فلاسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد

Male Philosophers and Female Philosophers

From One Pythagorean Family

Dr. Mohamad Farhan, Philosopher

الفيلسوف /محب الحكمة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

   كان القدر اليوناني كريماً جدا جدا على الإنسانية ، وذلك حين أنعم علينا بعطاء فلسفي عميق ، كان من إبداع أسرة واحدة  ،  فقد ذكرت كتب تاريخ الفلسفة اليونانية عامة ، وتاريخ الفلسفة الفيثاغورية خاصة ، إن جميع أفراد البيت الفيثاغوري كانوا فلاسفة  ؛ فالأب فيثاغوراس كان شيخ الفلاسفة  ، والأخت والعمة ثيمستوكلي كانت فيلسوفة ومعلمة فيثاغوراس ، والزوجة والأم ثيونا فيلسوفة ، والبنات الأخوات : إيركنوتا ، مايا و ديمو فيلسوفات . وكان الأبن والأخ ” تيلوكس ” فيلسوفاً . وأخيراً كانت حفيدة فيثاغوراس ” باتيل ” فيلسوفة ووريثة الصحائف الفيثاغورية التي تشكل الإنجيل الفلسفي الفيثاغوري .

ثيمستوكلي” فيلسوفة ومعلمة لفيثاغوراس

   يذكر ديوجانس لارتيوس في موسوعته الفلسفية المعنونة ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” إسم الفيلسوفة ” ثيمستوكلي ” (كانت مزدهرة عام 600 ق.م) ، وهي كاهنة في معبد دلفي ، وفيلسوفة وعالمة رياضيات . وكانت معلمة  للفيلسوف ” فيثاغوراس ” ، كما إنها حسب مصادر ديوجانس لارتيوس ، كانت شقيقة الفيلسوف فيثاغوراس (أنظر : لارتيوس ؛ حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب الثامن) . وفعلاً بعد إن صاغ فيثاغوراس مصطلح الفلسفة وحدد معاييره ، أصبحت ثيمستوكلي أول إمرأة فيلسوفة في التاريخ تنطبق عليها معايير إصطلاح الفلسفة وفقاً للضبط الذي وضعه الفيلسوف  فيثاغوراس (أنظر: ماري آلين وايث ؛ الفيلسوفات النسويات في العصر القديم (600 ق.م – 500 م) ، المجلد الأول ، طبعة هولندا 1987 ، ص 11) .

   لقد جاء ذكر ثيمستوكلي في كتابات ” أرستوكنس ” (أزدهر عام 335 ق.م ) وهو فيلسوف مشائي ، وهو تلميذ أرسطو ، ضاعت جميع مؤلفاته ما عدا رسالة واحدة غير كاملة ، نجت من الضياع وكانت بعنوان ” مبادئ الهرمونيا ” (أنظر : السير جون هاوكنز ؛ التاريخ العام لعلم الموسيقى وتطبيقاته ، المجلد الأول 1868 ، ص ص 66 – 67) . وكذلك جاء ذكرها عند ديوجانس لارتيوس ، وبالتحديد عندما تحدث عن سيرة الفيلسوف فيثاغوراس . والواقع إن لارتيوس قد نقل عبارة الفيلسوف المشائي أرستوكنس ، والقائلة : ” إن ثيمستوكلي قد علمت فيثاغوراس المبادئ الأخلاقية ” .  و يشدد أرستوكنس على إن فيثاغوراس قد إشتق أجزاء كبيرة من مبادئه الأخلاقية من ثيمستوكلي كاهنة دلفي (أنظر : لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثامن) .

   هكذا شاركت ثيمستوكلي الفيلسوفة أرستوكلي في تعليم فيثاغورس الفلسفة والعلم الرياضي . كما شاركت أرستوكلي كذلك  في أنها كانت واحدة من كاهنات معبد دلفي الشهير ( وربما هي أو أرستوكلي) أو كلاهما من رسم مستقبل الفيلسوف فيثاغوراس ومدرسته التي قامت على مشروع الآخوة دون تمييز على أساس الجندر . وهكذا كانت المدرسة الفيثاغورية مفتوحة للرجال والنساء على حد سواء (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ، الفصل الأول ، منشور على موقع الفيلسوف وموقع مجلة أفيروس وعلى صفحات القدس العربي ومواقع عديدة مثل الحكمة وهي موقع للأكاديميين في السوربون وموقع الوطن الأمريكي …).

الفيلسوف المؤسس ” فيثاغوراس “

  ينظر الكثير من الباحثين القدامى والمحدثين ، إلى فيثاغوراس (570- 495 ق.م) على كونه ” أول مفكر آيوني ، أطلق على نفسه إصطلاح الفيلسوف أو محب الحكمة ” . وهو بالإضافة إلى ذلك عالم رياضيات ، ترتبط بإسمه ” المبرهنة الفيثاغورية ” ، وهو فوق ذلك المؤسس لحركة فلسفية عارمة ستشكل معلماً مهماً من معالم الفكر الفلسفي قبل سقراط ، والتي سيكون لها من الآثر على مجمل الإتجاهات الفلسفية في الغرب والشرق وخصوصاً الفكر الفلسفي في الشرق الإسلامي .

  الحقيقة إن معظم المعلومات المتوافرة لدينا عن فيثاغوراس وفلسفته ومدرسته ، جاءت من مصادر كتبت عدة قرون بعد وفاته . سافر فيثاغوراس كثيراً في شبابه طلباً للعلم والمعرفة . فأتصل بالفينيقيين والبابليين والعرب والمصريين والحكماء المجوس .. وإكتسب الكثير الكثير من المعارف ، وخصوصاً الفلك الكلداني من البابليين ، والهندسة من المصريين ، والتعاليم الأورفية التي سينسج مثلها تعاليماً لحياة الآخوة الفيثاغورية .. (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، وخصوصاً القسم المعنون : كتاب فيثاغوراس / موقع الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان / شباط 2011) .

 رحل فيثاغوراس في العام 530 ق.م من ساموس ، وإستقر في مدينة كروتون ، وهي مستعمرة يونانية تقع في جنوب إيطاليا . وهناك وضع قواعد حياة للجماعة الفيثاغورية ، ومناهج دراسة الفلسفة ، والطقوس التي يمارسها الفيثاغورين والتي ركزت على الإمتناع من أكل اللحوم والعيش على الغذاء النباتي . كما شارك الفيثاغوريون في الحياة السياسية في كروتون . مما يرجح إنه كان السبب وراء سقوط المدرسة الفيثاغورية ، وتلاشيها الدرامي ، وذلك بعد أن أحكم أعداء الفيثاغورية الظروف وحرقوا المدرسة لحظة إجتماع الفيثاغوريين ، فمات الجثير منهم ، ويقال إن فيثاغوراس فر بجلده من المدرسة ومات بعد حين .

  لقد ترك فيثاغوراس أو الأصح المدرسة الفيثاغورية أثرها عل التفكير الفلسفي والديني في الفترة المتأخرة من القرن السادس قبل الميلاد . كما وأن أفكارها وجدت طريقها إلى مضمار فلسفة إفلاطون (429- 347 ق.م) ومن خلاله إنتقلت هذه الآثار الفيثاغورية إلى عموم الفكر الفلسفي الغربي .

الفيلسوفة الفيثاغورية ” ثيونا ”  

  عاشت الفيلسوفة الفيثاغورية ثيونا في القرن السادس قبل الميلاد .  وحسب روايات المصادر التي إعتنت بالفلسفة اليونانية عامة والفلسفة الفيثاغورية خاصة ، إنها كانت زوجة فيثاغوراس المؤسس للمدرسة والتي أطلق إسمه عليها . ولاحظنا إن ديوجانس لارتيوس في موسوعته الفلسفية ” حياة ومشاهير الفلاسفة ” يتردد بين التأكيد على إن الفيلسوفة ثيونا كانت ” زوجة ” أم ” بنتاً ” للفيلسوف الفيثاغوري أو إنها زوجة أم بنتاً لشخص آخر يدعى ” برونتنيوس ” الذي عاش في القرن السادس قبل الميلاد (أنظر : لارتيوس : حيا ة وآراء .. ، الكتاب الثامن ، ص 83) والفيلسوف برونتنيوس هو من حواري فيثاغوراس ومن أصدقائه المقربين (أنظر ألمصدر السابق ، ص 42) . وهذا الإرتباك في المعلومات حول حقيقة الفيلسوفة الفيثاغورية ثيونا ، حمل بعض الكتاب من مثل ” آيان بلانت ” إلى القول بوجود عدد من الشخصيات النسوية اللائي يحملن الأسم ” ثيونا ” ومنهم من أقترح إسم ” ثيونا الثانية ” كفيلسوفة فيثاغورية جاءت بعد الفيلسوفة ” ثيونا الأولى ” (أنظر: آيان مايكل بلانت ؛ النساء الكاتبات في العصرين اليوناني والروماني (مجموع) ، نشرة جامعة أوكلاهوما 2004 ، ص 69) .

  وتنسب إلى ثيونا بعض العبارات المقطوعة (أو الحكم) والرسائل ، والتي يدور الشك حول حقيقة إن ثيونا هي الكاتبة الأصيلة لها . ويعتقد المؤرخون من أن ثيونا كانت تلميذة لفيثاغوراس أولاً ، ومن ثم أصبحت لاحقاً معلمة في المدرسة الفيثاغورية التي كانت يومها تضم بين جنباتها 28 تلميذة  يتلقين التعاليم الفلسفية للفيثاغورية ، ويعشن وفقاً لنظام الإخوة الفيثاغورية (أنظر : أيان مايكل بلانت ؛ المصدر السابق ، ص 69 وما بعد) .

  والحقيقة إن هناك القليل من المعلومات عن حياة ثيونا ، ويبدو لنا إن المصادر القديمة تكاد أن تكون مرتبكة حول القصص التي نسجت حول شخصيتها . فمثلاً حسب الشائع ” إنها جاءت من كريت ، وإنها بنت ” فيثونكس ” . ولا يتوافر لدينا أي شئ عن فيثونكس . في حين رأى البعض ” إنها جاءت من كروتون ، وهي بنت برونتنيوس ” (أنظر : سودا ؛ الموسوعة البيزنطية (القرن العاشر) ، مادة ثيونا . وكذلك لارتيوس : المصدر السابق ، الكتاب الثامن ، ص ص 42 -43) . كما وينسب لها لارتيوس عدة أطفال من زوجها الفيلسوف فيثاغوراس ، وهم ثلاثة بنات ، وهن ” ديمو ” ، ” مايا ” و” أركنوتا ” وولد إسمه ” تيلوكس ” .

  وينسب إلى الفيلسوفة ثيونا مجموعة كتب منها : الحكم الفيثاغورية ، نصيحة نسوية ، في الفضيلة ، في الشفقة ، مع فيثاغوراس ، شروح فلسفية ومجموعة رسائل . وجميع هذه المؤلفات ضاعت وطواها النسيان . ألا إنها بقيت فقط عناوين وبعض العبارات ورسائل هي محط شك في حقيقة مؤلفها . وفعلاً فإن هناك من يرى إنها تعود إلى ثيونا ، في حين هناك من يعتقد إنها من تأليف ثيونا الثانية (أنظر: ماري آلين وايث : المصدر السابق ، الفصل الأول الفيثاغوريات الأوائل ، ص ص 11 وما بعد) .

  وفي عبارة مقطوعة من كتابها ” في الشفقة ” ظلت محفوظة ، وفيها تشير إلى التناظر الذي أقامه فيثاغوراس بين الأعداد وعالم الأشياء . وفي رسائل مختلفة هناك معالجة لموضوعات تتعلق بشؤون البيت ، مثل : ” كيف تربي المرأة الأطفال ، وكيف تعامل المرأة الخدم ، وكيف تعامل المرأة زوجها ” (آيان مايكل بلانت ؛ المصدر السابق) . وتزعم ماري ريتر بيرد بأن رسالتها ” في الفضيلة ” قد إحتوت على المبدأ الأخلاقي الشهير في الفلسفة اليونانية عامة وفلسفة آرسطو الأخلاقية خاصة ، وهو مبدأ ” الوسط الذهبي ” (أنظر: ماري ريتر بيرد ؛ المرأة كقوة في التاريخ ؛ دراسة في التقاليد والحقائق ، 1946 ، ص 314) . والمثال على مبدأ الوسط الذهبي : الشجاعة التي هي توسط بين طرفين : الجبن والتهور .

الفيلسوفة الفيثاغورية ” إيراكنوتا “

  إزدهرت إيراكنوتا في عام 500 ق.م ، وهي فيلسوفة فيثاغورية ، وكانت تلميذة لكل من أبيها فيثاغوراس وأمها الفيلسوفة ثيونا . (أنظر : سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادة إيراكنوتا) . وكتبت (البكشايا) وهي تراتيل خاصة بأسرار ” ديمتير ” والتي تعرف كذلك بالقصة المقدسة . وديمتر هي إلاهة نسوية ، والذي يعرف عنها ، إنها كانت إلاهة الحصاد والحنطة وخصوبة الأرض والفصول . ولها سلطة على الزواج المقدس ودورة الحياة والموت (أنظر: روبر كريف ؛ الأساطير اليونانية (بالإنكليزية) ، نشرة بانكوين 1990 ، ص 94 وما بعد) . وكثيراً مايتم الحديث عن هذه التراتيل التي تنسب إلى الفيلسوفة الفيثاغورية ” إيراكنوتا ” ، تحت إطار التراتيل الأورفية .

   وينسب لها سودا كتاباً بعنوان ” شعائر عبادة الإله ديونسيوس ” (أنظر : الموسوعة البيزنطية ، مادة إيركنوتا) . وديونسيوس هو إله العنب والنبيذ . وشعائر العبادة هي عبارة عن إحتفالات تتضمن الأبتهاج والسرور ، شرب النبيذ والوصول إلى حالة النشوة ، وخلال الإحتفالات يتم الإعلان عن عودة الإله إلى الحياة من جديد (للإطلاع على عبادة ديونسيوس ، راجع : روزمري تايلور ؛ الإله العائد : أسرار ديونسيوس ، نشرة مطابع الكورا 2003 ) . وهناك من الباحثين الأكاديمين الغربيين ، من يرى إن الكتابات التي نسبت إلى إيركنوتا ، قد ظلت متداولة أيام الفيلسوف اللبناني ، الإفلاطوني المحدث ” فرفريوس الصوري ” (234 – 305 م) (أنظر : فرفريوس الصوري ؛ حياة فيثاغوراس ، ص 4 ، نقلاً عن : كيلز منجي ؛ تاريخ النساء الفيلسوفات ، مطبعة الجامعة الأمريكية 1984 ، ص 53) .

 ومن بين الخطابات الفيثاغورية المقدسة ، هناك قول مأثور ينسب إلى الفيلسوفة الفيثاغورية إيركنوتا :

” إن الجوهر السرمدي للعدد ، هو العناية الإلهية ، التي لها فعل في السماء والأرض والمنطقة بينهما ، كما هي أصل الوجود المستمر للآلهة ، والأرواح الشريرة . إضافة إلى الرجال التي لهم طبيعة إلاهية ” (أنظر: ماري آلن وايث ؛ المصدر السابق ، ص 12).

الفيلسوفة الفيثاغورية ” مايا “

  إزدهرت مايا حوالي 500 قبل الميلاد ، وهي واحدة من بنات الفيلسوفة الفيثاغورية ” ثيونا ” والفيلسوف فيثاغوراس (أنظر: فرفريوس الصوري ؛ حياة فيثاغوراس ، ص 4 ، وكذلك سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادتي : مايا وثيونا) . ومايا كانت متزوجة من المصارع الكروتوني (الإيطالي) المشهور ” ميلو ” الذي فاز ببطولة مصارعة الفتيان عام 540 ق.م .

  ولاحظ الباحث إن هناك روايتان نسجت حول شخصية المصارع ميلو ، لهما أهمية في تاريخ الفلسفة الفيثاغورية عامة ، وحياة الفيلسوفة الفيثاغورية مايا ؛ الأولى تذكر أن ميلو كان من أتباع الفيثاغورية ، وتقدمه بطلاً فيثاغورياً وذلك من خلال إنقاذه الفيلسوف فيثاغوراس من موت محتوم ، عندما كاد أن ينهار على فيثاغوراس سقف البيت . والثانية تشير إلى إن المصارع ميلو قد تزوج من الفيلسوفة الفيثاغورية مايا (أنظر: أ . هاريس ؛ الرياضة والرياضيون اليونان (بالإنكليزية) ، نشرة مطبعة هاشنسان 1964 ، ص ص 110 – 113) . ووفقاً لرواية ديوجانس لارتيوس ، فإن ” فيثاغوراس مات محروقاً في بيت ميلو مع عدد من الفيثاغوريين ” (أنظر: لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب الثامن) .

  وحسب رواية الفيلسوف الإفلاطوني المحدث ” إمبيلكوس السوري ” (245 – 325 م) والذي يعد كتابه المعنون ” حياة فيثاغوراس ” من المصادر المهمة في تاريخ الفلسفة اليونانية عامة والمدرسة الفيثاغورية خاصة ، والذي كتبه في نهايات القرن الثالث الميلادي أو بدايات الرابع الميلادي . فقد ذكر إن الفيلسوفة الفيثاغورية مايا ” حين كانت في عمر الصبايا ، كانت تقود جوقة  من الفتيات المنشدات ” . إضافة إلى إنها كانت إنموذجاً نسويا عالياً ، حيث إنها وفقاً لرواية إمبيلكوس ” كانت صاحبة سلوك ديني مثالي ” (أنظر: إمبيلكوس السوري ؛ حياة فيثاغوراس (بالإنكليزية) ، ترجمه من اليونانية توماس تايلور ، نشرة دار ثيوسوفيكل للنشر ، كليفورنيا 1918 ، ص 30) .

  وعلى أساس رواية الخطيب الأشوري الساخر ” لوكين ” (125 – بعد 180 م ولد في مدينة سامستا التابعة للإمبراطورية الرومانية ، والتي تقع على الجهة اليمنى من نهر الفرات من الجانب التركي) . والتي ذكرها في كتابه المعنون ” في مدح الذبابة ” يقول:

” في العصور القديمة ، كانت أمرأة أسمها مايا ، وهي شاعرة حكيمة وفي غاية الجمال ، قال فيها الشاعر الساخر لوكين ، البيت الشعري الأتي :

       هناك في أعماق قلبي آلم ، سببه لسعة من مايا

إن لدي (لوكن يقول) الكثير الكثير من المعلومات عن مايا بنت فيثاغوراس ، والذي يجهلها الكثير ” (أنظر: لوكن الأشوري ؛ في مدح الذبابة ، منشور في أعمال لوكن ، ترجمة فلور و ج . فلور ، مطبعة جامعة أكسفورد 1905 ، ص ص 264 – 265) . ولعل القارئ الحصيف يتحسس النقد الماسوجيني المعادي للمرأة ودورها في الحياة وفي الثقافة  في كلام الشاعر لوكين .

  شكلت أفكار مايا في تربية الطفل ، ملامح أول نزعة فلسفية تربوية في تاريخ الفلسفة اليونانية ، فهي تتقدم بزمن بعيد على الإتجاهين الفلسفيين التربويين المشهورين : الإفلاطوني الذي أودعه إفلاطون في محاورة الجمهورية ، وبصورة محددة التربية الأولية والتدريب الرياضي (أنظر: إفلاطون ؛ الجمهورية ، ترجمة جويت ، دار راندم نيويورك 1937 ، القسم الأول تربية الحراس والجزء الثاني تربية الفلاسفة) ، والنزعة الفلسفية التربوية الأرسطية التي ركزها أرسطو في كتابه السياسة ، خصوصاً إستحمام الطفل ورضاعته ومواسم الزواج والحمل (أنظر: لورد كارنس ؛ التربية والثقافة في فكر أرسطو السياسي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كورنيل 1982 ، صفحات مختلفة)  .

   حقيقة إن الفيلسوفة مايا ربطت بصورة محكمة  بين فكرة ” الإنسجام أو التناغم ” ، الفكرة الفلسفية الفيثاغورية وتربية الطفل ، خاصة حديث الولادة . ففي رسالة تنسب إلى الفيلسوفة مايا الفيثاغورية ، والتي يعود تاريخها إلى القرن الثالث أو الثاني قبل الميلاد ، خاطبت فيها سيدة إسمها ” فيلاس ” . ومن ثم جرت مناقشة بينهما ، ركزت حول كيفية إشباع حاجات الطفل حديث الولادة وعلى أساس مبدأ الفيثاغورية في الإنسجام أو الإعتدال .

  كما بينت الرسالة إن الطفل بطبيعته يرغب في الإعتدال في كل الأمور ؛ الإعتدال في الطعام ، والملابس والتدفئة .. كما وإن الإعتدال يجب أن يشمل مرضعة وحاضنة الطفل كذلك (أنظر : آين مايكل بلانت ؛ النساء الكاتبات في العصرين اليوناني والروماني ، مطبعة جامعة أوكلاهوما 2004 ، ص 79 . وكذلك : ماري آلين وايث ؛ تاريخ الفيلسوفات اليونانيات ، ص ص 15 – 17) .

الفيلسوفة الفيثاغورية ” ديمو “

  إزدهرت الفيلسوفة الفيثاغورية ديمو في حدود 500 قبل الميلاد . وهناك القليل من المعلومات المتوافرة في المصادر التي إعتنت في بواكير الفلسفة اليونانية عامة واالمدرسة الفلسفية الفيثاغورية خاصة . واليوم نستمد معلوماتنا عن الفيلسوفة ديمو من أربعة مصادر تاريخية . والحقيقة إن جميعها لم تستهدف الفيلسوفة ديمو ، وإنما كانت تتحدث عن الفيلسوف الأب فيثاغوراس ، ومن ثم تم الإشارة إلى ديمو الفيثاغورية :

الأول كتاب ديوجانس لارتيوس المعنون ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” وبالتحديد في الكتاب الثامن المعنون ” فيثاغوراس ” . ومن المعلوم إن كتاب ” حياة وآراء .. ” قد ألفه لارتيوس في العقد الثالث من النصف الأول من القرن الثالث الميلادي ، وهو من أقدم المصادر التاريخية التي إعتنت بالفلسفة اليونانية عامة والفيثاغورية خاصة .

 والثاني كتاب الفيلسوف اللبناني فرفريوس الصوري ، المعنون ” حياة فيثاغوراس ” ، الذي كتبه في نهايات القرن الثالث الميلادي .

والثالث كتاب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث إمبيلكوس السوري ، المعنون ” حياة فيثاغوراس ” ومن المحتمل إن إمبيلكوس كتبه في نهايات القرن الثالث أو بدايات الرابع الميلادي .

والرابع كتاب موسوعي ، كتبه المؤلف البيزنطي سودا ، والمعنون ” الموسوعة البيزنطية ” ، وهو من نصوص القرن العاشر الميلادي . وهو مصدر متأخر على الأقل ستة قرون عن كتاب إمبيلكوس ، وأكثر من عقدين وستة قرون عن كتاب فرفريوس الصوري . وبحدود سبعة قرون على الأقل عن كتاب لارتيوس .

  إن هذا الفارق التاريخي يمنح سلطة معرفية متفوقة لكل من لارتيوس أولاً ، وفرفريوس ثانياً ، ومن ثم إمبيلكوس ثالثاً على كتاب سودا وموسوعته البيزنطية . وبالمناسبة إن المعلومات التي قدمها سودا ، جاءت من المادة التي خصصها للحديث عن الفيلسوف فيثاغوراس .

  تتفق هذه المصادر في أن الفيلسوفة الفيثاغورية ” ديمو ” ، هي بنت كل من الفيلسوف فيثاغوراس والفيلسوفة الفيثاغورية ثيونا . (أنظر: لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب الثامن ، ص ص 42 – 43 . وكذلك : أمبيلكوس السوري ؛ حياة فيثاغوراس ، ص 146 . وأنظر أيضاً : سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، مادة فيثاغوراس) . ولعل واحدة من أهم الروايات التي خصت ديمو الفيثاغورية ، هي الرواية التي أوردها ديوجانس لارتيوس ، والتي ذكرت الجوانب الآتية:

أولاً – وهب فيثاغوراس جميع مؤلفاته إلى إبنته الفيلسوفة ديمو . وهذا إن دل على شئ ، فإنه يدل على المكانة المتميزة للفيثاغورية ديمو في داخل العائلة الفيثاغورية خاصة ، ومن المحتمل أنها كانت تتمتع بمكانة مرموقة في داخل المدرسة الفيثاغورية بصورة عامة .  ولهذا إختارها فيثاغورس أن تكون الوريث الشرعي على التراث الفلسفي لمؤسس الفيثاغورية . وقد تكون ديمو هي البنت الأكبر سناً في العائلة . وهذا هو التقليد في أغلب المجتمعات ، وهو أن يرث أبيه المتوفى ، أحد أولاده أو بناته من كان أكبر سناً من بينهم يومذاك .

ثانياً – إن الرواية بينت بأن الفيلسوفة ديمو قد حافظت على وصية والدها ، فمنحت هذه الكتب مكانة مهمة في حياتها . فقد كانت الحارس الآمين عليها . وفظلت إن تعيش في حالة كفاف من بيعها . وفعلاً فقد واجهت عروضاً مغرية لبيعها . إلا إنها فظلت حالة الفقر والعوز على مقدار الذهب الكبير الذي عرض عليها . وهنا نود أن نشير إلى كلماتها التي جاءت منقولة في الرواية : 

 ” إن الجوع لأحب إلى نفسي ، وإن وصايا والدي الموقرة لعزيزة عليً ، وإنها أثمن قيمة من كل هذا الذهب ” (ترجمها من الأنكيزية الدكتور محمد جلوب الفرحان) (أنظر: ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب الثامن ، ص ص 42 – 43)  .

الفيلسوفة الفيثاغورية الحفيدة ” باتيل “

    ويكمل رواية لارتيوس السابقة  ، رواية إمبيلكوس . والحقيقة إن الرواية الأخيرة تدفع بها إلى نهايتها . فقد كشفت رواية إمبيلكوس عن شخصية نسوية فيثاغورية أخرى تنتمي إلى عائلة الفلاسفة الفيثاغوريين ، وهي الفيلسوفة الفيثاغورية ” باتيل ” بنت الفيلسوفة ديمو ، وحفيدة الفيلسوف فيثاغوراس . فقد ذكرت الرواية ” إن ديمو بدورها سلمت مؤلفات والدها إلى إبنتها باتيل ” (أنظر: إمبيلكوس : حياة فيثاغوراس ، ص 146) .

   وهذا يدل على إن باتيل كانت شخصية فيثاغورية مرموقة ، لها مكانة في العائلة الفيثاغورية وفي المدرسة الفيثاغورية على حد سواء . هذا كل ما نعرفه عن أخر حبة من عنقود العنب الفيثاغوري. والحقيقة إن المصادر المتوافرة لدينا كانت ظنينة جداً ، فلم تقدم شيئاً مهماً يساعدنا في رسم صورة واضحة عن حياتها ونشاطها الفلسفي . إلا إن ما يكفي باتيل ، أنها كانت الحارس الآمين على تراث فيثاغوراس الفلسفي ، خصوصاً إذا تذكرنا بأن نيران حريق بيت صهره ميلو ، كانت السبب الذي رسم النهاية الدرامية لحياة هذا الفيلسوف والذي مات معه جماعة من الفيثاغوريين كذلك  . إلا إن هذه النيران الحاقدة لم تتمكن من الوصول إلى مؤلفات فيثاغوراس ، فبقيت خالدة تتنقل من يد أمينة (الفيلسوفة ديمو) إلى يد بنتها وحفيدة فيثاغوراس ، الفيلسوفة باتيل .

الفيلسوف الفيثاغوري الإبن ” تيلوكس “

  إزدهر الفيلسوف الفيثاغوري ” تيلوكس ” في العام 500 قبل الميلاد . ووفقاً للتقاليد الفيثاغورية ، هو إبن الفيلسوفيين : فيثاغوراس وزوجته ثيونا (أنظر محمد جلوب الفرحان ؛ فرفريوس الصوري مؤرخاً للفلسفة اليونانية وخصوصاً القسم الخاص بكتابه حياة فيثاغوراس / موقع الفللسوف / شباط 2011) . وهناك القليل القليل من المعلومات التي تتوافر لدينا عن الفيلسوف الإبن تيلوكس .

  ولاحظنا إن إمبيلكوس يزعم بأن فيثاغوراس مات وترك تيلوكس طفلاً صغيراً . وإن ” تيلكوس قد تزوج من الفيلسوفة الفيثاغورية باتيل ” (أنظر : إمبيلكوس ؛ حياة فيثاغوراس / ص 146) وهي ” بنت الفيلسوفة ديمو التي في الوقت ذاته أخت تيلكوس ” (أنظر : سودا ؛ الموسوعة البيزنطية ، تعود إلى القرن العاشر ، مادة تيلوكس ، مادة فيثاغوراس ، ومادة ثيونا ) .

  ولقد قيل إن تيلوكس كان معلماً للفيلسوف اليوناني إمبادوقليس (490- 430 ق.م)  (أنظر؛ محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية / منشور على موقع الفيلسوف وموقع مجلة أفيروس ) . وربما هي محاولة تتطلع إلى تأسيس نوع من العلاقة بين إمبادوقليس وفيثاغوراس خاصة والمدرسة الفيثاغورية عامة .

  ولم يذكر فرفريوس الصوري ، شيئاً عن كتابات الفيلسوف تيلوكس . إلا إنه عاد فتكلم عن رسالة بعث بها تيلوكس إلى ” فيلولوس ” (470- 385 ق.م ) وهو فيلسوف فيثاغوري ، وقد ذكر فيها بعض المعلومات التي تتعلق بالفيلسوف إمبادوقليس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ، حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب الثامن / ص 53) . وينسب له ” سودا ” أربعة كتب تتعلق بالشكل المثلثي المنقط (وهو الشكل الذي يتكون من مجموعة مثلثات داخل مثلث كبير= الشرح بين قوسين من قبل كاتب المقال) وهوفي حقيقته رمز موسيقي يتعلق بعبادة الفيثاغوريين السرية (أنظر: سودا ؛ الموسوعة البيزنطية / مادة تيلوكس / ص 1481) .

 ويزعم إمبيلكوس بأن كتابات فيثاغوراس المتعلقة بالآلهة ، قد قيل إنها من تأليف تيلوكس . ومن ثم يضيف إلى إن تيلوكس إعتمد على الملاحظات التس سلمها فيثاغوراس لإبنته ديمو (أنظر: إمبيلكوس ؛ حياة فيثاغوراس / والباحث يشتغل على إستخراج دراسة عنه قريباً / ص 146) .

  وأخيراً لاحظ الباحث ، إن الإمبراطور الروماني والفيلسوف الرواقي ” ماركوس أورليوس ” (121- 180 م ) قد قابل في كتابه المعنون ” التأملات ” بين شخصية الفيلسوف الفيثاغوري تيلوكس وشخصية الفيلسوف سقراط  (أنظر: ماركوس أورليوس : التأملات ، ترجمة جريجوري هي ، نشرة المكتبة الحديثة 2002) .     

About these ads
This entry was posted in Dr.MOHAMAD FARHAN, Philosophy and Woman, Pythagoras, Pythagoreanism, Socrates, الفلسفة والمرأة, الفلسفة الفيثاغورية, الفلسفة اليونانية ومؤرخيها, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان and tagged , , , , . Bookmark the permalink.