جوتلوب فريجه فيلسوف اللغة وعالم المنطق الرمزي

 Gottlob Frege : Philosopher of Language and Symbolic Logician

Dr. Mohamad Farhan, Philosopher

الفيلسوف / محب الحكمة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ  

   هذا هو الفصل الرابع من كتابنا الجديد والموسوم :

      الفكر الألماني المعاصر

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

   قبل اربعين عاما وبالتحديد عام 1970 ، قرأ الدكتور محمد جلوب الفرحان (يومها كان طالبا في الصف الرابع – قسم الفلسفة) ، ما توفر في مكتبة كلية الاداب – جامعة بغداد ، عن رائد الفلسفة التحليلية وعالم المنطق الرياضي وفيلسوف اللغة جوتلوب فريجه (1925 – 1848) . وكان واحدا من اهم الابحاث التي تناولت منطق فريجه ، بحث بعنوان ” منطق اللغة ” الذي كتبه استاذي الدكتور ياسين خليل طيب الله ثراه ، ونشرته مجلة كلية الاداب – جامعة بغداد عام 1962 ، بعيد عودته من المانيا حيث اكمل الدكتوراه في المنطق هناك  .  ومن ثم توافر في المكتبة كتاب الدكتور ياسين خليل ” مقدمة في الفلسفة المعاصرة ”  الذي ساعدت على نشره كلية الاداب (طبع في بيروت 1970) وكان يومها الدكتور ياسين خليل يعمل استاذا لتدريس المنطق وفلسفة العلوم في ليبيا . وقد تناول في جزء مهم من كتابه هذا ، جوانب  من منطق وفلسفة اللغة عند فريجه . وكان هذا الكتاب فتحا جديدا في دار الفلسفة العراقية والعربية .

  ومن ثم تعمقت علاقة الدكتور محمد جلوب الفرحان بعالم المنطق الرياضي فريجه ،  وذلك عندما بدأ دراسته للماجستير . ففي العام 1973 ، وفي الفصل الاول من السنة التحضيرية (وفي مادة فلسفة العلوم) طلب الدكتور ياسين خليل من تلميذه محمد جلوب الفرحان ،( وهو الطالب الوحيد الدي اختار هذه المادة التي يدرسها المرحوم ياسين خليل ولفصلين دراسيين) ان يقدم سيمينارا ، وقد اختار له العنوان الاتي : ” النزعة الرياضية في المنطق : جوتلوب فريجه وبرتراند رسل انموذجا ” . وقد استثمر الدكتور محمد جلوب الفرحان من المادة العلمية التي وفرها هذا السيمينار ، ومناقشات الاستاذ المرحوم ياسين خليل ، في اختيار موضوع رسالته للماجستير ، وكذلك استثمر رمزية فريجه في كتابة رسالته للماجستير ، وخصوصا في عرض منطق ارسطو . وبالتحديد الاشكال المنطقية وضروبها ، والتي تم انجازها في شتاء 1976 ومناقشتها في صيف 1976 .

     وبعد انجاز القسم الاول من رسالتي للماجسير ، والذي كان بعنوان : الاصول الفكرية في نظرية ارسطو المنطقية ، والذي ضم فصلين : الاول كان بعنوان : الفلسفة الرياضية قبل ارسطو (والذي درسنا فيه اضافات الفيثاغورية في علم الحساب والهندسة، وأثر بارمنيدس وزينون خصوصا في قانوني الذاتية وعدم التناقض ، والبرهان غير المباشر) . والثاني كان بعنوان : محاولة افلاطون لوضع اسس العلم البرهاني (والذي بحثنا فيه الحساب الفلسفي والهندسة الفلسفية والاستدلال الرياضي ..). شعرت يومها ان فريجه كان قارئا جيدا للفيثاغورية والمدرسة الايلية(خصوصا بارمنيدس وزينون) وفلسفة افلاطون الرياضية ، وبالتحديد في كتابي فريجه : القوانين الاساسية لعلم الحساب و اسس علم الحساب .

     كما ان قارئ الفصول الاربعة من القسم الثاني ، التي كتبناها في رسالتنا للماجستير “تحليل ارسطو للعلم البرهاني ” ،  وهي على التوالي : البرهان في علم المنطق ، البرهان في الحساب والبرهان في الهندسة  والبناء المنطقي للعلوم البرهانية . اضافة الى البحث الذي كتبناه والذي كان بعنوان : الاثر المنطقي لارسطو على هندسة أقليدس ، والذي نشرته مجلة اداب الرافدين (تصدرعن كلية الاداب – جامعة الموصل – 1978) .  نقول ان قارئ هذه الفصول يدرك بشكل واضح ان فريجه قد استبطن الشئ الكثير من ارسطو ومنطقيته وفلسفته الرياضية ، ومن اقليدس وفلسفته الهندسية والعددية

   وهنا أجد من المفيد ان أشير الى ان واحدا من معاصري فريجه ، وزميله في جامعة جوتنكن ، وفي كلية الرياضيات بالتحديد ، هو مورتز كانتور الذي اشتغل لفترة طويلة على تاريخ الرياضيات ، والذي تتوج عمله بنشر كتابه الموسوعي المعنون : التاريخ الشامل للرياضيات ، وهو تلميذ البروفسور كاوس الذي سيعتمد فريجه على عمله في كتابة اطروحته للدكتوراه . ولكل هذا نحسب ان كتابات امير الرياضيات كاوس والمجلدات الاربعة في تاريخ الرياضيات التي كتبها تلميذه كانتور ، كانت من مصادر فريجه التي مكنته من الاطلاع على الفلسفة الرياضية قبل ارسطو ، وفلسفة افلاطون الرياضية على وجه الخصوص .

   كما واستفاد الدكتور محمد جلوب الفرحان من فريجه وخصوصا في نظرته الى البديهيات في المنطق والرياضيات ، ومحاولة رد البديهيات الرياضية الى المنطق ، في كتابة بحثه المعنون : ” الطريقة البديهية عند الغزالي ” والذي نشرته مجلة اداب الرافدين – تصدرها كلية الاداب – جامعة الموصل ، العدد (11) سنة 1979 .

  واحتل جوتلوب فريجه حيزا متميزا في اطروحة الدكتوراه المعنونة ” المنطق الرمزي واسهامات العرب المنطقية ” ، التي اشتغل عليها الدكتور محمد جلوب الفرحان (11 شهرا) ، عندما ذهب مبعوثا الى جامعة ليدز – برادفورد لدراسة الدكتوراه (العام 1990) وكانت تحت اشراف البروفسور روجر فلوز . ولكن بسبب احتلال الكويت وتجميد البنوك البريطانية للممتلكات العراقية ، تم نقل الدراسة الى جامعة بغداد . ولعدم وجود المشرف المتخصص وانتقال الدكتور ياسين خليل الى ذمة الخلود . فقد كتب الدكتور محمد جلوب الفرحان ، اطروحة جديدة وكانت تحت اشراف الاستاذ المتميز مدني صالح ، طيب الله ثراه  .

  حقيقة  لقد توفرت فرصة ممتازة للدكتور محمد جلوب الفرحان في المملكة المتحدة ، وذلك بما تميز به الجو الاكاديمي الحر هناك . فقد كان مبتهجا بكل ذلك فشد العزم على  استثمار كل الفرص التي وفرها القسم  له ، والتي تمثلت بحضور سيمنارات كادر القسم وسيمنارات طلبة الدكتوراه . وخصوصا ان واحدا من اهم كوادر قسم الفلسفة في ليدز ، هو البروفسور بيتر كيج ، المشهور في سمعته العالمية في الكتابة عن فريجه . وقد استفاد الدكتور الفرحان الشئ الكثير من سيمناراته التي تتميز بطعم خاص في معالجة الصعوبات في كتابات فريجه . كما وانه انتفع خصوصا من امتيازات مكتبة الجامعة ، وتسهيلها الحصول على اي كتاب ومن اي مكتبة داخل المملكة المتحدة .

   وفعلا فأن الدكتور الفرحان عكف على القراءة اليومية  في مكتبتي جامعتي ليدز وبرادفورد ، وهذه القراءة تحولت الى طقس يومي ، لا تعطله او توقفه اية مشاغل او مناسبات .  ما عدا نصف ساعة لتناول الغذاء ونصف ساعة اخرى للعشاء . كان حصاد هذه الفترة قراءات واسعة وتفصيلية في تاريخ المنطق الرمزي . ومن ضمن ما استهدفته هذه القراءات ، قراءة مجمل تراث جوتلوب فريجه المترجم من الالمانية الى الانكليزية . ولعل من اهمها :

1 – القوانين الاساسية لعلم الحساب ، نشرة ام . فورث ، مطبعة جامعة كليفورنيا 1964 2 – اسس علم الحساب ، ترجمة ج . ل. اوستن ، بلاك ويل ، اكسفورد 1968

3 – العلامات المفهومية ومقالات لها علاقة ، ترجمة وتقديم ت . بايمن ، مطبعة جامعة

 اكسفورد 1972

4 – الرسائل الفلسفية الرياضية ، ترجمة كيل ، بلاك ويل ، اكسفورد 1980

5 – اوراق فريجه في الرياضيات والمنطق والفلسفة ، نشرة ماك جونز ، بلاك ويل

 اكسفورد 1984

وعشرات المراجع التي تناولت اوجه مختلفة من منطق وفلسفة اللغة عند فريجه .

  اعود من جديد الى فريجه ، الذي اجمعت مجمل الابحاث الاكاديمية المنشورة بالانكليزية على انه دشن مسارا جديدا في المنطق الحديث ، والذي منحه بأمتياز ان يكون الرائد في المنطق الرياضي والرمزي على حد سواء ، وان يكون واحدا من مؤسسي الفلسفة التحليلية ، والحارث المتفرد في فلسفة الرياضيات .

   نسعى في هذا الفصل الى تقديم دراسة ، تفتش بعمق في حياة فريجه ، وخصوصا في السنوات الاولى من تعليمه ، وذلك بهدف معرفة التحولات العلمية والاكاديمية ، التي انتهت به ، الى مضماري الرياضيات والفلسفة . ومن ثم بحثنا في النشاطات البحثية للدكتور فريجه . والتي تمثلت بالعمل الاكاديمي (التدريس) والذي اثقله كثيرا ، وعثر مشروعه في البحث والكتابة . فمثلا لاحظ الباحث انه خلال السنوات الخمس الاولى وحتى نشر كتابه الاول العلامات . لم ينشر الا اربع مقالات : ثلاث منها مراجعات ، وواحدة في الهندسة . وعلى الرغم من الاستقبال الفاتر الذي واجهه كتاب العلامات ، وتوقفه من اتمام مشروعه المنطقي الذي اعلنه في مقدمة العلامات .  فانه انكب على الكتابة  وأصدر رائعته المعنونة : ” اسس علم الحساب : بحث رياضي منطقي في مفهوم العدد ” . غير ان مراجعات هذا الكتاب جاءت عكس ما توقعه فريجه ، فقد كانت عدائية . ومن الملاحظ ان هذه النتيجة قد سببت خيبة امل لفريجه ، الا أن هذا الرمز الرائد لم يتخلى لحظة عن مشروعه المنطقي .

   وفعلا قام بنشر المجلد الاول من كتابه : ” القوانين الاساسية لعلم الحساب ” ، والذي يعد ثمرة بحث استمر تسع سنوات . ان هذا البحث شكل طرفا مهما من المحور الذي تناولنا فيه الخطوات القادمة من مشروع فريجه المنطقي . ومن الابحاث الرائدة التي ظهرت في هذه الفترة ، وشكلت طرفا مهما من المشروع المنطقي : ثلاثة ابحاث ، وهي : الدالة والمفهوم  ، المعنى والمرجعية ، وفي المفهوم والموضوع . وقد شهدت هذه الفترة ، نوعا من الانفتاح الاكاديمي على فريجه ومؤلفاته . غير ان الاهمال ظل هو السائد . اضافة الى خيبة الامل التي سببها نقد رسل له ، وذلك عندما اكتشف التناقض في نظام فريجه. ومن ثم فضل في كتابه مبادئ الرياضيات ، ان يستخدم رمزية الايطالي بيانو على حساب لغة فريجه الرمزية . في حين ان بيانو أعلى بنفسه ، من مكانة اللغة الرمزية الفريجيه ، وأستشهد كثيرا بفريجه . مما حمل رسل لاحقا ان يعيد الاعتبار لفريجه ويعترف بأهميته في تاريخ المنطق الرمزي وفلسفة الرياضيات .

 ومن ثم تحول مضمار الفصل ، الى جادة البحث التخصصي في تراث فريجه . وشمل اربعة محاور ، وهي على التوالي : اسهماته في العمل الفلسفي – المنطقي ، جهوده في فلسفة الرياضيات ، عمله في المنطق الفلسفي . واخيرا مساهمته في نظرية المعنى . وختمنا هذا الفصل بتعقيب ختامي ، تم فيه مراجعة بعض القضايا المهمة التي لفت تراث فريجه الفلسفي والمنطقي . 

1 – السيرة والسنوات الاولى من التعليم :

   تكاد ان تكون المعلومات المتوافرة لدينا عن حياة الرائد فريجه ، قليلة جدا . خصوصا السنوات الاولى قبل انخراطه في التعليم الاكاديمي . وهذا الحال نواجهه في اغلب المؤلفات التي جاهدت للكتابة عن حياته ، سواء التي ترجمت من الالمانية الى الانكليزية او التي كتبت مباشرة بالانكليزية واعتمدت مصادرا او مراجعا المانية وغير المانية . ولعل الشاهد على ذلك ما كتبه الاستاذ ” هانز سلوكه ” وهو باحث الماني متمكن من الكتابة في الالمانية والانكليزية على حد سواء . ففي كتابه المعنون : ” جوتلوب فريجه ” (المنشور بالانكليزية من دار روتلدج ، لندن 1980) قد اشار الى ” ان هذا الكتاب هو حصيلة تطورات عميقة ، تمتد لاكثر من عشرين عاما ، في الاهتمام بتراث فريجه . والتي هي جزء من رحلتي العلمية من ميونخ في المانيا الى اكسفورد ولندن في بريطانيا والتي انتهت بالاستقرار في جامعة براكلي في الولايات الامريكية المتحدة ” .

ان هذا الكتاب مهم جدا في البحث عن منطق وفلسفة فريجه ، خصوصا انه كتب من زاوية المصادر والمراجع الالمانية مباشرة . الا ان ما ينقصه ، هو انه اهمل الكتابة من وجهة نظر المصادر الالمانية عن حياة فريجه . ونحسب انه مدخل في غاية الاهمية في فهم التطور الفكري لهذا الرمز الفلسفي المهم في تاريخ المنطق الحديث والفلسفة التحليلية .

   اما الكتاب الثاني ، فهو الاحدث والاهم من زاوية حياة فريجه وتطوره الفكري .  وجاء الكتاب بعنوان ” فريجه : مقدمة نقدية ” والذي كتبه بالانكليزية ، الاستاذ هرولد نونن ، وهو الاستاذ في جامعة برمنكهام ( نشرة بلاك ويل ، اكسفورد 1988) . ففي الفصل الاول والمعنون ” مقدمة : حياة فريجه واعماله ، ص ص 35 – 1) . حقيقة ان هذا الفصل لم يشبع رغبة الباحث ، وذلك لان المعلومات عن حياة فريجه ، تكاد ان تكون غائبة . على كل هذاهو قدر هذا الرائد (نعني فريجه) ، كماهو قدر الباحث والقارئ على حد سواء .

 على كل ولد فردريك لودفيغ جوتلوب فريجه في العام 1848 في مدينة ويسمر ، التي تقع على الساحل البلطيقي من الجانب الالماني . والتحق في الجيمنزيوم ( وهي مدرسة تعد الخريج الى الجامعة ) في ويسمر ، ودرس فيها مدة خمس سنوات ( من 1864 الى 1869) . وفعلا اجتاز امتحان التخرج في ربيع 1869 ، الذي أهله لدخول جامعة ينا .

  صرف فريجه سنتين في جامعة ينا ، درس خلالهما الكيمياء والرياضيات والفلسفة . ومن ثم تحول الى جامعة جوتنكن . وهناك من يعتقد بأن هذا التحول الى جامعة جوتنكن ، لم يكن قرارا شخصيا من قبل فريجه . وانما كان بتأثير واحد من اساتذته في كلية الرياضيات ، وهو البروفسور أرنست كارل أبيي (1905 – 1840) . وفي هذه الجامعة درس فريجه الفلسفة ، الفيزياء والرياضيات .

  وفي العام 1873 تقدم فريجه بأطروحته لنيل درجة الدكتوراه ، وكان عنوانها : “عرض هندسي للاشكال المتخيلة للسطح المستوي ” . وهذه الاطروحة هي امتداد لعمل جوهان كارل كاوس (1855 – 1777) في الاعداد المركبة . وفعلا حصل فريجه على دكتوراه فلسفة من جامعة جوتنكن ، في ديسمبر1873 .

  بعد ذلك تقدم للحصول على وظيفة محاضر في جامعة ينا . وكان من بين الوثائق التي ارفقها لدعم طلبه ، اطروحته الثانية ( وهي اطروحة ما بعد الدكتوراه وهي شرط في الجامعات الالمانية للتعليم الاكاديمي ) . وكان عنوانها : ” طرق الحسابات المؤسسة على توسيع مفهوم الحجم ” .  وفي هذه الاطروحة ظهر لاول مرة اهتمام فريجة بمفهوم  ” الدالة او بالانكليزية(الفنكشين) مثال ذلك : العلاقة بين اعضاء مجموعتيىن هي الدالة التي نعبر عنها رمزيا بالشكل الاتي :”  ^ – = ^ – ” والتي ستلعب دورا مركزيا في ثنايا فلسفته .

  حقيقة ان عمل فريجه قد خضع للتقويم من قبل كلية الرياضيات في جامعة ينا ، ومن ثم على اساس هذا التقويم تم قبوله والاعتراف به . وفي تقرير كتبه البروفسور أرنست أبيي ، تكهن بان هذا العمل احتوى بذور وجهة النظر التي ستنجز تطورا متقدما في التحليل الرياضي . ونتيجة لذلك سمح لفريجه على اداء الامتحان الشفهي الذي اجتازه بالطبع . وعلى الرغم من ذلك ، فأن التقويم اعتبره ” ليس بسريع البديهية ، وتنقصه الفصاحة “.

وبعد جدل عام ومن ثم طلب منه تقديم محاضرة تجريبية ، عين فريجه محاضرا في جامعة ينا في مايس 1874 . والتي ظل يعمل فيها طول حياته المهنية .

2 – الأستاذ الأكاديمي فريجة ونشاطاته البحثية 

    استهل الاكاديمي فريجه عمله الجامعي ، بمحاضرات كثيرة اثقلت كاهله . وربما اثرت نوعا ما سلبا على كتاباته وابحاثه العلمية يومذاك . والشاهد على ذلك قائمة نشاطاته البحثية للفترة الممتدة من تاريخ تعيينه في الجامعة 1874 الى تاريخ نشر كتابه

الاول والذي كان بعنوان ” العلامات المفهومية ” ، والذي صدر في العام 1879 . فخلال هذه السنوات الخمس لم ينشر فريجه سوى اربعة مقالات قصيرة ، ثلاث منها كانت مراجعات ، بأستثناء مقالة واحدة كانت عن الهندسة .

  عاش فريجه ، بعد نشر كتابه العلامات ، في فرحة غامرة غطت مجمل حياته الخاصة والاكاديمية . فقد كان يومها الدكتور فريجه شابا (عمره لم يتجاوز الحادية والثلاثين ربيعا) ، مفعما بالطموح  ، يعيش حياته ويعمل اكاديميا وفق خطة مرسومة . ولعل  المقدمة التي كتبها فريجه لهذا الكتاب تدلل على كل ذلك بصورة واضحة .

   اضافة الى ذلك ، فقد كان الاستاذ فريجه يتمتع بمكانة محترمة في الكلية التي يعمل فيها ، وخصوصا تقدير واحترام طلبة الرياضيات في جامعة ينا . ولعل الوصف الذي تقدم به رودلوف كرناب ، وكان واحدا من طلابه (انظر الفصل الثالث من كتابنا : الفكر الالماني المعاصر)  ينسجم ويتناغم مع تقويم البرفسور ارنست أبيي ، والذي تضمنه تقريره الاكاديمي عن نشاطات الدكتور فريجه ، والذي ارسله الى الجامعة في العام 1879 .

   فمثلا قد جاء في التقرير ” ان هناك القليل من المتعة للطلبة العاديين الذي يحضرون محاضرات الدكتور فريجه ، رغم انهم اكتسبوا نوعا من التدريب على الاستماع في محاضراته . ولكن الدكتور فريجه بكل المعايير الاكاديمية ، يتمتع بالاسلوب الواضح والدقة في التعبير ، والعناية العالية بمحاضراته ، والتي تستهدف الطلبة المتطلعيىن الى دراسة الجوانب الصعبة من الابحاث الرياضية . وانا (البرفسور ارنست أبيي) بنفسي قد استمعت الى محاضرات فريجه مرات عديدة ، والتي كانت تتميز بالكمال المطلق والتي غطت كل النقاط الاساسية ” .

 وفعلا فأن الكمال في كل نقطة اساسية ، كان هدف فريجه الناجز في كتابه العلامات ، والذي يعد الخطوة الاولى في مشروعه المنطقي . ولعل الحاصل من هذا الانجاز الفريجي (نسبة الى فريجه) هو ترقيته اكاديميا في سنة 1879 الى درجة بروفسور خاص ، وترقية مالية تمثلت بحصوله على معاش شهري ثابت بعد ان كان محاضرا . ان كل ذلك جاء نتيجة لتوصية قوية ، كتبت من قبل البروفسور ارنست أبيي ، والذي كتب في الوقت ذاته تقريرا تقويميا لكتاب العلامات ،الذي قومه بدرجة “تقدير عال” .

  ونحسب انه من النافع ان نقف على ما جاء في تقرير التقويم الذي كتبه البروفسور ارنست أبيي  . فقد ضم التقرير تكهنات لما سيتركه كتاب فريجه على مستقبل الرياضيات . رأى ارنست أبيي ان هذا الكتاب ” سيؤثر بصورة مهمة ، وفي المدى البعيد على الرياضيات . ولكن يبدو ان تأثيره سيكون محدودا في المرحلة الراهنة ، وذلك لما تمتع به المؤلف من اتجاه ، وما ضمه الكتاب من محتويات ” ومن ثم استمر البروفسور أبيي مقوما كتاب العلامات قائلا : ” وسيجد  بعض من علماء الرياضيات الشئ القليل اذا نظروا الى الكتاب من زاوية العلاقات القديمة المتبدالة في المعرفة ” ولكن ” نادرا ما سنجد من يكون قادرا على فهم الافكار الكثيرة التي احتواها ، وان عددا قليلا من رجال الرياضيات من سيثمن قيمته الحقيقية ” . 

  ان تشاؤمية البروفسور ارنست أبيي من الطريقة التي استقبل بها كتاب العلامات ، كانت في محلها . فقد تم مراجعة الكتاب من قبل ستة مؤلفين وكان بعض منهم من علماء المنطق ، الا ان جميعها قد خلت من اي تثمين لفريجه وكتابه العلامات . كما وان المراجعات التي قام بها المنطقيان ارنست شرودر (1902 – 1841) من المانيا وجون فنن (1923 – 1834) من انكلترا ،  قد حملت خيبة امل مريرة . فقد نظروا الى كتاب العلامات بمنظار متدني عند مقارنته بمنطق جورج بول (1864 – 1815) الذي يعد رائدا في عصره . اما كتاب العلامات فحسب رأي جون فنن ” جهد لا طائل له ، مزعج وغير ملائم “. ومن وجهة نظر ارنست شرودر ” مكان مخلافات ضخم ” وفيه “تساهل مع التقليد الياباني في الكتابة العامودية ” .

   سبب الاستقبال الضعيف لكتاب العلامات ، هموما جديدة للدكتور فريجه ، حملته الى تعطيل خطته التي اعلن عنها في مقدمة الكتاب ، والتي كان من بينها تأليف كتاب يتبع العلامات ، يركز فيه على تحليل مفهوم العدد . الا انه بدلا عن ذلك ،  تفرغ للرد على نقاد كتاب العلامات . وفعلا كتب بحثين ركز فيهما على عقد مقارنة بين رمزيته المنطقية مع الجهود المنطقية لجورج بول . وكان البحث الاول بعنوان ” الحساب المنطقي لجورج بول ومفهوم الكتابة ” . وقد رفضت نشر هذا البحث ثلاثة مجلات . اما البحث الثاني ، فهو نسخة مختصرة جدا للبحث الاول وكان بعنوان: ” الصياغة المنطقية للغة عند جورج بول وكتابي العلامات المفهومية ” والذي رفض نشره كذلك.

   واخيرا نجح فريجه في نشر العديد من التبريرات التي تدافع عن كتابه العلامات ، من مثل البحث المعنون ” التبرير العلمي للعلامات المفهومية ” . ومن ثم قدم محاضرة في مؤسسة ينا للطب والعلوم  والتي نشرت لاحقا ، والتي قارن فيها بين رمزيته وطريقة جورج بول . كما انه قرر بسبب المراجعات المخيبة للامال لكتاب العلامات ، ان يكتب نصا غير رمزي (صوري) حاول فيه اشتقاق لغة التداول اليومي الالمانية . وقد كتبه ضد الخلفية الفكرية لوجهات النظر النقدية التقليدية لمفهوم العدد ( والتي تشمل الكانتية والتجريبية ) . ولعل الحاصل من ذلك رائعته المشهورة : ” اسس علم الحساب : بحث رياضي منطقي في مفهوم العدد ” والذي نشر في العام 1884 .

  عقد فريجه الامال العريضة على كتابه اسس علم الحساب ، وكان يحسب ان انجازه لهذا المشروع سيشبع رغبات الاكاديميين المترقبين طويلا لمثل هذا النوع من الكتابة . حقيقة ان كتاب الاسس ، كتب بطريقة ذكية عالية جدا ، عكست وجهة نظر المؤلف سلبا وايجابا . الا ان الكتاب قد حصل على ثلاثة مراجعات فقط ، جميعها كانت مراجعات عدائية. فمثلا عالم الرياضيات الالماني جورج كانتور (1918 – 1845) في مراجعته انتقد فريجه ” على اساس سوء فهم للاعداد ، وذلك عندما رأى انها مجموعات من الموضوعات الفيزيائية ” . ان هذا الموقف من كتابات فريجه ، يعود الى اكثر من عشرين  سنة من الاهمال وعدم القراءة والاطلاع . ولعل التفسير الجزئي لهذا الاهمال ، هو الاستقبال الضعيف الذي حصل عليه كتابه العلامات ، والذي لم يسهم في شيوع سمعة فريجه بحيث تجعل من علماء الرياضيات والفلاسفة ، يترقبوا عمله القادم ، و من ثم يبذلوا جهدا في فهمه وتقويم نتائجه . ومهما تكن النتيجة ، فأن فريجه استمر في العمل على مشروعه المنطقي رغم الاهمال وعدم الدعم من قبل زملاء الاختصاص والعمل الاكاديمي .

3 – الخطوات القادمة من مشروع فريجه المنطقي :

   جاءت الخطوة الثانية من مشروع فريجه المنطقي ، عندما ظهر المجلد الاول من كتابه ” القوانين الاساسية لعلم الحساب ” والذي نشر في العام 1893 . ان هذا الكتاب جاء ثمرة ابحاث استمرت تسع سنوات في فلسفة اللغة ، وفي منطق الاسس الذي عمل على تطويره باستمرار . ولعل من المفيد الاشارة الى ان فريجه خلال هذه الفترة قد نشر ، وخصوصا في البدايات المبكرة من التسعينات ثلاثة ابحاث مشهورة له ، وهي “الدالة والمفهوم ” و ” المعنى والمرجعية ” و ” في المفهوم والموضوع ” . وتعد هذه الابحاث الثلاثة من الاعمال الكلاسيكية في فلسفة اللغة . والبحث الثاني يعتبر بحثا من الواجب مراجعته لكل من رغب فهم الفلسفة التحليلية في القرن العشرين بصورة عامة . اما اهمية هذه الابحاث بالنسبة لفريجه ، فهي أنه بين للقراء التغييرات التي اجراها على وجهات نظره يوم كتب الاسس ، وأعدهم لاستقبال كتابه القوانين الاساسية .

   ونحسب ان هذه الفترة دشنت مرحلة جديدة ، فقد بدأ الاهتمام باعمال فريجه ، خصوصا عندما اخذ عالم الرياضيات الايطالي جوسيب بيانو (1932 – 1858) يقتبس من كتابات فريجه في مؤلفاته . وكذلك استهل الفيلسوف الظاهراتي الالماني أدموند هوسرل (1938 – 1859) مراسلاته مع فريجه . انها مرحلة الانفراج ولحظة الانفتاح على كتابات فريجه . وكذلك بداية الاعتراف بجهوده في المنطق الرياضي وفلسفة اللغة  وانجازاته الاخرى .

   والحقيقة ان فريجه بعد اكماله كتابة المجلد الاول من كتابه القوانين الاساسية ، اخذ يتطلع الى الامام . خصوصا في التفكير بنشر مؤلفاته ، ومن ثم انتزاع اعتراف بأعماله التي اهملت طويلا . ولكن بسبب الاستقبال الضعيف الذي واجهته مؤلفاته ، اخذ الناشرون يترددون في طبع المؤلفات الكبيرة كاملة . الا ان فريجه توصل الى اتفاق مع الناشر هرمان بوهل في ينا ، والذي نشر ” الدالة والمفهوم ” ، على ان يقوم بنشرها في مجلدين ولكن بشرط ، وهو ان نشر المجلد الثاني يعتمد على نجاح المجلد الاول . وبهذه الطريقة تم طبع المجلد الاول عام 1893 .

 وفعلا كانت تراود فريجه هواجس داخلية ، تشعره بأن هذا العمل سيفشل وسوف لن يحصل على الاعتراف الذي يستحقه . ولهذاعمل بجهود استثنائية لتيسير هذا الكتاب وجعله متوافرا للقراءة . ومن ثم كتب في المقدمة بعض الوصايا التي تعين في قراءة الكتاب وصولا الى فهم محتواه . وقدم عرضا لبراهينه مع موجز لاهميتها ، كما لفت انتباه الاكاديميين الى اهمية استجابتهم لاعماله . ولكن عدم اغفال انتقاد النظريات المعارضة لخطه المنطقي والفلسفي .

  والواقع ان كل هذه الجهود لم تفلح شيئا ، فأن كتاب القوانين الاساسية لم يحصد الا على مراجعتين فقط . وكلاهما كانتا سلبيتان ، واحدة منهما ثلاث جمل فقط  . ولعل الحاصل من ذلك ان الناشر رفض طبع اعمال فريجه . وان المجلد الثاني لم ينشر الا بعد عشر سنوات ، وقد طبع على نفقته الخاصة .

  وعلى الرغم من ذلك ، فأن طباعة المجلد الاول قد حقق تحسينا للظروف المادية ومن ثم الاكاديمية للدكتور فريجه . فقد حصل على لقب بروفسور شرف ، والذي حرره من اي التزامات ادارية . وقد قبل هذا الموقع بسبب انه حصل على منحة مالية من مؤسسة كارل زيس ستفتنك ، وبدعم من قبل البروفسور أرنست أبيي (* و كارل زيس (1888 – 1816) هو عالم البصريات الذي تعاون مع ارنست أبيي في مشروع تصنيع عدسات الميكرسكوب ، وبعد وفاته سميت مؤسسته بأسم كارل زيس ستفتنك ) .

  لقد وفر هذا الموقع الجديد الكثير من الوقت للبروفسور فريجه لاجراء ابحاثه ، ومن ثم الانخراط في مراسلات مع العديد من الاكاديميين خصوصا بعد نشر المجلد الثاني . كان حصيلة هذه الفترة نشره العديد من المقالات ومراجعة عدد من مؤلفات كتاب اخرين ، مما وفر كل ذلك اثرا على مستقبل عمله في القوانين الاساسية .

   وكان الحصاد العلمي المثمر الذي حصل عليه فريجه ، هو مراسلة الاكاديمي وعالم الرياضيات الايطالي بيانو الذي كتب اطول مراجعتين للمجلد الاول من كتاب القوانين الاساسية . والمراجعة بدأت بتبادل وجهات النظر التي قادت بيانو على عمل تعديلات على رمزيته المنطقية . وهاتان المراجعتان دللتا عل علو مكانة الاشارات المنطقية لفريجه على رمزية بيانو . ولكن جاءت الرياح تحمل اشياء غير سارة لفريجه ، فقد تجاهل برتراند رسل اشاراته المنطقية ، وبالمقابل تبنى رمزية بيانو كما اخبر الاخير فريجه . الا ان رسل بعد ان قرأ مراجعة بيانو لكتاب فريجه . اعترف بأنه أسف على عدم قراءة هذا الكتاب ( الا انه قرأه في العام 1901) . ولكن من خلال قراءة مراجعة بيانو ، تبين لرسل ” ان فريجه يجب ان يكون متميزا ” .

  كما وترك فريجه في هذه الفترة اثرا على اكاديمي اخر وهو هوسرل ، وبالتحديد قبل نشر المجلد الثاني من القوانين الاساسية . هوسرل بدأ واحدا من حواري الفيلسوف وعالم النفس الالماني فرانز برنتانو (1917 – 1838) ، ومدافع عن النزعة النفسية     ( وهي محاولة لتأسيس المنطق والحساب على علم النفس ). وقد نشر هوسرل في العام 1891 المجلد الاول من كتابه ” فلسفة علم الحساب ” . وفي هذا الكتاب ، انتقد هوسرل فريجه ، والذي رد من طرفه على هوسرل بمراجعة موجعة (في العام 1894) . وترتب على ذلك ، ان تحول هوسرل من النزعة النفسية ، واصبح من اشد المعارضين لها ، ومن ثم طور مفهوم ” النوما ” وهو ” فعل الفكر ” والذي يتطابق ومفهوم فريجه في “المعنى” مع عزم على تعميمه بصورة أوسع .

  وعلى الرغم من استمرار الاهمال لعمل فريجه ، الا انه تمتع في هذه الفترة بنوع من السلوى والارتياح ، خصوصا انه اصبح معروفا ومحترما من قبل عدد من الاكاديمين الذين يتمتعون بسمعة علمية رصينة . ولهذا بدأ فريجه يتطلع لاستقبال جيد للمجلد الثاني من كتابه القوانين الاساسية . ورغم هذا الاهمال ، فأن فريجه لم يكن لديه اي شك في انجازاته . وقد جاء التعبير عن هذه الثقة في المقطع الاخير من مقدمة المجلد الاول. وفعلا كان لديه حس بأن هناك من سيحاول الاشارة الى وجود تناقض في نظامه ، وبأطمئنان عال تجاوز هذه القضية .

  وفعلا فأن خطابا جاء من برتراند رسل ، وبالتحديد في حزيران 1902. وقد سبب  هذا الخطاب صدمة قوية لفريجه . ويومها كان المجلد الثاني في المطبعة . لقد اخبر رسل فريجه بوجود تناقض في نظامه ، وعرفت هذه القضية لاحقا ” بمناقضة رسل ” والتي اكدت :  ” على امكانية اشتقاق التناقض من نظام فريجه المنطقي “. وفي الوقت ذاته عبر رسل عن اعجابه العالي بعمل فريجه واتفاقه الجوهري معه .  

   وفريجه اعترف بأن هناك فعلا مشكلة جدية قد حددها رسل في القانون الخامس من القوانين الاساسية ، كما ان هناك مشكلة في مصادر هذا القانون . ولذلك كتب خطابا لرسل استجابة لرسالته السابقة ، قال فيه : ” ان اكتشافك للتناقض ، سبب اندهاشا كبيرا لي ، لا تستطيع الكلمات وصفه . وانا استطيع القول انك تركتني في حالة اعصار رعدي ، سبب تشققا في اسس علم الحساب الذي شيدته … انها على كل ، موضوع جدي سبب انهيارا للقانون الخامس . ويبدو انه قوض ليس فقط اسس كتابي في علم الحساب . ولكن اسس علم الحساب بصورة اعم … ” .

  ولم يكتف فريجه بهذا الخطاب ، وانما حاول تطوير استجابة لمناقضة رسل . وفعلا نشر اصلاحا يشمل مجموعة تعديلات للنظام ، ضمه في الملحق الذي ألحقه في المجلد الثاني من القوانين الاساسية . وعلى اية حال فأن اصلاح النظام برهن على وجود عدم الاتساق فيه . الا انه لم يبدو واضحا ، على ان فريجه قد قبل نهائيا بأن عمله قد قوض تماما . كما ان المجلد الثالث من القوانين الاساسية لم يطبع نهائيا . وفي نهاية حياة فريجه اعترف بأن برنامجه المنطقي قد فشل ، وحاول في سنواته الاخيرة ان يؤسس علم الحساب على علم الهندسة .

  وبعد اكتشاف التناقض ، عانى فريجه من مأساة شخصية . فقد توفيت زوجته (ماتت  عشرين سنة قبل وفاته) وتركته وحيدا ، مهموما في كيفية تربية ولده بالتبني (الفريد) . وبسبب هذه المأساة ، لم ينشر الا القليل. منها مثلا بضعة مقالات عالجت اسس الهندسة والتي كانت استجابة للمراسلات مع عالم الرياضيات الالماني ديفيد هلبرت (1943 – 1862). ومنها ثلاث مقالات ضد علم الحساب الصوري (الرمزي) وهي استجابة الى الهجوم الذي وجهه له البروفسور جوهانز توما (1921 – 1840) ، وهو زميل اكاديمي له في جامعة ينا .

  ويبدو ان فريجه قد قلل مراسلاته في هذه الفترة ، واستمر في تقديم محاضراته في جامعة ينا . وخلالها قابل فتجنشتاين والذي كتب له ، بعد قراءة تفسير لوجهات نظره على كتاب رسل المعنون ” مبادئ الرياضيات ” . وان هذه المراسلات تتوجت بلقاء تم فيه مناقشة اراء فريجه مع فتجنشتاين . وهنا اقترح فريجه على فتجنشتاين للتوجه الى كيمبردج للدراسة مع رسل . وكما ذكرنا في الفصل الثالث ، فخلال هده الفترة حضر رودلوف كرناب محاضرات فريجه . وهو مثل فتجنشتاين من اشد المعجبين بفريجه . وقد قام بتطوير ونشر افكار استاذه فريجه عندما اصبح رمزا فكريا مؤثرا .

   تقاعد فريجه من العمل الجامعي في العام 1918 ، ومن ثم انتقل الى بادكلينن بالقرب من مدينته ويسمر . الا انه لم يتوقف عن العمل ، بل واصبح اكثر نشاطا . فكتب سلسلة من الابحاث . كان الاول منها بعنوان ” الافكار ” والذي كان له اثارا قوية ، تمثلت بالمناقشات الواسعة له ، التي تخطت حتى بحثه المشهور ” في المعنى والمرجعية ” . كما وان فريجه خلال هذه الفترة ، اصبح مقتنعا بأن علم الحساب يتوجب تشيده على اسس هندسية. وقد اوضح ذلك في قطعة كتبها في اخر سنة من حياته . وكانت بعنوان :

” الاعداد وعلم الحساب ” . يقول فيها : ” … اصبحت اكثر قناعة ، بأن علم الحساب والهندسة تطورا من نفس الاسس – في الحقيقة هي اسس هندسية – ولذلك فأن الرياضيات في مجملها حقيقة هي الهندسة … ” .

   وهكذا تخلى البروفسور فريجه عن وجهة نظره القديمة ، والتي تصعد الى كتاباته الاولى ، والتي اكدت على ان ” الحساب ، وعلى خلاف الهندسة ، هو مصدر المعرفة الاولية التي لا تحتاج الى اسس لها في الحدس ” . وعلى اية حال ، لم يبقى من الوقت ما يكفي لفريجه ليتابع ابحاثه وفقا لافكاره الجديدة ، فقد توفي في العام 1925 وكان عمره سبع وسبعين عاما . وقبل ان يشهد بأم عينيه الأثر والانتشار الواسعين لافكاره وكتبه وابحاثه . ومن ثم اعتراف دوائر البحث الاكاديمي بتراثه . وخصوصا المنطقي والفلسفي منها على حد سواء .

ومن النافع ان نذكر بان فريجه سلم كتاباته غير المنشورة الى ولده الفريد ، وارفقها بملاحظة تقول :

   عزيزي ألفريد

لا تتلف هذه الاوراق التي كتبتها . حتى وان كانت قيمتها جميعا ليست بقيمة الذهب ، فأن هنالك فعلا ذهب فيها . وانا اعتقد ان هنالك اشياء ستكون لها يوما ما قيمة اثمن كثيرا مما هي عليه الان .  حافظ عليهم ، ولا تضيع منهم شيئا .

والدك المحب .            انها تشكل جزءا كبيرا من نفسي اسلمه لك .

   وقام ألفرد بتسليم هذه الاوراق الى هنريخ سكولز (1956 – 1884) البروفسور في جامعة منستر ، في العام 1935 . من سوء الحظ ان أصولها قد دمرتها قوات التحالف خلال عمليات القصف في الحرب . وبعد ذلك تم الحصول على نسخ لأغلبها ، ولتأخر طويل بسبب مرض سكولز ومن ثم وفاته ، طبعت في المانيا في العام 1969 ، ومن ثم في الانكليزية في العام 1979 . اما مراسلات فريجه فقد نقحت وطبعت في المانيا في العام 1976 ، ومن ثم نشرت بالانكليزية في العام 1980 .

4 – أسهامات فريجه في العمل الفلسفي – المنطقي :

     نحسب ان من الكتب الكلاسيكية الرائدة في اللغة الانكليزية عن فريجه ، كتابان :

الاول – كان بعنوان : فريجه : فلسفة اللغة ، والذي كتبه السير (والبروفسور) مايكل دمت (ولد 1925) ، وقد نشر في لندن في العام 1973. وهذا الكتاب ترك تأثيرا على جيل من الفلاسفة البريطانيين . واليوم لا يستطيع اي باحث في فلسفة فريجه ، ان يتجاوز كتاب السير دمت .

الثاني – كان بعنوان : جوتلوب فريجه ، الذي ألفه هانز سلوكه (سبق ذكره) . ومن ثم بحثه الممتاز  فريجه ونشأة الفلسفة التحليلية ، والذي نشره في العام 1976 في مجلة  “ابحاث” ، المجلد 18 .

  يجمع كل من دمت وسلوكه على ان جوتلوب فريجه ، هو اول فيلسوف تحليلي . وان افكاره حول اللغة تركت تأثيرا عميقا على عدد من المفكرين ، من أمثال فتجنشتاين وكرناب . وان الاخير يعد من المعارضين الاشداء للتحليل التقليدي . وكذلك في الامكان ادراك تأثير فريجه في الكتابات المنطقية والرياضية لبرتراند رسل . ونحسب ان تأثيره قد تجاوز ذلك ، ووصل حديثا الى جهود فلاسفة التحليل الذين جاهدوا في بناء نظرية شاملة في المعنى . كما انه في نقده المبكر للنزعة النفسية عند هوسرل ، قد اسهم في صياغة الفكر الظاهراتي .

 تتحدد اسهامات فريجه في العمل الفلسفي كما يقترح البروفسور هرلود نونن ، انها تركزت في اربعة مجالات : المنطق ، وفلسفة الرياضيات ، والمنطق الفلسفي ونظرية المعنى . ولعل اسهاماته في المنطق ، يمكن تلمسها في كتابه الاول  ” العلامات المفهومية ” الذي دشن فيه فريجه مرحلة جديدة من تاريخ علم المنطق .

   حقيقة ان حالة المنطق قبل فريجه ، قد شهدت هيمنة لنظرية القياس الارسطية ، وهي النظرية المنطقية التي ركزت جل اهتمامها على سلامة الاستدلالات ، والتي تتألف بمجملها من قضاياعامة . كما وان هذه القضايا تحتوي على تعابير من مثل : كل (وهو ثابت منطقي كلي موجب ) ، بعض (وهي ثابت منطقي جزئي موجب) ، ليس ( وهي اداة نفي اذا دخلت على الثابت المنطقي الكلي الموجب ، حولته الى ثابت منطقي كلي سالب . واذا دخلت على الثابت المنطقي الجزئي الموجب ، قلبت قيمته المنطقية الى ثابت منطقي جزئي سالب ) . ولعل خير مثال نقدمه على القياس الارسطي ، المثال الاتي :

              كل غزال هو حيوان

                 كل حيوان هو كائن حي

          اذن :كل غزال هو كائن حي

 نلاحظ ان في كل قضية (او قل جملة) من تلك القضايا الثلاثة ، هناك حد منطقي ، نطلق عليه اصطلاح الموضوع من مثل في القضية الاولى لفظة غزال ، وهناك حد منطقي اخر ، نطلق عليه اصطلاح المحمول من مثل في القضية الاولى لفظة حيوان .

ونصطلح على حد منطقي اخر ، اصطلاح الحد الاوسط ، وهو الحد الذي يتكرر في القضية الاولى والثانية ، وهي لفظة حيوان (* الحد الاوسط هو مثل الجسر ، يسهل مهمتنا للانتقال من المقدمات الى النتيجة) . ونصطلح منطقيا على القضية الاولى ، اصطلاح المقدمة الاولى . وعلى القضية الثانية نطلق عليها اصطلاح المقدمة الثانية . وعلى هذا الاساس فأن كل قياس ارسطي يتكون من مقدمتين وتتبعهما بالضرورة قضية ثالثة ، يصطلح عليها بالنتيجة . وهي بالمثال السابق : كل غزال هو كائن حي .

  حقيقة ان المنطق الارسطي ، هو منطق حدود . وذلك لانه ركز على العلاقات المنطقية بين الحدود . كما انه ركزعلى نماذج من القضايا التي تدخل في تركيبها التعابير

من مثل :  كل ، او بعض ، او ليس (والتي هي ثوابت مقابل المتغيرات : غزال وحيوان) . ولعل الامثلة التي تعرض النماذج للقضايا اعلاه ، هي :

                   أ تنتمي الى كل ب

                و ب تنتمي الى كل ج

             اذن  أ تنتمي الى كل ج

  ونافست النظرية المنطقية التي طورتها المدرسة الرواقية ، نظرية ارسطو في الحدود . فقد عرضت منطق قضايا . وكانت الرواقية مهتمة بسلامة الحجج ، من مثل :

             اذا انه نهار اذن انه مضئ

             انه نهار

            انه مضئ

   ان هذا النموذج عرض حجة سليمة ، كما جاء في التعبير الرواقي القائل :

           اذا الاول اذن الثاني

           الاول

      اذن الثاني

  وعلى هذا الاساس فأن المنطق الرواقي مهتم بسلامة هذه النماذج من الحجج ، والتي يمكن اعادة عرض القضايا وذلك بأستخدام بعض الرموز ( الاول ، الثاني ) والتي تدخل في تركيب اي قضية مهما تكون . والنماذج الرواقية درست القضايا التي تكون سليمة ، وذلك عندما تدخل في تركيبها العلاقات القضوية من مثل : النفي (او السلب) ، والربط والفصل والاشتراط  . وان استعمالها يترتب عليه بناء قضايا اكثر تعقيدا ، وذلك بالاعتماد على  القضايا البسيطة.

  وهاتين النظريتين المنطقيتين قد وجدتا لهما حضورا في عمل عالم المنطق الحديث جورج بول ، الذي طور نظاما جبريا احتوى القضايا العامة لمنطق الحدود الارسطي او القضايا الاكثر تعقيدا التي كانت موضوع المنطق الرواقي . وقد اطلق بول على قضايا المنطق الاول : أنموذج القضايا الاولية ، واطلق على قضايا المنطق الرواقي : أنموذج القضايا الثانوية . وهذا يؤشر وجهة نظر بول على الاولوية النسبية لهذين النوعين من القضايا . وكان يرى بأن القضايا الثانوية يمكن فهمها على انها تعميمات حول فئات المناسبات او الاوقات وغير ذلك ، والتي يمكن ردها الى القضايا الاولية .

  ان الضعف الكبير في المنطق قبل فريجه ، هو عجزه عن معالجة القضايا التي تحتوي على تعابير ” ذات الطبيعة العامة المتعددة ” . قضايا من مثل :

                    كل فتى يحب بعض الفتيات

               او بعض الفتيات محبوبات من قبل كل فتى

ان كلا من التعبيرين ( كل فتى ، بعض الفتيات ) ارتبطا بتعبيرات تعبر عن علاقة . ومثل هذه القضايا لها مكانة في الرياضيات كذلك ( مثل : كل عدد زوجي هو مجموع عددين اوليين ) ، والتي على الاغلب يغلفها الغموض . والواقع ان مناطقة العصر الوسيط قد اشتغلوا بشكل كبير على النظريات الفرضية ، والتي كان في طرف منها معالجة “التعابير ذات الطبيعة العامة المتعددة ” ،  ومن ثم تقدمت بشرح للغموض الذي يلفها . الا انها لم تتمكن من تقديم تفسير مقنع لها .

  كما ان نظام بول في طرفيه : المنطق الارسطي التقليدي في الحدود والمنطق الرواقي في القضايا والذي تم عرضه في نظامه . يكشف بأن الانتقال من الاستدلالات السليمة لمنطق القضايا الى الاستدلالات السليمة لمنطق الحدود ، كانت غائبة في النظام المنطقي البولي (نسبة الى جورج بول) . وذلك لان بول يعتقد بأن منطق الحدود ومنطق القضايا ، هما تفسيران للنظام الجبري ذاته .

  حقيقة ان النظام الذي قدمه فريجه في كتابه العلامات المفهومية ، حل كل هذه الصعوبات . والمدخل لهذا الحل هو انه وضع محل المفاهيم النحوية ، من مثل الموضوع والمحمول ، والتي هي تنتمي مركزيا الى القياس الارسطي . حل محلها مفاهيم رياضية للحجة والدالة .  وعلى هذا الاساس نظر فريجه الى القضية القائلة :

                   ثاني أوكسيد الكاربون أثقل من الهيدروجين

وهنا لا نجد تأكيد على الموضوع ” ثاني أوكسيد الكاربون ” ، ولا تأكيد على المحمول

” أثقل من الهيدروجين ” . وانما الاهتمام بقيمة الدالة ” أثقل من الهيدروجين ” وذلك لدعم حجة ” ثاني أوكسيد الكاربون ” ، او مرة ثانية من اجل الاهتمام بالدالة ” ثاني أوكسيد الكاربون أثقل من ” وذلك لدعم حجة ” الهيدروجين ” . او مرة اخرى من اجل قيمة الدالة الثالثة ” أثقل من ” وذلك من اجل دعم حجة الطرفين ” ثاني أوكسيد الكاربون ” و ” الهيدروجين ” .

 ومن ثم نظر في امثلة من علم الحساب :

       2+3 ( وهذه هي العدد 5) ،

 ويمكن التعبير عن قيمة الدالة بواسطة الصيغة الاتية:

      ( ) + 3  وذلك لدعم حجة العدد 2

او التعبير عن قيمة دالة مختلفة عن طريق الصيغة الاتية:

     2 + ( )   وذلك لدعم حجة العدد 3

او التعبير من اجل قيمة الدالة الثالثة بأستعمال الصيغة الاتية :

    ( ) + ( )     وذلك لدعم حجة الطرفين 2 و 3

وعلى اساس هذا التجديد ، اصبح فريجه قادرا على تقديم اكتشافه المنطقي المهم ، وهو السور المنطقي  . وترى هيلري بوتنم (1982) الى ان فريجه ، بالتأكيد هو الذي اكتشف السور . وبالتحديد قبل اربعة سنوات من نشر عالم الرياضيات الامريكي أوسكار هورد ميشل (1851 – 1889) لكتابه ” في الجبر الجديد للمنطق ” (1883) والذي تابع فيه خط ارنست شرودر . (* وأوسكار هو التلميذ الموهوب لعالم الرياضيات والمنطقي الامريكي ومؤسس البراجماتية تشارلز بيرس (1914 – 1839) والذي اشتغل في السيموطيقا او النظرية العامة للغة ) .

   و عودة الى فريجه ، فأننا نستطيع هنا التعبير عن حقيقة ان :

      ثاني أوكسيد الكاربون أثقل من الهيدروجين ،

   وبأستخدام دالة فريجه (لغة الحجة) وبالشكل الاتي :

  الدالة ” اثقل من الهيدروجين ” هي حقيقة حجة ” ثاني أوكسيد الكاربون “

  ومنذ ان الهيدروجين هو أخف الغازات :

  فالدالة ” أثقل من الهيدروجين ” هي حقيقة  “مهما يكن اي شئ هو حجتها” .

  وهذا الحال يبين الدعوى القائلة ، بأن كل شئ هو أثقل من الهيدروجين . واذا استخدمنا هنا نوعا من الرمزية المنطقية المتداولة ، والتي لم تكن مختلفة من رمزية فريجه ، فأن في امكاننا صياغة التعبير الاتي :

            (س ل)  ( س أثقل من الهيدروجين ) (* لم اجد في الكومبيوتر اي مساعدة ، تمكنني من رسم رمزية السورالكلي : وعلى كل هو يشبه أكس الانكليزية وبجنبها الحرف الاول الانكليزي (أي) مقلوبا وكلاهما محصورين في اقواس . وهنا استخدمت س للتعبير عن أكس ، ول للتعبير عن (اي) المقلوبة . هذا هو الخيار الوحيد للتعبير عن السور بالعربي). وهنا السور الكلي ( س ل) استوعب الطبيعة العامة لكلام فريجه القائل :     ” مهما يكن اي شئ هو حجتها ” .

   ان ادخال السور المنطقي ، مكن فريجه من التعبير بسهولة ، اضافة الى انه وفر له استخدام مفهوم واضح ، دون اي غموض لف التعبير. كما وان السور المنطقي لم يستخدم للتعبير عن قضية عامة واحدة كما في المثال السابق . بل استخدم السور للتعبير كذلك عن قضاياعامة ذات طبيعة متعددة ، من مثل :

         كل غاز أثقل من بعض الغازات    (* هنا واضح ارتباط التجديدات التي انجزها فريجه بالمنطق القضوي . وهو المنطق الذي درسته الرواقية ) .

  وكذلك مكن السور ، فريجه من التعبير الواضح في رمزيته عن كل قضية قابلة للتعبير في النظرية القياسية الارسطية ،و مهما كانت درجة تعقيدها . ان هذه البصيرة الجوهرية ، هي التي يسرت عمل فريجه ، والتي قلبت أولولويات نظام جورج بول القائم على التمييز بين القضايا الاولية والقضايا الثانوية . (* ان هذه المعارضة ، عبر فريجه عنها في عبارة رددها كثيرا ، وهي ” خلافا للمناطقة الاخرين ، بدأ من الحجج بدلا من المفاهيم ” ).

  ان المساهمة المنطقية الكبيرة التي انجزها فريجه في كتاب العلامات ، هو بناء النظام الرمزي (الصوري) الاول . حقيقة ان النظام الرمزي يتكون من ثلاثة اجزاء : لغة محددة دقيقة ، تتألف من قضايا النظام ، والتي تكون على شكل مجموعة بديهيات  وقواعد محددة ، حيث تمكننا من اشتقاق المبرهنات من البديهيات وفقا لقواعد الصرامة التركيبية الرمزية . ان صيغة النظام الصوري ستتيح امكانية التعبير عن قضايا جزئية . ولكن ستكون غير لازمة ، وذلك لان هدفها ، هو معرفة القضايا التي يمكن التعبير عنها بواسطة صيغة الاشتقاق ، ومن ثم التأكد من ان الاشتقاق قد حدث وفقا للقواعد . وان هذا الاشتقاق حدث بصورة ميكانيكية ، وذلك من خلال الاعتماد على اشكال الصيغة ، واشكال القضايا فقط  .

  لم يكن نظام فريجه المعروض في كتاب العلامات معصوما من الخطأ. ومن اللحظة التي استخدم فيها قاعدة الاستدلال . خصوصا قاعدة التعويض . وفعلا لاحظنا ان هذه النقص قد دفع فريجه ليجد له حلا في كتابه القوانين الاساسية . ولكن بقيت قضية اثارها بعض الباحثين حول كتاب العلامات ، ومنذ وقت مبكر ، ونحاول وضعها في صيغة سؤال : لماذا لاذ فريجه الى دائرة الصمت ، ولم يذكر جهود جورج بول ؟ ولماذا لم يثمن فريجه مساهمات شرودر في هذا الموضوع (المقصود موضوع العلامات) ؟ أولا ان جبر المنطق الذي اسسه بول ، كان في طرف واحد منه مثلا وليس حصرا ، قد عالج  المنطق القضائي (القضوي) الذي اشتغلت عليه الرواقية . وقد استخدمه فريجه كما اشرنا اليه اعلاه . ووفقا لشرودر ، وحسب هانز سلوكه ، ان فريجه رفض التشابه الظاهري ، ورأى مثلا ان في تفسيره للمفهوم ” يقوم  على اساس انه مجموع     علاماته ” . وهذا من زاوية فريجه  علامة فارقة تقف ضد جبر المنطق عند جورج بول. ولم يقتنع الاستاذ سلوكه برأي فريجه ، وظل مؤمنا بأن صمت فريجه كان مقصودا ومدروسا . ولذلك  أكد فريجه على طريقه الخاص ، والذي دشن بداية جديدة ، وليس هو استمرار لعمل جورج بول . وبكلمات فريجه : انه عمل اوسع وأعمق من اي شئ عمله بول ” . وفي مراجعة شرودر لكتاب العلامات ، حاول اقناع فريجه بأن غرض كتاب العلامات غير مفهوم . وفريجه من طرفه رد على تحدي شرودر ، واشتغل على دراسة ليبين الى ان منطقه يقف مقاوما لجبر المنطق عند بول . وبعد ان اكمل فريجه دراسته التي عنونها : ” منطق الحسابات عند جورج بول وكتابي العلامات ” .  واجه محنة ، اذ لم تقبل  نشر الدراسة ، واحدة من دوريات الرياضيات او واحدة من دوريات الفلسفة . وظلت مركونة في فايلات فريجه ، الى ان نشرت بعد سنين في الناكبلاس .     

5 – جهود فريجه في فلسفة الرياضيات :

   نحسب ان البروفسور هرولد نونن ، كان على حق عندما ذهب الى ان فريجه في طرف من مضمار فلسفة الرياضيات ، قد هدف الى تحرير علم الحساب من الحدس ومن ثم اعادة تشيده بصورة مستقلة . والسؤال الذي نرفعه هنا : ماذا ترتب على هذه الاطروحة من نتائج لمشروع فريجه في فلسفة الرياضيات ؟ وكيف تحددت علاقة فريجه مع الفلاسفة وخصوصا عمانوئيل كانط (1804 – 1724) ، والذين منحوا للحدس دورا في بنية القضايا الرياضية ؟

   اولا ان شطب فريجه لفعل الحدس ، حمله على ان يكون وجها لوجه مع تراث كانط الذي لعب فيه الحدس ، دورا فاعلا وخصوصا فيما يتعلق بالقضية (ومن خلالها المعرفة ) الاولية التركيبية . حقيقة ان فريجه دحض قناعات وجدل كانط حول المعرفة الاولية التركيبية . ونتيجة لذلك فأن فريجه في كتابه الاسس ، رغب في أستخذام مصطلح كانط ، في الدفاع عن كون علم الحساب هو علم تحليلي . ولكنه في الوقت ذاته ، وعلى درجة من المساواة ، كان مهتما في تفنيد تجريبية الانكليزي جون ستيوارت ميل (1873 – 1806) والتي كان لها حضورا في الحدود الكانطية التي ترى ان علم الحساب هو علم بعدي تركيبي .

  ولهذا خصص الجزء الاول من كتابه الاسس ، في  نقد هاتين الفلسفتين واستطالاتهما . وكان نقده مدمرا من طرف . ومن طرف اخر مكنه من ان يباشر جدلا ايجابيا ، حصد منه نتائج عديدة . خصوصا حول ما ليس له صلة بالاعداد : من مثل ان الاعداد ليست افكار ذاتية ، وليست هي بموضوعات فيزيائية ، كما هي ليست تجميع خصائص ما . ان فريجه جادل مؤكدا على حجته القائلة بأن ” مضمون قضية العدد ، هو التأكيد على المفهوم ” .

   وهنا اود ان اشير الى الاراء التي اوردها كريستين ثيل في اطروحته للدكتوراه ، والمعنونة ” المعنى والمرجعية في منطق فريجه ” والتي نشرت أولا في الالمانية ومن ثم ظهرت لها ترجمة في الانكليزية في العام 1965 . فقد اورد اراء كل من ناتورب وسكولز وهي اراء تصب في سياق المناقشة الجارية . فمثلا اشار ناتروب الى ان فريجه ” اسس العدد … على شئ يشبه المثل الافلاطونية ” . اما سكولز فقد اكد على ” ضرورة توافر الشجاعة لدينا لنلتحق بصف فريجه الذي يسلم بميتافيزيقا الصدق والكذب ” . انها قضية مهمة في فهم ما هو حق لكانط وما هو حق لفريجه من زاوية الارث الفلسفي العام  ، وخصوصا الارث الفلسفي الرياضي الافلاطوني الذي تدارسه الاثنان في مرحلة من مراحل  التدريب الفلسفي . وهنا نعود الى كانط وفريجه .

   والبداية سؤال كانطي : كيف تعرض الاعداد علينا ؟ ان هناك جوابين : جواب كانط ومن ثم جواب فريجه . يرى كانط ان الجواب الوحيد ، هي انها تعرض علينا عن طريق الحدس . وهكذا فالاعداد حسب رأيه هي ” موضوعات ، وموضوعات تعرض علينا من خلال الحدس “.

اما فريجه فقد قبل اولا التمييز الكانطي بين الموضوعات والمفاهيم . وفعلا ان قارئ كتاب الاسس ، يجد أن مبدأ فريجه الاساس ، هو المبدأ القائل  : ” سوف لا نضيع بصيرة التمييز بين الموضوع والمفهوم ” ولكنه ألح على ان الاعداد هي موضوعات . ومن هنا ظل يواجه السؤال : كيف الاعداد عرضت علينا ، خصوصا اذا لم تكن لدينا افكار وحدوس عنها . ان جوابه استند الى المبدأ الاساس الثاني ، الذي بينه في بداية كتابه الاسس . والمقصود مبدأه الشهير : ” مبدأ النص او السياق ” ، وقد شرحه قائلا : ” لا تسأل اطلاقا عن معنى الكلمة بصورة معزولة ، ولكن فقط في سياق الجملة ” .

  ان المعنى الدقيق لهذا المبدأ ومكانته في فلسفة فريجه ، أصبح القضية الاكثر جدلا في مضمار الدراسات الاكاديمية التي اعتنت بتراث فريجه . فمثلا  ان اهمية فريجه في هذه النقطة ، هي التي مكنته  من انجاز  ” نقطة تحول لغوي ” على حد رأي مايكل دمت . وذلك يعود الى ان فريجه حول السؤال الابستمولوجي عند كانط الى سؤال حول اللغة . والحقيقة ان فريجه كتب يومها معلقا : ” انه فقط وفي سياق الجملة يكون للكلمات معاني ، وهنا مشكلتنا تصبح : هو تحديد معنى الجملة في عدد من الكلمات ” .

  ومنذ ان كانت الاعداد هي موضوعات ، فأن فريجه ذهب قائلا : ان الشكل الاكثر اهمية للجملة هو المعنى الذي يجب شرحه في مبدأ الذاتية : ” اذا استخدمنا الرمز أ للدلالة على الموضوع ، فأنه يجب ان يتوافر لنا معيارا يقرر في كل الحالات ان ب هي أ “. ان الطريق الميسر الان ، هو بناء العدد على اساس انه عدد مقترن بمفهوم محدد . ولعل الافادة الاتية توضح ذلك :

       ان العدد الذي ينتمي الى مفهوم ف ، هو ذاته الذي ينتمي الى المفهوم ج

  ولشرح ذلك نعتمد على معيار ( مبدأ ) الذاتية للاعداد . هذا المعيار افترضه فريجه في العلاقة الترابطية بين واحد – واحد . تعمل العلاقة الترابطية بين واحد – واحد ، فيما بين الفاءات (مجموع ف) والجيمات (مجموع ج) اذا وفقط اذا كل ف ممكن ان تكون زوجا بالضبط مع واحد من ج ، وكل ج بالضبط واحد من ف بحيث ليس هناك ف او ج قد تم اغفالها .

   حقيقة ان فريجه عالج هذه العلاقات في كتابه العلامات المفهومية ، فقد عرض فيه تعريفا منطقيا خالصا للعلاقة الترابطية بين واحد – واحد ، وفي هذه المعالجة ، وضع فريجه ما أصبح اليوم شائعا في دوائر فلسفة الرياضيات عامة وفلسفة الرياضيات عند فريجه خاصة ، بمبدأ هيوم (1776 – 1711) . ولعل السبب يعود الى ان فريجه قدم هذا المبدأ ، مع نص مقتبس من الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم :

  ان عدد الفاءات هو متشابها (الى حد التطابق) مع عدد الجيمات اذا وفقط اذا كانت هناك علاقة ترابطية واحد – واحد بين الفاءات والجيمات .

  ولتعريف الذاتية العددية في حدود منطقية خالصة ، نرى انها قد وضعت عمل فريجه في محنة جديدة . كان الحاصل منها رفضه لمبدأ هيوم على ان يكون تفسيرا كافيا للذاتية العددية . وذلك لانه لم يسمح لنا ان نقرر مثلا فيما اذا كان : يوليوس قيصر هو عدد !  ان هذا الاعتراض اصبح معروفا بأعتراض يوليوس قيصر . ومهما يكن فأن فريجه لم يلغي مبدأ هيوم تماما ، بل اهتم بأشتقاقيته كمعيار للكفاية للتعريف الواضح للعدد . ولهذا استمر فريجه في النظر الى الاعداد على انها حدود ممتدة للمفاهيم (الفئات) .

  اما مساهمة فريجه الاخرى ، فهي ادخاله تعريف مفهوم علاقة الجد (السلف) في كتابه العلامات المفهومية ( ان هذه العلاقة تفترض وجود الجد ،الذي يؤكد وجود الابوة في العلاقة بين الاعداد  ) .  وذلك عندما قدم تعريفه للاعداد الطبيعية النهائية . وهي الاعداد التي عالجها في الاسس، وهي التي تمثل الصفر في علاقة الجد للعدد اللاحق (التابع) مباشرة . وهنا نود الاشارة الى المقالة الممتازة التي كتبها هيك في العام 1993 والتي عالج فيها مبرهنة فريجه في  نظرية الاعداد . ان مبرهنة فريجه ، هي بديهيات ديديكند – بيانو  كما يحسب هيك والتي يمكن عرضها بالشكل الاتي :

الصفر هو عدد

الصفر ليس بتابع لاي عدد

لا يمكن ان يكون لعددين نفس التابع

كل عدد له تابع

ومن مبرهنة فريجه هذه ، يمكن اشتقاق كل قضايا علم الحساب .       

          ان التعريف العام لعلاقة الجد ، كانت مهمة جدا لمشروع فريجه ضد الكانطية . وذلك بسبب انها مكنت فريجه من شرح المفهوم العام للتتابع في السلسة  وبأستخدام حدود منطقية خالصة ، دون الاعتماد على اي حدس مكاني او حدس زماني . كما ان مفهوم الجد في اطاره العام ، مكنه من تأسيس ما يسمى ” بالسلامة المنطقية المباشرة للبرهان ، وذلك عن طريق استخدام الاستقراء في الرياضيات ” .

6 – أهمية عمل فريجه في المنطق الفلسفي :

    في البدأ سؤال : ما هي الجهود التي بذلها فريجه في تطوير المنطق الفلسفي ؟ يرى اجماع من الباحثين في التراث المنطقي الفريجي . وعلى رأس القائمة البروفسور هرولود نونن . ان فريجه لعب دورا فاعلا في تطوير المنطق الفلسفي . وذلك من خلال ما أنجزه تحت عنوان عريض : نظرية دالة المحمول .

  ونحسب ان فريجه بعد كتابه العلامات ، قام بأجراءت بالغة الاهمية ، تميزت بالدقة والوضوح . وكان يهدف من ذلك توسيع نظريته التي بدأها هناك . فمثلا في كتابه العلامات ، كان المشروع ينظر الى ان الجملة ( او العبارة ) :

               الهيدروجين أخف من ثاني أوكسيد الكاربون  

على انها قيمة لدالة الحجة . ومن ثم النظر اليها و الى قيمة الدالات المختلفة للحجج المختلفة كأنها مثل العدد 2+3 ( هو 5) والذي يمكن النظر اليه كقيمة لدالات مختلفة  ولحجج مختلفة . وهكذا فان اهتمام فريجه ، على هذا المستوى كان مركزا على الجوانب اللغوية من الزاوية المنطقية ( اللنكوستية ) من مثل : الجمل ، الاسماء التي تحتوى دالات ، والتي يمكن اعتبارها اسماء رسمت لتحديد (دالة) . والدالات هي الحجج والجمل هي القيم .

   ويبدو حسب رأي هرولود ، ان ليس هناك اية تطورات واضحة على مستوى الفكر . كما ليس هناك تقدم في البحث على صعيد الجوانب اللغوية (اللنكوستية) ، ولا توجد اي اضافات لغوية يمكن النظر اليها بطريقة مشابهة كدالات متعلقة بها . حقيقة ان هذه التطورات قد حدثت بعد صدور كتابه الاسس . اما عمل فريجه الان ، فأنه بدأ بأقتراح  صيغ جديدة من مثل الجملة القائلة :

                         سقراط حكيم   

    أولا أننا ندرك ان هذه الجملة تتألف من اسم العلم سقراط ، ومن ” كلمة المفهوم ” او المحمول حكيم . وتطبيقا لنهج فريجه ، فان الاسم هو موضوع ، وان “كلمة المفهوم” (او المحمول) هي المفهوم ، وان هذا المفهوم بحد ذاته دالة تضع الموضوعات ، وقيمها في جدول قيم الصدق (والذي يقرر صدقها او كذبها)  .

  وبشكل خاص فأن الدالة المعينة هي ” ( ) + 3 ” تتكلم عن العدد 2 ومن ثم العدد 5 ، وهو العدد المعين بواسطة الصيغة : ” 2 + 3 ” ، ولهذا فان المفهوم هو ” ( ) هو حكيم ” والذي يقف ليصف الانسان سقراط والذي تم تعيينه بواسطة الجملة ” سقراط حكيم “.

ولكن يظل السؤال يلاحق فريجه : ما هو الشئ الذي عينته الجملة ؟ ان جواب فريجه أكد على : قيمة الصدق ، اي انها صادقة ( اي ما دامت الجملة صادقة) . وعلى هذا الاساس وصل الى النتيجة القائلة : ان المفاهيم هي الدالات التي تضع الحجج على جدول قيم الصدق . وبطريقة مشابهة ، فأن العلاقات ( بصورة مناظرة) ، ووفقا الى دالات اضافية ، فهي تضع ازواج من الحجج على جدول قيم الصدق .

  ان نظرية دالة المحمول ، هي من اساسيات فلسفة فريجه المنطقية . سواء اتخذت اطارا ثابتا او تحولت الى مناظرة تنويرية تعتمد على وجهة نظر فريجه في قيم الصدق والتي تحولت الى موضوعات جدل تحتاج الى دفاع عنها . ومهما تكن الحالة ، فأنها مكنته من تكوين بصيرة اساسية ثانية ، والتي سمحت له من ان يضع جانبا المناظرة التي امتدت لألاف من السنين حول التمييز بين الكليات والجزئيات . ووفقا للمبدأ التقليدي ، فأن الجملة :

” سقراط حكيم ” ادخلت المحمول حكيم ، ولما كانت الحكمة كلية في خطابنا ، وهوشئ وصف به سقراط . وكل ما يشابه ذلك يمكن ادخاله في خطابنا ، من مثل الاسم الحكمة كشئ يقال على شئ اخر . من مثل ما جاء في الجملة ” الحكمة هي صفة يوصف بها الرجل المعمر ” . فالرجل اليوناني بارتكلوس مثل سقراط ، هي مفردات يمكن ان تقال حول اشياء . ولكن ممكن ان لا تقال بحد ذاتها على اشياء اخرى . وهي اخيرا موضوعات للحمل (المحمول) .

   لقد رفض فريجه هذه النظرة التقليدية كلية هذا جانب . ولكنه من جانب اخر حافظ على المفاهيم بصورة جوهرية كمحمولات . والسؤال الذي يثار هنا : ما هو الموضوع (او كما فريجه يطلق عليه ” كلمة المفهوم “) ؟ ان ” ( ) حكيم ” تقف لغرض المفهوم ، ولهذا فهي لا تكون مرجعية لأسم العلم مثل ” الحكمة ” . حقيقة ان الحكمة هي اسم علم ممتاز وكامل . وليست هناك حاجة الى انكار مرجعيته . ولكن مرجعيته لا يمكن ان تكون ذاتها الى اي محمول ، وحتى كذلك الى المحمول ” ( ) حكيم ” .

  ان السبب يعود الى ان المحمولات ، تغاير اسماء العلم ، وهي جوهريا ناقصة . ان المحمول يجب ان يكتب في الجملة وذلك لملء الفراغات ، وهذه ببساطة ليست مسئلة   قناعة . وانما بسبب ان المحمول لم يكن بحد ذاته مستشهد به في الجملة ،  كما هو الحال بالنسبة الى اسم العلم . كما وان الامر يتعلق بالانموذج الذي تم عرضه بواسطة الجمل التي ضمته تراكيبها.  ولهذا فان اسماء العلم والمحمولات هي اساسا ذات خصائص مختلفة . كما انهما ببساطة لا يلعبان الدور اللغوي (اللنكوستي) ذاته . وتطبيقا على ذلك ، حافظ فريجه على المفاهيم والموضوعات التي اساسا ذات خصائص مختلفة من الزاوية الوجودية . والمفهوم لا يمكن ان يكون موضوعا ، وذلك بسبب ان المفهوم لا يمكن ان يكون مرجعية لاسم العلم . واخير فان فريجه رفض المبدأ التقليدي للموضوع والمحمول ، والذي ينظر اليهما كمكونات الجملة او بالمصطلح المنطقي تراكيب القضية.

7 – مساهمة فريجه في نظرية المعنى :

  يبدو ان فريجه حسب ما يرى هانز سلوكه ، لم يكتب شيئا خلال الفترة ما بين نشر كتابه العلامات ، ونشر كتابه اسس علم الحساب . انها كانت فترة تفكير ومراجعة لمفاهيمه الفلسفية والرياضية . غير ان فريجه بعد ان اكمل الاسس ، دشن مرحلة جديدة.

ان هذه الفترة استمرت ما يقارب الست سنوات . بدأت هذه المرحلة ، بنشر خمس مقالات ، وهي : ” في مبدأ القصور الذاتي ” و ” الدالة والمفهوم ” و مراجعة لكانتور . ومن ثم جاءت مقالتيه : ” في المعنى والمرجعية ” و ” في المفهوم والموضوع ” .

  ويجمع الباحثون في تراث فريجه على ان منطق كتاب العلامات ، قد تم تأسيسه على افتراض أولوية الاحكام على المفاهيم . اما تحليل القضايا الحسابية في كتاب اسس علم الحساب ، فقد نهضت على المبدأ القائل : اطلب المعنى فقط في سياق القضايا ، ولا تطلبه بصورة معزولة . ولعل اهمية مقالة ” في مبدأ القصور الذاتي ” انها اعادت التذكيربهذه المبادئ على صيغة دعوى تؤكد على أولوية النظرية على المفاهيم التي تدخل في تكوينها .

  في ضوء كل هذه الاعتبارات اصبح التمييز مفهوما ، بين الدالة ومجال القيمة ، المفهوم والموضوع ، الفكر وقيمة الصدق ، والمعنى والمرجعية . كما وان تبريراتها ومعانيها ، ليست لها اي محتوى حدسي . بقدر ما يتعلق بطبيعة نظريتها المنطقية ، التي تتميز بالكفاية والضرورة .

  ان التمييز بين المعنى (الشئ كما يقدم نفسه لنا) والمرجعية (الدلالة ) ، هي من الاصطلاحات التي نحتها فريجه ، خصوصا في مقاله ” في المعنى والمرجعية ” . ووفقا له فأن المعنى والمرجعية ، ما هما الا وجهين مختلفين من التعبير . وانه طبق المرجعية اولا على اسم العلم وهو موضوع السؤال . ولكن ممكن ان تشمل المرجعية مضمار الجمل . وعلى هذا الاساس تكون للمرجعية (الدلالة) قيمتين من الصدق ( صادقة وكاذبة ) . وان المعنى مرتبط بالجملة كاملة ، ويكون على شكل فكرة تم التعبير عنها . كما ويقال ان المعنى هو تعبير ، وهو ” ضرب من التقديم ” للموضوع .

   في الواقع ان هذا التمييز الذي تقدم به فريجه لم يسلم من النقد . فمثلا قام برتراند رسل بتقويمه ونقده في بحثه المعنون ” في الدلالة ” . ولم يتوقف الجدل حوله ، فقد خصه سول كرب ( المولود عام 1940) بسلسلة محاضرات ، كان عنوانها ” التسمية والضرورة ” والتي تميزت بحرارة نقدها لرؤية فريجه ، وطريقة معالجته لقضيتي المعنى والمرجعية .

   وبدأ سول بأفتراض نهض على تصور لعلامات المرور المنتصبة في الطريق العام خارج المدينة ، وتصور في الوقت نفسه وجود لوحات لعلامات أخرى ترشد الناس . وان جميعها يشير الى موضوع واحد هو المدينة . رغم انها مختلفة لكل علامة من ناحية الاتجاه والمسافة . وهنا العلامة هي ” ضرب من العرض او التقديم ” او المعنى بلغة فريجه . والشئ ذاته بالنسبة الى اسم العلم ” امير ويلز ” و الاسم ” تشالرز ارثر جورج ماونتبتن – ونزر ” ، فكلاهما يدلان على الشئ ذاته . ولكن كل استعمال مختلف ” بشكل التقديم ” او المعنى .

  نهضت نظرية المعنى عند فريجه على حجته التي تميز بين المعنى والمرجعية (الدلالة) . ولكن الباحث يلحظ ان هناك درجات اختلاف بين ما ذهب اليه في كتابيه العلامات والاسس من طرف . وما عالجه لاحقا في بحثه المعنون ” في المعنى والمرجعية ” . فمثلا في الكتابين الاولين استخدم فريجه مفهوم ” محتوى ” وهو التعبير اللغوي ، وهو مفهوم غير مميز . ولكنه في المعنى والمرجعية ، استخدم بالاضافة الى هذا المفهوم ، مفهومي المعنى والمرجعية (الدلالة) . والحقيقة ان حجته في هذا التمييز بدأت من لغز الذاتية ( أ = أ او أ = ب ) : والواقع ان قضية الذاتية ، هي صادقة وتخبرنا بمعلومات جديدة . فمثلا ان ” نجم الصباح هو ذاته نجم المساء ” . كما وان هذه القضية تنقل معلومات جديدة للشخص الذي لم يسمع بها من قبل . وبالنسبة له ان ” نجم الصباح هو نجم الصباح ” ولا يمكن ان يكون شيئا اخر .

  والحقيقة ان كلا من ” نجم الصباح ” و ” نجم المساء ” يدلان على شئ واحد ، وهو كوكب فينوس . واذا تأملنا فقط بهذه التعابير وماذا تدل عليه هاتين القضيتين الذاتيتين ، فأننا سوف لاندخل في حساباتنا الاختلافات في المعلومات الممكنة (او القيمة المعرفية) التي تقدمها لنا عن هاتين القضيتين . ان حل فريجه جاء مرتبطا بكل من الاسمين : نجم الصباح ونجم المساء . وكذلك فأن ذلك مرتبط بالمرجعية والمعنى (وهو ما يفهمه شخص ما عندما يصبح التعبير في متناوله) والاختلاف في القيمة المعرفية التي تفسر بواسطة المعاني المختلفة لكل من الاسمين .

  ونحسب ان فريجه في ادخاله التمييز بين المعنى والمرجعية  بهذه الطريقة ، قد سعى الى ايجاد تطبيقات واسعة له ، وليس في حدود فردية . كما نشد ايجاد تطبيقات له في مضماري المحمولات والجمل (او القضايا) على حد سواء .  وفي حالة المحمولات ، فأنه ألح على تمييز المفهوم الذي سيكون مرجعا للمحمول في كل من امتداداته ، ومن زاوية معناه . وان التمييز الاول ، قد تم تشكيله على اساس ان المفاهيم غير كاملة . في حين ان الامتدادات كانت كاملة . وان التمييز الاخير نهض على اساس ان المفاهيم على خلاف المعاني ، لها شروط ذاتية ممتدة ،والتي قامت بأدخال الاسم ” الفكر ” . فمثلا اثنين من المحمولات : ” ( ) كائن حي له قلب ” و ” ( ) كائن حي له كليتين ” واللذان يختلفان في المعنى ، وبسبب ان ما يدركه شخص ما يختلف عما يدركه شخص أخر ، وممكن ان تنطبق بالضبط على المفردات ذاتها والتي تدل على المفهوم ذاته . وكذلك في حالة الجمل (القضايا) ، فأن فريجه عمل مرة ثانية ،  على التمييز بين المعنى والمرجعية

    وعلى هذا الاساس  قام بأدخال الاسم ” الفكر ” من اجل معنى الجملة ، وجادل فريجه مؤكدا على ان مرجعية الجملة ، اي دلالتها يجب ان ينظر اليها كقيمة صدق للجملة .  ان المقدمة المفتاح في حجته هو دفاعه عن مبدأ المرجعية . فمثلا يرى ان مرجعية التعبير المعقد ، يتقرر من خلال مرجعيات مكوناته .  حقيقة ان فريجه كان قادرا بقوة على ان يدافع عن ” انه ليس هناك اي شئ اخر ، ممكن ان يشكل مرجعا للجملة ، منذ اللحظة التي لم يبقى شيئا اخرا ثابتا  “. وخصوصا بعد ان حلت مكان التعبيرات المكونة ، مكونات بديلة وللمرجعيات ذاتها .  

  لقد هاجم نظرية المعنى عند فريجه ، وبالتحديد في بعديها المعنى والمرجعية . فلاسفة كانوا يوم ما من المعجبين بفريجه ، منهم على سبيل المثال عالم المنطق وفيلسوف الرياضيات برتراند رسل . فقد كتب مقالا خاصا لهذا الغرض . وكان بعنوان ” في الدلالة ” ، وهو في التقويم الاخير مقالا كلاسيكيا في الفلسفة التحليلية في القرن العشرين .  ان هدف رسل الرئيس من هذا المقال ، تقديم اسباب مقنعة لرفض النظرية المبكرة

” في الدلالة ” والتي اودعها كتابه ” مبادئ الرياضيات ” (1903) والتي عانى كثيرا في الدفاع عنها . ان نظرية رسل تضمنت تمييزا بين ” المعنى ” و ” الدلالة ” . والتي حسب رسل هي تشبه بصورة اقل او اكثر ، تمييز فريجه بين المعنى والمرجعية ( وعلى الاقل في حالة مقولة التعبيرات ) ، والتي يطلق عليها رسل ” عبارات الدلالة ” . وعلى هذا الاساس اعتقد رسل بأنه في مقاله في الدلالة ،  كان يركز جدله ضد فريجه ، كما هو  يشمل رأيه المبكر .

 يرى رسل ان نقد فريجه يدور حول مشكلة ” الحدود الفردية الفارغة ” . اذ ان مثل هذه الحدود اثارت مشكلة لفريجه ، وذلك بسبب انه اعتقد ان الاسم ، هو الحامل للانموذج الذي يتألف من مكونات تدخل من طرفها في تكوين مفهوم المرجعية . وبسبب ذلك فان فريجه عين القيمة السيمانطيقية للحد المفرد . وقاده هذاالى شمول الجمل التي تحتوي مثل هذه الحدود الفردية والتي تكون خالية من اي قيمة للصدق .  

تعقيب ختامي :

   ظلت في دوائر البحث الاكاديمي الغربي ، اسئلة حول جوانب من تراث فريجه عامة ، والمنطقي منه خاصة . اسئلة لم تجد لها حلولا قاطعة او تقدم لها اجوبة شافية . منها :

اولا – يعتقد مايكل دمت ، ان فريجه كان مطلعا على كتاب رودلوف هرمان لوتزه (1881 – 1817) المعنون ” المنطق ” (1843) . وهو يتألف من ثلاثة اجزاء ، هي :

منطق الفكر ، منطق البحث ، ومنطق المعرفة . المهم في رأي دمت ، انه عثر على فقرة تدلل على ان فريجه كان عارفا بهذا الكتاب . ويعود تاريخ هذه الفقرة الى عام 1879 . كما ذهب البروفسور دمت في بحث جديد ، الى ان هناك مقالا اخرا كتبه فريجه ، يحمل اثارا واضحة ، تدلل على حضور كتاب لوتزه في المنطق . فمثلا يرى دمت ان اصطلاح التعبيرات ، الذي تداوله فريجه . يدلل على ” ان فريجه استعاره من لوتزه ” . كما ان دمت وجد ان هناك اثارا للوتزه في مسودة اولية من كتاب العلامات . ونحسب ان هذه المسألة التي اثارها البروفسور مايكل دمت ، تحتاج الى بحث صبور يبدأ اولا بقراءة كتاب العلامات لفريجه من زاوية كتاب المنطق للوتزه .

ثانيا – ان حضور كل من منطق الحدود الارسطي و المنطق القضوي (القضائي) الرواقي في جبر المنطق عند جورج بول ، ومن ثم حضورهما في كتاب العلامات لفريجه ، تثير الكثير من التساؤلات حول الاسبقية في التأليف . ومن المعروف ان جورج بول كان الاسبق زمنيا في التأليف . وعلى هذا الاساس تساءل كل من سلوكه و دمت : لماذا لاذ فريجه الى دائرة الصمت ، ولم يذكر جورج بول ونظامه جبر المنطق . انها قضية تحتاج الى دراسة مستقلة ، تنهض على مراجعة كتاب العلامات في ضوء قراءة نصوص جورج بول في جبر المنطق .

ثالثا – اشرنا في متن هذه الاوراق ، الى ان فريجه في كتاب العلامات ، قد اهمل مساهمة ارنست شرودر . وهذا ما أكدت عليه هيلري بوتنم (1983) معلقة على هذا الاهمال : ” لم يقبل احد فريجه ، بل وحتى الاقدام على نشر بحث واحد عن علامات فريجه . وبالمقابل تبنى العديد من المناطقة المشهورين علامات شرودر – بيرس  “.

(* وأرنست شرودر ، هو عالم الرياضيات الالماني الذي اشتهر بعمله ” المنطق الجبري ” ، وهو رائد كبير من رواد المنطق الرياضي . وهناك من يرجح بأنه الذي اخترع اصطلاح المنطق الرياضي . وقد قام بايجاز وتوسيع عمل جورج بول ، مورغن وهيك ماكون . وخصوصا عمل تشارلز بيرس) . ان كتاب شرودر الشهير هو             ” محاضرات في جبر المنطق ” والذي يتألف من ثلاثة مجلدات ، طبع ما بين 1890 و 1905 . ان هذه المجلدات المنطقية كونت المناخ الفكري لولادة المنطق الرياضي كحقل مستقل في القرن العشرين . (** وتشارلز بيرس (1914 – 1839) هو عالم الرياضيات والمنطق ومؤسس البراجماتية ، واشتغل على السيموطيقا : نظرية اللغة ) . وهنا ادعو الى عقد مقارنة بين كتاب العلامات لفريجه والمجلدات الثلاثة لكتاب شرودر محاضرات في جبر المنطق  .

رابعا – استعار فيلسوف الرياضيات الانكليزي برتراند رسل الجهاز الرمزي لعالم الرياضيات الايطالي بيانو ، واهمل اللغة الرمزية لفريجه . وقد برر رسل تفضيله لبيانو على فريجه الى ان علامات بيانو بسيطة وممكن تداولها بسهولة . في حين ان رموز فريجه معقدة وليس في الامكان تداولها بسهولة . ان تبرير رسل مردود لان ليس كل جهاز رمزي بسيط وسهل مقبول . وبالمقابل ليس كل جهاز رمزي معقد مرفوض . ولهذا نحسب ان هذه القضية تتطلب دراسة منطقية عميقة ، تحاول : أولا – عقد مقارنة بين الجهاز الرمزي لبيانو واللغة الرمزية لفريجه ، مع بيان درجة البساطة والتعقيد في كلا الجهازين . ومن ثم الكشف عما يوفره كلا الجهازين من امكانية تداول او استحالة استخدام ، وذلك لصعوبات الترجمة من لغة الى لغة اخرى . ومن ثم التحقق عن مديات  استحالة الاستخدام داخل تداول اللغة الواحدة . ثانيا – منح فرصة لجهاز فريجه للتطبيق في كتاب رسل مبادئ الرياضيات بدلا من جهاز بيانو الرمزي . ومن ثم على اساس هذه الفرصة يتم التحقق من خطاب رسل الذي فضل بيانو على حساب فريجه . مع الاخذ في الاعتبار تعديل بيانو لعلاماته بعد ان راسل فريجه . ووفقا لذلك اقتبس بيانو الكثير من فريجه في ابحاثه . كما وعلى اساس اراء بيانو اعتذر رسل من تأخره كثيرا في قراءة فريجه . ومن ثم وصفه ” انه يجب ان يكون متميزا ” .                    

خامسا – ذكرنا في ثنايا هذا الفصل ، بأن فريجه حصل على درجة الدكتوراه من جامعة جوتنكن . كان عنوان اطروحته “عرض هندسي للاشكال المتخيلة للسطح المستوي”

وذكرت التقارير الصادرة عن الجامعة بأن بحث فريجه ، هو امتداد لعمل البرفسور جوهان كاوس في الجامعة ذاتها . وكاوس هو عالم الرياضيات ، والذي يطلق عليه “امير الرياضيات” . وان اطروحته للدكتوراه كانت بعنوان ” المبرهنة الاساسية لعلم الجبر ” (1799) ، وكتب في علم الحساب ، وخصوصا في نظرية الاعداد (1808) التي ستكون موضوع اهتمام فريجه في نطاق فلسفة الرياضيات . وكذلك في موضوعات هندسية متنوعة ، كما واشتغل بما عرف بمبرهنة العدد الاولي ، اضافة الى صياغة انموذجية لعلم الحساب وذلك لمعالجة نظرية العدد .

   ولعل من المفيد الاشارة الى ان البرفسور كاوس تساءل في وقت مبكرعن امكانية وجود هندسات لا اقليدية . ومن طرف اخر ان اثنين من طلابه في الدكتوراه ، كانوا من معاصري فريجه ، وهما كل من مورتز كانتور (1920 – 1829) وريتشارد ديديكند  (1916 – 1831) ، كانا من اخر طلاب الدكتوراه الذين درسوا تحت اشراف كاوس . و ديديكند قد اشتغل على الجبر المجرد ونظرية الاعداد الجبرية . كما عرف بمبرهنته ” في الاعداد الطبيعية ” والتي حملت صياغات من مثل : مجموعة ن للاعداد الطبيعية . اما كانتور (وهو غير جورج كانتور) فقد تخصص في مضمار تاريخ الرياضيات ، واشتهر بكتابه : التاريخ الشامل للرياضيات ، والذي يتألف من اربعة مجلدات ، والتي نشرت ما بين 1880 و 1908 .

   ويبدو ان فريجه ظل يبحث ويفكر في مضمار الموضوعات التي اشتغل عليها امير الرياضيات كاوس . فمثلا ان اطروحة فريجه لما بعد الدكتوراه (الدكتوراه الثانية كشرط للعمل في الجامعة) كانت بعنوان ” طرق الحسابات المؤسسة على توسيع مفهوم الحجم ” . وقد ذكرنا بأن فريجه قد كشف في هذه الاطروحة ، لاول مرة عن اهتمامه بمفهوم الدالة ونظرية الاعداد . وهي موضوعات اشتغل عليها كاوس ، كما وحاضر فيها كاوس في جامعة جوتنكن والتي بالتأكيد حضرها فريجه يوم كان طالبا . وخصوصا عندما كان طالب دكتوراه .

سادسا – رأينا في اوراق هذا الفصل ان خلافا قد وقع بين فريجه وعمانوئيل كانط . الخلاف الذي دار حول دور الحدس وطبيعة القضايا الحسابية . ان شطب فعل الحدس والنظر الى المفاهيم عامة والمفاهيم الحسابية كموضوعات . ولدت الكثير من المراجعات المعادية لمؤلفات فريجه ، خصوصا مراجعة عالم الرياضيات الالماني جورج كانتور . ونشعر ان هذه القضية هي الاخرى تحتاج الى دراسة معمقة وذلك لان فريجه هو الاب الروحي للفلسفة التحليلية المعاصرة . والفيلسوف عمانوئيل هو واحد من رواد التحليلية النقدية والتي في نظر الجميع انها التقليد التحليلي الذي تربى عليه معظم فلاسفة التحليلية المعاصرة وفريجه واحدا منهم .

   نقول ان التراث الفريجي بحاجة الى دراسة معمقة تكشف مقدار الحضور الكانطي فيها . كما ومن طرف اخر ان مثل هذه الدراسة مطالبة في الكشف عن علاقات التواصل والتقاطع مع الكانطية الجديدة التي كانت مزدهرة في الجامعات الالمانية يوم كان فريجه طالبا ومن ثم بروفسورا .

سابعا – ولدت نزعة فريجه لرفض الحدس الكانطي مشكلة التأرجح بين اقصاء تجريبية جون ستيوارت ميل التي وجد لها صدى واضح في القضايا البعدية التركيبية عند كانط  ، هذا طرف من المشكلة . اما الطرف الاخر فيتمثل في ان فريجه اعتمد على ديفيد هيوم في شرحه لمبدأ الذاتية والذي عرف بمبدأ هيوم في تراث فريجه ، وهو بيان ” العلاقة الترابطية بين الفاءات والجيمات ” . وهيوم هو رمز اخر من التجريبية الانكليزية .  ونحسب ان المشكلة في جوهرها ، هي عدم اتساق في التعامل مع التجريبية الانكليزية ، فمن جهة نجده يستبعد رمز تجريبي ومن جهة اخرى فتح الباب لرمز تجريبي اخر للدخول الى مرابع فلسفة الرياضيات الفريجية .

    كما  ان المشكلة اعمق من ذلك ، فهي لم تقف عند هذين الطرفين . وانما وجدنا ان هناك طرف ثالث حيث شكل مثلث المشكلة الفريجية في مضمار فلسفة الرياضيات . ان الطرف الثالث يجسد صورة اخرى من التجريبية (او الحسية) في التراث الفريجي . فمثلا في معالجة فريجه للاعداد ومن خلال مفهوم الجد ، تمكن من تأسيس ما يسمى ” بالسلامة المنطقية المباشرة للبرهان ” وذلك عن طريق استخدام ” الاستقراء في الرياضيات ” . ومن المتداول في الدوائر المنطقية ، ان الاستقراء هو منهج العلوم التجريبية . ان كل هذا يتطلب دراسة معمقة تقارن بين ثمن التضحية بالحدس وثمن التأرجح بين استبعاد التجريبية وقبولها في مبدأ هيوم وتخفيها وراء السلامة المنطقية     المباشرة للبرهان واستخدام الاستقراء في الرياضيات .   

About these ads
This entry was posted in Alfred North Whitehead, Alfred Tarski, Bertrand Russell, Dr.MOHAMAD FARHAN, Ernst Shroder, George Boole, Giuseppe Peano, Gottlob Frege, Kurt Godel, Logic, Ludwig Wittgenstein, Philosophy of Language, Philosophy of Mathematics, Philosophy of Science, Rudolf Carnap, فلسفة اللغة, فلسفة العلوم, الفكر الفلسفي الألماني المعاصر, الفيلسوف ياسين خليل, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الأبستمولوجيا, علم المنطق and tagged , , , , . Bookmark the permalink.