مساهمة الفيلسوف فرانز برنتانو في بيئة كارل ياسبرز الثقافية والأكاديمية

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

————————————————————————————–

يُصدرها مركز دُريد الأكاديمي للأبحاث والدراسات

لندن – إنتاريو – كندا

للمراسلات

mgfarhan@hotmail.com

———————————————————————————-

مساهمة الفيلسوف فرانز برنتانو

في بيئة ياسبرز الثقافية والأكاديمية

القسم الأول

الدكتور محمد جلوب الفرحانِِِِ

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————————-

تقديم :

  لعب الفيلسوف وعالم النفس الألماني فرانز برنتانو (1838 – 1917) دوراً مؤثراً في البيئة الثقافية والأكاديمية التي تطور فيها تفكير الفيلسوف وعالم النفس الوجودي كارل ياسبرز . كما ونزل إلى ياسبرز الكثير من أراء برنتانو أولاً النفسية ومن ثم ثانياً الفلسفية من خلال أساتذة ياسبرز المباشرين وغير المباشرين ، فقد كان أدموند هوسرل مثلاً واحداً من تلاميذ برنتانو إضافة إلى كازمير تاودرسكي وأليكس مينيك (وبالطبع ترك أثراً على سيجموند فرويد) . وهؤلاء لم يكتفوا بالتأثر به ، بل تابع بعض منهم خُطاه ، وعملوا تعديلات لها لتتوائم وتطلعاتهم الفلسفية والنفسية .

   صحيح  جداً إن كارل ياسبرز كتب ونشر أبحاثه الأولى ، وكان فيها برنتانو حياً يُرزق ، وأفكاره ومؤلفاته لها وقع كبير في الساحتين الثقافية والأكاديمية الألمانيتين . فمن المعروف إن برنتانو مات عام 1917 وكان ياسبرز قد نشر ثلاثة من أعماله الأكاديمية الرئيسية في علم النفس (الطب النفسي) ، الأول وكان بعنوان الهومسك والجريمة ، وهي إطروحته للدكتوراه الأولى والتي دافع عنها عام 1909 . والثاني كان مقالته الأكاديمية الشهيرة والمعنونة مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ، والتي نشرها في مجلة الزايمر عام 1912 ، وهو خلاصة لتحليلاته النفسية في إطروحته للدكتوراه الثانية . ومن ثم ظهر كتابه علم النفس المرضي العام ، والذي ظهر في العام 1913 ، وهو إطروحته للدكتوراه الثانية وكانت بإشراف الفيلسوف وعالم النفس الكانطي الجديد ويندلباند (1848 – 1915) . وفي المقال والكتاب أظهر ياسبرز أثار هوسرل وطريقته في الفينومنولوجيا على تفكيره وتحليلاته ، وبالطبع من خلاله أثر الأب الروحي للفينومنولوجيا وأستاذ هوسرل ، الفيلسوف وعالم النفس فرانز برنتانو . كما ونحسب إن ياسبرز كتب أجزاء من كتابه الشهير سايكولوجيا النظر إلى العالم ، وكان الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو حياً . إلا إن هذا الكتاب نشر بعد وفاة برنتانو بأقل من سنتين ، فقد ظهر الكتاب إلى النور في عام 1919 [1] .

مؤشرات عن سيرة الفيلسوف فرانز برنتانو الذاتية والعلمية

  والسؤال : من هو الفيلسوف فرانز برنتانو ؟ هو فرانز كليمنس هندورتس هرمان برنتانو ، ويرى الباحث ماريو بوكليسيا ، في مقاله المعنون ” فرانز برنتانو : شذرات من سيرته الذاتية ” إلى إن إسم مؤسس علم النفس والأب الروحي للفينومنولوجيا ، برنتانو يُخبرنا بأنه من إصول عائلة إيطالية مشهورة . وهي تقليدياً ترتبط بإسم الفارس برنتايوس ، والذي كان يسكن في العام 1166 في قلعته الواقعة على ضفاف نهر برنتا ، والتي هي جزء من مقاطعة (أو إمارة) تايرول الإيطالية .

  ويبدو إن الإسم برنتا ظهر لأول مرة في العام 1465 ، ومن ثم تحول إلى برنتانو . وفي القرن السابع عشر وإعتماداً على سجلات الحروب ، فإن عائلة برنتانو التي يصعد إليها الفيلسوف الروحي للظاهراتية فرانز برنتانو ، كانت مسجلة في قيودها . ومن ثم غادرت العائلة أراضيها الإيطالية ، وإستقرت في محافظة الراين [2] .

   جاءت ولادة الطفل فرانز في مقاطعة مارينبيرك / الراين ، وبالتحديد في 16 كانون الثاني من العام 1838 . وترع في أحضان عائلة ذات ثقافة عالية ، فقد كان والده كاتباً ، وأمه إرنيلا جنجر كانت زاهدة متعففة ، وسيدة عالية الثقافة . كما وأحاطت الطفل فرانز دائرة من أسماء الأقارب اللامعة يومذاك من أمثال أعمامه كل من سافكني وكليمنس برنتانو ، وسوفيا ، ولورشي ، وبيتني فون أرتيما . فمثلاً كان عمه كليمنس وخالته بيتني من كبار الكتاب في مرحلة الرومانتيكية الألمانية .  وكان عمر فرانز ثلاثة عشر ربيعاً عندما توفي والده .

   ويُلاحظ إن فرانز أظهر منذ بواكير شبابه ميلاً غير إعتيادي نحو الدراسة ، كما وكرس أطرافاً من سنوات شبابه للحياة الدينية ، وهذا جاء نتيجة التربية الدينية التي زرعتها أمه بحُب في برنامجه التعليمي المبكر . وفي الثانوية إتصل بفلاسفة السكولاستيكية (الفلسفة المدرسية في العصور الوسطى) . وبعد فترة ذهب ليعيش مع عمه سافكي في برلين وليحضر بعض الفصول الدراسية في الجامعة . وخلال حضوره الفصول الدراسية تعرف على البروفسور فردريك أدولف ترندلنبيرك (1802 – 1872) [3] . وفرانز يحترم بتقدير عال

أستاذه الفيلسوف ترندلنبيرك ، فهو الذي عرفه على أرسطو ، وزرع فيه حب وإحترام الفيلسوف اليوناني . وسنلاحظ لاحقاً إن دروس ترندلنبيرك ستوجه برنتانو نحو شواطئ الفلسفة ، وبالتحديد نحو معاني الوجود عند أرسطو (إطروحة برنتانو الأولى للدكتوراه) وعلم النفس عند أرسطو (إطروحة الدكتوراه الثانية للدكتوراه) . 

   وفي خريف من عام 1856 سجل فرانز برنتانو في كلية الفلسفة في ميونخ ، وأصبح على معرفة بمؤرخ الكنيسة الكبير إكناتيوس دولنكر (1799 – 1890) [4] الذي كان يُعد في ذلك 

 الوقت واحداً من كبار رجال اللاهوت الأرثذوكس في مرحلة الكاثوليكية الألمانية . ومن ميونخ ذهب برنتانو إلى جامعة توبنكن وهناك حصل على درجة الدكتوراه ، وبالتحديد في 17 تموز من عام 1862 ، وكانت بعنوان حول المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو . وفي العام ذاته نشرها وكانت أول كتاب له ، وأهداه إلى أستاذه ترندلنبيرك [5] .

   وتنوعت دروس فرانز برنتانو الأكاديمية وقراءاته التي غطت مساحة واسعة من الميادين المعرفية والتي ستمكنه من تدشين الكتابة في مجالات متنوعة ، فيها الكثير من الريادة والتجديد . فمثلاً  درس في كل من جامعة ميونخ وفيرزبيرك وبرلين الرياضيات ، والشعر واللاهوت . كما وإطلع في نهايات المدرسة الثانوية على الفلسفة المدرسية . وأشرنا أعلاه إلى إنه في جامعة برلين درس آرسطو مع ترندلبيرك ، ومن ثم قرأ الفيلسوف الفرنسي أوجست كومت (1798 – 1857) إضافة إلى الفلاسفة التجريبيين الإنكليز ، وخصوصاً جون ستيوارت مل (1806 – 1873) ، والذين تركوا أثاراً كبيرة على كتاباته [6] .

  وكان من حصاد التربية الدينية التي زرعت بذورها المبكرة والدة برنتانو ، إن كرس حامل الدكتوراه فرانز في فلسفة أرسطو ، نفسه للعمل الديني الكاثوليكي . وفعلاً بعد إستكمال متطلبات الدكتوراه ، ومن ثم التخرج ، بسنتين أي في عام 1864 أدى فرانز برنتانو اليمين ، ورُسم قساً كاثوليكياً . ولم يؤثر هذا الحال على عمله الأكاديمي ، فقد إستمر في العمل في جامعة فيرزبيرك وأكمل في العام 1867 متطلبات إطروحته للدكتوراه الثانية (الدكتوراه المهنية) وكانت بعنوان علم النفس عند أرسطو . ورغم تحفظات (بل وإعتراضات) العمادة على درجته الدينية (قساً) للعمل الأكاديمي ، فإنه في النهاية (أي في عام 1873) أصبح بروفسوراً كاملاً [7] .

   وإذا تصالحت الجامعة مع الكنيسة ، ومن ثم تسامحت مع البروفسور برنتانو وسمحت له بالدراسة ومن ثم التدريس الأكاديمي المستقل عن الكنيسة ونشاطاتها الدينية ، فإن برنتانو بنفسه لم يشعر بالسلام وكان هناك أمراً فكرياً وعقيدياً عميقاً يشغل تفكيره ويُقلقه على الدوام ولم يتمكن من قبوله والتعايش معه  .  وفعلاً ففد عاش برنتانو خلال هذه الفترة صراعاً حاداً ، وأخذت دراجاته تتزايد ، وخصوصاً مع العقيدة الرسمية للكنيسة الكاثوليكية والمتعلقة بعقيدة عصمة البابا من الخطأ ، والتي فرضها الفاتيكان في عام 1870 [8] . وهكذا جاء قرار البروفسور برنتانو الشجاع بعد فترة قصيرة من ترقيته في جامعة فيرزبيرك إلى درجة الأستاذية ، والذي تمثل بإنسحابه من أن يكون قساً في الكنيسة الكاثوليكية ، وتنازله عن درجة الأستاذية في جامعة فيرزبيرك . ومع قراره الشجاع تطاير الزائل الدنيوي وبقي اللقب الخالد الذي لا تتقدم على حضرته مسميات أكاديمية يتخفى وراءها جيش من العرضحالجية وأنصاف المتعلمين وقُراء الخيرة وكتاب أدعية السلطة والسلطان ومحققي الأخطاء الإملائية في مخطوطات طوق الحمام … وإبن الروند … وهكذا إنطمرت وضاعت أسماء العرضحالجية وبقي اللقب الخالد يحمله الفيلسوف والأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو

   ونحسب من النافع أن نُخبر القارئ الكريم بأن برنتانو بدأ بعد إطروحته للدكتوراه الثانية

علم النفس عند آرسطو ، بنشر مؤلفات واسعة وكان هدفه يتطلع إلى إرساء أسس علم النفس . وهذه المؤلفات نشرت بعنوان علم النفس من زاوية تجريبية . وفعلاً فقد حمل المجلد هذا العنوان ، والذي ظهر إلى النور في عام 1874 . ومن ثم جاء المجلد الثاني بعنوان تصنيف الظاهرة العقلية ، والذي نشر عام 1911 ، وتلاه أجزاء من المجلد الثالث ، والذي طبع في عام 1928 وبعنوان الحس والوعي العقلي (ونُشر بعد موته) .

  ولعب نشر الجزء الأول من هذه السلسة دوراً في تغيير حياة برنتانو الأكاديمية ، فقد إستلم وظيفة بروفسور في جامعة فينا . وفيها حقق نجاحات فائقة في التعليم الأكاديمي وذاعت شهرته في الأوساط الجامعية والثقافية . إلا إن برنتانو وخلال السنوات العشرة التي قضاها في جامعة فينا تعرض هو ومؤلفاته إلى إنتقادات شديدة . ولذلك توقف من نشر الكتب ، وتحول إلى طبع محاضراته الأكاديمية المتنوعة ، والتي ضمت بين دفتيها موضوعات درست علم الجمال والمعرفة والأخلاق ، فمثلاً في علم الجمال ظهر واحد منها بعنوان الشر موضوعا للصورة الشعرية . ومن ثم نشر كتابه الشهير ، الذي حمل عنوان إصول معرفة الصحيح والخطأ . وهذا الكتاب عالج فيه برنتانو وجهات نظره حول الأخلاق . ويُعد كتاب إصول معرفة الصحيح والخطأ من كتبه الأولى التي ترجمت إلى الإنكليزية . وفعلاً فقد نشر في عام 1902[9] . وكان هذه الترجمة مناسبة جداً مهمة في تعريف فرانز برنتانو بالعالم الناطق بالإنكليزية وهو حي يُرزق .

  ومن الأحداث المهمة في حياته على الصعيد الشخصي ، ومن الأحداث المؤلمة في الوقت ذاته وسببت له محنة أكاديمية وقانونية مع السلطات النمساوية ، حين قرر برنتانو في عام 1880 وعايدة فون ليبن على الزواج . فكان قراراً واجه تحديات قوانين الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية في ذلك الوقت . فقد كان من سياسات الأمبراطورية عدم السماح لشخص رُسم قسيساً من الزواج . وكان الحاصل من ذلك إن تخلى برنتانو عن جنسيته النمساوية ، ومن ثم تبع ذلك تخليه عن وظيفته الأكاديمية في جامعة فينا . فغادرها وعايدة إلى سكسوني وتزوجا هناك .

  وبعد بضعة أشهر عاد إلى فينا ، غير إن السلطات النمساوية لم تسمح له بالعودة إلى موقعه الأكاديمي (بروفسوراً  براتب ثابت) ، ولكنه عاد محاضراً (وهي حسب التقاليد الأكاديمية يومذاك يقوم بالتعليم ولكنه يستلم إجوراً على محاضراته) وليس له حق في الإشراف على أطاريح طلبة الدكتوراه . وبعد سنوات من الكفاح لإسترداد وظيفته الأكاديمية ، فإن جهوده لم تثمر وباءت بفشل مطلق . ومن ثم تزامن كل ذلك بفاجعة موت زوجته (وبالتحديد عام 1895) . فقرر برنتانو هجر النمسا وقلبه مملوء بالحسرة والخيبة .

   ولعل من ثمار هذه الخيبة من السلطات النمساوية ، إن بدأ ينشر سلسلة مقالات ، ثلاثة منها نشرتها الصحف في فينا ، وبعنوان تمنياتي الأخيرة للنمسا ، والتي ظهرت فيما بعد في كتاب هو أشبه بدفاع عن الذات . وفي هذا الكتاب أوجز برنتانو موقفه الفلسفي ، إضافة إلى مشروعه في علم النفس . كما فيه نقد شديد للموقف القانوني النمساوي من القسان السابقين . وفي عام 1896 إستقر في فلورنسا ، وهناك تزوج مرة ثانية من إيملي ربرشت (وبالتحديد في عام 1897) [10] .

  وبالمناسبة إن برنتانو خلال سنواته في فلورنسا عاد إلى نشاطه الإعتيادي في التأليف والنشر . وفعلاً إنه في عام 1907 طبع مجموعة نصوص قصيرة في علم النفس (إضافة إلى المجلد الثاني من علم النفس من زاوية تجريبية) . كما إنه نشر كتابين عن الفيلسوف اليوناني أرسطو ؛ الأول كان بعنوان أرسطو ونظرته إلى العالم . والثاني تفسير لفلسفة أرسطو . وهنا تجددت المناقشات مع البروفسور ومؤرخ الفلسفة أدور زيلر (1814 – 1908) . والحقيقة إن هذه المناقشات الجدلية تصعد إلى فترة مبكرة ، وبالتحديد إلى الستينات من القرن التاسع عشر ، ويومها كان زيلر بروفسوراً للاهوت ومن ثم للفلسفة في جامعة توبنكن ، وإن برنتانو كتب إطروحته للدكتوراه الأولى والمعنونة المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو في جامعة توبنكن هذا طرف من الإتصال بين الإثنين . والطرف الثاني إن برنتانو إنتقد زيلر على تفسيره لأرسطو ، وظهر هذا النقد في إطروحة برنتانو الثانية للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان علم النفس عند أرسطو . ومن ثم تحول الجدل بينهما إلى معركة فكرية حامية في السبعينيات والثمانينيات والتسعينات من القرن التاسع عشر [11] .

  وعندما دخلت إيطاليا الحرب ضد ألمانيا والنمسا خلال الحرب العالمية الأولى ، شعر برنتانو بأنه مواطن لهذه الأقطار الثلاثة ، فإنتقل من فلورنسا إلى سويسرا المحايدة وإستقر فيها ، ومات في زيورخ ، وبالتحديد في 17 أذار من عام 1917 [12] .     

الإطروحات الأكاديمية ومؤلفات فرانز برنتانو

  صحيح جداً عندما يُذكر إسم الفيلسوف فرانز برنتانو ، يتبادر إلى أذهان الباحثين الأكاديميين كتاباته الرائدة في مضمار فلسفة علم النفس ، وخصوصاً في إدخاله لمفهوم القصدية (ومن خلاله سينتقل إلى تلميذه أدموند هوسرل …) وإلى الفلسفة المعاصرة . كما وتستذكره دوائر التفكير الفلسفي بمساهماته المهمة المتنوعة في ميادين مثل الأخلاق ، الإنطولوجيا ، المنطق ، تاريخ الفلسفة ، وكذلك في اللاهوت الفلسفي . ومن النافع أن نذكر هنا ، حقيقة مهمة لفت تفكير برنتانو بمجمله ، وهي إنه تأثر بقوة بأرسطو والسكولائية (والشاهد على ذلك إطروحتيه للدكتوراه الأولى والثانية) . وهو يعترف بأنه تأثر بالحركة الوضعية والتجريبية في بواكير القرن التاسع عشر .

  ولاحظ الأكاديميون الغربيون إن مكانة برنتانو في تاريخ الفلسفة الغربية (وبالطبع علم النفس) ، تكمن في إنه دشن إستخدام مناهج وطرق بحث متنوعة . فمثلاً إنه إعتمد على منهج الإستبطان في وصف الوعي (الشعور) ومن وجهة نظر الشخص الأول من ناحية . ومن ناحية أخرى تطلع إلى إستخدام إسلوب بحث فعال للفلسفة ، ولذلك دعا إلى أن تسخدم الفلسفة طرائق بحث دقيقة مثل الطرق التي تستخدمها العلوم . كما يُنظر إلى برنتانو إلى إنه الأب الروحي (الرائد) للحركتين الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية .

  ويشهدُ تلاميذه الذين كونوا ما يُعرف في تاريخ الفلسفة الغربية بمدرسة برنتانو ، على إنه كان معلماً جذاباً (كرازما) يمتلك مهارات عالية في التدريس والحوار . وفعلاً فقد ترك أثاراً قوية على أعمال كل من أدموند هوسرل ، أليكس ميننك ، كريستين فون إهرنفيلز ، كازمير تاوردسكي ، كارل ستامبف وإنطون مارتي وأخرون ، والذين لعبوا دوراً فعالاً في تطور الفكر الفلسفي في قلب القارة الأوربية في بواكير القرن العشرين [13] .

 أولاً – حول المعاني المتعددة للوجود عند آرسطو (1862) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1975 [14] ، وهي إطروحة الدكتوراه الأولى . وقد قرأها فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر في مراحل أكاديمية مختلفة ، وإستفاد منها في تأليف كتابه الإنجيلي الوجود والزمن [15] .

ثانياً – علم النفس عند آرسطو (1867) . وقد ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ رولف جورج عام 1978 [16] . ومن المفيد الإشارة إلى إن الكانطي الجديد ويندلباند قد ألف في علم النفس ، ومن ثم أشرف على إطروحة ياسبرز الثانية والمعنونة علم النفس المرضي العام [17] .

ثالثاً – علم النفس من وجهة نظر تجريبية (1874) . والذي ترجمته لندا ماكلستر إلى الإنكليزية [18] . وأصبح معلوم للقارئ إن إطروحتي ياسبرز الأولى الهومسك والجريمة والثانية علم النفس المرضي العام ، يدوران في هذا المضمار . إضافة إلى إن كتابه الثالث (أي ياسبرز) كان بعنوان سايكولوجيا النظر إلى العالم ، هو الأخر يندرج في هذا المضمار [19] . ولا تنسى بأن برنتانو هو الأب الروحي للفينومنولوجيا . وإن أستاذ ياسبرز في مضمار الفينومنولوجيا ، هو أدموند هوسرل الذي كان تلميذاً للفيلسوف فرانز برنتانو . وإن أدموند هوسرل قد حاضر في علم نفس الفينومنولوجيا ، وأصدرها بكتاب يحمل عنوان ” محاضرات في علم نفس الفينومنولوجيا ” [20] . وإن ياسبرز كتب تحليلاته في إطروحته الثانية ونشرها في مجلة الزايمر بعنوان ” مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية ” [21] .

رابعاً – إفلوطين (أو ضد إفلوطين) (1876) [22] . وينظر الأكاديميون الغربيون إلى هذه المقالة الرسالة التي كتبها برنتانو ، إلى إن فيها هجوم على إفلوطين ورد فكره إلى إصول شرقية ، وخصوصاً الأبونشياد الهندية [23] . ونحسب على خلاف الأكاديميين الغربيين إن في آراء برنتانو الكثير من الصحة والحقيقة ، إذا ما تذكرنا بأن إفلوطين كان طامحاً جداَ بزيارة بابل وإيران والهند وذلك للإطلاع على الفكر الفلسفي الشرقي (البابلي الكلداني ، والإيراني الزرادشتي ، والهندي المتمثل بفلسفة الهنود العراة ..) . وفعلاً فقد إلتحق إفلوطين في مصر بحملة عسكرية يونانية  متجهة نحو بلاد فارس ، ولكن الحملة العسكرية فشلت فشلاً ذريعاً ، ففر بجلده [24] .

خامساً – إصول المعرفة بالصحيح والخطأ (1889) أو كما ترجمه إلى الإنكليزية سيسل هوكو وبعنوان إصول معرفة الصحيح والخطأ ، والتي صدرت في العام 1902 [25] .

سادساً – أرسطو ونظرته إلى العالم (1911) وترجمه إلى الإنكليزية كل من أر . جورج & أر . أم . كيسولم (1978) [26] .

سابعاً – تصنيف الظاهرة العقلية (1911) [27] .

ثامناً – الصدق والدليل ، وترجمه إلى الإنكليزية كل من رودريك كيسهولم وأيس بوليتزر وكورت فيشر عام 1966 [28] . وضم الجزء الأول من الكتاب في نشرته الإنكليزية ، محاضرة في غاية الأهمية ، قدمها فرانز برنتانو إلى الجمعية الفلسفية في فينا (في 27 آذار 1889) وكانت بعنوان مفهوم الصدق [29] . وإحتوى الكتاب على مراسلات بين الأستاذ برنتانو والتلميذ أدموند هوسرل والذي عبرت من خلاله الفينومنولوجيا إلى تلميذه كارل ياسبرز . كما وفي الكتاب نقد وجهه برنتانو إلى الكانطي الجديد ويندلباند المشرف على إطروحة ياسبرز الثانية ، والتي نشر عنها الأخير مقالة حملت خلاصة تحليلاته النفسية في مجلة الزايمر ، والتي كانت بعنوان مشروع فينومنولوجي للأمراض النفسية [30] .

تاسعاً – البحث الفلسفي في المكان ، الزمان والظاهرة ، وترجمه إلى الإنكليزية بري سميث عام 1988[31] .

عاشراً – علم النفس الوصفي ، وترجمه إلى الإنكليزية بنيتو ميلر عام 1995 [32] .

أحد عشر – أسس وبنية الأخلاق ، وترجمته إليزابيث سكينوند عام 1973 [33].

إثنا عشر – الأوجه الأربعة للفلسفة ووضعها الحالي ، وقام بتحقيقه والإشراف على نشره كل من ب . ميزي وبري سميث ، ونشر في العام 1998 [34] .

ثلاثة عشر – حول وجود الله ، وقامت بترجمته إلى الإنكليزية سوزان كرانتز ، ونشر عام 1987 [35] .

أربعة عشر – الحس والوعي العقلي ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية أم . شتل وأل . ماكلستر ، وتم نشره في العام 1981 [36] .

خمسة عشر – نظرية المقولات ، وقام بترجمته إلى الإنكليزية كل من رودريك كيسهولم ونوربرت كوترمان ، ونشر عام 1981 [37] . ونحسب إن هذا الكتاب الذي كتبه فرانز برنتانو قد لفت أنظار مارتن هيدجر ، وربما حفزه على إختيار عنوان إطروحته الثانية في مضمار نظرية المقولات إلا إنه إختار المنطقي في العصور الوسطى دنس سكوتس ، فكانت بعنوان نظرية المقولات عند دنس سكوتس [38] وقد بينا حينها الإشكال في إطروحة هيدجر ونبهنا إليه. وكان المشرف على هيدجر الفيلسوف الكانطي الجديد هنريخ ريكارت ، وهو زميل هوسرل ، ومن ثم زميل كارل ياسبرز في جامعة هيدلبيرك ، كما كان هنريخ وكارل ياسبرز يحضران سوية في مساء الأحد حلقة عائلة عالم الإجتماع ماكس فايبر ، وهنريخ هو الذي قاد الكانطيين الجدد ، في حملته على إزاحة كارل ياسبرز من رئاسة كلية الفلسفة ، ولكنهم فشلوا بعد نشر ياسبرز لثلاثيته في الفلسفة وهي قصة رددناها في أكثر من مقام [39] .

ومن ثم جاءت طبعات جديدة عديدة لكتابه : علم النفس من زاوية تجريبية ، خذ مثلاً الطبعة الألمانية وللفترة ما بين 1924 و1928 والتي ظهرت في ثلاث مجلدات وبإشراف أوسكار كراوس ، ومن ثم جاءت النشرة الألمانية لعام 2008 ، والتي كانت بإشراف مارو أنتونيل هيوستام .

  ولاحظنا بأن إثنين من طلاب الفيلسوف الأستاذ برنتانو من تحمل مسؤلية نشر مؤلفات الأستاذ بعد موته . وفعلاً فإن برنتانو ترك بعد موته عدداً كبيراً من المخطوطات غير المنشورة ، والتي تغطي مساحة واسعة من موضوعات الفلسفة . ومن ثم قام كل من الفريد كاسيتل (1874 – 1950) وأوسكار كراوس (1872 – 1942 وهو فيلسوف جيكي وقابل برنتانو عام 1893) . وهما من تلاميذ إنطون مارتي في جامعة براغ . والحقيقة إنهما (أي كاستيل وكراوس) إستهلا عملهما بنشر محاضرات برنتانو ، ومن ثم نشرا ملاحظاته والرسائل الذي تبادلها مع طلابه وفلاسفة أخرون (منا : وبالمناسبة إن هناك رسائل تبادلها مع تلميذه هوسرل) .

  وكان هدف كاستيل وكراوس العمل على تقديم مخطوطات برنتانو في أحسن صورة لها . ولهذا قاما بترتيب نصوصه ، وضم بعضها إلى بعض وذلك إعتقاداً من إنهما يُشكلان أطرافاً من موضوع واحد . وكانا يتطلعان إلى تقديم نشرة كاملة لأعماله . ولكن مثل هذا العمل لا زال تحت النشر ، ولم يكتمل لحد الآن [40] .

—————————————————————————-

الهوامش

 – أنظر :[1]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013 .

 – أنظر :[2]

Mario Puglisi, Franz Brentano:A Biographical Sketch, The American Journal of Psychology, Vol. 35, No. 3 (Jualy 1924), p. 14

 – وترندلنبيرك هو فيلسوف وفيللوجست ، وكان من المهتمين بدراسة إفلاطون وأرسطو (وخصوصاً في إطروحته للدكتوراه ،والتي كتبها في العام[3]

1826 ، وهي محاولة إعتمدت على نقد أرسطو ، وذلك وصولاً إلى المعرفة الدقيقة عن الفلسفة الإفلاطونية) . كما وإهتم بدراسة رائد الوجودية سورين كيركيجارد ، الذي وصفه ؛ بأنه ” من أكبر عقلاء الفيللوجيا الفلسفية ، الذين عرفتهم ” . ومن مؤلفاته : مختارات من الأورغانون ، مع ترجمة لاتينية وملاحظات (1836) . ويحتوي على عقيدة أرسطو المنطقية . وكتاب النفس لأرسطو ، وهو كتاب تجاوز الخمسمائة صفحة (1833) . وكتاب موجز المنطق (1898) ، وهو كتاب صغير (30 صفحة) . أنظر :

A – Friedrich Adolf Trendelenburg, A Contribution to the history of the word person, a psthums treatise, Open Court, 1910 .

B – Soren Kierkegaard, Journals and Papers, 1944, VA 98

[4]إكناتيوس دولنكر ، هو رجل اللاهوت الألماني . وفي الأصل هو قس كاثوليكي ، وصاحب نظرات ليبرالية ، ومؤرخ الكنيسة ، والذي رفض عقيدة[4]

عصمة البابا من الخطأ . ومن الملفت للنظر (والتساؤل) إن إكناتيوس كان من المحافظين على العقيدة المسيحية من الأمشاج الغريبة . وفي الوقت نفسه كان من المساهمين في نمو وتطوير الكنيسة الكاثوليكية القديمة . ويبدو إن هذين السمتين المتعارضتين ، ستطبعان حياة وتفكير إكناتيوس . فمثلاً إن إكناتيوس جاء من عائلة من المفكرين والعلماء ، فجده ووالده كانوا من الأطباء والمتخصصين في علم الطب . كما إن عائلة أمه ، كانت بذات المواصفات التي تتمتع بها عائلة أبيه .

  كما إن دراسات إكناتيوس الأكاديمية والمهنية ، كانت تسير في الإتجاه ذاته . فقد بدأ بدراسة الفلسفة الطبيعية ، وفي جامعة ورزبيرك ، حيث كان والده بروفسوراً فيها . وفي عام 1817 بدأ بدراسة الفلسفة العقلية والفيللوجيا . ومن ثم في العام 1818 تحول إلى دراسة اللاهوت ، وبعدها رهن حياته بالدراسات اللاهوتية (السماوية) . وفي العام 1823 أصبح بروفسوراً لتاريخ ألإبحاث الإلهية والقانون السماوي (الإلهي) . وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة ميونخ ، حيث صرف بقية حياته بروفسوراً فيها .

  وتعرض إكناتيوس خلال هذه الفترة ، إلى إنتقادات شديدة من قبل الأكاديمي في الكلاسيكيات ، والبروتستانتي كريستين جوتلوب هايتين (1729 – 1812) ، وهو رئيس تحرير مجلة أوراق ميونخ . كما وبسبب نظراته الليبرالية فقد تصدى له الجزيوت ، وخصوصاً في تعاليمه في تاريخ الإلهيات . ومن ثم أقام علاقة مع الكاثوليكي الليبرالي الفرنسي لامنياس (1782 – 1854) والأخير هو فيلسوف وصاحب نظريات سياسية ليبرالية ، تدعو للمصالحة بين الكنيسة الكاثوليكية للروم ومبادئ المجتمع الحديث … وفي النهاية إتهم الفاتيكان إكناتياس في رفضه عصمة البابا في الخظأ ، بكونها نوعاً من الهرطقة ، وصدر بحقه قرار المقاطعة من قبل الكنيسة الكاثوليكية . للتفاصيل ، أنظر :

Hugh Chisholm (Ed.), Dolling , Johann Joseph Ignoz Von, In Encyclopedia Britannic, (11th ed.), Cambridge University Press, 1911 (On Line)

 – أنظر :[5]

Mario Puglisi, Op. Cit, 

 -[6]

- وهم مجموعة من الفلاسفة الإنكليز (بالطبع تتسع قائمة الفلاسفة التجريبيين فتشمل فلاسفة من جنسيات أخرى غير بريطانية) يؤمنون في نظريتهم في المعرفة (الأبستمولوجيا) بأن المعرفة تأتي فقط (وأساساً وإبتداءً) من الخبرة الحسية . وتصعد في صورتها الحديثة إلى فرنسيس بيكون (1561 – 1626) صاحب كتاب الأورغانون الجديد ونظريته الإستقرائية ، ومثلها كل من توماس هوبز (1588 – 1679) ، والفيلسوف التجريبي القيادي جون لوك (1632 – 1704) ، وجورج باركلي (1685 – 1753) ، وديفيد هيوم (1711 – 1776) ومن ثم بالطبع جون ستيوارت مل . للتفاصيل أنظر :

A – R. Chisolm, The Problem of Empiricism, Journal of Philosophy, 24 (1948), pp. 512 – 517

B – H. Morich, Challenges to Empiricism, Hackett Publishing 1980  

 – أنظر :[7]

Huemer Wolfgang, Franz Brentano, Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2010 (On Line) .

 – [8]

- وعصمة البابا ، هي عقيدة الكنيسة الكاثوليكية ، والتي تنهض على وعد المسيح لحواريه بطرس ، وهو الوعد الذي يُفيد بأن البابا معصوم من الخطأ ، وبالتحديد لحظة إستلامه كرسي البابوية ، وذلك بإعتباره راعياً ومعلماً لجميع المسيحيين . وهذو العقيدة دافع عنها وأقرها مجلس الفاتيكان خلال جلساته التي عُقدت للفترة ما بين عامي 1969 و1970 . والحقيقة إن هذه العقيدة تصعد إلى أبعد من ذلك ، فهي كما تبدو تقليد جاء من العصور الوسطى ، ومن ثم أصبح رأي الغالبية ، وخصوصاً خلال المواجهة بين الكنيسة وحركة الإصلاح … للتفاصيل أنظر :

A – August Hasler & Hans Kung, How the Pope Became Infallible: Pius IX and the Politics of Persuasion, Trans. By Peter Heinegg, Doubleday & Company 1981

B – Robert McClory, Power and Papacy: The People and Politics Behind the Doctrine of Indallibility, Triumph Books 1997

 – أنظر :[9]

Huemer Wolfganag, Op. Cit,

 – أنظر :[10]

Ibid,

 -[11]

——————————————————————–

هو أدور جوتلوب زيلر ، فيلسوف ألماني وباحث أكاديمي في علم اللاهوت (في مدرسة توبنكن لعلم اللاهوت) . أكمل تعليمه الأكاديمي في جامعة توبنكن وتطور تفكيره تحت تأثير هيجل . وفي عام 1840 عُين محاضراً لعلم اللاهوت في توبنكن . ومن ثم 1847 (أي بعد ما يُقارب الثمانية سنوات أصبح بروفسوراً للاهوت في جامعة بيرن . وفي عام 1849 بروفسوراً للاهوت في جامعة ماربورك . إلا إنه نُقل إلى كلية الفلسفة وذلك نتيجة لنزاعه مع تجمع رجال الدين . وفي عام 1862 (وهو العام الذي نشر برنتانو إطروحته للدكتوراه الأولى والمعنونة المعاني المتعددة للوجود عند أرسطو) أصبح زيلر (الذي دخل في جدل مع برنتانو حول تفسير أرسطو) بروفسوراً للفلسفة في جامعة هيدلبيرك . ومن ثم تحول في عام 1872 إلى جامعة برلين . وبعدها تقاعد عن العمل الأكاديمي (وكان ذلك في العام 1895) .

  لقد صرف زيلر من حياته خمسة عقود ونصف في العمل الأكاديمي الفعلي ، فتخرج على يديه جيش من الأكاديميين الألمان وغير الألمان . إلا إن زيلر لم يتوقف عن البحث في تاريخ الفلسفة بالتقاعد ، بل إستمر حتى اللحظات الأخيرة قبيل موته في العام 1908 ، وبذلك يكون زيلر قد صرف من حياته في العمل الأكاديمي والبحث بعد التقاعد ما يُقارب في مجموعها السبعة عقود من الزمن .

  كتب زيلر الكثير ، وهنا نُلقي الضوء على بعض منها . ونحسب إن من أعماله الكبيرة ، كتابه المعنون فلسفة اليونان وتطورها التاريخي ، وهو كتاب متعدد الجنبات ، وإستمر في تأليفه والتوسيع فيه خلال الفترة الممتدة ما بين 1844 – 1852 . والحقيقة لم يتوقف من التوسيع فيه حتى بعد تقاعده ، فقد صدرت أخر نشرة له في عام 1902 . ومن ثم تُرجم إلى معظم اللغات الأوربية ، وتحول إلى مصدر منهجي أساس في تدريس الفلسفة اليونانية . إضافة إلى ذلك فهو كاتب في علم اللاهوت . كما نشر ثلاثة مجلدات ضمت مقالاته الفلسفية .

  صحيح جداً إن زيلر بدأ نشاطه الأكاديمي فيلسوفاً ينتمي إلى مدرسة هيجل . إلا إنه في الواقع لم يبقى على الهيجلية ، فقد طور نظامه الفلسفي الخاص به ، ورأى مثلاً إنه من الضروري العودة إلى كانط ، ولكن بمنظار نقدي ، خصوصاً للمشكلات الأبستمولوجية التي تركها كانط دون حل . وفعلاً فإن زيلر جاهد جزئياً بتقديم حل لبعضها . كما ومن الصحيح القول بإن زيلر في كتابته لتاريخ الفلسفة والفكر اليونانية إعتمد على منهج الديالكتيك الهيجلي . إلا إن النقاد يرون رغم هذه المتابعة الواضحة ، فإن تفسير زيلر لم يتمتع بحيوية كافية للعلاقة الحميمة بين الفلسفة والفكر ونشاطات الشعب وحياة المفكرين والفلاسفة . ولاحظ البعض الأخر من الباحثين بأن زيلر شدد على المفهوم التاريخي ، وقام بشرحه بصورة مستفيضة أكثر من اللازم ، وخصوصاً من خلال المفهوم الهيجلي ” أنتي ثيسزز – النقيضة ” ، وبالتحديد التناقض بين الحقيقة الذاتية والحقيقة الموضوعية ، رغم إن تاريخ الفلسفة اليونانية ، هو جزء من منهج تعليمي ثقافي ثابت قار .

  وحصل زيلر في حياته على إعتراف واسع بجهوده ومؤلفاته ، ليس من الفلاسفة والجمعيات الفلسفية والفكرية فقط ، بل وتجاوز ذلك فشمل دائرة السياسيين ورموز السلطة الألمانية في عصره . فقد منحه الإمبراطور وليهلم الثاني لقب الممتاز ، وأُقيم له تمثالاً بجوار الإمبراطور فردريك وزوجته الإمبراطورة ، وذلك تكريماً له وإعتراف الدولة بمكانته الفكرية (1) .

   أما الأكاديميات ودوائر الثقافة الإنكليزية فقد تداولت مؤلفاته التي توافرت في ترجمات إنكليزية مبكرة وإطلعت على آراء زيلر في الفلسفة اليونانية ويومها كان زيلر بروفسوراً وحياً يرزق . ومن هذه المؤلفات كتابه المعنون تاريخ الفلسفة اليونانية حتى عصر سقراط (مجلدان) والذي ترجمته سارة فرنسيس أليني عام 1881 (2) . والحقيقة كان الأستاذ أوسوالد جوزيف راشيل سباقاً في ترجمة مؤلفاته الفيلسوف زيلر إلى الإنكليزية ، فقد ترجم كتابه المعنون سقراط والمدارس السقراطية في العام 1868 أي قبل ترجمة سارة أليني لكتاب زيلر تاريخ الفلسفة اليونانية حتى عصر سقراط (بحدود ثلاث عشر سنة على الطبعة الأولى ، وأربعة سنوات على صدور الطبعة الثانية) (3) .

  كما وعرفت دائرة الثقافة الإنكليزية على كتاب زيلر المعنون إفلاطون والأكاديمية القديمة ، والذي ترجمه كل من سارة أليني و أ. كودوين عام 1876 (4) . ومن ثم تُرجم كتابه المعنون آرسطو والمشائيون الأوائل ، والذي ترجمه كل من بنجامين فرنسيس كون و جون هنري  موريهد عام 1897 (مجلدان) (5) . وسبق ذلك إن عرف الأكاديميون الناطقون باللغة الإنكليزية ترجمة لكتاب زيلر المعنون الرواقية ، الأبيقوريون والشكاك ، والذي ترجمه أوسوالد جوزيف راشيل عام 1870 (6) . وهذه الترجمة وترجمته لكتاب زيلر السابق ” سقراط والمدارس السقراطية ” عام 1868 ، يكون الأستاذ راشيل من أوائل المترجمين الذين نقلوا كتابات زيلر إلى اللغة الإنكليزية . ومن ثم جاءت ترجمة كتاب زيلر المعنون تاريخ النزعة الإنتخابية في الفلسفة اليونانية ، والذي ترجمته سارة فرنسيس أليني عام 1883 (7) .

   ولاحظنا من خلال التدقيق في تاريخ ترجمة كتب زيلر إلى اللغة الإنكليزية ، إلى إن القارئ الإنكليزي قد عرف زيلر وقرأ مؤلفات له في ترجمات مبكرة سبقت الترجمات السابقة . فمثلاً كتب مقالة واسعة (شكلت كُتيباً تجاوزت أوراقه ست وأبعين صفحة) في علم اللاهوت ، وهو إختصاص زيلر الأول ، ودارت حول كتابات إثنين من كبار رجال اللاهوت في القرن التاسع عشر ، الأول الألماني ديفيد فردريك ستراوس (1808 – 1874) . والثاني الفرنسي إرنست رينان (1823 – 1892) ، واللذان أصدرا كتابين عن حياة المسيح . فجاءت مقالة زيلر بعنوان ستراوس ورينان : اليسوع المسيح (بحث نقدي) ، والتي ترجمت إلى الإنكليزية في العام 1866 (8) .

   وفي مضمار علم اللاهوت كتب زيلر دراسة عميقة بعنوان مضمون وإصول أعمال الرسل (دراسة نقدية للإنجيل) وظهرت بالألمانية في عام 1854 . ومن ثم قام الأستاذ جوزيف دير بترجمتها إلى الإنكليزية (مجلدان) في عام 1875 (9) . ومن ثم جاء كتاب زيلر الشهير المعنون موجزات في تاريخ الفلسفة اليونانية ، والذي نشر في الألمانية في عدة طبعات . فقد ظهرت الطبعة الأولى عام 1883 ، وجاءت الطبعة الخامسة في العام 1898 . أما ترجمته الإنكليزية فقد تلت طبعته الألمانية بثلاث سنوات فقط . وفعلاً فقد قام بترجمته كل من سارة فرنسيس أليني وأليفين أبوت عام 1886 (10) .

الإحالات في الهامش رقم 11 :

1 – أنظر للتفاصيل :

Hugh Chisholm Ed.), Eduard Zeller, In Encyclopedia Britannica, Cambridge University Press 1911 (11th ed.)

2 – أنظر :

Eduard Zeller, History of Greek Philosophy to the time of Socrates, Trans. By Sarah Frances Alleyne, Longmans, London 1881

3 – أنظر :

Eduard Zeller, Socrates and the Socratic Schools, Trans. By Oswald Joseph Reichel, Longmans, London (2nd. ed.) 1877

4 – أنظر :

Eduard Zeller, Plato and the Old Academy, Trans. By Sarah Alleyne and A. Goodwin, Longmans, London 1988

5 – أنظر :

Eduard Zeller, Aristotle and Earlier Peripatetics, Trans. By Benjamin Francis Conn and John Henry Murihead (2 Vols.), Longmans, London 1897

6 – أنظر :

Eduard Zeller, Stoics, Epicureans and Sceptics, Trans. by Oswald Joseph Reichel, Longmans, London (2nd. ed.)1880

7 – أنظر :

Eduard Zeller, History of Eclecticism in Greek Philosophy, Trans. By Sarah Frances Alleyne, Lonngmans, London 1883

8 – أنظر :

Eduard Zeller, Strauss and Renan. (Jesus Christ). An Essay, Translated From the German With Introductory Remmarks By the Translator, London, Trubner 1866 (46 pages / On line)

  ويومها كان زيلر في مدرسة جامعة تونبكن للاهوت وستراوس يعمل في المدرسة ذاتها ، وحينها كتب ستراوس كتابه الشهير حياة اليسوع : فحص نقدي (مجلدان) وصدر عام 1860 ، وفيه قدم المسيح شخصية تاريخية . وهذا الكتاب يُعد بحثاً ثورياً في مضمار دراسات العهد الجديد (الإنجيل) . أما رينان فهو الأخر كتب مؤلفه الشهير حياة اليسوع ، وكان موضوع جدل طويل لأنه قدم المسيح رجلاً تاريخياً ، ومنحه بعداً إنسانياً ، وجرده من المعجزات ، وإتهمه اليهود بسبة اللاسامية . وظل هذا الكتاب يطبع لمدة مئة وخمس وأربعون سنة بعد طبعته الأولى على التوالي .

9 – أنظر :

Eduard Zeller, The Contents and Origin of the Acts of the Apostles, Trans. By Joseph Dare, Williams & Norgate, Edinburgh 1875

10 – أنظر :

Eduard Zeller, Outlines of the History of Greek Philosophy, Trans. By Sarah F. Alleyne and Evelyn Abbott, Longmans, London 1886

————————————————————————-

 – [12]

Humer Wolfgang, Op. Cit,

 – أنظر :[13]

Mario Puglisi, Op. Cit,

 – أنظر :[14]

Franz Brentano, On The Several Senses of Being in Aristotle, Ed. & Trans. By RolfGeorge, University of California Press, 1975, (197 pages) .

 – أنظر :[15]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013 .

 – أنظر :[16]

Franz Brentano, The Psychology of Aristotle, Trans. By RolfGeorge, University of California Press, 1978, (150 pages) .

 – أنظر :[17]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013 .

 – أنظر :[18]

Franz Brentano, Psychology from an Empirical Standpoint, Trans. By Linda L. MaCalisterk Routledge, 1995, (415 pages) .

 – أنظر :[19]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ المصدر السابق / قائمة مؤلفات كارل ياسبرز .

 – أنظر :[20]

Edmund Husserl, Phenomenological Psychology: Lectures, Summer Semester, 1925, Trans. By John Scanlon, Springer, 1977 (192 pages).

 – أنظر مقدمة هذا المحور .[21]

 – أنظر :[22]

Franz Brentano, Plotinus or A Work Against Plotinus, (In German), Wien: A Hartleben, 1867.

 – أنظر :[23]

Karl W. Lukert, Egyptian Light and Hebrew Fire, State University of New York Press, 1991, p. 259

 – أنظر :[24]

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ حول التجربة الأبستمولوجية للإفلاطونية المحدثة / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثامن / خريف 2012 ، المحور المعنون إفلوطين وكتابه التساعيات : إنجيل الإفلاطونية المحدثة .

 – أنظر :[25]

Franz Brentano, The Origin of the Knowledge of Right and Wrong, Trans. By Cecil Hague, Constable, 1902 (125 pages).

 – أنظر :[26]

Franz Brentano, Aristotle and His World, Trans. By R. George & R. M. Chisholm, University of California Press, 1978.

 – أنظر :[27]

Franz Brentano, The Classification of Mental Phenomena, 1911

وهو المجلد الثاني من كتابه الرائد علم النفس من زاوية تجريبية .

 – أنظر :[28]

Franz Brentano, The True and The Evident, Trans. By Roderick Chisholm llse Politzer and Kurt Fischer, Routledge $ Kegan Paul, 1966.

 – أنظر :[29]

Ibid, pp. 3 – 25

 – أنظر :[30]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013 .

 – أنظر :[31]

Franz Brentano, Philosophical Investigation on Space, Time and Contium (or Phenomena), Trans. By Barry Smith, New York, 1988

 – أنظر :[32]

Franz Brentano, Descriptive Psychology, Trans. By Benito Muller. Routledge, 1995 .

 – أنظر :[33]

Franz Brentano, The Foundation and Construction of Ethics, Trans. By Elizabeth Schneewind, New York, 1973.

 – أنظر :[34]

 Franz Brentano, The Four Phases of Philosophy and Its Current State, Ed. by B. Mezei & Barry Smith, Amsterdam, 1998 .

 – أنظر :[35]

Franz Brantano, On the Existence of God , Trans. By Susan Krantz, Nijhoff, 1987 .

 – أنظر :[36]

Franz Brentano, Sensory and Noetic Consciousness, Trans. By M. Schattle & L. McAlister, Routledge, 1981

 – أنظر :[37]

Franz Brentano, The Theory of Categories, Trans. By Roderick Chisholm & Norbert Guterman, Nijhoff, 1981

 – أنظر :[38]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013 .

 – أنظر :[39]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013 .

 – أنظر :[40]

Huemer Wolfgang, Op. Cit,

 وهنا مناسبة تحملني على تصحيح الإغلوطة التي وقع فيها حشد غير قليل من الفلاسفة وعلماء المنطق الغربيين ، على الأقل بدءً من بواكير القرن التاسع عشر ونزولاً إلى اللحظة الراهنة . فقد كتب بعضهم أطاريح أكاديمية دارت موضوعتها حول منطق المحمولات أو تحت عناوين مثل نظرية المقولات … والمشكلة الأكاديمية المنهجية التي واجهتهم ، وفشلوا فشلاً ذريعاً في الإلتفات إليها ، هي فهمهم الخاطئ بأن منطق أرسطو نزل إليهم من خلال الشروح على منطق أرسطو التي حملت إسم القديس توما الإكويني . والمناسبة التي ذكرتني بهذه الإغلوطة (والحقيقة كانت خطيئة علمية كبيرة لا تكفر عنها كل صلوات القديس الأكويني) هي إن البروفسور الفريد كاستيل نشر في العام 1934 كتاباً عن المقولات عند برنتانو (وبالمناسبة إن برنتانو كتب مؤلفاً في غاية الأهمية في المنطق عموماً وفي منطق أرسطو خصوصاً وبعنوان نظرية المقولات / أنظر مؤلفات برنتانو أعلاه) . كما وحفر في منطق جوتلوب فريجه وعلاقته بمنطق أرسطو والنازل من خلال ما أسماه توماس (أي توماس الإكويني) .

  وهنا تكمن إغلوطة دائرة الفكر الفلسفي – المنطقي الغربي ، وذلك إن ما أسموه بالمنطق الأرسطي المحمول إليهم عن طريق شروح القديس توما الإكويني . وهذا غير صحيح وتوما يعرف ذلك وأستاذه البرت الكبير الذي قرأ منطق أرسطو من خلال شروح إبن رشد التي ترجمت أولاً من العربية إلى العبرية ، وثانياً من العبرية إلى اللاتينية ومن ثم مباشرة من العربية إلى اللاتينية وكانت متداولة في بدايات القرن الثالث عشر في الجامعات الإيطالية ومن ثم الفرنسية . كما إن توما إعترف بنفسه بأن شروح إبن رشد على مؤلفات أرسطو المنطقية بمجملها ،  والتي تُرجمت إلى اللاتينية وأصبحت مهيمنة على برامج التعليم الأوربي تشكل خطورة على العقيدي المسيحي وذلك بإعتقاد الأكويني إن إبن رشد قد خلط أفكاراً وثنية إسلامية بشرحه على منطق أرسطو . وإن مهمة الأكويني العمل على تنقية منطق أرسطو من هذه الأفكار الوثنية الإسلامية . وإلى هنا الحكاية مقبولة من القديس توما .

  إلا إن الذي حدث إن مؤلفات أرسطو المنطقية وعليها شروح إبن رشد قد ظهر عليها إسم القديس توما الإكويني مضافاً إليها شرحه على كتاب السياسة لأرسطو والذي لم يكن متوافراً لأبن رشد في دائرة الثقافة العربية وذلك إن المترجمين السريان وربما لأسباب سياسية محظورة في العالم الإسلامي منعتهم من ترجمة كتاب السياسية الذي يتحدث عن الديمقراطية الأثينية والتشريع الأثيني .. فوجد إبن رشد إن كتاب الجمهورية لأفلاطون متوافراً ويتوائم مع المزاج السياسي العربي ، فقام بشرحه ومع الأسف ولأسباب غير معروفة ضاع هذا النص في نسخته العربية ولكنه ظل متوافراً في ترجمته من العربية إلى العبرية .

  الذي نريد أن نقوله هنا إن القديس توما قد ساهم بوعي في صنع هذه الإغلوطة ودفع بها إلى دوائر الثقافة الغربية ، وهو عارف إن في هذا إغتصاب حق الغير (حق إبن رشد) وكل دوائر الثقافة الغربية والأكاديمية الغربية بصورتيه الرشدية العبرية واللاتينية في القرن الثالث عشر عارفة بأن هذه الشروح على منطق أرسطو هي من إنتاج الفيلسوف العربي إبن رشد والذي إقتبس منه الأكويني أكثر من خمسمائة نص كبير وصغير (ويطلق عليه قال الشارح العربي ..) الحقيقة إن الأكويني في كلامه المحفوظ قد قال أولاً إنه سيقوم بإصلاح النص الرشدي وتخليص عبارته من الأمشاج الوثنية الإسلامية ، ومن بعد ذلك إدعى بأنه طلب من القس وليم فون موربيك بترجمة مؤلفات أرسطو وعمل شروحاً عليه (والتي حملت إسم الأكويني) . إن الصحيح إن مؤلفات أرسطو المنطقية قد نقلت من اليونان بعد إنقسام الكنيسة إلى القسطنطينية ومن ثم إنتقلت ملكيتها إلى العالم الإسلامي وتلاشت النسخ اليونانية وبقيت الترجمات العربية التي عمل عليها إبن رشد شروحاً . وهذه الشروح الرشدية هي التي ترجمت إلى العبرية ومن ثم إلى اللاتينية  ويومها لم يُولد الأكويني على الإطلاق .

 إن الإغلوطة التي روج لها الأكويني بعد تصحيح النص الرشدي لمنطق أرسطو ووضع إسمه شارحاً لها بعد إن أصبح رئيساً لجامعة باريس وسط أجواء صراع الكنيسة مع الرشدية اللاتينية ، إن إدعى الأكويني إنه طلب من القس وليم فون موربيك  بترجمة مؤلفات أرسطو من اليونانية . هذا الأمر مخالف لمنطق التاريخ ، إذ إن مؤلفات أرسطو لا وجود لها في اليونان فترة الأكويني على الإطلاق ، وإن حديثه عن المترجم القس وليم فون موربيك غير صحيح ، وإنما الأدق هو الحديث عن القس المصحح للنص الرشدي وذلك لتخليصه من الأمشاج الوثنية الإسلامية وتأهيله مع العقيدي المسيحي الذي كان في صراع حاد مع الرشدية اللاتينية العارمة التي عمت أوربا . ولمعرفة الحكاية الكاملة لإغلوطة الأكويني ومن خلاله إغلوطة العقل الغربي . أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ محنة القديس توما الأكويني مع تراث إبن رشد / موقع الفيلسوف / 8 يناير 2012 . 

 ————————————————————————————-

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

صدرت الفصيلة الجديدة – 2 – من أوراق فلسفية جديدة

صدرت الفصيلة الجديدة من

أوراق فلسفية جديدة وبعنوان

تأمل في كتاب صامويل هنتنجتون تصادم الحضارات

وشاركتنا في كتابة هذه الفصيلة

طالبة الدكتوراه سارة الفرحان

فتمتعوا بقراءة هذه الفصيلة المتفردة

الدكتور محمد الفرحان

رئيس تحرير

مجلة أوراق فلسفية جديدة

 

 

Posted in Category

فيلسوف العلم الألماني – الإيطالي برنارد بولزانو

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

———————————————————————————-

فيلسوف العلم برنارد بولزانو

وأثره في البيئة الأكاديمية الألمانية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————-

هذا البحث من البحوث الأولى والرائدة في اللغة العربية

ويهديه الكاتب إلى ولده دريد الفرحان ومن خلاله لكل القراء العرب

—————————————————————————-

تقديم :

يُلاحظ القارئ لسيرة فيلسوف العلم بولزانو ، إنه ترعرع في أحضان عائلة ذات تركيب إثني متنوع ، فالوالد برنارد بومبيز بولزانو جاء من إصول إيطالية . وفعلاً فقد تحول إلى براغ (عاصمة جيكيا) ومن ثم تزوج ميريا سيسليا ميرار ، وهي تتكلم الألمانية ، ووالدها تاجر من مدينة براغ . وأنجبا أثنتا عشر طفلاً ، ولكن لم يبقى منهما على قيد الحياة لمرحلة النضوج سوى طفلين فقط . وكان الفيلسوف بولزانو واحداً منهما [1] .

دخل بولزانو جامعة براغ في العام 1796 ودرس الرياضيات والفلسفة والفيزياء (لاحظ توجهات بولزانو العلمية الأولى : رياضيات وفيزياء ومن ثم الفلسفة التي توسطت في مرحلة طلب العلم الأكاديمي . وهذا الأمر جداً مهم في علاقة الفلسفة بالعلم وهو الأمر الذي قدمه هوسرل المعلم إلى تلميذه بالقراءة والتبني الفكري كارل ياسبرز وذلك من خلال حديثه عن معلمه فرانز برنتانو وما قدمه له من رموز فلسفية علمية في محاضراته ، ومنهم خصوصاً برنارد بولزانو) .

وفي سيرة بولزانو ماهو إيجابي تمثل في صعوده الأكاديمي وإن كان بعكاز لاهوتي كاثوليكي ، فهو مبهج ومُسر . ولكن فيها ماهو سلبي ينز بالألم وعدم شفافية السلطات الأكاديمية والسياسية والذي تمثل بقرارها بطرده من الجامعة ووقفه من النشر ومن ثم تعريضه إلى النفي . وهذا الطرف يكون ما نصطلح عليه بالتحولات الفكرية (وبالطبع فيها ربح وخسارة وهذا ما حدث لرمزنا الكبير برنارد بولزانو) التي أصابت ذهنية الفيلسوف بولزانو . وفعلاً ففي بداية عام 1800 تحول من جادة الفلسفة والرياضيات والفيزياء ، وتوجه إلى شواطئ اللاهوت ، وكرس نفسه لدراسته لمدة أربع سنوات ، ومن ثم أصبح قسيساً في العام 1804 . وهكذا بدأ يتسلق في سلم الصعود ؛ فعين في عام 1805 رئيساً لقسم فلسفة الدين (وهو قسم جديد تم فتحه) [2] .

والخطوة التالية في صعوده تمثلت بأنه أخذ يُقدم محاضرات جماهيرية ، فأظهر مهارات المحاضر الناجح ، فذاعت سمعته في الأطراف . وهذه المحاضرات لم تقتصر على ميدان الدين واللاهوت الكاثوليكي ، وإنما شملت مضمار الفلسفة . وعلى هذا الأساس تم إنتخاب بولزانو رئيساً لقسم الفلسفة وذلك في العام 1818. ولكن بعد ذلك أخذ نجم بولزانو يكسف وسمعته تضعف شيئاً فشيئاً ، وإنتهت به المسيرة في حالة إغتراب (وتقاطع) مع الرموز القيادية الكبيرة في الكلية والكنيسة ، والسبب هو تعاليمه التي هاجمت الطرف العسكري والدعوات إلى الحرب . إضافة إلى كونه قاد حملة تطالب بالإصلاح الشامل للإنظمة الإقتصادية والإجتماعية والتربوية ، وبرأيه هي التي ستقود الأمة نحو شواطئ السلام بدلاً من النزاع المسلح بين الشعوب (الأمم) [3] .

ويبدو إن كل محاولات رجال اللاهوت الكاثوليكي والسياسة الهادفة إلى عودة النعجة التائهة إلى قطيع اللاهوت ، قد باءت بالفشل الذريع ، وذلك لتمسك بولزانو بمبادئه ، وإيمانه بسلامة ما يعتقد ، ورفضه القاطع على تغيير عقائده ، فقد قررت القيادات الكاثوليكية والسياسية طرد بولزانو من الجامعة وذلك في العام 1819 . كما إن قناعاته السياسية (والتي كان على الدوام ينشرها بين زملائه) قد كانت دليلاً كافياً على إنه كان ليبرالياً متطرفاً كما بدى للسلطات النمساوية . ولذلك قررت نفيه إلى الريف ، حيث كرس كل طاقاته هناك لكتاباته الإجتماعية والدينية والفلسفية وفي علوم الرياضيات . كما كان من شروط النفي ، منعه من النشر في المجلات العامة . غير إن بولزانو إستمر في تطوير أفكاره وتمكن من نشرها على حسابه الخاص أو في مجلات أوربا الشرقية . وفي العام 1842 عاد من نفيه إلى براغ ، ومات هناك في عام 1848 [4] .

لقد ضيعت علينا السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والإدارات الأكاديمية السياسية وذلك لعدم شفافيتها في التعامل مع فيلسوف العلم بولزانو ، وحرمت أجيال من الشباب الألمان ، من الفرص العديدة التي كان يخطط بولزانو من الكتابة والإبداع فيها وبالتحديد في مضماري الفلسفة والمنطق والرياضيات ، وهي الفضاءات التي كان فيلسوف العلم وعالم المنطق برنارد بولزانو في أعلى درجات نضوجه فيها ، وبقرار لا إنساني فيه الكثير من الجبروت قامت بطرده من الجامعة ، ومن ثم نفيه ، وعطلت تفكيره وقلمه من الإبداع ، وفوق كل ذلك منعته من النشر والتعليم لمدة تجاوزت العقدين من السنيين (وبالتحديد ثلاث وعشرين عاماً) وربما ثلاثة عقود إذا وضعنا في حساباتنا عام 1819 عندما طردته السلطات اللاهوتية الكاثوليكية من التعليم الأكاديمي وسنة وفاته ، وهي عام 1848 .

تراث فيلسوف العلم والمنطق والرياضيات بولزانو في ميزان التقويم

ونحسب في البداية الإشارة إلى إن فيلسوف اللغة وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجه ، قد قرأ تراث بولزانو وإستفاد منه الكثير [5] . وهذه الإشارة جداً مهمة في تقويم ما تركه بولزانو من تراث في فلسفة العلم والمنطق على أقل تقدير . وفعلاً فبعد وفاة بولزانو بقليل ، ظهر إلى النور كتابه الشهير ” معارضات (تناقضات) اللانهاية ” ، وهو كتاب أثار إعجاب العديد من علماء المنطق المبرزين ، والذين جاءوا بعد وفاته وعملوا في هدا المضمار ، ومنهم الفيلسوف البراجماتي الأمريكي (وعالم المنطق والرياضيات) شارلز سندروز بيرس (1839 – 1914) [6] وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية المجموعات) جورج كانتور (1845 – 1918) [7] ، وعالم الرياضيات الألماني (وصاحب نظرية العدد الجبري) ريتشارد ديدكيند (1831 – 1916) [8] .

وينظر مؤرخو الرياضيات إلى كتاب بولزانو المعنون معارضات اللانهاية ، على إنه عمل خص به بولزانو نظرية المجموعات . فمثلاً مؤرخ الرياضيات ديفيد بورتن ، يُعلق على أهمية هذا الكتاب في تاريخ نظرية المجموعات ، فيقول : نُشر كتاب معارضات اللانهاية لبولزانو في عام 1851 ، أي بعد وفاة بولزانو بثلاث سنوات فقط ، وقام بنشره أحد أصدقائه الأوفياء . وهذا الكتاب إحتوى على نتائج بالغة الأهمية في مضمار نظرية المجموعات . وللإنصاف فإن بولزانو يعترف بأن عمله ، هو إمتداد موسع لعمل غاليلو غاليلي (1564 – 1642) المعنون : معارضة غاليلو . إلا إنه والحق يُقال إن بولزانو عرض تفاصيل واسعة وأمثلة كثيرة تدلل على التطابق بين مبادئ المجموعة اللانهائية والمجموعات الفرعية للمجموعة اللانهائية . والأهم من كل ذلك إن بولزانو يُسجل التاريخ إسمه على إنه أول من نحت بنفسه إصطلاح المجموعة [9] .

ولعل من أهم مؤلفاته التي ظهرت خلال محنته مع السلطات اللاهوتية الكاثوليكية والذي كتبه بولزانو في فترة نفيه في الريف ، هو كتابه الرائعة المعنون نظرية العلم ، والذي صدر في عام 1937 ويتألف من أربعة مجلدات . وهو عمل إنجيلي في مضمار فلسفة العلم والمنطق بالمعنى الحديث . إضافة إلى كونه بحث في الأبستمولوجيا والبيداغوجيا العلمية (نظرية التربية العلمية) . ولعل المهم في هذا العمل الإشارة إلى إنه طور نظرية منطقية كونت بحد ذاتها تحولاً جذرياً (ثورياً) في مضمار البحث المنطقي . والشاهد على ذلك إنه حاول صياغة الأسس المنطقية لكل العلوم . وهذه المحاولة بتقدير الباحثين ، هي إمتداد وتطوير لأفكاره في حقل فلسفة الرياضيات ، والتي تصعد إلى عام 1810 .

لقد بدأ بولزانو عمله في نظرية العلم بشرح منهجي عال لما يعنيه بنظرية العلم ، والعلاقة بين معرفتنا ، والحقائق والعلوم . وفيما يخص المعرفة البشرية ، فقد ذهب موضحاً ، فقال : إن المعرفة تتكون من الحقائق (أو القضايا الصادقة) وهي التي يعرفها البشر أو سبق إن عرفوها . وهي على أي حال ، تكون جزء صغير من الحقائق في هذا العالم . وهذا يعني إن الطريق أمام الإنسان طويل لمعرفة مجمل الحقائق . وعلى هذا الأساس فإن معرفتنا يمكن تقسيمها إلى مجموعة من الأجزاء التي في الإمكان إدراكها . ومثل هذه المجموعة من الحقائق ، هو ما يُطلق عليها بولزانو معنى العلم . ومن الملاحظ أن تعرف بأن ليس كل القضايا الصادقة قد تم معرفتها من قبل البشر . وعلى هذا الأساس فإننا نعمل في هذا الميدان ، ونتطلع إلى الإكتشافات المستمرة في العلم .

ولعل من أفضل السُبل لإدراك وفهم حقائق العلم ، أن يكون عن طريق إصطناع مرجعيات ، وهي الوسيلة الوحيدة التي نُسجل فيها القضايا الصادقة للعلم ، والتي تم معرفتها من قبل البشر . ولكن السؤال الذي يظل مرفوعاً ؛ ما هو السبيل الذي يحملنا على تقسيم معرفتنا ؟ وبالتأكيد يتبعه سؤال مهم أخر ، وهو ؛ كيف نعرف إن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ؟ إن جواب بولزانو حملته كلماته الأتية ؛

 في النهاية فإننا سنعرف كل ذلك من خلال التفكير ، وإننا سنصل إلى القواعد التي تم إشتقاقها من عملية تقسيم معرفتنا بالعلوم ، وسندرك بأن هذا مجال علم خاص بذاته ، وهذا هو العلم الذي سيخبرنا بأن هذه الحقائق تنتمي بعضها إلى البعض الأخر ، وإن شرحها سيتم على أساس كتاب علم مرجع ، وهو نظرية العلم [10] .

كما عالج بولزانو في كتابه نظرية العلم ، موضوع الميتافيزيقا ، وقبل ذلك نود أن نشير  إلى إن أراءه في الميتافيزيقيا يمكن الوقوف عليها (بالإضافة إلى نظرية العلم) في بحثين مهمين كتبهما بولزانو في فترتين تاريخيتين مختلفتين ؛ الأول كتبه قبل نظرية العلم ، وكان بعنوان إثنسيا أو أسباب خلود النفس ، والذي نشره عام 1827 . والثاني كتابه الشهير نقائض (معارضات) اللانهاية والذي نشر بعد موته في العام 1851 . أما كتاباته الأخرى فظلت بعيدة عن النور إلى أن قام تلميده فرينسكي بتقديم شرح موسع عنها وبعنوان ذرية بولزانو ، والذي نشره عام 1857 .

ومن النافع الإشارة إلى إن كتاب الإثنسيا أو أسباب خلود النفس قد نشر في عام 1827 بإسم مجهول ، ولكن الطبعة الثانية ، والتي ظهرت عام 1838 (وكان بولزانو حياً يُرزق) قد حملت إسم بولزانو ، وفيها عبارة بقلم المؤلف (وكأنها عنوان فرعي) تقول : هو كتاب لكل شخص مثقف يتطلع إلى سلام العقل … [11] .

والميتافيزيقا هو من الموضوعات التي سيشتغل عليها الوجودي كارل ياسبرز في كتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي إشتغل  عليها مارتن هيدجر في كتابه الوجود والزمن قبله بعدة سنوات وقبلهما حفر فيها ملهمهما أدموند هوسل في الفينومنولوجيا . ونشعر بأن هناك شيئاً مشتركاً في بحث الإثنين ؛ بولزانو وياسبرز بالرغم من إن ياسبرز أدخل مفهوم الأصفار وهو مضمار جديد على مبحث الميتافيزيقا كذلك .

والحقيقة إن إهتمام بولزانو بمبحث الميتافيزيقا هدف إلى معالجة ثلاثة حقول يبدو فيها شيئاً من الجدة (أو الخروج) على موضوعات الميتافيزيقا منذ إن كتب فيها أرسطو رسائله (أو كتبه) الأربعة عشر ، ومن ثم نحت طلاب مدرسته المشائية إصطلاح الميتافيزيقا ليكون عنواناً لأبحاثه التي جاءت بعد أبحاثه في الفيزيقا (الطبيعة) [12] ، وحقول الميتافيزيقا عند بولزانو هي :

أولاً – مضمار اللغة ، والتي تتألف من الكلمات والجمل .

ثانياً – مضمار الفكر ، والذي يتكون من الأفكار الذاتية والأحكام (أو الحجج) .

ثالثاً – مضمار المنطق ، والذي يتألف من الأفكار الموضوعية (أو الأفكار بذاتها) والقضايا بذاتها .

كما إن بولزانو كرس أطراف من موسوعته الرائعة نظرية العلم لشرح هذه الحقول الثلاثة من الميتافيزيقا ، ومن ثم بين العلاقة بين بعضهما البعض . كما إنه أشار إلى حقيقتين متميزيتين في نظامه وهما : الأولى التمييز بين الأجزاء والكليات ، والمثال على ذلك الكلمات التي هي أجزاء من الجمل ، والأفكار الذاتية التي هي جزء من الحجج (الأحكام) ، والأفكار الموضوعية التي هي أجزاء من القضايا بذاتها . ثانياً إن كل الموضوعات تُقسم إلى هذه الموجودات . وهذا يعني إنها مرتبطة سببياً ، وتوجد في زمان ومكان . أما الموضوعات التي لاتوجد في زمان ومكان فيزعم بولزانو إنها في الأصل تكون موضوعات المنطق [13]  

  ونحسب في نهاية حديثنا عن موسوعة بولزانو الفلسفية المعنونة نظرية العلم ، الإشارة إلى إن كتابات برنارد بولزانو في فلسفة العلم ظلت في دائرة النسيان لفترة طويلة ، إلى أن تم أكتشافها على يد إثنين من تلاميذ فرانز برنتانو ، وهما كل من أدموند هوسرل ، والفيلسوف وعالم المنطق البولندي كازميرز تاوردسكي (1866 – 1938) . وبعد ذلك أصبح واضحاً تأثير بولزانو على المدرستين الفلسفيتين ؛ الفينومنولوجيا والفلسفة التحليلية [14] . ونكتفي بهذا الطرف ونتحول للكلام عن جوانب أخرى من تراث بولزانو .

أما أبحاث بولزانو في مضمار فلسفة الرياضيات ، فقد  ضمتها رائعته في الرياضيات ، والتي  جاءت بعنوان نظرية الكميات ، وهو عمل رائد إلا إنه مع الأسف من الأعمال التي لم يكملها بولزانو . ومن الجدير بالإشارة إلى إن أولى الأعمال التي نشرها بولزانو في العام 1804 كان بعنوان إعتبارات حول بعض موضوعات الهندسة الأولية . وبعد ستة سنوات من هذه النشرة عاد فنشر في الفترة الممتدة ما بين عام 1810 وعام 1817 أعملاً في مضمار الرياضيات أكثر عمقاً . ويبدو إن هذه العودة إلى الرياضيات كانت محكومة بدافع صياغة أسس جديدة للرياضيات بصورة شاملة . وفعلاً فقد نجح في عمل ذلك ، إلا إن عمله لم يكن كاملاً ، وإنما جاء جزئياً وفي أطراف صغيرة (شدرات) [15] .

صحيح جداً إن بواكير أعماله في فلسفة الرياضيات ، بدأت ببحثه في الهندسة . ولكن من الصحيح جداً إنه صاغ معايير حديثة في بحثه المعنون برهان تحليل نظري (خالص) والذي يصعد إلى عام 1817 . وهذا العمل بحد ذاته إحتوى على ما سيعرف بمبرهنة بولزانو – ويرستراس (وهو كارل ثيدور ويرستراس 1815 – 1897 وهو عالم رياضيات ألماني ، وهو أبو التحليل الحديث) . ولاحظ الباحثون إن في هذ البحث (أي برهان تحليلي ..) وردت أمثلة على ما يسمى بدالات المتغيرات . كما إن من الصحيح جداً إن ويرستراس ، هو أول من إكتشف  الدالات .

  كما لاحظ الباحثون إن طرف أخر من أبحاثه الرائدة في فلسفة الرياضيات ترتبط بنظرية المجموعات . وفعلاً فإن بولزانو في كتابه نقائض اللانهاية (1851) وكتابه نظرية الكميات ،

قام بأول خطوة في مضمار تطوير نظرية المجموعة ، وعرض الكثير من الأفكار المتعلقة بها

. [16] وبرهان بولزانو على وجود مجموعة اللانهاية كان معروفاً لعدد من الرياضيين ، وهو فعلاً كان مرجعاً لكل من كانتور عام 1883 / 1884 ، وديديدكيند عام 1888 ورسل عام 1903 [17] . كما أسهم في صياغة أسس جديدة للرياضيات وهذا ما جاء ذكره أعلاه .

ومن ثم جاء كتابه المعنون مصدر في علم الدين ، والذي نشره طلابه في العام 1834 (دون أن يذكروا إسم المؤلف لأن بولزانو كان ممنوعاً عليه النشر خلال فترة النفي) . وهذا الكتاب بحث جرئ في مضمار فلسفة الدين واللاهوت . وفيه عرض بولزانو وجهات نظر متقدمة على عصره (وفيها روح مستقلبية) . ولهذا واجهت اراءه الرفض والمعارضة لأن في نقاط كثيرة منها تقاطع مع عقائد الكنيسة وهنا تكمن خطورة أفكاره [18] .

  وبحق هذا الفيلسوف المتفرد المتنوع الإهتمامات ، والذي بدأ رحلته فيلسوف رياضيات ، ومن ثم تحول إلى دائرة اللاهوت وكتب رائعته المعنونة علم الدين أو فلسفة الدين ، والتي أزعجت الدوائر الكاثوليكية التي إنتمى إليها أولاً ، ومن ثم إنقلبت عليه وحركت السلطان الى طرده من التعليم الأكاديمي ، ومنعه من النشر ونفاه إلى الريف . نقول بحق هذا الفيلسوف نود توضيح الحقائق الآتية :

متابعة كارل ياسبرز للفيلسوف بولزانو في مضمار الميتافيلوسفي   

إن قارئ رائعة كارل ياسبرز المعنونة ثلاثة مجلدات في الفلسفة (كانت طبعته الأولى عام 1931) يلحظ إن هناك ما يشبه المتابعة الحرفية من قبل ياسبرز ، وبالتحديد لمضمار التفلسف الدي درسه بولزانو في عمله المعنون ما هي الفلسفة ؟ (من كتبه التي ألفها فترة المنع عليه والتي بدأت منذ عام 1819 وحتى موته ) وهذا الكتاب نشر بعد موته بعام واحد ، أي بالتحديد عام 1849 .

والحقيقة إن بولزانو في هذا الكتاب تجاوز مضمار الفلسفة ، وتطلع إلى إنشاء بحث رائد وهو ما يطلق عليه الباحثون مضمار الميتافيلوسفي (أو الفلسفة الفوقية) وإذا كانت الفلسفة تتداول في مباحثها لغة رقم 1، وهي لغة التداول الفلسفي اليومي والتي تتألف من إصطلاحات معينة (ويحدد معانيها ودلالاتها قاموس المصطلاحات الفلسفية) ، فإن مضمار الفلسفة الفوقية تسودها لغة عالية ، ويطلق عليها إصطلاح اللغة رقم 2 ، وهي مضمار يعرض تحليلاً فلسفياً عالياً للإصطلاحات التي تتداولها اللغة رقم 1 ومثالاً على ذلك إن اللغة رقم 1 ، إستخدمت إصطلاح التفلسف ، فإن لغة الميتافيلوسفي ، تقدم تحليلاً عالياً لمفهوم التفلسف . والحقيقة إن ياسبرز في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة ، تحدث عن هذه المستويات المتنوعة للغة ، وذكر المستويات اللغوية (اللغة رقم 1 واللغة رقم 2) والتي تحدث عنها بولزانو . إلا إن ياسبرز تحدث عن اللغة رقم 3 ، وخصوصاً في المجلد الثالث من ثلاثيته في الفلسفة [19]. وياسبرز ربما أطلع على عمل بولزانو من خلال هوسرل ، والذي قام هو وزميله البولندي (تاوردسكي) بإكتشاف أعمال بولزانو ، وبتوجيه من قبل أستاذهما الفيلسوف الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو .

والحقيقة إن أهمية عمل بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ تعود إلى إنه أوضح مفهوم الفلسفة والتفلسف [20]. وبالمناسبة إن كتاب ياسبرز موضوع بحثنا ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، قد عالج بشكل واسع ، وعبر المجلدات الثلاثة ، فعل التفلسف وكلمة تفلسف ، وفضلها على الفلسفة الإصطلاح التقليدي (بالرغم من عنوان ثلاثيته حملت عنوان الفلسفة) . وهنا أود أن  أشير إلى إن مارتن هيدجر ساعد صديقه كارل ياسبرز في تحديد معاني التفلسف وهو علم في الفيللوجيا وهذا التعاون رتبت له زوجة كيرترود (أي زوجة كارل ياسبرز) ودفعت مساعدة بمقدار ألف مارك لتغطية نفقات سفر هيدجر إلى هيدلبيرك [21] . وهذا الأمر ساعدت فيه من طرفها الفيلسوفة (طالبة الدكتوراه يومها) حانا أرنديت أستاذها ياسبرز حين جاءت إلى جامعة هيدلبيرك ليشرف على إطروحتها الأولى للدكتوراه والتي كانت بعنوان الحب في مفهوم القديس أوغسطين ، وهي طالبة هيدجر والمتمرسة في التحليل الفيللوجي [22] . وكذلك فقد إنتبه مترجم كتاب ياسبرز إلى الإنكليزية المعنون ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، الأستاد إي . ب . أشتون حين إعتمد على رأي الفيلسوفة حانا أرنديت في شرح معاني الفعل يتفلسف في مقدمة المترجم التي كتبها [23] . ولكن فات الثلاثة هيدجر وأرنديت وأشتون من إكتشاف متابعة ياسبرز الحرفية للفعل يتفلسف وكلمة تفلسف عند بولزانو كما وفاتهم العودة إلى بحثه المعنون ماهي الفلسفة ، ويقفوا على المعاني التي قدمها بولزانو للفعل يتفلسف ويكتشفوا بأنفسهم حقيقة متابعة ياسبرز لبرنارد بولزانو ، ويعترفوا بأن بولزانو كان مصدر ياسبرز (وربما المصدر الوحيد) لكتابه ثلاثة مجلدات في الفلسفة وعلى الأقل في مضمار الفعل يتفلسف وكلمة التفلسف التي شغلت أجزاء ملحوظة من المجلدات الثلاثة . وللإنصاف نقول إن ياسبرز سيعيد إنتاجها وبتفاصيل وصورة موسعة .

وفعلاً فإن القارئ لبحث بولزانو المعنون ما هي الفلسفة ؟ يلحظ بأنه صاغ مجموعة أفكار تطلع من خلالها إلى تحديد وظيفة الفلسفة ، ومن ثم تحول إلى شواطئ التفلسف ، وهو فعل ليس مقيد بمضمار محدد من المعرفة . وإنما هو حالة إستفسار وتساؤل عن الأسباب ، ووفقاً لبولزانو ، فإنك تكون في حالة تفلسف . وهذا ممكن أن يحدث في كل مجالات العلوم والتي تقع خارج الميدان الحقيقي للفلسفة [24] . وعلى الرغم من إن ياسبرز يتقدم جميع الفلاسفة الذين تابعوا بولزانو [25] . فإن هناك عدداً من الفلاسفة والمناطقة قد فعلوا مثلما فعل بولزانو ، ومن أمثال لودفيغ فيتجنشتاين (1889 – 1951) ، مورتيز شيليك (1882 – 1939) ورودلف كرناب (1891 – 1970) [26] .

كما نحسب إن بولزانو كان موضوع إهتمام مشترك لكل من جوتلوب فريجه وأدموند هوسرل . وإن هوسرل (وتارودسكي) هما اللذان إكتشفا كتابات بولزانو . وإن فريجه من طرفه ، قد قرأ بولزانو . ولعل الكتاب الذي وضعه ب . ج . ساندهولم والمعنون : متى ، ولماذا قرأ فريجه بولزانو ؟ [27] هو شاهد أخر على عبور بولزانو وتفكيره الفلسفي في الرياضيات والمنطق إلى فريجه ، وهو واحد من جهابدة فلاسفة العلم والمنطق الرياضي في الربع الأول من القرن العشرين . وعلى أساس فهم بولزانو لمعنى كلمة يتفلسف (والتي ستشغل ياسبرز في ثلاثيته الفلسفية) ، فإنه لا يوجد مضمار محدد للمشكلات الفلسفية والموضوعات الفلسفية [28] وهذا المعنى تلقفه ياسبرز مباشرة من بولزانو أو ربما عن طريق هوسرل (وهناك إحتمال إنه جاء من خلال مؤرخ الفلسفة بولسين الدي تفرد كتابه محاضرات في الفلسفة (والذي يحتمل أن يكون المصدر الوحيد) في ثلاثية ياسبرز .

كارل ياسبرز ومؤرخ الفلسفة برنارد بولزانو 

سهلت لنا مهمة الإمساك بالمصدر الذي إتصل به كارل ياسبرز ، وهو يدرس الفعل يتفلسف وكلمة تفلسف واللذان تفردت بهما رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، هو كتاب بولزانو المعنون ماهي الفلسفة ؟ كما عرفنا خلال الأوراق السابقة بأن بحث ياسبرز في الميتافيزيقا والذي كان ذات طبيعة متفردة (بإستثناء بحث الأصفار) بأن إصوله تصعد إلى أبحاث بولزانو ، وبالتحديد في كتابي بولزانو ؛ نظرية العلم ، و نقائض اللانهاية . وهنا نتطلع إلى تقديم بولزانو مؤرخاً للفلسفة ، ويبدو إن دائرة تفكير ياسبرز قد تشربت الكثير من معارفه الفلسفية  من خلال مؤلفات بولزانو ، وخصوصاً في رائعة ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، والتي كان فيها ياسبرز ظنيناً علينا في الإباحة عنها ، وإن تخفى وراء عبارة عامة فيها تكمن الكثير من أسرار مصادر ياسبرز المسكوت عليها ، وهي العبارة القائلة : ” إن تطلعنا قاد إلى الوعي الفلسفي الهادف ، والذي حملنا إلى الإستماع فقط إلى عدد قليل جداً (منا : ؟ لماذا عدد قليل) من الفلاسفة الكبار اللذين تحدثوا إلينا من الماضي . ولكن معرفتنا بفلسفة الماضي ، هي ليست الفلسفة الحقيقية . بينما التفلسف يحتاج دائماً إلى مصادر الحاضر . كما إن تفلسف المعاصرين بين لنا كيف إنهم تابعوا الوجود لإعانة أنفسهم . إن الإشتراك في فرص الإنجاز المتساوية ، مكنتهم من إخبار الأخرين عما سمعوهم من مصادر متفردة . وعلى هذا الأساس قام فعل التفلسف في الحاضر بتحويل عظمة الماضي الفلسفية وعملها حاضر جديد [29] . تشعر وأنت تقرأ نص ياسبرز عن ” تفلسف المعاصرين ” إنه يتكلم عن بولزانو ومثابرته الرائدة في كتابه المعنون ما هي الفلسفة ، والتي خط فيها مساراً جديداً ، هو مسار التفلسف ، والذي لم يكتف بذلك ، وإنما قدم تفسيرات لمعانيه ودلالاته خارج الحدود التقليدية لإصطلاح الفلسفة .

وفعلاً إن الشواهد كثيرة في كتابات بولنزانو ، والتي تدلل بعمق على إنه درس تاريخ الفلسفة ، وإمتلك معرفة تاريخية واسعة ، والتي ظهرت في العديد من أعماله . فمثلاً في الطبعة الثانية من كتابه إثنيسيا (أسباب خلود النفس) قد أضاف ملحقاً ، فيه الكثير من التفاصيل التاريخية الواسعة ، والذي جاء بعنوان ” بحث نقدي للتراث المتعلق بالخلود ومنذ عم 1827 ” . إضافة إلى إن مقالة بولزانو المعنونة ” مفهوم الجمال ” هي الأخرى إحتوت على تفاصيل لقائمة من التعريفات لمفهوم الجمال (أو الجمالي) ، والتي صاغها عدد متنوع من الفلاسفة . وفوق كل ذلك فإن كتابه الشهير نظرية العلم ، ضم مادة تاريخية ثرية بحيث ترشحه مصدراً أساسياً لمؤرخ علم المنطق [30] .

كارل ياسبرز وحلقة بولزانو

الحقيقة إن بولزانو لم يكن شخصاً مغموراً ، وإنما كان نار على علم ، فقد عرفه هوسرل ومن خلال محاضرات الأب الروحي للفينومنولوجيا فرانز برنتانو ، كما إن بولزانو كان له حواريين وأصدقاء يتحلقون حوله في حلقة علمية مشهورة في عصره ، وربما تكلم هوسرل عنها لياسبرز أو ربما ذكرها له أستاده المشرف على إطروحته الثانية البروفسور ويندلباند . وهنا نقدم بعض المعلومات عن هده الحلقة .

لقد تكونت هذه الحلقة في وقت مبكر من حياة بولزانو ، والتي ضمت أصدقاء وطلاب ، والذين تحملوا مهمة نشر أفكاره وظلوا محافظين على علاقتهم به رغم قرار الطرد من الجامعة ، ومنعه من النشر ، وهو القرار الذي أصدرته الإمبراطورية النمساوية يومذاك . وفعلاً فقد ذكر الباحثون ثلاثة حواريين للفيلسوف بولزانو . منهم كل من مايكل جوزيف فيسل (1788 – 1864) و فرانز فرينسكي (1788 – 1859) [31] . والأول فيسل كان التلميذ والصديق الحميم للفيلسوف بولزانو . وكان من المعجبين والمتحمسين لأراء أستاذه ، ومن المعلوم إن الأستاذ بولزانو كان قساً كاثوليكياً ، وبروفسور العقيدة الدينية في كلية الفلسفة في جامعة براغ هذا طرف . والطرف الثاني إن أفكار بولزانو اللاهوتية والسياسية التقدمية قد سببت للأستاذ بولزانو الكثير من المشكلات له مع رؤسائه ورجال الدين (كلريكس) . وعلى هذا الأساس قرروا طرده من الجامعة عام 1819 ونفيه إلى الريف ومنعه من النشر في المجلات العامة . ونحسب إن هذه الظروف وضعت التلميذ والصديق فيسل في دائرة الضوء . وفعلاً عندما أقدم على تأليف جماعة عُرفت بتحالف المسيحيين ، والتي كانت وراء إتهامه بالخيانة ، فحكم عليه بالسجن .

إن المهم في علاقة الأستاذ بولزانو والتلميذ فيسل ، مجموعة رسائل تبادلها الطرفان خلال الفترة الممتدة ما بين عام 1815 وعام 1827 . وهذه الفترة شهدت صعود الفيلسوف الأستاذ بولزانو إلى الطوابق العليا في لاهوت الكنيسة الكاثوليكية وجامعة براغ ، كما وسجلت حالات التقاطع مع الكنيسة والطرد من الجامعة والنفي هذا طرف ، ودخول التلميذ السجن بسبب تهمة الخيانة العظمى . صحيح إن بولزانو وتلميذه فيسل تبادلا الرسائل لفترة إمتدت لأكثر من إثنتي عشر سنة . إلا إن هذه الرسائل لم تتطرق للقضايا الفلسفية والرياضية التي أبدع فيها الأستاذ بولزانو . وإنما جاء فيها نقاش للموقف السياسي ، وأسئلة تتعلق بالإيمان والأزلية . وهي بشكل عام تكشف عن الظروف السياسية غير المستقرة في بوهيميا ، وبالتحديد خلال القرن الثامن عشر . كما وتصور هذه الرسائل عمق الصداقة بين الأستاذ والتلميذ في تلك الفترة ، وحجم تبادل الأفكار بين الطرفين . ونحسب إن قيمة هذه الرسائل عالية لكل من المؤرخين ورجال اللاهوت [32] .

أما الحواري الثاني فهو (فرانز فرينسكي) والذي عمل مع الحواري السابق فيسل في مساعدة المعلم بولزانو على نشر مؤلفاته خلال فترة النفي والمنع الذي أصدرته السلطات النمسارية . كما وكتبا المقدمات للعديد من طبعات أعماله ، ووضعا مراجعات لكتبه ، وشاركا في العديد من المناقشات التي دارت حول كتبه ، وردا على بعض المراجعات العدائية . والحقيقة إن بولزانو كان من خلف الستار يقدم لهما بعض الأفكار المختصرة [33] .

في حين كان الحواري الثالث البروفسور روبرت زيمرمان (1824 – 1894) ، وهو جيكي بالولادة وفيلسوف نمساوي ، وعندما مات أستاذه بولزانو في عام 1848 كان عمره أربعة وعشرين ربيعاً [34] .  وكان في الأصل أحد طلاب بولزانو في الفلسفة والرياضيات . والحقيقة إن بولزانو كان معلمه الخصوصي . وزيمرمان هو الطالب الوحيد الذي حصل على مكانة أكاديمية [35] . وفعلاً فقد عين أولاً رئيساً لقسم الفلسفة في جامعة براغ وبالتحديد في عام 1852 [36] .  وفي العام 1859 إستدعاه الوزير (النمساوي المسؤول عن التعليم العالي) ليشغل رئاسة قسم الفلسفة في جامعة فينا ، ومن ثم مارس العمل الفعلي في عام 1861 . وبالمناسبة كان الفيلسوف الكبير فرانز برنتانو زميلاً له في القسم خلال هذه الفترة [37] .

ويبدو إن البروفسور التلميذ لم يجري أبحاثاً كافية في أوراق أستاذه بولزانو الفلسفية والرياضية وذلك لأن إهتماماته محددة بمجال فلسفي واحد ، وهو علم الجمال (ولكن هذا الأمر لم يعفيه من المسؤلية لأن بولزانو كتب في علم الجمال وفلسفة الفن) . على كل إن أهمية الحواري زيمرمان تكمن في إنه حافظ على معظم مخطوطات بولزانو والتي كان يملكها وحتى عام 1882 ، وحينها قام بتسليمها إلى الأكاديمية النمساوية للعلوم (أي حافظ عليها شخصياً مدة أربع وثلاثين سنة وبالتحديد بعد موت أستاذه بولزانو) [38] .

وفعلاً إن إهتمام زيمرمان الرئيسي بعلم الجمال حمله شيئاً فشيئاً إلى التحول من مضمار فلسفة أستاذه بولزانو ، والتوجه نحو شواطئ فلسفة جوهان فردريك هربرت (1776 – 1841) [39] . وجوهان هربرت هو فيلسوف وعالم نفس الماني ، ومؤسس البيداغوجيا (التربيةوالتعليم) مجالاً أكاديمياً . وهو من فلاسفة ما بعد الكانطية . والمشهور بمخالفته للفيلسوف الألماني هيجل في علم الجمال (وهذه المخالفة لا تندرج في تفسير فكرة التربية) . ومن أهم كتاباته في علم الجمال ، كتابه المعنون علم التربية والإلهام الجمالي للعالم ، والذي ترجم إلى الإنكليزية في العام 1892 . ويلاحظ إن بحثه الجمالي قد خالط الأخلاق والتربية [40] ويبدو إن هذا الربط بين الجمالي والأخلاق والتربية ، هو السبب في تحول زيمرمان إلى معسكر هربرت وتخليه عن أستاذه بولزانو .

والحواري البروفسور زيمرمان عارف كل المعرفة ، وهو الحافظ على مخطوطات إستاذه بولزانو لمدة أربعة وثلاثين عاماً بأنه فيلسوف الجمال ، والذي نشر رسالتين في علم الجمال ؛ الأولى كانت بعنوان حول مفهوم الجميل ، والتي نشرت في حياته . والثانية التي كانت بعنوان حول تقسيم الفنون الجميلة ، والتي قدمها في الجمعية الملكية البوهيمية للعلوم في عام 1847 والتي نشرت بعد وفاته [41] .

تعقيب ختامي :

ونحسب إن هذا التحول من علم جمال بولزانو إلى علم جمال هربرت سبباً غير كاف لأقناع فضول الباحث الأكاديمي . ويبدو إن هناك أسباباً أعمق من ذلك ، وقد تكون الظروف السياسية التي لفت قضية الأكاديمي بولزانو الذي طردته السلطات النمساوية من الجامعة ونفته ومنعته من النشر ، أو قد يكون السبب هو إتهام حواريه الحميم فيسل بالخيانة العظمى ومن ثم الحكم عليه بالسجن … أو قد يكون كل ذلك ، فقرر زيمرمان التحول نحو جادة فلسفية أخرى ، وتبرئة نفسه من كل العلاقات بالأستاذ بولزانو وذلك بتسليم مخطوطاته إلى السلطات النمساوية ممثلة بالأكاديمية النمساوية للعلوم ، وفي هذا الخيار آمان وراحة بال .

———————————————————

الهوامش

 – للتفاصيل عن حياة فيلسوف العلم وعالم المنطق والرياضيات بولزانو ، أنظر :[1]

Wolfangkunne, Bernard Bolzano, In Routledge Encyclopedia of Philosophy, London, 1998, pp. 823 – 827.

 – أنظر :[2]

Ibid,

 – أنظر :[3]

Ibid,

 – أنظر :[4]

Ibid,

 – أنظر :[5]

Sundholm, B. G., When and Why did Frege Read Bolzano, Logic Yesr Book, Fiolsofia Publisher, Czech Acadmey of Science, Prague, 1999, pp. 164 – 174

 – للإطلاع على طرف من أبحاث بيرس المنطقية ، وخصوصاً السيمونطيقيا ، أنظر :[6]

A – Semiotic and Significs:The Correspondence between Perice and Victoria Lady Welby, Ed. By Charles Hardwich with James Cook, 1976.

B – Historical Perspectives on Peirce’s Logic of Science: A History of Science, Ed. By Carolun Eisele, 1985.

 

 – للإطلاع على سيرة كانتور ، ونظريته في المجموعات ورأي النقاد من أمثال ليوبولد كرونكر وهنري بونكاريه ، أنظر :[7]

Joseph Dauben, George Cantor and the Battle for Trasfinite Set Theory, the 19th  ACMS Conference (Internet Version published in Journal of ACMS 2004), pp. 1 – 22

كما إن رجال اللاهوت المسيحيين دخلوا إلى ساحة الرياضيات ، ووجدوا في نظرية كانتور ، نوعاً من التحدي للطبيعة المتفردة لما أسموه باللانهية المطلقة لطبيعة الله ، أنظر :

Joseph Dauben, George Cantor and Pop Leo xiii: Mathematics, Theology and Infinite, Journal of History of Ideas, 38 (1), pp. 85 – 108

 – للإطلاع على سيرة ريتشارد ديدكيند ومساهمته في نظرية الأعداد الجبرية ، أنظر :[8]

Kurt Biermann, Richard Dedekind, In Complet Dictionary of Scientific Biography, Charles Scribner’s Sons, Detriot, 2008, pp. 1 – 5

 – أنظر :[9]

David Burton, The History of Mathematics: An Introduction, Third ed., McGraw – Hill, 1997, p. 592

 – للتفاصيل عن نظرية العلم عند برنارد بولزانو ، أنظر النشرتين الإنكليزيتين للكتاب :[10]

A – Bernard Bolzano, Theory of Science, Ed. and Trans. By Rolf George, University of Callifornia Press, 1972

B – Bernard Bolzano, Theory of Science: A Selection, with an Introduction , Ed. By Jan Berg, Trans. By Burnham  Terrell, Springer, 1973 (424 pages).

وقد قيل الكثير في تقويم كتاب نظرية العلم ، الذي كتبه بولزانو ، والذي صدر عام 1837 . فمثلاً قيل عنه ، هو من أهم الكتب المنطقية على الإطلاق (إذا ما إستثنينا كتاب جورج بول ، والمعنون التحليل الرياضي لعلم المنطق) ، والذي ظهر خلال الفترة ما بين موت لايبنتز ، ونشر كتاب جوتلوب فريجة ، والمعنون العلامات ، والذي صدر في العام 1879 .

كما قيل عنه : إنه كتاب ضخم ، حدد فيه بولزانو ، العديد من المفاهيم ، والتي لم يتم إكتشافها ، إلا بعد قرن من الزمن فيما بعد ، وعلى يد كل من البولندي الفريد تارسكي (1901 – 1983) ، والألماني رودلف كرناب (1891 – 1970) .

 – أنظر :[11]

Edgar Morscher, Bernard Bolzano, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2013 (On Line) .

 – للتفاصيل ، أنظر :[12]

Peter Van Inwagen, Metaphysics, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2007 (On Line)

ويحسبُ الباحثون الأكاديميون ، إنه بعد موت أرسطو (على الأقل) بمئة عام ، قام المشائي إندرنيقوس الروديسي (إزدهر عام 60 ق.م ، وهو الذي قام بجمع كتب أرسطو وتلرتيبها ونشرها) بوضع عنوان الميتافيزيقا ، عنواناً لكتب أرسطو الأربعة عشر . ويبدو إن إختيار العنوان ، فيه نوع من التحذير لطلاب الفلسفة ، وهو أن بيدأوا دراستهم أولاً بكتب أرسطو في الفيزيقا (الطبيعة) شرطاً تعليمياً ، يسهل مهمتهم في التحول إلى (فهم) كتب أرسطو في الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) .  وإذا قبلنا هذه الرواية ، وقبلنا إن أندرنيقوس ، هو من نحت إصطلاح الميتافيزيقا ، عنواناً لكتب أرسطو الأربعة عشر ، فإن لنا تصحيح عليها . وهذا التصحيح ينهذ على سنة وفاة أرسطو ، والتي كانت عام 322 ق.م . وعلى أساس هذا الثابت التاريخي ، يصبح على الأقل ، إن إندرنيقوس إختار إصطلاح الميتافيزيقا ، عنواناً  لكتب أرسطو الأربعة عشر ، بعد موت أرسطو بقرنين ونصف (أي مئتين وخمسين سنة) وليس مئة عام .

وهذا التصحيح يتساوق مع سنوات حياة إندرنيقوس . وخلاف ذلك فإننا نقبل الرواية بشرط ، وشرط واحد ، وهو إننا لا نقبل أن يكون إندرنيقوس ، هو أول من نحت هذا الإصطلاح عنواناً لكتب أرسطو الأربعة عشر . وإنما نُرجح مشائي أخر (وربما أندرنيقوس غير هذا) عاش قبل أندرنيقوس الروديسي بأكثر من مئتين سنة ، وهو الذي نحت هذا الإصطلاح ، ونرجح إنه عاش في المءة الأولى من تاريخ المدرسة المشائية . وربم أندرنيقوس الروديسي تابع هذا التقليد المشائي ، الذي كان متداولاً يومذاك في نشرته لمؤلفات أرسطو .

 – أنظر :[13]

Bernard Bolzano, Theory of Science: A Selection , with Introduction, (Op. Cit),

 – أنظر :[14]

Edgar Morscher, Bernard Bolzano, In Stanford Encyclopedia of Philosophy, 2013

 – أنظر :[15]

Ibid,

 – أنظر :[16]

Ibid,

 – أنظر :[17]

Alonzo Church, Introduction to Mathematical Logic, Princeton University Press, 1996 (Axiom of Infinity), p. 343

 – أنظر :[18]

Edgar Morscher, Op. Cit,

 – أنظر :[19]

Karl Jaspers, Philosophy, Vol. 3, pp. 113 – 124

 – أنظر :[20]

Ibid,

 – أنظر :[21]

الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ، الفيلسوفة حانا أرنديت والفيلسوف الوجودي كارل ياسبرز / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد العاشر / ربيع 2013

 – أنظر المصدر السابق [22]

 – أنظر :[23]

Karl Jaspers, Philosophy, (Op. Cit), Vol . 1, 1969, Translator’s Note, p. 18

 – أنظر :[24]

Edgar Morscher, Op. Cit,

 – أنظر مثلاً :[25]

Karl Jaspers, Op. Cit, Vol. 1, pp. 17 – 30 , pp. 43 – 98 . Also, Vol. 2, pp. 93 – 103, pp. 226 – 227

وبالمناسبة إن الميتافيزيقا سجلت محوراً أخراً ، حضر من خلاله بولزانو في كتاب ياسبرز ثلاثة مجلدات في الفلسفة ، مثلاً في مضمار اللغة عن الإثنين (ومضمار المنطق كذلك) مع الإشارة إلى إن محور الأصفارعند ياسبرز . للتفاصيل قارن بحث الميتافيزيقا عند بولزانو أعلاه ، بالمجلد الثالث عند ياسبرز ، والذي خصصه لبحث الميتافيزيقا ، أنظر :

Karl Jaspers, Op. Cit, Vol. 3, pp. 3 – 110, pp. 113 – 208

 – أنظر :[26]

Edgar Morschers, Op. Cit,

ولمزيد من المعلومات عن فيتجنشتاين ، شيلك وكرناب ، أنظر :

الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رودلف كرناب فيلسوف العلم وعالم المنطق / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد السادس / ربيع 2012 .

 – أنظر :[27]

Sundholm , B. G., When , and Why , did Frage read Bolzano, Op. Cit,

 – أنظر :[28]

Edgar Morscher, Op. Cit,

 – أنظر :[29]

Karl Jaspers, Philosophy, (Op. Cit), Vol. 1, Forewword 1931, pp. 1 -2

 – أنظر : [30]

Edgar Morscher, Op. Cit,

 – أنظر :[31]

Ibid,

 – أنظر :[32]

Bernard Bolzano & Michael Fesl, The Corrspondence (1815 – 1827), Ed. and with an Introduction By Jan Berg, Stuttgart, 2012

 – أنظر :[33]

Edgar Morscher, Op. Cit,

 

 – أنظر :[34]

William Johnston, The Austrain Mind: an Intellectual and Social History, 1848 – 1939, University of Callifornia Press, 1983, PP. 80, 152, 269,289  Various.

 – أنظر :[35]

Edgar Morscher, Op. Cit,

 – أنظر :[36]

William Johnston, Op. Cit,

 – أنظر :[37]

Edgar Morscher, Op. Cit,

 – أنظر :[38]

William Johnston, Op. Cit,

 – أنظر :[39]

B. B. Wolman, The Historical Role of Johann Friedrick Herbart, In B. B. Wolman, Historical Roots of Contemporary Psychology, New York, 1968, pp. 29 – 46

 – أنظر : [40]

Hugh Chisholm, Herbart, Johann Friedrich, In Encyclopadia Britannica, (11 th ed.), Cambridge University Press, 1911, pp. 335 – 338

 – أنظر :[41]

Edgar Morscher, Op. Cit,

————————————————————————————————-

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

بدأ التفكير في إحالة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وزمرته والمتعاونيين معه إلى المحاكم العسكرية بتهمة العصيان والإنقلاب العسكري

ستوجه الحكومة العراقية الجديدة تهمة العصيان والإنقلاب إلى رئيس الوزراء المخلوع نوري المالكي وتمرده على الشرعية الدستورية وتعريض العراق إلى الفوضى والإنقسام الطائفي الذي مارسة نوري المالكي خلال تسلطه على مقدرات العراق والعراقيين

وأمكانية توجيه دعوة بإرتكاب نوري المالكي وزمرته جرائم حرب ضد الشعب العراقي

وهناك أمل بترحيب أمريكي بدعم محاكمة المالكي وزمرته بإرتكاب جرائم حرب

ووجه العلمانيون العراقيون برقية مطالبة إلى الرئيس الأمريكي براك أوباما

بتأسيس حكومة مدنية علمانية

وفيها دعوة إلى فصل العمل السياسي وعمل الحكومة من الدين والمسجد والحسينية

ولعل مأساة العراق والعراقيين شاهد على فساد رجال الدين ومؤسساتهم الظلامية 

رابطة العلمانيين العراقيين في المهجر

Posted in Category | Tagged , , , , , , , ,

المفكر الأمريكي – اليهودي الإنساني ” نعوم شومسكي ” يتهم إسرائيل بإرتكاب جرائم حرب ضد الفلسطينيين في غزه

المفكر الأمريكي اليهودي الشريف نعوم شومسكي ، يقول (السبت 2 آب 2014) :

” إسرائيل إرتكبت جرائم حرب في قطاع غزه “

Chomsky: Israel committed ‘war crimes’ in Gaza

  أعلن المفكر الإنساني الأمريكي اليهودي ” نعوم شومسكي ” :

إن إسرائيل ” إرتكبت أبشع جرائم الحرب ” وذلك من خلال إستمرارها بالهجوم ومحاصرة قطاع غزة … ثم أضاف يقول ” إن إسرائيل أسوء بكثير من نظام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا ” … كما وإنتقد القادة العرب الذين يُساندون ” سياسات واشنطن المؤيدة لإسرائيل … ” وهناك *المزيد ..

والتاريخ سجل أسماء القادة العرب بعناوين من العار ، وذلك عندما إجتمعوا وتداولوا ووقعوا في باريس مع رئيس إسرائيل الأول مسودات وعد بلفور المشؤوم  (والتي تم الإعتماد عليها في إتفاقية باريس 1919) ومنحوا فلسطين في طبق من ذهب قدمه هدية ممثل المملكة العربية الحجازية الأمير فيصل الأول بن الحسين (ومن ثم أصبح فيما بعد ملك العراق وسوريا) (1) إلى الدكتور حاييم وايزمان (2) ممثل المنظمة الصهيونية ومن ثم أصبح أول رئيس لإسرائيل وكان يومها عدد اليهود 5% من الفلسطينيين   ..

إني أرى أحفادهم اليوم في الكعبة يصلون ويحجون ويسألون الرسول العظيم أن ” يغفر لهم ولأجدادهم من سوء عاقبة يوم الدين ، وذلك لخطيئتهم الكبرى التي تهتز لها العروش ” ، والتي لا تُكفر عنها كل صلواتهم وزكاتهم وحجهم الباطل .. لقد سُودت وجوهكم في هذه الدنيا ، فكيف ستواجهون الواحد وماذا ستقولون ؟؟ أم إنكم عارفون إنها محض أساطير ؟؟ فليس هناك حياة بعد هذه الحياة الفانية . وإن الدين كما قال المارق ماركس ” إنه مجرد أفيون ” غرضه تخدير الجياع المساكين …   

أنظر لهذا الرمز الإنساني العظيم (أي نعوم شومسكي) وقارن ذلك مع الإخوان العرب من الخليج وحتى المحيط ، وقارن ذلك  بدول إسلامية القرن الحادي والعشرين … إنهم أزلام سياسيون خائبون ، وتراهم يصلون في النهار خمس مرات ويصومون رمضان ويحجون … إنكم بحق دين الرسول كفرة ملاعين ومهادكم بعون الله نار السعير .. فبأساً لكم وبأساً لما تفكرون وتعملون … وإن نار السعير قريبة يوم تنتفض الأوطان ، ولا أحد يعرف الغضب القادم من الشعوب التي خذلتموها وأنتم تشترون العُدد والعتاد من العم سام من سنيين وتتحدثون بالوطنية والعروبة والإسلام كل صبح ومساء ..

بالله والرسول إن المفكر نعوم شومسكي خير منكم ، فهو إنسان لا يُتاجر بالعروبة والدين والمذهب والطريق المستقيم … هذه هي لعنة الله عليكم في هذه الدنيا فقد جعلكم صوراً لقيادة ممسوخة يسخر منها كل قريب وبعيد .. فسلام على العروبة وسلام على إسلام القرن الحادي والعشرين  وعلى سدنة مكة الميامين … وهكذا سود وجهوكم المفكر نعوم شومسكي ، ومسخكم خنازير ، وجعلكم حكاية ومهزلة على كل لسان … والله شاهد على ما نقول .

—————————————————————————————–

**سيظهر البحث الأكاديمي الإحتفالي والذي كتبه الدكتور محمد جلوب الفرحان ، وبعنوان ” مناظرة بين نعوم شومسكي وميشيل فوكو حول الطبيعة الإنسانية ” قريباً وعلى صفحات ” الفصيلة من مجلة أوراق فلسفية جديدة ” . وهو بحث في أطراف من ” الفلسفتين الفرنسية والإمريكية المعاصرتين ” .

* خلال السنوات الماضية وخصوصاً مع فترة الرئيس الأمريكي براك أوباما أخذ الموقف الأمريكي الإسرائيلي يتغير نحو نقد السياسات الإسرائيلية العدوانية ضد الشعوب العربية ، وهذا التغيير في الموقف الأمريكي حمل دول أوربية مثل فرنسا أن تصدر أحكاماً فيها الكثير من الشجاعة في تقويم سلوك وقيم الرموز السياسية الإسرائيلية وخصوصاً شخصية رئيس الوزراء  الحالي نتنياهو ورغم سرية الأحاديث التي جرت في البيت الأبيض بين الرئيس الفرنسي السابق والرئيس براك أوبوما تسربت إلى   وسائل الإعلام . يقول الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ” إن نتنياهو كذاب ” ويضيف الرئيس الأمريكي أوباماإنه بالنسبة لي أكثر من كذاب ” .

1- والأمير فيصل الأول هو من إسرة آل عون الهاشمية ، وولد في مدينة الطائف ، وتربى مع إخوته برعاية والده حسين بن علي الهاشمي ، ودرس فيصل التعليم الإبتدائي مع أخويه علي بن الحسين ملك الحجاز فيما بعد وعبد الله الأول ملك الأردن فيما بعد . وترتبط بإسمه إتفاقية باريس مع حاييم وايزمان رئيس المنظمة الصهيونية ، والتي تُعرف بإتفاقية التعاون ما بين العرب واليهود في الشرق الأوسط ، والتي جاء فيها ” إن الأمير فيصل ممثل المملكة العربية الحجازية وحاييم وايزمان ممثل المنظمة الصهيونية … يُدركان القرابة العرقية والصلات القديمة القائمة بين العرب والشعب اليهودي ” . للتفاصيل أنظر : عبد المجيد كامل : الملك فيصل الأول ، دار الشؤون الثقافية ، بغداد 1991 .

2 – وحاييم وايزمان لعب دوراً في الحركة الصهيونية وكان رئيس دولة إسرائيل للفترة من 1 شباط 1949 وحتى وفاته عام 1952 . وهو عالم في الكيمياء البايولوجية ، ويحمل دكتوراه في الكيمياء العضوية . وفي عام 1910 أصبح مواطناً بريطانياً . وكان مخاضراً في جامعة مانشستر حيث إستقرت عائلته هناك ولمدة ثلاثين عاماً وبالتحديد من عام 1906 وحتى عام 1937 كما كانت له علاقات مع العائلة المالكة في حجاز (السعودية) التي لعبت دوراً في التسهيل لصدور وعد بلفور الذي منح اليهود وطناً في فلسطين خلال فترة الإنتداب البريطاني . كما وكانت  له علاقة قوية بالعائلة المالكة العراقية من طرف الملك فيصل الأول يوم كان في سوريا عام 1918 … للتفاصيل أنظر : حاييم وايزمان : المحاولة والخطأ : السيرة الذاتية للرئيس الإسرائيلي حاييم وايزمان (بالإنكليزية)، الجمعية الأمريكية اليهودية للنشر 1949 .

Posted in Category | Tagged , , , , , , ,

صدر العدد الأول من مجلة الفصيلة من أوراق فلسفية جديدة

وهي مجلة شهرية أكاديمية محكمة

وكان عنوان العدد 

في أدب المرايا السياسية – والإجتماعية

والمجلة مشرعة أبوابها لنشر جميع الأبحاث الفلسفية

شرط أن يتحمل الباحث نفقات التحكيم الأكاديمي وقدرها 200 دولار أمريكي

Posted in Category | Tagged , , , , , , , ,

يا حبذا لو كان نيلسون ماندلا عراقياً

الفلسفة : حُب الحكمة         الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

—————————————————————————————

من أجل عراق لجميع العراقيين    وحكومة عراقية علمانية تضم جميع أطياف الشعب العراقي

  قبل ثمانية أشهر بالضبط ، وبالتحديد في 7 ديسمبر (كانون الأول) من عام 2013 نشرنا مقالنا (وإخترنا إسم قلمي هو حفيد ديوجانس البابلي) وبعنوان ” يا حبذا لو كان نيلسون مانديلا عراقياً ” . ولم يلتفت له السياسيون في العراق أو الأدق تجاهلوه . واليوم (6 تموز 2014) جاء ت مصداقية مقالنا عن مشروع نيلسون ماندلا لحل الكارثة التي يمر بها عراق الرافدين في برنامج إسبوعي مهم يُبث في صباح الأحد وعلى القناة الأمريكية المشهورة س ن ن ، وبتقديم  الأستاذ فريد زكريا وهو مصري – أمريكي ، والذي قال فيه الدكتور فوازجرجس وهو لبناني – أمريكي

أين نيلسون ماندلا من العالم العربي ؟

وللفائدة وتجديد الدعوة للعراقيين عامة ، وللشيخ مسعود البرزاني والإمام نوري المالكي ، أعيد نشر المقال القديم الجديد ، خصوصاً وإن العراق على ” حافة الهاوية ” أو إنه قريب جداً من ” حرب أهلية طائفية ” لا يعرف درجات خطورتها الإمام المالكي ولا يتصور مديات إنتشارها إلى منطقة كردستان الشيخ مسعود …

—————————————————————————————

رسالة آخر الليل :

يا حبذا لو كان نيلسون مانديلا عراقياً

الدكتور محمد جلوب الفرحان

حفيد ديوجانس البابلي

—————————————————————

إلى إبي إسراء والشيخ مسعود ورفاقهم الميامين

العراقيون يحبون السلام ويتطلعون للوصول إليه

هل فكرتم بجدية بوقف حمامات الدم اليومية

لقد كفر العراقيون بالسياسة والسياسيين

أما بعد

أنا عراقي مغترب ، يحب العراق والعراقيين دون تمييز

يحب جباله وأهواره ، سهوله الشرقية وهضابه الغربية

يتوضأ بمياه عراقية بحافات بابل المقدسة

مياه ممزوجة من دجلة الخير والفرات الخالد

وقام وشد العزم ليصلي للإله تموز

وتهجد بدعاء الصمت المقدس

وتبتل وسأل الإله تموز بحماية المرأة العراقية

من أعوان الأعور الدجال

وصكوك الزواج اللا مقدس

فقال الإله تموز همساً

وكأنه يقول :

أنا أحبُ وأحترم المرأة العراقية

فقد عانت الكثير من الضيم وضحت بالكثير

وفقدت الكثير

حقاً على خلاف ما يروج رجال الأعور الدجال

بأن الزمن توقف ، وغابت الشمس وتعطلت

حركة الكواكب والنجوم والأقمار

إن الزمن يدور وفصوله تتعاقب

 وستكونين قائدة وربان سفينة العراق

بعد إن فشل الرجال الميامين

وكادت تغرق

 إنهم أزلام الدمار

نقلوا العراق من خراب إلى أرض يباب

وأنا على يقين بأنك ستخلقين عراق جديد

يعيش فيه الجميع بسلام وآمان

ورهان العراقيين معقود عليك

فإنك حقاً صاحبة الزمان

ومهدية الآوان

….

أنا على يقين بأن أبا إسراء ورفاقه الميامين يعرف بالتفصيل ، وهو الأكاديمي بحدود ما ، عن قصة الرمز العالمي الكبير نيلسون مانديلا ، وكيف إنه حول جنوب أفريقا من دولة التمييز العنصري إلى دولة ديمقراطية يعيش فيها الجميع دون تمييز في لون الجلد والجندر …

وأنا على يقين بأن الشيخ مسعود عارف بدقائق الأمور عن شخصية القائد الأفريقي الأسود نيلسون مانديلا ، وكيف إنه رفض أن يكون زعيماً للعشيرة ، فختار أن يكون قائداً لكل المواطنين من بيض وسود وهنود .. وهكذا رفض بكل يقين الإنغلاق والإنكفاء على العشيرة والبيت وفضل الصعود بإنسانيته إلى الطوابق العليا ، حيث هناك يُعانق المجد والخلود …

والأسئلة تدور في دائرة التفكير ؛ هل فكر السياسيون في العراق العتيد بشخصية نيلسون مانديلا ؟ وإذا سجنوا وتعذبوا ، وهذه هي فرضيتهم التي تسد الطريق في الجلوس مع المعارضة (سياسي النظام السابق) على طاولة واحدة وفتح حوار حقيقي يحقن دماء العراقيين النازفة منذ سنين (ويبدو إنهم مهتمون بتأبيد الخلاف ولا يهمهم حقن دماء العراقيين)  ، فإن مانديلا هو الأخر سُجن سبع وعشرين عاماً ، وأصيب بالسل ، وتحمل التعذيب اللاإنساني ، وتعرض بصره للإنطفاء ، وفقد حياته الزوجية بعد إن غُيب في السجون ، وضاع عليه دفء العائلة  وهو في ربيع عمره … لم يُفكر مانديلا على الإطلاق بالإنتقام ، لأنه كان إنساناً عال الأخلاق ، وصاحب رسالة نبيلة … فأوقف حمامات الموت في أفريقيا ، وجلس مع خصومه البيض وصاحبي السياسات العنصرية يحاورهم ويفكر معهم في طريق جديد يخرج جنوب أفريقيا من مآزقها المكتوب وطريق الإقتلال والتحارب والعنصرية إلى مجتمع مدني إنساني يشمل الجميع  …

   والعياذ بالله من السياسات العنصرية ، فنحن مسلمون إنسانيون ، وليس في دستورنا تمييز في اللون والجندر ، فالتمييز العنصري حرام في ديننا والله الواحد القهار شاهد علينا وعلى ما نقول ونعمل شهيد منذ ما يقارب الألفية وست قرون .. ونحن مهديون برسالات وأخلاق السماء ، والملائكة شهود على أعمالنا ، وسجلاتها ستكون وثائق التجريم والإثابة يوم الدين ، فستسود وجوه وتبيض أخرى …

  والسؤال من جديد يدوي في المسامع والعقول ، ومفاده يقول ؛ هل فكر واحد من سياسي العراق بأن يكون نيلسون مانديلا أخر في العراق ؟ إنها عملية بسيطة تبدأ ببيان للجماهير (والبيان كلمة وعلمنا ديننا الحنيف إن الكلام توسط بين فعل اليد وتعاطف القلب وهو أضعف الإيمان)  ،  كلمة تقول : لكل العراقين من العرب والكرد والتركمان والأشوريين واليزيدية والصابئة الميامين . ندعوكم إلى رمي البندقية جانباً ، فقد غبر زمن الحرب والقتال ، وجاء زمن الحوار والإستماع إلى الأخر بعقل مفتوح وقلب متسامح ، فنحن إخوان في العيش المشترك ، وهذا قدرنا إننا نعيش في العراق الميمون … وبصدق إن دعوتنا تلزم جميع الأحزاب والأطراف ، بدعوة الجميع إلى تشكيل حكومة إئتلاف وطني ، تضم الجميع دون تمييز ، ولا تستثني من كان في السلطة أو في المعارضة ، حكومة إئتلاف وطني لمدة ثلاث سنوات ،  وخلالها يُفتح الحوار وعلى وسائل الإعلام وفي الساحات والمدارس والجامعات والأسواق والمقاهي ، والنوادي والجمعيات للدعوة إلى الإئتلاف والأخوة والعيش المشترك ، ونبذ العنف ، وحق الجميع في ثروات العراق ، وحق الجميع في إختيار شكل الحكم والدستور … ومن ثم تجري إنتخابات يقرر شكلها صندوق الإقتراع . وتعقبها فترة كتابة الدستور ، وأن يكون الشرط الأساس ، هو أن لا يسمح لرئيس الجمهورية من تداول السلطة أكثر من دورتين ، وهذا الحال يشمل رئيس الوزراء ..

أنا عارف بأن آذانكم تعودت إن لا تسمع رأي الأخر ، فرأي الأخر بدعة وكفر ، وبرأيكم إن البدعة زندقة ، وصاحبها زنديق ، وكل زنديق مارق يلعنه الواحد القهار ، ومهاده الأخير نار السعير .. ولكنكم بالمقابل شطار مخادعون ، تخدعون أنفسكم بالصلاة والدعاء إلى الواحد القهار … إنكم تعرفون أكثر من غيركم ، بأن جنة الله بعيدة عنكم بعد السماء عن الأرض .. وإنكم بصلاتكم وتهجدكم رسالة تدجيل تضحكون بها على الرعاع المغفلين .. إن السعير آت وربما قريب … والشعب المظلوم والجائع ، هو الذي يقرر شكل السعير … فعودوا إلى التاريخ وتعلموا منه العبر … وأحسب إنكم كنتم على حق عندما ذكرتم من سبقكم من الحكام بعبرة التاريخ (وهذا مُقيد ومُجير عليكم) ، ولكن بعد صعودكم إلى سدة السلطة ، أغفلتم عبرة التاريخ  التي كنتم تُحاجون بها ، وكأن حالكم يقول : يا تاريخ توقف عندنا  ، فسوف لن تكون لك قائمة من العبر بعدنا ، ولا تتحرك إنملة ، فنحن باقون في السلطة إلى الأبد ، يحمينا الواحد القهار …

2

وأنا أراقب المشهد السياسي العالمي من خلال جهاز التلفزيون ، شعرت بغبطة عالية ، ومشاعر لا حدود لها ، وأنا أتنقل من قناة تلفزيونية إلى أخرى ، لأكون شاهد العصر على وفاة هذا الرمز العالمي الكبير (أي نيلسون مانديلا) ، وأكون شاهد على إنشغال المشهد السياسي العالمي بإنجازات هذا الرجل المتواضع ، الذي قاد مقاومة سلمية خالية من أي أشكال العنف . وهكذا سجل التاريخ إسمه في لوائح الخالدين . بينما ذهب قتلة شعوبهم ، وممزقي أوطانهم ، وقتلة أطفال بلدانهم ، وسراق أموال الأرامل والمرضى والشيوخ إلى مزابل التاريخ ، تلاحقهم لعنات السماء والأرض . ويتوعدهم الواحد القهار بنار السعير ، ويلوح للفقراء بفردوس تجري من تحتها الإنهار … وبحور جنان وولدان مخلدون … *

  لقد خدعونا سياسي العراق كثيراً ، وطال حبل خداعهم …

مرة قالوا إننا جادون بحقن دماء العراقيين . وإننا جادون بأن يكون العراق للجميع ، وإننا سندعو الجميع للمشاركة السياسية ! ومرت الأيام والسنين بعد أن دمر بوش وربعه الميامين ، وهيأ لكل مفسدي وسفاك الأرض أن يعيشوا في العراق فساداً ونهباً ، فسرقوا الفرحة من أطفاله مثلما سرقوا كل شئ ، وأودعوها في بنوك الغرب ولا يخافون من غضب الله الواحد القهار ولا من الشعب والدستور ، وهكذا أمسى مشهد العراقيين ينتقل من حال سئ إلى أخر أسوء . وبالمقابل ضحكوا على العراقيين ، وقالوا : إنهم مساكين ، لا يعرفون الشطارة السياسية ، وقد فات على المساكين الدراويش ، بأننا نحن شطار السياسة وربانها ، والمبدعون لطرق جديدة في الشطارة والضحك على الذقون …

فأي عراق ، وأي عراقيين تتحدثون !

لقد تحولوا بإذن الواحد القهار إلى قطيع نسوقهم في الصباح من خلال أدعية الملا ميرزا ، ونعود بهم في المساء ، وهم يهتفون والتعب قد أخذ عقولهم ،  والعطش قد أغشى أبصارهم ، وعقد ألسنتهم .. إلا بشئ واحد ، وهو الدعوة لأبي أسراء والشيخ مسعود بطول العمر والبقاء وفي هذه الأثناء سمعت راعياً مخبولاً يردد مع نفسه هرطقة وحديث كفر (وهمست والعياذ بالله من كلام هذا الفاسق المخبول) ولكن الجنون فنون ، فقال :

أين الله ، الواحد القهار ؟ هل ترك العالم ، إني لا آراه ، بل إنه ترك هذا العالم غاضباً على أفعال العباد …  آه ماذا تقول : هل إنه مات ؟ كما يقول الزنديق الألماني نيتشه ، والعياذ بالله من نيتشه الزنديق وكل مارق جبار يلعب بأوراق الدين … إنهم فسقة زندقة مارقين مثل نيتشه …  وأدعيتهم فيها الكثير من التناظر وأناشيده الزرادشتية في كتابه المقدس هكذا تكلم زرادشت .

ثم صمت قليلاً ، وقال : من يدري ؟ ربما نيتشه كان هو العاقل الوحيد بين الناس ، وأردف قائلاً : كلا إن نيتشه بالتأكيد مجنون ، فكيف يموت الله ! وأبو أسراء والشيخ مسعود يصلون له في النهار ثلاث وخماس ، ويقومون في الليل مثل الزهاد والصوفية يبكون ويفكرون بالجائع والمحتاج وإبن السبيل . لا أصدق نيتشه ، فهو بالتأكيد مجنون ، ولكنني أصدق صلاة أبي أسراء والشيخ مسعود . وأشهد إن الله حي لا يموت . وإنه حي لأن أبي أسراء والشيخ مسعود يصلون له في النهار ، ويتهدجون له في الليل وبواكير الصباح ، ويتصدقون على الفقراء . وأشهد إنهم لا يسرقون أموال الشعب ، لأنهم يحرمون السرقة ، ويقيمون الحد على السارق ، فيكون مصيره قطع اليد أو غياهب السجون . فقال الراعي المخبول ، وهو يضحك ، ولم يدرك أحدُ : لماذا يضحك ؟ وعلى من يضحك؟ فقال وفاجأ القطيع : إني أضحك عليكم أيها القطيع ، لأني سمعت باليقين ، إن المجنون نيتشه في طريقه إلى نار جهنم ، تلاحقه لعنات الله الواحد القهار ، ودعوات الملائكة وشيخهم جبريل بالسعير لكل مارق كفار .

ثم صمت الراعي المخبول قليلاً ، وقال : إني أحب أبي أسراء والشيخ مسعود وأجلهم ، ولكنني أحب أبا أسراء وأجله أكثر ، لأن الشيخ مسعود كما قال أبو إسراء : لا يحب المهدي ! كيف لا تحب المهدي يا شيخ مسعود . ونحن منذ أكثر من ألف عام ، ندعو له بطول العمر والبقاء ، وإنه آت سيساعد أبا أسراء على محاربة الظلم والفساد وقتل الظالمين واصحاب الأعور الدجال ، وسيقيم مجتمع العدالة ودولة العدالة والإنصاف . وسيكون أبا إسراء وكيل المهدي في العراق ولا تعلو عليه راية الشيخ مسعود . ولكن أردف الراعي المخبول ، وهتف : فسلام على أبي أسراء والشيخ مسعود ، يوم ولدا ، ويوم يموتا ، ويوم يبعثا حيا ! وصمت الراعي المخبول وضحك بصوت عال وقال : إني أشهد أن أبا إسراء هو مهدي هذا الزمان ، وإن الشيخ مسعود هو عيسى ومسيح هذا الزمان ! وصمت الراعي المخبول قليلا ، وعاد ليُحدث القطيع برسالة فيها نبؤة جديدة ، فقال : هل تعلمون إن المهدي هو عيسى ومسيح أبي إسراء ؟ وإن المسيح هو مهدي الشيخ مسعود ؟ وداخ القطيع من الراعي وكلامه الملغوز ، فقال لهم الراعي المخبول هذه هي الرسالة اليقين لكل العراقيين من كرد وعرب وتركمان وإخواننا الأشوريين واليزدية والصابئة الميامين ، وليحفظكم الله الواحد القهار . وليحميكم من نار السعير ، وبالتأكيد يحمي لكم كل من أبي إسراء والشيخ مسعود … إلى أبد الأزمان ، فحقاً لقد توقف التاريخ وغابت الشمس وتعطلت حركة الكواكب والنجوم …

———————————-

* ينتمي نيلسون ماندلا إلى حركة المقاومة السلمية (اللاعنفية) والتي أسسها غاندي ، ومن ثم سار على الدرب وإستلهمها القس الأمريكي الدكتور مارتن لوثر كنك جنير ، ومن ثم سار عليها كذلك الرئيس نيلسن ماندلا . مع الأسف تمكنت العقول المنغلقة وأصحاب الفكرانيات الضيقة ، والقلوب الضعيفة الحاقدة من إغتيال غاندي ، وإغتيال القس الدكتور مارتن لوثر كنك . إلا إنهم لم يتمكنوا بل وعجزوا من إغتيال رجل السلام نيلسن مانديلا  الذي فاز بالخلود في هذا العالم ، فقد عاش خمس وتسعين عاماً . كما سيظل خالداً في ضمير الأجيال القادمة …  

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , ,