباً نسجله على جابر ، فإنه بحدود عصره وظروفه يسجل تقدماً كبيراً ، خاصة وإنه ينزع إلى تأسيس قاعدة فلسفية لمنهج العلوم في دار تنظر إلى ثقافة الغريب الوافد بعين الشك والريبة .

  لقد ضم جهاز المفاهيم (الأرسطي – الجابري) مقولات مثل : القوة والفعل ، الزمان والمكان . ثم أضاف إليها في النص السابق مقولات جديدة ، وكان هدفه توسيع هذا الجهاز ، ومن ثم زيادة مساحة إستخدامه . والمقولات الجديدة ، هي التناهي واللاتناهي.  والحقيقة إن فكرتي التناهي واللاتناهي ، هما من المقولات الجديرة بالإهتمام في موضوعة التفسير كإجراء منهجي ، وهما في الوقت نفسه من المفاهيم التي تقاسمت الأهتمام بهما الفلسفة والرياضيات . ولعل أبحاث برتراند رسل شاهد على ذلك (24) . إلا إن التناهي واللاتناهي عند جابر قد جرى بحثهما حصراً في دائرة البحث الميتافيزيقي – الإنطولوجي (الفيزيقي) ؛ أي تناهي العالم أو لاتناهي العالم ، أو بمعاني أُخرى تم بحثهما في إطار : العالم محدود أم غير محدود . وجاءت مناقشة جابر لهما من زاوية المدرك الديني ، فهو يذهب إلى إن تناهي العالم تحمل دلالة على ” إنه فان ” وإن لاتناهي الخالق برهان على ” إنه ليس بفان ” (25) .

  وظهر لنا إن الإطار العام الذي تمت فيه مناقشة هذه القضية ، هو إطار منهجي – أبستمولوجي ، مما يحملنا على القول إن جابر يشارك فلاسفة العلم في معالجة هذه القضية . واليوم نحن نعلم إن عدداً من فلاسفة العلم يناقشون هذه المسألة في الإطار المرجعي ذاته الذي ناقش فيه جابر المسألة السابقة ، وإن عدداً محسوباً منهم قد أقروا بتناهي العالم ومحدوديته ، وبوجود ” مبدع منظم ” لهذا العالم (26) (وبالطبع هناك عدد منهم يعترف بتناهي العالم ولكن بلا محدوديته وبعض منهم ينكر وجود مهندس أو صانع أو منظم …) .

الثانية – التحليل والتركيب :

  قدم المنطق مرة أخرى للعلوم إنموذجاً ، وفيه تحريض للعلوم للإفادة منه في توحيدها . وفي هذا المضمار نحسب إن دائرة تفكير جابر كانت واعية لمثابرة المنطق في توحيد العلوم . وهذا الإنموذج الذي قدمه المنطق ، ومن خلال إفادات جابر كانت اللغة هي الخيار . ومن المعروف إن آليات المنهج ، هما الوصف والتفسير ، واللذان من طرفهما يحفزان العالم على البحث عن لغة للعلم تتناسب وتطلعاته . وإن الدقة التي توفرها مكونات اللغة هدف من الأهداف التي ينشد العالم بلوغها . أما الإجراء المنهجي الجديد ” التحليل والتركيب ” ، فإنه إجراء ينظر إلى اللغة على أساس إنها الخطوة الأكثر أهمية في الإجراء العلمي . فالتحليل هو تحليل للغة العلم . والتركيب هو إعادة بناء العمارات العلمية والأبستمولوجية وفق شروط وقواعد البناء المنطقي *.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* طريقة التحليل مغايرة لطريقة التركيب وتسير بطريق معاكس لها . للتفصيل في ماهيتهما أنظر :

A – Rey Georges. “The Analytic L Synthetic Distinction,The Stanford Encyclopedia of Philosophy, Ed. By Edward Zalta 2003

B – Leonard Linsky. Analytic / Synthetic and Semantic Theory, Springer 1970  

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  لقد إستخدم جابر هاتين الطريقتين في إجراءاته المنهجية . ولا نقول جديداً إذا قلنا إن هاتين الطريقتين تُعدان اليوم من الإجراءات المنهجية المهمة في الميثدولوجيا والأبستمولوجيا خاصة وفلسفة العلوم عامة . إن هدفنا هنا معرفة فهم جابر لهذه الإجراءات المنهجية . وفعلاً إن الباحث في نصوص جابر يلحظ إن تفكيره كان تفكيراً علمياً منظماً ، نازعاً إلى الإعتماد على عدة أساليب . ولعل واحد من هذه الأساليب ، هو طريقة التركيب ، وهي نهج يسلكه الباحث في سعيه لفهم طبيعة الظاهرة موضوع البحث . والتركيب طريق لبناء هياكل نظرية للعلوم ، سواء كانت صورية (رمزية منطق ورياضيات وفيزياء نظرية …) أم تجريبية . وهو في الوقت ذاته سبيل لبناء النظريات الأبستمولوجية بوجه عام . إلا إن عمله ليس حُراً بل إنه عمل مشروط ومقيد بمجموعة قواعد بنائية ، منها ما يُفيد في إختبار جهاز المفاهيم (أبجديات تتألف من مفاهيم أولية) وهذه الشروط هي : الدقة والوضوح ، والخلو من الغموض واللبس . وإن المفهوم الثانوي يخضع لقاعدة بنائية أُخرى ، وهي أن تكون صيغة المفهوم خالية من التناقض ومتناغماً مع المفهوم الأولي أو مجموعة المفاهيم الأولية . وأن تكون لغة الصيغة واضحة ودقيقة وموجزة * .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للتفاصيل في القواعد البنائية من الزاوية المنطقية ، أنظر :

A – R. Carnap,The Logical Structure of the World, Trans. By Rolf George, University of California Press 1967

B – Pierre Wagner (ed), Carnap’s Logical Syntax of Language, Macmillan 2009

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  من هنا نفهم : لماذا يتطلع فلاسفة العلم والباحثون في المناهج ، ومنذ أمد بعيد ، إلى ضرورة أن تكون الدقة والوضوح من سمات هياكل الأبستمولوجيا التي ينشدون بنائها ؟ تحقق هذا لهم بإستخدام اللغة الرمزية ، فكانت الرياضيات هي اللغة الرمزية للعلوم . ومعلوم عند الجميع ما تتميز به الرياضيات من دقة ووضوح ، ورمزية تتيح الإستنتاجية للعالم ، وذلك من أجل أن يكون البناء الأبستمولوجي للعلم بعيداً عن أي منزلق يؤدي إلى التناقض ، ويجعل العملية الإستنتاجية التي يقوم بها العالم غير سليمة.

إن إشارة جابر لطريقة التركيب وما تحتاج إليه جاء في قوله : ” إن لنا نكتاً في كتب التعليم (الرياضيات) وغيرها … أو على ذكر التعليم والتركيب ، ولابد لنا من ذكر الأوائل (الأوائل من المفاهيم أو من القضايا أي البديهيات) التي يحتاج إليها ” (27) .

  وتتقدم على طريقة التركيب طريقة أُخرى ، تمهد لها سبيل البحث ، وهي طريقة التحليل ، والتي عن طريقها نتمكن من الوصول إلى الأبجديات من المفاهيم أو الأوليات ، ونتعرف على شروط إختيارها ، وكيفية توافر الدقة والوضوح فيها ، وإستبعاد الغموض واللبس عنها ، ووضع نماذج (موديلات) نظرية للعلوم ملتزمة بقواعد البناء . إن إشارة جابر لطريقة التحليل وما تتطلبه من لوازم جاءت في قوله : ” هو علم يخرج بالحدس ، وستراه في موضعه كله يخرج في الوزن بعد التحقيق الطويل البعيد … وقد فرضنا أولاً أ مرتبة وب مرتبة وج مرتبة ود مرتبة . وإن أ ليست ولا واحد من حدود ب ولا ج ولا د ” (28) .

  لم تكتف نصوص جابر بوصف الروح التحليلية – التركيبية للمنهج العلمي . بل قدمت شواهد وأمثلة على هذه الروح المستقاة من الصيغ التي تصف الظواهر الطبيعية ، ميدان المنهج العلمي وساحة عمله . يقول جابر : ” ونحتاج أن نضرب لذلك مثلاً وإلا كان مجهولاً .. مثال المركب الأول الطبيعة ، ومثال المركب الثاني تركيبها الأول ؛ فالحرارة والبرودة ، والرطوبة واليبوسة ، والنار والهواء والأرض والماء ” (29) . في الحقيقة إن هذا الشاهد يُبين لنا الروح التحليلية – التركيبية التي تمتع بها منهج جابر . فالطبيعة مفهوم مركب ، وهو في حقيقته يتألف من مكونات كثيرة . إنه مفهوم يتسع لضم كل مكونات العالم الخارجي . ولهذا كانت تركيبته عالية التعقيد . أما المكونات التي تُشكل أجزاء الطبيعة ، فهي بسائط تؤلف بمجملها هذا المركب الذي نسميه الطبيعة . وهنا تتحدد القيمة المنهجية – الأبستمولوجية لمثال جابر .

  كذلك أدت اللغة دوراً فاعلاً في التعبير عن الروح التحليلية – التركيبية في البحث في نصوص جابر . وهذه المرة جاءت الشواهد معروضة في كتابه المعنون ” الحدود ” . فقد عرض في هذا الكتاب مواصفات نظرية عامة للغة العلمية * ، ومهد لإنجاز ذلك

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* للإطلاع على الدراسات الفلسفية المعاصرة في مضمار بناء اللغات العلمية ، أنظر :

A – Howard Sankey. The Language of Science: Meaning Variance and Theory Comparison, Language Sciences 22 (2): 117 – 136 (2000)

B – Gary Gutting. Conceptual Structures and Scientific Change, Studies in History and Philosophy of Science Part A 4(3): 209 – 230

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بوضع طريقة التحليل المنطقي للغة . وهي طريقة تنهض على التمييز بين لغة التخاطب اليومي المليئة بمفاهيم غامضة وقضايا (جمل) تُثير التناقض وبين اللغة الفنية الدقيقة للعلم على مستوى المفاهيم والخالية من التناقض على مستوى القضايا (30) . ويبدو إن جابراً كان واعياً إلى إن لغة التخاطب بالرغم مما تتصف به من مواصفات سابقة ، فهي السبب في الخلاف بين الناس ، وذلك بما تحدثه من تشويش فكري وإرباك علمي (أبستمولوجي) .

  ولذلك نفهم الدوافع التي حملت جابر إلى التطلع نحو تأسيس لغة فنية للعلم . وحقيقة إن المنهج ساعده على إنجاز مسعاه ومن خلال طريقتي التحليل والتركيب . ونقف هنا ونتساءل : ما هي جهود جابر النازعة إلى بناء منهج علمي يستخدم لغة فنية دقيقة وواضحة من حيث المفاهيم (التي تُشكل أوليات البناء) ، وذات تراكيب قضوية (قضايا) خالية من أي تناقض ؟ ونحن لا نريد أن نستغرق في هذه المسألة في هذه المسألة لأن غرضنا هو لفت الأنظار ، والدعوة إلى مراجعة كتاب الحدود الذي كتبه جابر بن حيان (31) .

  إن كتاب الحدود مهمُ من طرفين ؛ الأول إنه حمل روحاً تحليلية – تركيبية . والثاني إنه نص يتعلق بنظرية التعريف التي تحتل مكانة بالغة في كل من المنطق والأبستمولوجيا ، وخصوصاً في البناء النظري للمعرفة * . وعن نظرية الحدود أو

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فيما يخص نظرية التعريف في المنطق أنظر :

Horty J., Frege on Definitions: A Case Study of Semantic Content, OxfordUniversity Press, New York 2007

Robinson J., Definition, Clarendon Press, Oxford 1950

أما فيما يتعلق بدور التعريف في الأبستمولوجيا (البناء النظري للعلوم ) أُنظر :

John Locke, An Essay Concerning Human Understanding, Ed. By P. H. Nidditch, OxfordUniversity Press 1975

وهو أحد الأناجيل الأبستمولوجية الحديثة الكلاسيكية (أو نظرية المعرفة وهو الإصطلاح الذي نتحفظ عليه) . ونقصد الأناجيل الثلاثة للأبستمولوجيا الحديثة ؛ الأنجيل الأبستمولوجي التجريبي (لوك المذكور أعلاه) ، والأنجيل الأبستمولوجي العقلي الديكارتي والإنجيل الأبستمولوجي النقدي الكانطي . وهذا موضوع يحتاج إلى أبحاث خاصة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

التعريف يقول جابر : إن الحد هو ” الإحاطة بجوهر المحدود على الحقيقة حتى لا يخرجُ منه ما هو فيه ولا يدخلً فيه ما ليس منه ، ولذلك صار لا يحتملُ زيادة ولا نقصان ” (32) . ومن ثم عرض علينا بعض التعريفات الملتزمة بشروط التعريف ، وذلك من حيث شروط اللغة وقواعد البناء (أي شروط التحليل والتركيب) (33) .

  وإعتماداً على ما توفره طريقتي التحليل والتركيب ، ميز جابر بين عقلية العالم والإنسان الإعتيادي . وفعلاً فقد بين إن عقلية العالم تكون مقيدة عندما تعمل في ميدان الطبيعة ، ولذلك نفهم لماذا إستخدم جابر الرموز في التعبير عن الظاهرة الطبيعية . إذ إن الرموز مكنته من وضع موديلاً (صورة بناء إنموذجي) للظاهرة الطبيعية . ولعل مايميز هذا الموديل إنه بناء يتألف من مجموعة رموز لا علاقة لها بالأخطاء التي تُصاحب العملية الأبستمولوجية .

  إن كل ذلك يمكن فهمه عند جابر في إفادة تقدم بها ، وهي في حقيقة الأمر تتحدث عن مكونات الموديل المنطقي (الرمزي) للظاهرة الطبيعية . وإن المكونات كانت بمجملها مجوعة رموز . ولنقف نستمع لإفادة جابر الرمزية : ” إن الأشكال الأول هي أ ب ج د ، وهي المرتبة الأولة … ثم المنزلة الثانية وهي هـ و ز ح … ثم المنزلة الثالثة وهي ط ي ك ل … ثم بعد ذلك م ق س ع ، ثم بعد ذلك ف ص ق ر ، ثم بعد ذلك ذ ص ظ غ ” (34) .

المثابرة الجابرية في الأبستمولوجيات العلمية ونهج الإصلاح والتوحيد

   إن أول شكل من التطبيقات التي أجراها جابر على المنهج وفلسفته ، هو المثابرة التي أنجزها في التصنيف ، والذي تقدم به لعلوم عصره ونهجه في إصلاح وتوحيد العلوم . كان تصنيفه في حقيقته لوحة للعلوم ، تتوحد فيها وتتشابك بحيث تُشكل شجرة تتفرع منها أغصان جميع علوم عصره . وإن قارئ نصوصه يمسك بيده على أدلة عدة تُفصح عن مشروع نقدي وإصلاحي لهذه العلوم .

   لقد بدأ الخطوة الأولى في التصنيف بتدقيق وفحص المصادر الأبستمولوجية (المعرفية) التي يعتمد عليها الباحث ، وهو يسعى إلى تشكيل أبنية العلوم . والحقيقة إن هذه المصادر لعبت الدور الفاعل في وضع تصنيف للعلوم ، فهي التي حددت درجة إرتباط العلوم بأرض الواقع وميدان الطبيعة ، فكانت على هذا الأساس علوم الواقع والطبيعة (والعلوم التطبيقية) . وإن هذه المصادر هي التي حددت درجة التجريد التي تتطلع إليها علوم أخرى . ولذلك كانت علوم التجريد والصورة (العلوم النظرية) . إن العلوم الأولى توسلت بأساليب الحس والملاحظة والتجريب . بينما إعتمدت العلوم الثانية على أساليب التفكير والتأمل والترميز والمنطق .

  ويُلاحظ على نصوص جابر ، إنها عرضت نوعاً من التدرجية المعرفية ، تدرجية تحملنا على تأكيد منهجية تفكيره . فكانت خطوته الأولى تثبيت الأساس المنهجي لتصنيف العلوم ولذلك كانت إفادته الأولى تتحدث عن الحواس الطريق الأول للمعرفة . وجاءت تلك الإفادة في خطابه الفلكي الذي يتكلم عن طبيعة الكواكب . وعن هذه القضية أفاد قائلاً : ” وطباع الكواكب عند الحس إنما يكون من الثواني التي هي : الحارة اليابسة ، والحارة الرطبة ، والباردة اليابسة والباردة الرطبة ” (35) .  

  بينت هذه الإفادة إن الحس الطريق المعرفي الأول لبناء المعرفة البشرية . وإنه المصدر الأول لتصنيف العلوم ، وهو السبيل الذي ينقل عالم الواقع بألوانه وصوره المتعدة وكيفياته المختلفة . ولذلك كانت علوم الحس مطبوعة بهذا التنوع والإختلاف . كما إن الحس ليس هو المصدر الوحيد عند جابر . بل هناك طريق ثان ؛ إنه الكلام المنقول (الرواية) ، وهي بالتأكيد رواية العلم (الإخبار العلمي) . وهو طريق من طرق المعرفة البشرية ، ومصدر من مصادر تصنيف العلوم . وإن قبول الرواية يعتمد على مدى ما تحمله من صدق . وإن صدقها يتقرر من خلال الإعتماد على ما يكشفه من حقائق أو أباطيل . ولهذا بين جابر بكلمات دقيقة ؛ ” وهذا – وحق سيدي – كلام جوهري نقي ما فيه شوب ولا رمز . ولقد صورت لك به طبائع الكواكب في مصوغاتها على حقها ” (36) .

   ويظهر على المناقشة التي أجراها جابر حول طرق المعرفة ، إن تفكيره المعرفي (الأبستمولوجي) قد ميز بين المعرفة الساذجة والمعرفة العلمية (بحدود عصره) . وهو تمييز له أهميته في تاريخ الأبستمولوجيا وفلسفة العلوم . ولهذا بين جابر ما تتميز به المعرفة العلمية عن المعرفة الساذجة ، فذكر إن الأولى تمثل آراء العلماء الباحثين وتفسيراتهم . أما الثانية فهي تشمل كلام الناس العاديين . وجاءت إفادات جابر عن هذه المسألة ، أثناء حديثه عن قضية فلكية لا زال الناس علميون وغير علميين يتداولونها ، ولدقة هذه القضية نشير إلى النقد والإصلاح الذي تقدم به جابر لها . ونقصد بها قضية الشروق والغروب ، أو الشرق والغرب . يقول جابر : ” يسير من المغرب إلى المشرق على كرة الأرض بحركة ظاهرة للحس ، فكأن هذا القول شكل في العيان عند جل الناس ولا خبرة لديهم … وذلك إنا لو سألنا مائة ألف من الناس : من أين تطلع الشمس ؟ يقال : من المشرق وتغرب من المغرب . وذلك إذا سُمي المشرق مشرقاً والمغرب مغرباً . وإنما هو بالإضافة إلى الشمس ، وإلا فالواجب على ما حكينا عن أن يكون المغرب مشرقاً والمشرق مغرباً ليكون الصواب ” (37) . هذا تصحيح معرفي جدير بالتقدير ، تصحيح لمفاهيم نشأت وإستقرت على مباحث العلوم والتفكير العلمي ، إنها إلتفاتة جابرية مهمة في تاريخ الأبستمولوجيا وتصحيح المفاهيم وتعديل الأفكار .

  جاء بعد الحواس في بناء المعرفة ، العقل طريقاً ومصدراً للمعرفة البشرية ، طريقاً يمكن الإعتماد عليه في العملية الأبستمولوجية لتصنيف العلوم . والعقل يلعب دوراً مهماً في تحويل الصور الحسية إلى صور عقلية تتألف من مفاهيم نظرية هي في واقع الحال أُطر نظرية للمعرفة . وقوانين (وقضايا) هي أكثر تعقيداً في بناء المعرفة من المفاهيم التي تتميز بكونها أبنية معرفية أولية أو أبجديات معرفية بسيطة . وعن هذه المسألة أفاد جابر موضحاً : ” إن إصول النقل من الأمور الحسية إلى الأمور العقلية التي هي في غاية العناد لها والبعد منها في جميع الأمور كلها يجب أن تكون أولاً أولاً ، كما يجب ذلك في تعاليم جميع العلوم ” (38) .

  تقدم جابر بعد هذا التأسيس لمصادر المعرفة ، بتوصيف لخارطة أبستمولوجية تتوزع فيها العلوم بحيث تتحددُ مكانة لكل منها ، وتتعينُ علاقة بعضها بالبعض الآخر ، فتكون شجرة للمعرفة تتشابك فيها أغصان العلوم وفروعها . ولكن لاحظ الباحث على تفكير جابر إنه تصدى لدارسة علوم مصادرها غير مصادر المعرفة البشرية ، ونعني بها علوم الدين . والحقيقة إن الرجل درسها بجوار علوم مصادر المعرفة البشرية .

  صنف جابر علوم عصره في ضربين ، ثم إستدرك وأضاف ضرباً ثالثاً . وعلى أساس هذا التصنيف الأبستمولوجي الثلاثي ، يمكن الحديث عن شجرة العلوم عند جابر ، والتي تتشابك فيها أغصان علوم ثلاثة :

1ـــــــــــــــــــــــــــــــــ2ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ 3

            علم الدين                 علم الدنيا                العلم الفلسفي(39)

   

   تحمل هذه الشجرة للعلوم والأدق للمعارف دلالات في غاية الأهمية ، فهي تحمل من الشواهد على توحيد العلوم ، أو على الأصح توحيد العلوم ، وترفض في الوقت ذاته الحواجز التي تقام بين المعرفة والعلوم . إنه درس نحن بأمس الحاجة إليه ، فهو ينظر إلى العلوم بمختلف حقولها على إنها في مرتبة واحدة . إنه رأي جابري نعتز به في لجة الصراع غير المشروع المحتدم في دوائر العلوم .

  هذه هي شجرة العلوم ، أما أغصانها فهي ثلاثة ، ولنبدأ بغصن علوم الدين وفروعه

، ثم غصن علوم الدنيا وفروعه . وأخيراً غصن العلم الفلسفي وفروعه . ولما كان هدفنا تقديم شواهد على توحيد العلوم ، فإننا نكتفي هنا بتقديم رسوم إيضاحية لأغصان هذه العلوم :

1 – غصن علوم الدين :

 

                           1ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ2

                        شرعي                        عقلي

              1ــــــــــــــــــــــــ2              1ــــــــــــــــــــــــــــــــ2

     ظاهري                باطني         علم الحروف        علم المعاني

                                                                1ــــــــــــــــــ2

                                                           إلهي            فلسفي

2 – غصن علوم الدنيا :

                      1 ـــــــــــــــــــــــــــــــــ2

                شريف                       وضيع

                ـــــ1ـــــ                       ــــ1ـــــ

             علم الصنعة               علم الصنائع

 

3 – غصن العلم الفلسفي :

       1 ــــــــــــــــــــــــ2 ــــــــــــــــــــــــــــــ3 ـــــــــــــــــــــــــــ4

  العلوم الطبيعية       العلوم النجومية     العلوم الحسابية     العلوم الهندسية

 

البعد البيداغوجي للمنهجيات وترتيب العلوم

   ما هو البعد البيداغوجي للمنهجيات عند جابر بن حيان ؟ وما هي الوظيفة البيداغوجية لترتيب العلوم الذي تقدم به ؟ حقيقة إن الشكل الثاني من التطبيقات التي أجراها جابر على المنهج وفلسفته ، كان ترتيب العلوم في منهج دراسي ، يُقدم علوم العصر إلى المتعلمين . وهنا أقترح ترتيباً من خلال قراءة نصوص جابر . والملاحظ إن في هذا المنهج تتقدم بعض العلوم مواداً دراسية للمتعلم ، في حين تتأخر علوم أخرى في جدول المواد الدراسية . وهذا التقديم والتأخير تحكمهما شروطاً بيداغوجية (تربوية – تعليمية) .  والحق إن قارئ نصوص جابر يقف على أبعاد مشروع نقدي – إصلاحي لهذه العلوم من زاوية ما يمكن أن نصطلح عليه في تاريخ الثقافة العربية ، وهو إصطلاح البيداغوجيا المعرفية (الأبستمولوجية) .

 لقد أعلن جابر في رسائله الفلسفية عن برنامج تربوي (تعليمي) للمتعلمين الذين يتطلعون إلى أن يكونوا علماء المستقبل ، برنامج يُعرفهم من خلاله بالمناهج التي تستخدمها علوم سبعة . وهي بتقديره تمثل علوم العصر يومذاك . ولبيان حدود هذه العلوم وطبيعتها نتساءل : ما هي العلوم السباعية التي إقترحها جابر مواداً لبرنامج تعليمي للمتعلمين ؟ إن الإشارة إلى المناهج السباعية جاءت بعنوان فرعي ، فقال : ” القول في السباعية ؛ إن السباعية هي العلوم التي قدمنا الوعد بها ، إنا نشرحها في كتبنا هذه أعني كتب الموازين ” (40) . 

  إن هذه الإشارة الجابرية مهمة جداً في تاريخ العلوم والبيداغوجيا . فهي تذكرنا بالفنون الحرة السبعة التي هيمنت على برامج التعليم في أوربا ، والتي إرتبطت بإسم كابلا (41) ومن الثابت إن هناك مسافة زمنية بين كابلا وجابر بن حيان ، وهي بالتأكيد مسافة محسوبة لصالح جابر . إذ من المعروف تاريخياً ووفقاً للمصادر الأكاديمية الغربية إن الكثير من المؤلفات العلمية العربية والفلسفية ذات الطبيعية العلمية قد ترجمت إلى العبرية واللاتينية في القرن الثاني عشر الميلادي . ولعبت هذه الترجمات دوراً مؤثراً في تكوين دائرة الثقافة الأوربية العبرية واللاتينية ، ونحن مطمئنون من إن كتب جابر بن حيان قد ترجمت يومذاك وعلى هذا الأساس منح الغربيون لقب أب الكيمياء لجابر بن حيان مشاركة مع العالم روبرت بويل (أنظر الهامش الأول / الصفحة الأولى من هذا البحث) .

  أما العلوم السبعة التي تشكل البرنامج التعليمي ، فهي حسب نصوص جابر علوماً  (بينما كانت فنون كابلا السبعة فنوناً والعلوم شكلت جزءً من كل) . وكانت علوم جابر السبعة هي :

1 – علم الطب وحقيقة ما فيه

2 – علم الطبيعة وإخراج ما بها

3 – علم الخواص وما فيها ، أعني علم الطلسمات

4 – العلم الأكبر العظيم الباطل في زماننا

5 – العلم العظيم .. علم إستخدام الكواكب العلوية

6 – علم الطبيعة كله وهو علم الميزان

7 – علم الصور وهو علم التكوين (42) .

  وتوسع جابر في كتابه المعنون كتاب البحث ، نقول توسع في نهجه التربوي في ترتيب العلوم مواداً دراسية ، فتناول الجانب الآخر من هذا النهج . وكان هدفه تناول العلاقة بين العالم والمتعلم ، وذلك بإتجاه خلق مناخ ملائم لنقل العلوم ، وإنجاز المنهجية التي تؤكد عليها . ولذلك تمنى توافر مجموعة مواصفات تربوية في شخصية المتعلم ، وهي في الوقت ذاته شروط المنهج الذي تؤلف العلوم مواده .

  إن واحداً من أهم الشروط التربوية التي دعا جابر إلى توافرها في المنهج الدراسي ، هو ضرورة تقديم العلوم بإسلوب مبسط بحيث يتلائم وطبيعة المتعلم . وهنا وجدناه يُسطر مجموعة من الشروط التي تُشكل بمجملها الشرط التربوي العام . وهي : أن يكون متعلم العلوم ” ذا طبيعة لينة ” تتقبل جميع ما يقوله العالم ” من جميع جوانبه ” (43) .

  وحذر جابر المتعلم من الإعتراض على مسألة علمية قدم لها الأستاذ عرضاً كافياً (44) . ودعاه إلى الموازنة بين العلم ومكانة الأستاذ ، وذكره في خطاب بمنزلة الأستاذ ، وبين له بأن منزلته ” منزلة العلم نفسه . ومخالفة العلم مخالف للصواب ، ومخالف الصواب حاصل في الخطأ والغلط ” وهذا أمر لا يقبله ” عاقل” (45) .

  وطالب جابر بتوافر مجموعة من المواصفات في شخصية المتعلم حتى تتحقق الأبعاد التربوية لمنهج تدريس العلوم . وهذه المواصفات هي : أن يكون مطيعاً لأستاذه في ” العلم والدرس وسماع البرهان عليه وحفظه ” (46) . ودعوته إلى رفض ” التكاسل والتشاغل ” عن العلم والدرس . وأن يكون مستمعاً جيداً لأستاذه و ” كتوماً لسره ” (47) ، متفرغاً للعلم ” دائم الدرس و ” كثير الفكر فيه ” (48) .

  كما إقترح جابر مجموعة شروط تربوية على صعيد شخصية الأستاذ وذلك بإتجاه تحقيق الأبعاد البيداغوجية للعلوم وإنجاز وظيفتها التربوية المتمثلة في إكمال متطلبات المنهج الدراسي . فمن الشروط التي طالبها : أن يقوم الأستاذ بإختيار المتعلم ومعرفة ” قريحته ” والوقوف على إمكاناته في ” الإصغاء والقبول إلى أدب إذا سمعه ” (49) .

  ولاحظ الباحث على إفادات جابر إنها أعلت من مكانة الأستاذ . وذلك من خلال تداولها إصطلاحاً مهماً ، وهو جدير بالأستاذ ، وهو إصطلاح الأستاذ الرباني . إنها فعلاً مكانة إستحقها معلم العلوم في عصر جابر . ونحن اليوم بأمس الحاجة إلى مثل هذا النمط من المعلمين ، في زمن تتصارع فيه المادة والمظهر والشهرة والألقاب دون غطاء علمي حقيقي * .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* فهناك من يترقى علمياً لأسباب يعرفها الجميع (فلا تتعجبوا إن ترقى واحداً منهم بتحقيق صفحات معدودات من طوق الحمام لأبن حزم) ، ولا تتعجبوا إن تم عرقلة ترقية باحث جاد طول عمره لأسباب طائفية (وهو العلماني الكافر بكل طائفية منذ إن قرأ إفلاطون وأرسطو وكتاب رسل : لماذا أنا لست مسيحياً) أو لأسباب يعرفها ثجيل والعم شعسان في قسم الفلسفة البغدادي العتيد أيام زمان وصاحبه الرواندي الصغير .. وعميد كلية التربية في الموصل الحدباء ، الذي ترقى بثلاث بحوث فقط ، في إثنين منها ظهر إسمه مع إسماء تدريسيين لاحول لهم ولاقوة وهو العميد والسياسي قاطع الأرزاق والحقوق (فخان العقيدي ولياقات الإداري الرشيد)  .. فهذا عيبُ إحتج عليه الفيلسوف أبا سفيان / وندد به بوجوههم ، وبذلك دخل الفيلسوف مدني صالح حضرة تاريخ الفلسفة المجيد ، وذهب شعسان وربعه وعميد كلية التربية زيرشوك إلى مزبلة التاريخ تلعنهم أجيال جديدة من الفلاسفة في اليوم خمس مرات .

وفي الختام ذكرى ورحمة للشهيد الدكتور خضر الدوري الذي كان يقاوم مواقف الشر كلما صدرت من عرضحالجي التاريخ ضد تعضيد بحث لكاتب السطور، وهكذا أفشلت عدالة الدوري طيب الله ثراه  كل محاولات العرضحاجي في إيقاف بحث واحد من سيل بحوثه المنشورة في بيروت وجامعة الكويت . ومن ثم كان كاتب السطور الخبير على كتاب دراسات في فلسفة التاريخ ، وكان مؤرخ الزمن التعيس وعرضحالجي التاريخ مشاركاً بكتابة فصل فيه . وكان كاتب السطور موضوعياً ففصل بين شر العرضحالجي ومواقفه ضد كاتب السطور وهذا الكتاب ، فكتب تقريراً تفصيلياً عدل فيه الكثير الكثيرمن فصله وفصل الملاح والحفو وملاحظات طفيفة على فصل الجواهري الذي أشار إلى ريادة كاتب السطور في مضمار فلسفة التاريخ وهمش لمؤلفاته وأبحاثه . ولم  يرفض صاحب القلم الكتاب وإنما أوصى بنشره شرط الأخذ بالتعديلات ، ومن ثم نشر الكتاب ، فكان ذكرى وعبرة يتحدث عنها الجواهري والحفو ، في حين ظل الشر يعصر نفوس العرضحالجي والملاح ما دام هناك نهار وليل . فكان الجواهري رجل الصدق الحكيم ، في حين ظل العرضحالجي والملاح منظفي الأتربة الأكاديميين …

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إن مواصفات الأستاذ الرباني بتشبيهات جابر ، هي أن يكون ” كالراعي والسائس للأشياء التي يتولى صلاحها وإصلاحها ، فمتى عسرت عليه أو عسرت عن التقويم فأما أن يطرحها وإما أن يتعبه تقويمها إلى أن تستقيم ” (50) . وأن يكون من ذوي الخبرة بحيث يتمكن من نقل العلوم إلى المتعلم بمقدار ” ما يلقنه إليه ” (51) . وأن يكون ” سمحاً بما عنده من العلم . وليس على كل أحد ولكن على مثل هذا التلميذ الذي رتبناه تلك المرتبة ” (52) .

  وإشترط جابر أن تكون العلاقة بين العالم والمتعلم علاقة مودة وتعاطف ، وذلك لأن ” سبيل الأستاذ والتلميذ أن يكونا متعاطفين بعضهما على بعض تعاطف قبول ” (53) . وبذلك إتخذت الإجراءات التربوية في نهج ترتيب العلوم من شخصية الأستاذ الهدف المركزي لأنه محور العملية التعليمية في المضمار التربوي الإسلامي . وعن هذه المسألة أفاد جابر ” ولا يزال في تدريجه على ذلك من مرتبة إلى مرتبة إلى أن يبلغ إلى آخر المراتب ويصير في عداد الأستاذين الذين يجب عليهم للتلامذة مثل ما وجب له في أول أمره ” (54) .

تعقيب ختامي :

   والختام سؤال : ما الفائدة من دراسة نص معرفي (أبستمولوجي) ماكث مستقر في الذمة التاريخية ؟  صحيح إن النص الذي كتبه جابر بن حيان يدخل في الذمة التاريخية . ولكن من الصحيح جداً إن هذا النص الجابري يكشف عن تجربة أبستمولوجية رائدة في صياغة نص أبستمولوجي منفتح على المنتوج المعرفي الإنساني في إيقاعاته الثلاثية : الأبستمولوجيات والميثدولوجيات والبيداغوجيات (المعرفيات والمنهجيات والتربويات) ، وفيه دروس وعبر ، نتعلم منها ونحن نسعى إلى كتابة نصوص أبستمولوجية عربية معاصرة .

   وعلى هذا الأساس نعيد إنتاج السؤال السابق بالصيغة الآتية : ما هي الدروس التي نتعلمها من قراءة النص الأبستمولوجي الذي كتبه قلم جابر بن حيان ؟ إنها الدروس الآتية :

أولاً – إن الدرس الذي نتعلمه ، هو إن ما كتبه جابر يُشكل ركناً من أركان ذاكرتنا الأبستمولوجية ، وفيه بيان لفعل الإجتهاد العربي الإسلامي في مضمار الأبستمولوجيات (المعرفيات) ، وفيه كشف لوظيفة المعرفيات في الدار الثقافية العربية الإسلامية . كما وفيه شهادة على روح الإنفتاح على كل حديث متجدد في نبضه الميثدولوجي وإيقاعه الأبستمولوجي الوثاب .

ثانياً – إن الأبستمولوجيات بما تمتلكه من روح التجدد ، تكون قادرة على إنجاز مشاريع الحوار مع النصوص الأبستمولوجية الوافدة ، وذلك بهدف إستكشاف الحقيقة الماكثة في مضمومات النصوص . ومن ثم إظهارها لتكون محكات (معايير) أبستمولوجية ينتفع العقل العربي في تأسيس مشاريع أبستمولوجية جديدة ، وهو يودع السنوات الأخيرة من القرن العشرين ، ويستقبل القرن الحادي والعشرين (أنظر لتاريخ نشر هذا البحث) .

  إن الدرس المستفاد ينهض على تنشيط العقل العربي ، ووضعه على أتم الإستعداد لإحداث وثبة أبستمولوجية تنقل مجمل مؤسسات التعليم والثقافة والكتابة والإصدار والنشر إلى مضمار العصر . وفي الوقت نفسه لتشارك في صياغة مشروع ثقافي يستبطن كل ما هو متجدد من الأبستمولوجيات والميثدولوجيات والبيداغوجيات .

ثالثاً – إن الإفادة من قراءة النص الأبستمولوجي الجابري تضعنا أمام نمط من الأبستمولوجيات ، هي الأبستمولوجيات الثقافية ، ومن هذا الطرف هي نافعة حيث يتدرب عليها العقل العربي المعاصر ، وهو يسعى إلى تكوين دائرة أبستمولوجياته المعاصرة والمتطلعة إلى كل ما هو جديد في عقود القرن الحادي والعشرين .

  إن طريق التدريب هنا يكون من خلال قراءة هذه الأبستمولوجيات في كتاب أو مقالة أو رسالة جامعية ، وليس من خلال التدريب عليها في المختبر والمعمل ، والأجهزة العلمية وآلات الإستكشاف والرصد .

رابعاً – تعلمنا نصوص جابر على إن هناك نمطاً من الأبستمولوجيات مؤسسة على الحس والتجربة ، وميثدولوجيات تعتمد الإستقراء والمنطق الإستقرائي النازع إلى التعامل مع الظاهرة الطبيعية من خلال الرصد ، ومعتمداً الحواس صعوداً إلى تحسين النظرة إلى العالم ، وبدءً بإستخدام أبسط الوسائل المساعدة للحواس وإرتقاءً إلى أعقد الأجهزة العلمية .

خامساً – إن النمط الآخر من الأبستمولوجيات الذي تُعلمنا أياه نصوص جابر ، هو أبستمولوجيات العقل والنظر الناهضة على منهجيات الإستدلال والمنطق الإستدلالي ، أبستمولوجيات نازعة إلى إقتراح موديلات نظرية تتمثل بلغات رمزية ومصفوفات رياضية وذلك لعرض تصوراتنا عن العالم والظواهر ، بحيث لا تتعامل مع مفاهيم وقضايا مرتبطة بالحس والواقع ، وإنما مع متواليات رمزية ، ومصفوفات من مفاهيم تُشكل سلاسل من القضايا تتابع بعضها البعض على شكل سيل نظري يُكون عمارة أبستمولوجية لهذا العلم أو ذاك .

سادساً – درس يعلمنا إمكانية الحديث عن أنواع من الأبستمولوجيات ؛ أبستمولوجيات فلسفية ، أبستمولوجيات فيزياوية ، أبستمولوجيات فلكية ، أبستمولوجيات غنوصية (صوفية) ، أبستمولوجيات كيمياوية ، أبستمولوجيات لغوية ، وأبستمولوجيات منطقية . وفي داخل ذلك يمكن الحديث عن أنماط متفرعة مثل : أبستمولوجيات شعرية ، وأبستمولوجيات خطابية ، وأبستمولوجيات جدلية ..

سابعاً – تكشف لنا إبستمولوجيات جابر عن إيقاع أبستمولوجي يتنقل فيه قلم جابر من مضمار الكيمياء إلى ميدان الفلسفة ، ومن فلك الفلسفة إلى محيط الأبستمولوجيات . وإن النظر في هذه الأبستمولوجيات تقدم لنا دروساً تفيدنا ، ونحن نشرعُ في تأسيس عمارات أبستمولوجية مستفيدة من الوثبات التي أحدثتها العلوم في مختلف أوجه الحياة .

ثامناً – إن قراءة النص الأبستمولوجي الجابري يُفيدنا في درس معرفي مهم ينبغي أن نلفت الأنظار إليه في دارنا الثقافية العربية الإسلامية المعاصرة ، وهو ضرورة أن تتغذى الفلسفة من العلم والعلم من الفلسفة ، وبخلاف ذلك فإن خفض العلاقة مؤذي للطرفين وللمحيط الثقافي العام . إذ إن هذا الخفض سيؤدي إلى إصابة ثقافتنا بحالة من الجدب والتصحر . وهو مرض معرفي لا نريده لثقافتنا .

تاسعاً – بين هذا البحث إن المنهج لا ينفصل عن فلسفة الفيلسوف والباحث . وإن تاريخ المنهج ، والفلسفة والعلم يُقدم لنا شواهد كثيرة . فمثلاً إن المنهج الديالكتيكي عند إفلاطون مرتبط بفلسفته (وبطريقيها الصاعد والنازل) ، بل وإنه معلمُ من معالمها . وإن المنهج الإستدلالي (وبحدود ما إستقرائيته) عند أرسطو مرتبط بفلسفته وسمة من سماتها . وإن المنهج الحدسي – الإستنباطي عند ديكارت مؤسس على فلسفته ومعبر عنها . وإن المنهج الإستقرائي عند فرنسيس بيكون قائم على فلسفته ونزعته الحسية التجريبية النازعة إلى تجديد الأورغانون .

  وأخيراً ما منهج جابر إلا جُهد مؤسس على فلسفته ، ونابت عليها ، وهو دليلها في الرؤية والبحث . ولهذا يُعدُ عمل جابر في تأسيس المنهج على الفلسفة ، جُهداً متقدماً على ما عمله بيكون وديكارت . إنه لحظة من لحظات إبداع العقل العربي الإسلامي ، وشاهد على إن التفكير العربي الإسلامي كان تفكيراً ممنهجاً منظماً .                     

الهوامش

1 – Kemmeny J. G, Philosopher Looks at Science, New jersey 1959, p. 11

2 – أنظر : محمد عابد الجابري ؛ مدخل إلى فلسفة العلوم ، تطور الفكر الرياضي والعقلانية المعاصرة ، ط2 ، دار الطليعة ، بيروت 1982 ، ص ص 16 – 17

3 – المصدر السابق

4 – أنظر : جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل / منشور في كتاب مختار من رسائل جابر بن حيان ، صححها ونشرها المستشرق بول كراوس ، مكتبة الخانجي 1354 هجرية ، ص 100

5 – المصدر السابق

6 – المصدر السابق

7 – أنظر : زكي نجيب محمود ؛ جابر بن حيان ، الهيئة المصرية العامة للكتاب 1975 ، ص ص 13 – 14 وهو فصل في غاية الأهمية .

8 – راجع تفاصيل هذه المواقف عند كل من :

A – Einstein A.The Laws of Science and the Laws of Ethics, New York 1942

B – Eddington A. S. The Nature of the Physical World, New York 1989

C – Russell B. Religion and Science, London 1960

9 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق ، ص 1

10 – المصدر السابق ، ص 39

11 – المصدر السابق ، ص 2

12 – المصدر السابق ، ص ص 2 – 3

13 – المصدر السابق ، ص 15

14 – المصدر السابق

15 – أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ بيئة الفكر الفلسفي الحديث ، مديرية دار الكتب ، جامعة الموصل 1986 ، ص 40

وكذلك :

Hull W. H. History and Philosophy of Science, London 1966, pp. 40 – 41

16 – راجع تفاصيل ذلك :

 نلينو ك ؛ علم الفلك عند العرب في القرون الوسطى ، روما 1911 / وهو سلسلة محاضرات .

17 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق ، ص 3

18 – أنظر :

  1 – محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في الفكر الفلسفي الإسلامي ،مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1986 ، الفصل الرابع ، ص ص 109 – 110

  2 – محمد جلوب الفرحان ؛ دراسات في علم المنطق عند العرب مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1987 ، ص ص 11 – 22

  3 – محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي : دراسة في جهود إبن حزم المنطقية ، مديرية دار الكتب – جامعة الموصل 1987 ، ص ص 23 – 26 ، 41 – 56

  4 – محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب الإيساغوجي وأثره في الغرب والعالم الإسلامي / موقع الفيلسوف / 26 إكتوبر 2012

19 – للإطلاع على الأساس المنطقي لهندسة إقليدس ، أنظر :

محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس / منشور في مجلة أداب الرافدين – جامعة الموصل (مجلة محكمة) / العدد 11 سنة 1979 ، ص ص 117 – 150

20 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق

21 – من الأمثلة التقليدية في تاريخ العلم ، والتي تأثرت بالإنموذج المنطقي هندسة إقليدس . أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس (مصدر سابق) .

22 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق

23 – المصدر السابق ، ص 4  

24 – أنظر :

Kemeny J. G., Op. Cit,

25 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق

26 – أنظر لمعرفة هذه المواقف :

A – Frank. P. P, Modern Science and Its Philosophy, Massachusetts 1950

B – Brood C. B, Scientific Thought, London 1952

27 – جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، ص 2

28 – جابر بن حيان ؛ كتاب ميدان العقل / منشور في كتاب مختار رسائل جابر (مصدر سابق) ، ص 215

29 – المصدر السابق ، ص 5

30 – للإطلاع على جديد الدراسات في مضمار التحليل المنطقي للغة ، أُنظر :

A – Rodulf Carnap. Logical Syntax of Language, Trans. By Amethe Smeaton, Open Court Publishing 2003

B – E. H. Reck,(ed) From Frege to Witteggnstein: Perspective on Early Analytic Philosophy, Oxford University Press 2002, pp. 39 – 51

31 – جابر بن حيان ؛ كتاب الحدود / منشور في كتاب مختار رسائل جابر / ص ص 97 – 114

32 – المصدر السابق ، ص 97

33 – المصدر السابق ، ص ص 112 – 114

34 – جابر بن حيان ؛ كتاب ميدان العقل (مصدر سابق) ، ص 214

35 – جابر بن حيان ؛ كتاب إخراج ما في القوة إلى الفعل ، ص 29

36 – المصدر السابق ، ص 31

37 – المصدر السابق ، ص 34

38 – المصدر السابق ، ص 116

39 – المصدر السابق

40 – المصدر السابق

41 _ للإطلاع على الفنون السبعة وكابلا أنظر :

Butts R., Acultural History of Education, New York 1947

42 – جابر بن حيان ؛ المصدر السابق ، ص ص 47 48

43 – جابر بن حيان ؛ كتاب البحث / منشور في كتاب رسائل جابر / ص 501

44 – المصدر السابق

45 – المصدر السابق

46 – المصدر السابق

47 – المصدر السابق ، ص ص 501 – 503

48 – المصدر السابق ، ص  503   

49 – المصدر السابق

50 – المصدر السابق ، ص 502

51 – المصدر السابق ، ص 504

52 – المصدر السابق ، 505

53 – المصدر السابق

54 – المصدر السابق ، ص 504

Posted in Aristotle, Dr.MOHAMAD FARHAN, Epistemology, Jaber Ibn Hayyan: Epistemology and Philosophy of Methodology, فيزياء أرسطو, مقدمة في الأبستمولوجيا, مكانة بطلميوس في الأبستمولوجيا الفلكية الإسلامية, مواقف مؤيدة وداعمة البحث العلمي / جابر بن حيان, مجلة أوراق فلسفية جديدة / 9, مركز دريد للدراسات, نظام بطلميوس الفلكي وفلسفة أرسطو الطبيعية, أليات المنهج وتنوعات إيقاعاته, أبستمولوجيا اللغويات, أبستمولوجيا التاريخ, أبستمولوجيا تجريبية حسية, أبستمولوجيا جالينوس : توسط بين النزعتين التجريبية والعقلية, أبستمولوجيا عقلية, أرخميدس, أرسطو, إقليدس وكتابه الأصول في الهندسة, إستدلالية منطقية, إستدلالية تجريبية, الفيلسوف مدني صالح, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوف الطبيب جالينوس, اللغة الرمزية وحدود تداولها عند جابر بن حيان, المنطق هو طفولة الرياضيات والرياضيات هي شباب المنطق, المثابرة الجابرية في الأبستمولوجيات العلمية ونهج الإصلاح والتوحيد, المجسطي لبطلميوس, المستعرب روبرت شاستر وترجمة كتابات جابر بن حيان إلى اللاتينية عام 1144, المغامرة الأبستمولوجية في صياغة المنهج - الميثدولوجيا, الوافد الأبستمولوجي وتجربة الإقلاع الفلسفي العربي, الوافد الأبستمولوجي الكيميائي, الوصف والتفسير, الأبستمولوجيا, الأبستمولوجيا وفلسفة المنهج عند جابر بن حيان, الأبستمولوجيا والفلسفة الأبستمولوجية, الأبستمولوجيا الكيميائية عند اليونان والعرب, الأسس الفلسفية للمنهج, الإنموذج المنطقي والظاهرة الطبيعية, الإيساغوجي والمناطقة العرب, البروفسور الدكتور خضر جاسم الدوري - عميد كلية التربية - جامعة الموصل, البروفسور الدكتور عماد عبد الصاحب الجواهري - رئيس جامعة القادسية, البعد البيداغوجي للمنهجيات وترتيب العلوم, التحليل والتركيب, الخروج من أسوار التقليد الأبستمولوجي, العلوم الممكنة والعلوم الباطلة, العلوم السباعية عند جابر بن حيان, تردد إقليدس بين أساس أبستمولوجي حسي وعقلي للهندسة في كتابه الأصول, جابر بن حيان / الأب للكيمياء الحديثة, جابر بن حيان وضفاف الأبستمولوجيا العلمية, حجر الفلاسفة / تحويل المعادن الخسيسة إلى معادن ثمينة

مارتن هيدجر يحتفل بعيد ميلاد تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت الستين

الفلسفة / حُب الحكمة       الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Arendt & Heidegger: Letters 1925 – 1975

Dr. Mohamad Farhan

Letter No. 91

هيدجر يحتفلُ بعيد ميلاد

تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

  كتب فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر رسالة إلى تلميذته الفيلسوفة حنا إرنديت ، وبعثها بتاريخ  6 إكتوبر عام 1966 ، والمناسبة عيد ميلاد حانا الستين . وبالرغم من إن هذه الرسالة مقتضبة وقصيرة جداً جداً . إلا إن فيها أطراف مهمة ، بعضها فيما يخص علاقة هيدجر بتلميذته . وبعضها مهم للباحث في مضمار تاريخ الفلسفة المعاصرة وإرتباط فلاسفتها بالفلسفة اليونانية وجهابذتها الميامين . وهذا أمر جداً مهم لكاتب السطور ، الذي يجمعه مع هيدجر همُ مشتركُ واحدُ ، وهو العودة إلى الفلسفة اليونانية وفي منابيعها الأولى الأصيلة* ، وتجديد البحث في مضمارها في دارنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*للتفاصيل أنظر :

Hannah Arendt & Martin Heidegger, Letters 1925 – 1975, Trans. By Andrew Shields, Ed. By Ursula Ludz, New York 2004, pp. 127 – 128, Notes, pp. 262 – 263

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثقافية العربية المعاصرة . بعد إن جفت روافد البحث الأكاديمي العربي في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وذلك حين رهن عدد كبير من الأكاديميين العرب مصير البحث في الفلسفة اليونانية على كتاب المرحوم يوسف كرم ، والمعنون تاريخ الفلسفة اليونانية ولأكثر من ستة عقود .

  الحقيقة إن في رسالة هيدجر الكثير مما يمكن قوله في محاولات تجديد نبض الفلسفة اليونانية ، وإعادة قراءتها بمناهج ومن زوايا مدارس ومصادر ظلت بعيدة عن دائرة البحث الأكاديمي ، وذلك بحجج لا تصمد أمام البحث الأكاديمي الموضوعي النزيه والذي يعترف بفضل الأسلاف وحق الأجيال في إختيار مناهج جديدة ، خصوصاً بعد بزوغ شمس الفلسفة الفمنستية وفلاسفتها الذين ينتشرون في أقسام الفلسفة وأقسام الدراسات الفمنستية في جامعات أمريكا الشمالية ، والذين شكلت أبحاثهم وقراءاتهم لتاريخ الفلسفة ثورة فلسفية أعادت التوازن إلى مضمار الفلسفة بعد إن تم بصورة ذكورية مقصودة غمط مكانة المرأة الفيلسوفة من تاريخ الفلسفة رغم حضورها الملحوظ نداً نداً مع طاليس أول فيلسوف عرفته الحضارة اليونانية (للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ مكانة المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني / ربيع 2011 ، ومقالات متنوعة تناولات فيلسوفات من أجيال مختلفة / منشورة على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة / أعداد متنوعة / وموقع الفيلسوف) .

نص رسالة مارتن هيدجر إلى الفيلسوفة حانا إرنديت

العنوان والتاريخ

كابين (منا : هو كوخ هيدجر الذي كان يختلي بحانا يوم كانت طالبة) 6 إكتوبر 1966

 العزيزة حانا

أتمنى لك أسعد الأوقات في عيد ميلادك الستين ، وربما في الخريف القادم سنقدم لك كل العون في نجاح المهمة التي تقومين بها . إضافة إلى كل ذلك ، فهي مهمة غير مُدركة ، ولكنها تظل تتطلع إليك .

وستنتعش من جديد بهجة التفكير بها ، وهي على الدوام جديدة ، وإن التأمل فيها مستمر في هذا العالم المُشوش المُرتبك ، والتفكير اليوم لازال يتمتع بإمكانية . ولكنه كاف بحد ذاته إذا ما حصل على ضمان التحول الجوهري ، أي التحول إلى خطاب (منا : كلام منطوق فيه علاقة ثلاثية بين المرسل والمستلم والرسالة أي الخطاب بحد ذاته) .

  ويبدو لي إنه منذ زمن بعيد والمحاولة قائمة على تفسير محاورة إفلاطون المعنونة السفسطائي* . ولحد الأن فإنها شاخصة أمام أنظاري على الدوام ، وإذا ما تحولت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ونلحظ في الهامش رقم 1 ما يُفيد إلى إن البروفسور هيدجر يُلمح هنا إلى لقائه الأول بطالبته هانا ، وبالتحديد في الفصل الدراسي الشتوي عام 1924/ 1925 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إلى لحظة واحدة ، فإنها ستحقق الأمان والبقاء .

   وفي الفصل الدراسي الشتوي القادم ، وبعد عطلة طويلة ، سوف أُشارك في حلقات دراسية أكاديمية (مع فنك) والتي تدور حول هرقليطس وبارمنيدس*.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ونلحظ في الهامش رقم 2 إحالة إلى مطبوعات محاضرات هرقليطس 1966/ 1967 وهي مذكورة في قائمة أعمال هيدجر (أنظر : حانا إرنديت ومارتن هيدجر ؛ رسائل 1925 – 1975 ترجمة أندرو شيليز / إشراف يورسلا لودز ، نيويورك 2004 ، ص 312) . ويوجين فنك (1905 – 1975) هو تلميذ ومساعد هوسرل (منا : وهيدجر في بداية حياته الجامعية كان تلميذاً ومساعداً لهوسرل كذلك) . وكان يوجين بروفسوراً للفلسفة والتربية في جامعة فريبيرك منذ عام 1948 ، ويوجين له معرفة بالفيلسوفة حانا إرنديت منذ إن كانا طالبين في الجامعة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    

  والأن الثلاثة بقوا في اليونان مع الفريدا*في سفينة سياحية لزيارة بحر إيجة ، وكانت لهم شهادة على شئ واحد ، وهو إنه لازال من الصعب التفكير بأن ” أليثيا ” هي ليست مجرد كلمة أو موضوع دراسة لتاريخ الكلمة أو اللفظة (منا : هي حقيقة مكشوفة ودليل صارخ) ، وإنما هي قوة مهيمنة تدل على حضور كل الموجودات والأشياء . وليس هناك إطاراً (أو شيئا) قادرُ على إخفائها .

                                                     دائم التفكير بك

                                                         مارتن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ويقدم الهامش رقم 3 تفاصيلاً عن الرحلة إلى اليونان ، فيُفيدُ بأن : مارتن هيدجر قد سافر لأول مرة إلى اليونان في العام 1962 . ففي ملاحظاته التي ذكر بها زوجته الفريدا يُشير إلى كلمة (المكوث أو البقاء في اليونان) ، وبالتحديد في عيد ميلاد ألفريدا السبعين ، وفيها إشارة إلى الرحلة إلى اليونان (وهناك خطة للرحلة مرتين مع إلغاء). وكانت لدى مارتن هيدجر ” رغبة طويلة الآمد ” للقيام بهذه الرحلة . أما رحلتيه الثانية والثالثة فقد جاءتا بعد ذلك بفترة قصيرة نسبياً (وبالتحديد كانتا على التوالي في عام 1964 وعام 1966) . وتلتهما رحلته الرابعة والتي كانت بالتحديد في إبريل عام 1967 والتي قام بها لوحده وبدون مصاحبة زوجته ألفريدا . ومن ثم تلتها دعوة له من أكاديمية العلوم والفنون في أثينا . والرحلة الأخيرة لهيدجر (وربما مع عائلته) كانت زيارة إلى جزر بحر إيجة في مايس عام 1967 للتفاصيل أنظر : مارتن هيدجر وأرهارت كاستنر (مراسلات 1953 – 1974) نشرة هنريخ بيتزت (فرانكفورت 1986) وللتفاصيل أنظر : بيتزت ؛ مواجهات وحوارات ، ص ص 105 – 106 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذيل هيدجر الرسالة بالكلمات الآتية :

وترسل لك الفريدا التمنيات وذكريات المودة القلبية

ومرفقة مع الرسالة قصيدة شعرية للشاعر الألماني هولدرين وكانت بعنوان الخريف 

أطراف من نص القصيدة :

في نورانية الطبيعة يتسامى معدنها الأصيل

وهناك حيث تتطلع نهايات النهار إلى العلو والشموخ

إنها سنة الإنجازات العظيمة

حيث ثمار الحصاد تتوحد في الجمال المتعالي

….

ومن ثم تأتي الخاتمة :

إنها حية تشعُ أمام الحواس

وإنها في الختام مثل شعاع ذهبي

15 نوفمبر 1759

(كُتبت بسنة واحدة قبيل وفاة الشاعر هولدرين ، التي حدثت في 12 تموز / جلاي 1842) *.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وجاء في الهامش رقم 4 الإشارة إلى إن هذه القصيدة قد نشرت لأول مرة في عام 1927 في مجلة كارتنلاب الألمانية ، أنظر : فردريك هولدرين (شتوتكارت هولدرين – أوسكاب) / الأعمال الكاملة ، نشرة شتوتكارت وبإشراف فردريك بيسنير ، المجلد 2 (1951) ، ص ص 299 نص القصيدة ، 918 الملاحظات والقراءات المتنوعة . وهناك في السطر الرابع من المقطع الأول بدل هيدجر كلمة العلو أو الشموخ بكلمة المتعالي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وكذلك مع رسالة هيدجر صورة خاصة وبظهرها تعليقات بخط اليد . والصورة منظر لمكتبة هيدجر وهي تطل على الكوخ (الكابينة) . أما التعليق فهو بخط يد هيدجر ، فقد جاء بالشكل الآتي :

لحانا

في عيد ميلادها الستين

مارتن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الهامش رقم 5 جاء ما مفداه : بإن نسخة من هذه االصورة الكارت فيها ساقية صغيرة على جهة اليسار (جورج ولف : قرب الكابينة / الكوخ ، وفقاعات ساقية الماء تنطلق إلى الأعلى بعد إن غطت الغابة إنبوب الماء الذي يعبرها …) . ويظهر في بيميل ؛ مارتن هيدجر ، ص 72 . وهذا الكارت فعلاً قد إستلمته حانا إرنديت ، وهو محفوظ في أرشيف الصور في الأرشيف الأدبي الألماني في ماربورك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعقيب

  حملت هذه الرسالة الرقم 91 من الرسائل التي تبادلها كل من الفيلسوف هيدجر والفيلسوفة حانا ، وهي تشكل الرسالة الأولى من القسم الثالث والمعنون الخريف . ويظهر منها إنها رسالة تتضمن شفرات ملغومة ” تتجسد في محاورة السفسطائي ” ، وهي رموز وألغاز لا يفهما إلا هيدجر ” البروفسور ” والطالبة حانا التي حضرت دروس البروفسور هيدجر لأول مرة في الفصل الدراسي الشتوي لعام 1924 / 1925 . وكذلك جاءت لغة الألغاز التي يستخدمها هيدجر في كلمة ” أليثيا والتي تعني الصدق والحقيقية التي لا يستطيع أن يخفيها غربال . ويبدو إن محاولات هيدجر مع الفيلسوفة هو التأكيد على إن حبهما هو الصدق والحقيقة التي يمكن أن ينكرها أحد الطرفين .

   كما إن الرسالة من طرف أخر ، وبالتحديد من عنوان الإرسال ، تكشف عن مرامي الفيلسوف ، فقد بعثها من كوخه الشهير الذي وصفته الفيلسوفة حانا إرنديت حسب رأينا بالمصيدة ، والذي جاء في مقالها الذي نشرته في العام 1953وبعنوان هيدجر الثعلب (والذي سبق إن ترجمه الدكتور محمد جلوب الفرحان ، ونشر بعنوان : هيدجر الثعلب : تأمل في مقال تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت / موقع الفيلسوف / 5 فبراير 2013) . وهو في الكوخ لوحده وزوجته الفريدا وولديه في اليونان . ماذا يعني كل ذلك ؟ إنه يعني شيئاً واحداً ، وهو السعي بإلحاح على تجديد العلاقة مع الفيلسوفة حانا . وفعلاً فإن هذه الرسالة تذكرنا بمحاولات هيدجر المتكررة . ففي رسالة للفيلسوفة حانا ما يؤكد على ذلك . وفعلاً فقد كتبت حانا إلى صديقتها هيلدا فرانكل في نيويورك ، وبتاريخ 10 شباط 1950 ، تُعلق فيها على إقتراح اللقاء الذي تقدم به هيدجر برسالته في شباط 1950 ، فقالت بالحرف الواحد :

لم يكن عند هيدجر أية فكرة على الإطلاق ، بأن كل ذلك كان قبل خمسة وعشرين عاماً مضت . ولم تنتهي الفيلسوفة ، بل كتبت في الرسالة ذاتها ، قائلة : ” في الأساس أنا سعيدة ، ولسبب بسيط ، وهو التأكيد على إنني كنت على حق بأن هيدجر لم ينساني على الإطلاق ” (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013) .

 ونحسب في قصيدة الشاعر الألماني هولدرين ، طلب من الفيلسوف هيدجر ، تقدم به إلى حبيبته السابقة ، وفيها شفاعة وتوسل بتسوية الأمور بين الحبيبين ، والعودة إلى أيام وليالي جامعة ماربوك عام 1925 ، وذلك لأن الموت مثلما لف حياة الشاعر هولدرين ، فإن الموت هو اليقين الذي ستنتهي عند حضرته كل الموجودات والأشياء .. هذا ما قاله هيدجر ، وسنعرف في مقال لاحق ، وبالتحديد في رسالة الفيلسوفة حانا الرقم 92 وهي الثانية من رسائل مجموعة الخريف . نقول سنعرف ماذا ترى الفيلسوفة حانا ؟ وما هو جوابها الشافي على الفيلسوف والمعلم الدائم ، وحبيب أيام زمان .

Posted in Dr.MOHAMAD FARHAN, Hannah Arendt, Heidegger the Fox, Martin Heidegger, Plato, The Sophists, قصيدة الخريف للشاعر الألماني هولدرين, مقال حانا إرنديت هيدجر الثعلب, مارتن هيدجر, مجلة أوراق فلسفية جديدة / 9, مركز دريد للدراسات, هيدجر ومحاورة السفسطائي لإفلاطون, هرقليطس وبارمنيدس وهيدجر, أدموند هوسرل, الفيلسوف اليوناني إفلاطون, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الدكتور محمد جلوب الفرحان, الدكتور محمد جلوب الفرحان وهيدجر والهيدجريون الجدد, رسائل حب وخطابات فلسفية : هانا إرنديت ومارتن هيدجر, عقيدة حانا إرنديت عقيدة دينية فلسفية

هيدجر الثعلب : تأملُ في مقال تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت

الفلسفة / حُب الحكمة       الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Heidegger the Fox

Hannah Arendt: Essays in Understanding, pp. 361 – 362

Dr. MOHAMAD FARHAN

هيدجر الثعلب

تأمل في مقال تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

    جاء مباشرة بعد مقال الفيلسوفة خانا إرنديت طبيعة الأنظمة الشمولية (الدكتاتوريات) ، مقالها المعنون : هيدجر الثعلب ، وهذا العنوان ليس إبداعاً من الفيلسوفة خانا إرنديت ، وإنما إستلهمته من حجة لهيدجر رد فيها على من يطلق عليه عنوان هيدجر الثعلب . والواقع إن خانا قد إستشهدت بحجة هيدجر ، حيث قالت : ” يقول هيدجر بفخر كبير ” الناس يقولون بأن هيدجر هو ثعلب ” (خانا إرنديت ؛ هيدجر الثعلب / مقال نشرته في مجلة الفكر عام 1953 ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية كل من روبرت كيمبر وريتا كيمبر ، وطبع في كتاب خانا : مقالات في الفهم (مصدر سابق) ص ص 361 – 362) وهو مقال قصير وقد قام الدكتور محمد جلوب الفرحان بترجمته كاملاً من الإنكيزية) .

نص مقال ” هيدجر الثعلب “

 ومن ثم تابعت الفيلسوفة خانا مقالها بالقول :

 ” وهذه هي القصة الحقيقية لهيدجر الثعلب ” (المصدر السابق ، ص 361) . ومن ثم قدمت قراءة للقصة ، فأفادت :

” في يوم من الأيام كان هناك ثعلب ، وكان ينقصه فن ومهارات الخُداع ، حتى إنه بات يقع ضحية مصيدة أثر مصيدة ، والحال لم يقف عند فشله في السقوط في المصيدة تلو المصيدة ، وإنما تاه عليه الأمر حتى أصبح غير قادر على التفريق بين المصيدة وغير المصيدة ، ولذلك عانى الثعلب من الفشل مرة أخرى .

  وكانت هناك علة في فراء الثعلب ، ولذلك كان تماماً بلا نظام حماية من قساوة  الحياة التي يعيشها الثعالب . وبعد إن صرف فترة شبابه كلها يركض للفوز بفريسة حول المصائد التي وضعها الناس . والأن لم تبقى قطعة واحدة من الفراء تحميه ، فقرر هذا الثعلب الإعتزال من عالم الثعالب تماماً ، فحفر له حفرة كانت معتزله الأخير . فكانت صدمة كبيرة وهو إن هذا الثعلب جاهل ولا يعرف أن يميز بين المصائد وغير المصائد بالرغم من خبرته الفائقة والطويلة مع المصائد (جمع مصيدة) . ومن ثم وردت على باله فكرة جديدة لم تكن مسموعة أو حتى متداولة بين الثعالب ؛ وهو أن يبني مصيدة شبيهة بالحفرة التي إتخذها معتزلاً له ، وإختارها ملجأ .. وذلك لأنه كان على الدوام يعتقد بأن مصائد الأخرين هي معتزلاتهم ، ولهذا قرر أن يكون مُخادعاً بطريقته الخاصة . ولما كانت مصيدته الجديدة التي بناها وإختارها معتزلاً لنفسة لا تتوائم مصيدة للأخرين . فقد أثبت بنفسه على الجهل المطبق بفن المصائد . والنتيجة إنه لا واحد من الناس وقع في مصيدته ، وذلك بسبب إنه جالس ويسكنها بنفسه على الدوام . وهذا الحال أزعجه (رغم كل ماعمل) ، وخصوصاً عندما عرف الجميع .

  والواقع إنه في مناسبات ما يتم صيد الثعالب رغم وسائل خُداعهم وذكائهم العالي . والسؤال ماهو السبب في إن مصيدة الثعلب وخصوصاً التي تم تصميمها من قبل الثعلب الأكثر مهارة من الثعالب الأخرى ، لا يمكن أن تكون بمهارة وفعالية المصائد التي يصممها البشر والصيادون ؟ السبب الوحيد إن هذه المصيدة ذات طبيعة سرية تماماً بخلاف المصيدة الإعتيادية . وقد حدث لثعلبنا إن عمل بجد ليضع مصيدته في إطار ديكور جميل ، وصمم لها علامات وإشارات ونشرها في كل مكان وبطريقة واضحة ودقيقة . ومن ثم قال : تعالوا هنا ، وتابع بغنائية قائلاً : هذه هي المصيدة التي لا يوجد أجمل منها مصيدة في العالم . ومن هذه الناحية أصبح واضحاً إنه لا واحد من الثعالب ممكن إن يقع فريسة في هذه المصائد خطأً . وعلى اي حال جاء العديد . وهذه المصيدة هي من خداع ثعلبنا الذكي ، وإذا رغبت زيارته عندما يكون في  مصيدته (منا : إحتمال كبير إن ما تقصده الفيلسوفة خانا إرنديت هو كوخه الخشبي المشهور) ، فإن المطلوب منك أن تمر عبر مصيدته . وكل يستطيع المرور بسلام ماعدا ثعلبنا .. ولكن الثعلب الذي يعيش ويسكن داخل المصيدة إنتفض قائلاً بفخر : ” إذن العديد من الناس زاروني في مصيدتي وذلك لأني أصبحت أفضل كل الثعالب ” . ولكن هناك بعض الحق والصدق في ذلك ، وهي إنه لا أحد يعرف طبيعة المصائد أفضل من الذي يعيش حياته كاملة داخل المصيدة (خانا إرنديت ؛ هيدجر الثعلب ، ص ص 361 – 362) .

تعقيب

   وللقارئ نقول بأن زوجة الفيلسوف هيدجر الفريدا قد ردت على هذا المقال وعلى من يصف هيدجر بالثعلب بمقال مقابل (للإطلاع راجع أوراق البحث المعنون الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013) .

   ونحسب إن في هذا المقال تصفية حسابات قديمة بين البروفسور هيدجر وطالبته خانا ، ففيها إشارات إلى كوخ البروفسور الذي كان مصيدة ، وإن خانا كانت فريسة وضحية من ضحايا البروفسور الجنسية . هناك إمكانية في قراءة قصة هيدجر الثعلب على مستويات عدة ، السياسية ، وعلى مستوى علاقة حب البروفسور لطالبته خانا التي بدأت فصلها الجامعي الأول فوضع لها البروفسور مصيدته وإستثمرها لسنوات عدة ، وهو المتزوج والعارف بالتابو الذي يغلف هذه العلاقة … وبالطبع خانا لم تكن الأولى والوحيدة (للإطلاع راجع أوراق البحث المعنون الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / المصدر السابق) .

 

Posted in Dr.MOHAMAD FARHAN, Hannah Arendt, Heidegger the Fox, Martin Heidegger, مقال حانا إرنديت هيدجر الثعلب, مارتن هيدجر, مركز دريد للدراسات, الفيلسوفة حانا أرنديت, الدكتور محمد جلوب الفرحان, الدكتور محمد جلوب الفرحان وهيدجر والهيدجريون الجدد, دفاع الدكتور محمد جلوب الفرحان عن مارتن هيدجر فيلسوف فينومنولوجيا الحياة, رسائل حب وخطابات فلسفية : هانا إرنديت ومارتن هيدجر, زوجة هيدجر الفريدا