مارتن هيدجر يحتفل بعيد ميلاد تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت الستين

الفلسفة / حُب الحكمة       الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

Arendt & Heidegger: Letters 1925 – 1975

Dr. Mohamad Farhan

Letter No. 91

هيدجر يحتفلُ بعيد ميلاد

تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

  كتب فيلسوف فينومنولوجيا الحياة مارتن هيدجر رسالة إلى تلميذته الفيلسوفة حنا إرنديت ، وبعثها بتاريخ  6 إكتوبر عام 1966 ، والمناسبة عيد ميلاد حانا الستين . وبالرغم من إن هذه الرسالة مقتضبة وقصيرة جداً جداً . إلا إن فيها أطراف مهمة ، بعضها فيما يخص علاقة هيدجر بتلميذته . وبعضها مهم للباحث في مضمار تاريخ الفلسفة المعاصرة وإرتباط فلاسفتها بالفلسفة اليونانية وجهابذتها الميامين . وهذا أمر جداً مهم لكاتب السطور ، الذي يجمعه مع هيدجر همُ مشتركُ واحدُ ، وهو العودة إلى الفلسفة اليونانية وفي منابيعها الأولى الأصيلة* ، وتجديد البحث في مضمارها في دارنا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*للتفاصيل أنظر :

Hannah Arendt & Martin Heidegger, Letters 1925 – 1975, Trans. By Andrew Shields, Ed. By Ursula Ludz, New York 2004, pp. 127 – 128, Notes, pp. 262 – 263

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثقافية العربية المعاصرة . بعد إن جفت روافد البحث الأكاديمي العربي في تاريخ الفلسفة اليونانية ، وذلك حين رهن عدد كبير من الأكاديميين العرب مصير البحث في الفلسفة اليونانية على كتاب المرحوم يوسف كرم ، والمعنون تاريخ الفلسفة اليونانية ولأكثر من ستة عقود .

  الحقيقة إن في رسالة هيدجر الكثير مما يمكن قوله في محاولات تجديد نبض الفلسفة اليونانية ، وإعادة قراءتها بمناهج ومن زوايا مدارس ومصادر ظلت بعيدة عن دائرة البحث الأكاديمي ، وذلك بحجج لا تصمد أمام البحث الأكاديمي الموضوعي النزيه والذي يعترف بفضل الأسلاف وحق الأجيال في إختيار مناهج جديدة ، خصوصاً بعد بزوغ شمس الفلسفة الفمنستية وفلاسفتها الذين ينتشرون في أقسام الفلسفة وأقسام الدراسات الفمنستية في جامعات أمريكا الشمالية ، والذين شكلت أبحاثهم وقراءاتهم لتاريخ الفلسفة ثورة فلسفية أعادت التوازن إلى مضمار الفلسفة بعد إن تم بصورة ذكورية مقصودة غمط مكانة المرأة الفيلسوفة من تاريخ الفلسفة رغم حضورها الملحوظ نداً نداً مع طاليس أول فيلسوف عرفته الحضارة اليونانية (للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ مكانة المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد الثاني / ربيع 2011 ، ومقالات متنوعة تناولات فيلسوفات من أجيال مختلفة / منشورة على صفحات مجلة أوراق فلسفية جديدة / أعداد متنوعة / وموقع الفيلسوف) .

نص رسالة مارتن هيدجر إلى الفيلسوفة حانا إرنديت

العنوان والتاريخ

كابين (منا : هو كوخ هيدجر الذي كان يختلي بحانا يوم كانت طالبة) 6 إكتوبر 1966

 العزيزة حانا

أتمنى لك أسعد الأوقات في عيد ميلادك الستين ، وربما في الخريف القادم سنقدم لك كل العون في نجاح المهمة التي تقومين بها . إضافة إلى كل ذلك ، فهي مهمة غير مُدركة ، ولكنها تظل تتطلع إليك .

وستنتعش من جديد بهجة التفكير بها ، وهي على الدوام جديدة ، وإن التأمل فيها مستمر في هذا العالم المُشوش المُرتبك ، والتفكير اليوم لازال يتمتع بإمكانية . ولكنه كاف بحد ذاته إذا ما حصل على ضمان التحول الجوهري ، أي التحول إلى خطاب (منا : كلام منطوق فيه علاقة ثلاثية بين المرسل والمستلم والرسالة أي الخطاب بحد ذاته) .

  ويبدو لي إنه منذ زمن بعيد والمحاولة قائمة على تفسير محاورة إفلاطون المعنونة السفسطائي* . ولحد الأن فإنها شاخصة أمام أنظاري على الدوام ، وإذا ما تحولت

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ونلحظ في الهامش رقم 1 ما يُفيد إلى إن البروفسور هيدجر يُلمح هنا إلى لقائه الأول بطالبته هانا ، وبالتحديد في الفصل الدراسي الشتوي عام 1924/ 1925 .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  إلى لحظة واحدة ، فإنها ستحقق الأمان والبقاء .

   وفي الفصل الدراسي الشتوي القادم ، وبعد عطلة طويلة ، سوف أُشارك في حلقات دراسية أكاديمية (مع فنك) والتي تدور حول هرقليطس وبارمنيدس*.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ونلحظ في الهامش رقم 2 إحالة إلى مطبوعات محاضرات هرقليطس 1966/ 1967 وهي مذكورة في قائمة أعمال هيدجر (أنظر : حانا إرنديت ومارتن هيدجر ؛ رسائل 1925 – 1975 ترجمة أندرو شيليز / إشراف يورسلا لودز ، نيويورك 2004 ، ص 312) . ويوجين فنك (1905 – 1975) هو تلميذ ومساعد هوسرل (منا : وهيدجر في بداية حياته الجامعية كان تلميذاً ومساعداً لهوسرل كذلك) . وكان يوجين بروفسوراً للفلسفة والتربية في جامعة فريبيرك منذ عام 1948 ، ويوجين له معرفة بالفيلسوفة حانا إرنديت منذ إن كانا طالبين في الجامعة .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    

  والأن الثلاثة بقوا في اليونان مع الفريدا*في سفينة سياحية لزيارة بحر إيجة ، وكانت لهم شهادة على شئ واحد ، وهو إنه لازال من الصعب التفكير بأن ” أليثيا ” هي ليست مجرد كلمة أو موضوع دراسة لتاريخ الكلمة أو اللفظة (منا : هي حقيقة مكشوفة ودليل صارخ) ، وإنما هي قوة مهيمنة تدل على حضور كل الموجودات والأشياء . وليس هناك إطاراً (أو شيئا) قادرُ على إخفائها .

                                                     دائم التفكير بك

                                                         مارتن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* ويقدم الهامش رقم 3 تفاصيلاً عن الرحلة إلى اليونان ، فيُفيدُ بأن : مارتن هيدجر قد سافر لأول مرة إلى اليونان في العام 1962 . ففي ملاحظاته التي ذكر بها زوجته الفريدا يُشير إلى كلمة (المكوث أو البقاء في اليونان) ، وبالتحديد في عيد ميلاد ألفريدا السبعين ، وفيها إشارة إلى الرحلة إلى اليونان (وهناك خطة للرحلة مرتين مع إلغاء). وكانت لدى مارتن هيدجر ” رغبة طويلة الآمد ” للقيام بهذه الرحلة . أما رحلتيه الثانية والثالثة فقد جاءتا بعد ذلك بفترة قصيرة نسبياً (وبالتحديد كانتا على التوالي في عام 1964 وعام 1966) . وتلتهما رحلته الرابعة والتي كانت بالتحديد في إبريل عام 1967 والتي قام بها لوحده وبدون مصاحبة زوجته ألفريدا . ومن ثم تلتها دعوة له من أكاديمية العلوم والفنون في أثينا . والرحلة الأخيرة لهيدجر (وربما مع عائلته) كانت زيارة إلى جزر بحر إيجة في مايس عام 1967 للتفاصيل أنظر : مارتن هيدجر وأرهارت كاستنر (مراسلات 1953 – 1974) نشرة هنريخ بيتزت (فرانكفورت 1986) وللتفاصيل أنظر : بيتزت ؛ مواجهات وحوارات ، ص ص 105 – 106 .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وذيل هيدجر الرسالة بالكلمات الآتية :

وترسل لك الفريدا التمنيات وذكريات المودة القلبية

ومرفقة مع الرسالة قصيدة شعرية للشاعر الألماني هولدرين وكانت بعنوان الخريف 

أطراف من نص القصيدة :

في نورانية الطبيعة يتسامى معدنها الأصيل

وهناك حيث تتطلع نهايات النهار إلى العلو والشموخ

إنها سنة الإنجازات العظيمة

حيث ثمار الحصاد تتوحد في الجمال المتعالي

….

ومن ثم تأتي الخاتمة :

إنها حية تشعُ أمام الحواس

وإنها في الختام مثل شعاع ذهبي

15 نوفمبر 1759

(كُتبت بسنة واحدة قبيل وفاة الشاعر هولدرين ، التي حدثت في 12 تموز / جلاي 1842) *.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* وجاء في الهامش رقم 4 الإشارة إلى إن هذه القصيدة قد نشرت لأول مرة في عام 1927 في مجلة كارتنلاب الألمانية ، أنظر : فردريك هولدرين (شتوتكارت هولدرين – أوسكاب) / الأعمال الكاملة ، نشرة شتوتكارت وبإشراف فردريك بيسنير ، المجلد 2 (1951) ، ص ص 299 نص القصيدة ، 918 الملاحظات والقراءات المتنوعة . وهناك في السطر الرابع من المقطع الأول بدل هيدجر كلمة العلو أو الشموخ بكلمة المتعالي.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

  وكذلك مع رسالة هيدجر صورة خاصة وبظهرها تعليقات بخط اليد . والصورة منظر لمكتبة هيدجر وهي تطل على الكوخ (الكابينة) . أما التعليق فهو بخط يد هيدجر ، فقد جاء بالشكل الآتي :

لحانا

في عيد ميلادها الستين

مارتن

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفي الهامش رقم 5 جاء ما مفداه : بإن نسخة من هذه االصورة الكارت فيها ساقية صغيرة على جهة اليسار (جورج ولف : قرب الكابينة / الكوخ ، وفقاعات ساقية الماء تنطلق إلى الأعلى بعد إن غطت الغابة إنبوب الماء الذي يعبرها …) . ويظهر في بيميل ؛ مارتن هيدجر ، ص 72 . وهذا الكارت فعلاً قد إستلمته حانا إرنديت ، وهو محفوظ في أرشيف الصور في الأرشيف الأدبي الألماني في ماربورك .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعقيب

  حملت هذه الرسالة الرقم 91 من الرسائل التي تبادلها كل من الفيلسوف هيدجر والفيلسوفة حانا ، وهي تشكل الرسالة الأولى من القسم الثالث والمعنون الخريف . ويظهر منها إنها رسالة تتضمن شفرات ملغومة ” تتجسد في محاورة السفسطائي ” ، وهي رموز وألغاز لا يفهما إلا هيدجر ” البروفسور ” والطالبة حانا التي حضرت دروس البروفسور هيدجر لأول مرة في الفصل الدراسي الشتوي لعام 1924 / 1925 . وكذلك جاءت لغة الألغاز التي يستخدمها هيدجر في كلمة ” أليثيا والتي تعني الصدق والحقيقية التي لا يستطيع أن يخفيها غربال . ويبدو إن محاولات هيدجر مع الفيلسوفة هو التأكيد على إن حبهما هو الصدق والحقيقة التي يمكن أن ينكرها أحد الطرفين .

   كما إن الرسالة من طرف أخر ، وبالتحديد من عنوان الإرسال ، تكشف عن مرامي الفيلسوف ، فقد بعثها من كوخه الشهير الذي وصفته الفيلسوفة حانا إرنديت حسب رأينا بالمصيدة ، والذي جاء في مقالها الذي نشرته في العام 1953وبعنوان هيدجر الثعلب (والذي سبق إن ترجمه الدكتور محمد جلوب الفرحان ، ونشر بعنوان : هيدجر الثعلب : تأمل في مقال تلميذته الفيلسوفة حانا إرنديت / موقع الفيلسوف / 5 فبراير 2013) . وهو في الكوخ لوحده وزوجته الفريدا وولديه في اليونان . ماذا يعني كل ذلك ؟ إنه يعني شيئاً واحداً ، وهو السعي بإلحاح على تجديد العلاقة مع الفيلسوفة حانا . وفعلاً فإن هذه الرسالة تذكرنا بمحاولات هيدجر المتكررة . ففي رسالة للفيلسوفة حانا ما يؤكد على ذلك . وفعلاً فقد كتبت حانا إلى صديقتها هيلدا فرانكل في نيويورك ، وبتاريخ 10 شباط 1950 ، تُعلق فيها على إقتراح اللقاء الذي تقدم به هيدجر برسالته في شباط 1950 ، فقالت بالحرف الواحد :

لم يكن عند هيدجر أية فكرة على الإطلاق ، بأن كل ذلك كان قبل خمسة وعشرين عاماً مضت . ولم تنتهي الفيلسوفة ، بل كتبت في الرسالة ذاتها ، قائلة : ” في الأساس أنا سعيدة ، ولسبب بسيط ، وهو التأكيد على إنني كنت على حق بأن هيدجر لم ينساني على الإطلاق ” (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان والدكتورة نداء إبراهيم خليل ؛ الفيلسوفة حانا إرنديت والفيلسوف مارتن هيدجر / مجلة أوراق فلسفية جديدة / العدد التاسع / شتاء 2013) .

 ونحسب في قصيدة الشاعر الألماني هولدرين ، طلب من الفيلسوف هيدجر ، تقدم به إلى حبيبته السابقة ، وفيها شفاعة وتوسل بتسوية الأمور بين الحبيبين ، والعودة إلى أيام وليالي جامعة ماربوك عام 1925 ، وذلك لأن الموت مثلما لف حياة الشاعر هولدرين ، فإن الموت هو اليقين الذي ستنتهي عند حضرته كل الموجودات والأشياء .. هذا ما قاله هيدجر ، وسنعرف في مقال لاحق ، وبالتحديد في رسالة الفيلسوفة حانا الرقم 92 وهي الثانية من رسائل مجموعة الخريف . نقول سنعرف ماذا ترى الفيلسوفة حانا ؟ وما هو جوابها الشافي على الفيلسوف والمعلم الدائم ، وحبيب أيام زمان .

About these ads
This entry was posted in Dr.MOHAMAD FARHAN, Hannah Arendt, Heidegger the Fox, Martin Heidegger, Plato, The Sophists, قصيدة الخريف للشاعر الألماني هولدرين, مقال حانا إرنديت هيدجر الثعلب, مارتن هيدجر, مجلة أوراق فلسفية جديدة / 9, مركز دريد للدراسات, هيدجر ومحاورة السفسطائي لإفلاطون, هرقليطس وبارمنيدس وهيدجر, أدموند هوسرل, الفيلسوف اليوناني إفلاطون, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الدكتور محمد جلوب الفرحان, الدكتور محمد جلوب الفرحان وهيدجر والهيدجريون الجدد, رسائل حب وخطابات فلسفية : هانا إرنديت ومارتن هيدجر, عقيدة حانا إرنديت عقيدة دينية فلسفية and tagged , , , , , . Bookmark the permalink.