المدرسة الكلبية : فلسفة وفلاسفة

 الفلسفة : حُب الحكمة       الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

            مدرسة فلسفية عراقية – كندية إلكترونية

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

CYNICISM: PHILOSPHY and PHILOSOPHERS

Dr. MOHAMAD FARHAN

المدرسة الكلبية : فلسفة وفلاسفة

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مُهداة

إلى / حلقة المسيب الفلسفية

صحيح إن الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان ينتمي لحماً وعظماً إلى مدرسة بغداد الفلسفية ، ولكن مشواره الفلسفي بدأ أولاً في حلقة المسيب الفلسفية (ومكتبة الفرات التي كان يملكها الأستاذ علي عريبي) والتي ضمت بالإضافة إلى الدكتور الفرحان ، الأستاذ علي عريبي ، والمرحوم تركي غالي (شهيد الفلسفة بعد مآساته في الزواج وخلافه الأيديولوجي وجاهر بالوجودية ومن ثم الماركسية فكانت نهاية في السجن وغاب فيه إلى الأبد) ، والأستاذ قاسم محمد مطلك ، والأستاذ موسى السيد فاضل ، والأستاذ حسن عريبي ، ومن ثم توسعت إلى حلقة ثقافية فضمت المرحوم خضير عبود الشمري (شهيد الحلقة بع خلاف أيديولوجي مع زميل معلم له فكانت النهاية سجن غاب فيه إلى الأبد)  ، والأستاذ سليم محمدعيدان ، والأستاذ محمد شيال الشمري والأستاذ صبحي عبد الرزاق الحداد الذي كان باحثاً في التراث وله السبق علينا في النشر الأكاديمي في مجلة الأقلام … وكانت للمجموعة أو أفراداً منهم لقاءات بالدكتور صبري مسلم حمادي فيما بعد والمرحوم الأستاذ سكران حسين

الذي كان يتميز بتحليلاته الفكرية العميقة ومنهجه الفكري الناصع  وذلك عند الإنتقال إلى مقاهي المحطة  وأتذكر جيداً إن الأستاذ جواد عبد الكاظم (رئيس تحرير مجلة أوراق فراتية) وكان أصغر منا سناً في تلك الفترة الأخيرة وكان على الأغلب يلتقي بي خصوصاً ونتبادل الحديث حول الكتب الجديدة في الفلسفة والثقافة ونتجاذب الحديث حول مستقبل الثقافة في العراق كما كانت له لقاءات وأحاديث مع أعضاء الحلقة الأخرين وكان يتمتع بعمق وهدوء ملفت للنظر . وكان حاله مثل حالنا دائماً يحمل كتاباً جديداً معه أثناء قدومه إلى المقهى فكانت ظاهرة ثقافية ملفة لنظر الجميع … وربما أخرون لم تسعفني الذاكرة لتذكرهم . وذلك لأن الفيلسوف الدكتور الفرحان درس الفلسفة أكاديمياً في قسم الفلسفة البغدادي لسنوات عديدة ، وتم تدريبه على أيادي فلاسفتها الكبار أمثال الفيلسوف الدكتور ياسين خليل ، والفيلسوف الدكتور حسام الألوسي ، والفيلسوف الأستاذ مدني صالح ، والفيلسوف الدكتور كامل مصطفى الشيبي ، والفيلسوف الدكتور عرفان عبد الحميد ، والفيلسوف الدكتور جعفر أل ياسين ، والفيلسوف الدكتور كريم متى ، والفيلسوف الدكتور صالح الشماع وأخرون …

إن حلقة المسيب الفلسفية لم تكن حلقة أكاديمية على الإطلاق ، بل كانت تجمع أصدقاء عفوي ، ولا يوجد برنامج فلسفي منظم وإنما يحكمها عناوين الكتب التي يقرأها الأصدقاء ، كما لا يوجد وقت محدد للقاء وإنما الوقت مفتوحاً نهاراً ومساء ، والمكان زاوية في الأغلب في مقهى لاحقاً أصبح يُعرف بمقهى إبن عبلة الشهير . والحقيقة هذه اللقاءات – الحلقة كانت المنبع الأول للقراءات الفلسفية والحوارات الثقافية المتنوعة واليوم نتذكرها ورموزها الكرام بإعتزاز وتقدير عاليين . فقد عمقت فهمنا للوجودية والإنفتاح من خلالها وخصوصاً مع وجودية جون بول سارتر على شواطئ الماركسية والتجديدات على هامشها والمتمثلة بالماركوزية واللوكاشية والجارودية والتروتسكية والبيليخانوفية والفانونية .. 

وبالطبع حلقة المسيب الفلسفية لم تكن الحلقة الوحيدة ، فقد كانت هناك على ضفاف نهر الفرات حلقات ، منها حلقة الدكتور البايولوجي علي السيد مهدي (وكان الأستاذ علي عريبي له لقاءات مع الدكتور علي السيد مهدي …) ، وحلقة أخري للروائي لدكتور البيطري طه شبيب (وكنت أتردد على هذا التجمع في مقهى واقعة على ضفاف الفرات في طرف أم الصخول وقد بينت في مشاركتي في بداية السبعينات افكار عن بحثي للتخرج وكان بإشراف الفيلسوف مدني صالح وكان في أساسه مراجعة نقدية لكتاب هنري سيدجوك النظريات الإخلاقية …) وهناك حلقة أخرى في الصوب الصغير (وكان الأستاذ قاسم محمد مطلك والأستاذ  المرحوم موسى السيد فاضل يواصلان اللقاء الدائم بهما ومن خلال شاب عصامي من أولاد موسى فريق …) وحلقات للماركسيين والفكر  القومي ومناصري الملكية (وكانت لي صداقة حميمة مع المرحوم الأستاذ مهدي عبد الحسين (أبو ناصر) / قائمقام المسيب لاحقاً وكان شخصية مثقفة عالية (بحكم عائلته ووالده خصوصاً) وله مجاميع شعرية وكتابات مخطوطة في التراث) والتجمعات الدينية والتي تضم شبان من طلاب كليات علمية أتذكر منهم المهندس الشاب محمد صبري وكانت أغلب المناقشات معهم تجري حول ثلاثية الصدر فلسفتنا ، وإقتصادنا والأسس المنطقية للإستقراء (وبالطبع هناك جلسات ثقافية لنقابة المعلمين ، وإتحاد الطلبة والتي كانت أيديولوجية في طابعها العام …) كما ولنا لقاءات مع أفراد لعبوا دوراً في الحركة الثقافية في العراق من أمثال الدكتور عباس الجنابي الذي شغل فيما بعد مراكز ثقافية رفيعة في العمل الصحفي في العراق ، فقد كنت ألتقيه ونناقش قضايا المسرح وفلسفة هنري برغسون ( وأتذكر اليوم إنه أستعار مني في نهاية الستينات كتابين فلسفيين كتبهما برغسون .. )  وكانت لنا علاقات صداقات مع الجميع تسودها فترات من المد والجزر والخوف والخشية ، فكان الطرف الأخر بعض الأحيان قلق جداً وغايته معرفة عناويين الكتب التي نقرأها ، فقد كان وضعنا مرتبط بالفلسفة والفلاسفة ، وهو وضع غير مريح للجميع  ا

وفعلاً فقد تخرج من قسم الفلسفة في كلية الأداب جامعة بغداد كل من الدكتور محمد جلوب الفرحان ، والأستاذ حسن عريبي وأعرف إن زوجة الأستاذ حسن عريبي هي الأخرى خريجة قسم الفلسفة ، والأستاذ موسى السيد فاضل في حين ذهب الأستاذ قاسم محمد مطلك إلى سورية وتخرج من قسم الفلسفة هناك ألا إن حلقة المسيب الفلسفية ظاهرة ثقافية جديرة بالإهتمام .  

—————————————————————————————

تقديم : بحثُ في الإصطلاح

    نحسبُ إن الإصول الفلسفية لهذه المدرسة تصعد إلى أراء وعقائد مجموعة من الفلاسفة اليونان القدماء ، والذين يُعرفون بالكلبيين . وفي إسم المدرسة وفلسفتها روح ساخرة ومتمردة على كل بهارج الحياة ومظاهرها الزائلة . ومن هنا جاء إسمها باليونانية والمترجم إلى الإنكليزية بلفظة سينك أي السخرية ، وللدلالة على سلوك الشخص وتفكيره جاءت لفظة سينكل أي الساخر أو المُثير للسخرية والضحك هذا طرف من إشتقاق إسم المدرسة والفلسفة والفيلسوف . أما الطرف الأخر لإسم المدرسة ، فيكمن في المحاولات القديمة للإجابة عن السؤال : لماذا سُمي هؤلاء الفلاسفة بالكلبيين ؟ ولعل واحدة من هذه المحاولات ترى بإن السبب وراء التسمية ، هو إن الفيلسوف الكلبي الأول أنتيسثينيس (445 – 365 ق.م) ، كان يُعلم ويلقي محاضراته في الجمنزيوم المسمى كاينوساركس في مدينة أثينا . وإن كلمة كاينوساركس تعني مكان ” الكلب الأبيض ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمة روبرت درو هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 الكتاب السادس ، الفقرة رقم 23) .

  ونحسبُ على أساس الطرف الأخير ، إن كلمة الكلب ، هي كلمة فيها قذف وتجريح للفلاسفة الكلبيين الأوائل . كما وفيها تسفيل وإلحاق الضرر بهم ، وذلك بسبب عدم إلتزامهم بقواعد الحياء والحشمة ، وخروجهم على تقاليد وروتين الحياة اليونانية ،  وفضلوا العيش على أرصفة شوارع المدن اليونانية . وفعلاً فإن الفيلسوف الكلبي ديوجانس الساخر ، قد أدرك المعاني السلبية (التي تحمل الذم) في كلمة كلب وكلبية ، ولكنه سعى بكل قوة إلى تحريرها من مضمونها السلبي ، وتوجيها توجيهاً إيجابياً لصالح هذه النزعة الفلسفية الساخرة والمتهكمة من بهارج الحياة بكل ألوانها . ولعل في كلمات الفيلسوف ديوجانس الكلبي الصدق الكثير . فقد كانوا ينادونه ” ديوجانس الكلب ” . وفي رده عليهم ما يحمل التصحيح ، فقال : ” الكلاب الأخرى تعضُ أعدائها أما أنا فأعضُ أصدقائي لأنقذهم ” .  

   وقد حفظت لنا كتابات الفلاسفة الكلبيون المتأخرون ، نصوصاً تشهد على تحويل كلمة كلب و كلبية وكلبي ، من معانيها السلبية التي تحمل الذم والإنتقاص ، إلى معاني إيجابية تحمل معاني التسامي والعلو والتي تشتغل لصالحهم ، وتقوض دعاوي خصومهم . ولعل الشرح الكلبي المتأخر يوضح ذلك :

  هناك أربعة أسباب تدور حول السؤال : لماذا سُمي هؤلاء الفلاسفة بالكلبيين ؟

أولاً بسبب روح التشابه وعدم وجود إختلافات في طريقتهم في العيش والحياة . ولذلك شكلوا نحلة (فرقة) متساوية (لا إختلاف فيها) ، وهم بهذا المعنى مثل الكلاب ؛ يأكلون في الأماكن العامة ، ويتزاوجون في الشوارع ، ويمشون حفاة ، وينامون في الحبوب (وهي جرار أو أحواض فخارية كبيرة مهجورة) في تقاطع الشوارع .

ثانياً بسبب إن الكلب حيوان لا يعرف الحياء والعار ، ولذلك كونو نحلة (طائفة) متحررة من العار والحياء . وهذا ليس بمعنى التواضع ، وإنما بمعنى السمو والعلو .

ثالثاً بسبب إن الكلب هو الحارس الآمين ، ولذلك كان الفلاسفة الكلبيون ، الحراس الأمينون على عقائدهم الفلسفية .

رابعاً وبسبب إن الكلب حيوان متميز (متفوق) ، يمتلك القابلية على التمييز بين الأصدقاء والأعداء .

  وعلى هذا الأساس فإن الفلاسفة الكلبيين يعترفون بحق الأصدقاء المناسبين إلى الفلسفة ، ويقومون بإستقبالهم بكل رحابة وإبتهاج . وبالمقابل فإن الأخرين اللذين لا يتلائمون مع الفلسفة ، فإنهم يُطردون مثل الكلاب ، وذلك عن طريق النباح عليهم . (أنظر : دونالد دولي ؛ تاريخ الكلبية من ديوجانس وحتى القرن السادس الميلادي / نشرة أوراق كلاسيكية – برستول 1937 ، ص 5) .

تأملات تاريخية في إصول الحركة الكلبية

  لاحظ الباحثون الأكاديميون في إصول وتاريخ الفلسفة الكلبية ، بأن هناك أثاراً لعدد من الفلاسفة على بنية الفلسفة الكلبية ، وعلى نمط حياتهم الذي إختاروه . ومن هؤلاء الفلاسفة ، فيثاغوراس (570 – 495 ق.م) والإخوة الفيثاغورية التي نظمها كأسلوب حياة للجماعة الفيثاغورية رجالاً ونساءً . وهكذا دافع الفيثاغوريون عن حياة البساطة ، وإسلوب العيش المشترك للجماعة الفيثاغورية في إطار قواعد تضبط حياة المدرسة الفيثاغورية . وبذلك يمكن القول إن نمط الحياة الفيثاغوري ، قد تقدم على الكلبية بقرون عدة ، حيث تصعد المدرسة الفيثاغورية إلى القرن السادس قبل لميلاد . حقيقة إن الفيثاغوريين في بعض الجوانب من حياتهم كانوا كلبيين في القرن السادس قبل الميلاد . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن الكلبيين ومدرستهم في القرن الرابع وما بعد كانوا فيثاغوريو القرن الرابع قبل الميلاد وما بعد (للتفصيل عن الفيثاغورية أنظر : محمد جلوب الفرحان 1 – تحليل أرسطو للعلم البرهاني (رسالة ماجستيرأُجيزت في صيف عام 1976) ، نشرة وزارة الإعلام العراقية ، بغداد 1983 ، الفصل الأول المعنون الفلسفة الرياضية قبل أرسطو (إضافات الفيثاغورية) ، ص ص 18 – 30 . 2- فلسفة وفيلسوفات من بيت فيثاغوري واحد / منشور على موقع الفيلسوف ، 3 أذار 2011 . 3 – دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع خريف 2011) .

  كما لاحظ الدارسون في إصول الكلبية ، إلى وجود رموز يونانية وغير يونانية ، قد تقدموا على الكلبيين ، وكانوا رواداً لهم . منهم الفيلسوف السيكوثي أناكارسيس ، وبالمناسبة إن السيكوثيين هم شعوب أسيوية جاورت اليونان ، وتزاوجوا مع اليونان ، والشاهد على ذلك أناكارسيس الذي كان سيكوثي وأمه تراقية يونانية ، والذي جاء إلى أثينا في القرن السادس قبل الميلاد ، وبالتحديد في العام 589 ق.م ، والذي تربطه صداقة بالحكيم اليوناني صولون (638 – 558 ق.م وهو واحد من الحكماء السبعة ، وقد خصه ديوجانس لارتيوس في الكتاب الأول من موسوعته حياة وآراء .. بإثنتي وعشرين فقرة ، بذأت بالفقرة رقم 45 وإنتهت بالفقرة رقم 67)

   وأناكارسيس هو بتقدير المصادر اليونانية واحد من رواد الكلبية الأوائل . والحقيقة إن مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس قد تناوله ضمن حديثه عن الحكماء السبعة (واللذين رفع عددهم إلى حوالي الأثنا عشر..) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمه إلى الإنكليزية روبرت درو هيكز ، نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية 1925 ، الكتاب الأول ، الفرة 101 . والواقع إن ديوجانس قد خص أناكارسيس بخمس فقرات ، بدأت بالفقرة رقم 101 ، وإنتهت بالفقرة 105) . وحسب هذه المصادر فإن أناكارسيس وحكيم سيكوثي ، قد عاشا سوية ، حياة مشتركة بسيطة ، كانت موضوع نقد وإستهجان من زاوية الأعراف اليونانية . ومن هذا الطرف تحول نمط حياتهما إلى مثال إحتفل به الكلبيون (أنظر : أر مارتن ؛ اللهجة السيكوثية : أناكارسيس والكلبيون / منشور في كتاب ماريا أوديل وأخرون ؛ الكلبيون : الحركة الكلبية في الماضي وتراثها ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 1996) .

   ولاحظنا إن هناك من الباحثين من تجاوز المحيط الثقافي اليوناني وجيرانه في البحث عن شواهد زهدية متقدمة على الكلبيين ، وذهبوا يفكرون ويربطون النزعة الزهدية للكلبية بمصادر من حضارات أبعد جغرافياً بحدود ما ، فمثلاً حاولوا ربطها بالفلاسفة الهنود العراة (جيمنسوفستس ، والتي تعني الفيلسوف الهندي العاري – الزاهد أو الراهب البوذي) . ويحسب هؤلاء الباحثون إن قصص الفلاسفة الهنود العراة قد وصلتهم ربما من خلال عساكر الإسكندر التي إحتلت أطراف من الهند يومذاك أو ربما أبعد من ذلك . ومن هذا الطرف تبنى الكلبيون طريقتهم الزهدية الصارمة ، وعدم إحترامهم القوانين وإنقيادهم إلى الأعراف والتقاليد (أنظر : ج . روم ؛ العقول الكلبية والمتوحشون النبلاء : الكلبية قبل الكلبيين / بحث منشور في المصدر السابق) .

  ومن ثم نظر الباحثون في مصدر مهم للفلسفة الكلبية ، وهي السفسطائية وفلاسفتها الجوالون ، كما إنهم بدأوا في القرن الخامس قبل الميلاد بإثارة أسئلة كبرى حول  تلامس مظاهر متنوعة من المجتمع اليوناني ، مثل الدين والقوانين والأخلاق . والسفسطائيون هم مجموعة فلاسفة جوالين ، رافقوا الحركة الديمقراطية في المجتمع الأرستقراطي اليوناني ، ومنهم بروتاغوراس ، وجورجياس ، وبردكيوس ، وهبياس وأخرون . ومن النافع أن أشير هنا وإعتماداً على كوثري إلى إن سقراط كان سفسطائياً وبتقديرنا إلى حد الثلاثين من عمره ..وهذا الكلام أدليت به إلى إذاعة النور اللبنانية ضمن حوار حول تاريخ الفلسفة وموضوعات خاصة بفلسفة التاريخ / خريف 1998 / الحلقة مسجلة بحدود الساعة (أنظر : كوثري ؛ تاريخ الفلسفة اليونانية ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1969 / المجلد الثالث ، ص 401) .

 ومسك الختام حديث عن الأثر الذي تركه سقراط على الحركة والفلسفة الكلبية ، ومن خلال تعاليمه وذكرى دروسه على تلميذه وحواريه أنتيسثينس مؤسس المدرسة الكلبية . صحيح إن سقراط لم يكن فيلسوفاً زاهداً ، ولكنه كان صاحب منهج عرف بمنهج التهكم والتوليد ، وهو منهج كشف جهل السياسيين ، وتناقض في حجج السفسطائيين فلاسفة الحركة الديمقراطية ، فإتهموه بإفساد الشباب والقول بآلهة غير آلهة المدينة ، وواجه حكم الموت ، وكان الفيلسوف الكلبي أنتيسثينس حاضراً اللحظات الأخيرة من حياة أستاذه سقراط . ومن هذا الطرف السقراطي ، إمتلك أنتيسثينيس وعموم الكلبيين الشجاعة في التمرد السلبي على القوانين والأعراف . وبالمقابل تنبيه الناس على الأخطاء في سلوكهم وإعتقاداتهم وإسلوب حياتهم . صحيح إن هناك إختلافات بين مواقف الأستاذ سقراط حول الثروة ، ومواقف التلميذ أنتيسثينيس . فالأستاذ سقراط لم يكن زاهداً ، ولكنه كان مُحباً للفضيلة . فإن التلميذ على عكس أستاذه قاد في المجتمع الأثيني حركة وفلسفة تدعو الناس إلى العيش حياة الزهد والفقر  . ولكنه في الوقت ذاته عزز الخط الأخلاقي للأستاذ سقراط ، فكان التلميذ أنتيسثينيس يدعو المجتمع الأثيني إلى العيش وفقاً للفضيلة (أنظر : كريستوفر تايلر ؛ سقراط : مدخل موجز ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورد 2001) .        

تأمل في مبادئ المدرسة الكلبية الفلسفية

والكلبية هي واحدة من أهم الفلسفات الهيلينستية على الإطلاق ، وذلك لأنها قدمت للناس صور من السعادة الممكنة ، والخلاص من المعاناة في عصر غاب فيه اليقين . وفي الإمكان تلخيص مبادئها الأساسية بالصورة الآتية :

أولاً – إن هدف الحياة هو السعادة ، والتي تتحقق عن كريق العيش وفقاً للطبيعة .

ثانياً – تعتمد السعادة على الإكتفاء الذاتي ، والسيطرة على الميول العقلية .

ثالثاُ – إن إنجاز الإكتفاء الذاتي ، هو أن يعيش الإنسان حياة ” الأريت ” .( والأريت مفهم يوناني يعني أن يعيش بدرجات من الإمتياز . وبعض الأحيان تعني أن يعيش الإنسان حياة الفضيلة . وتعني كذلك بأن ” يعيش الإنسان بأحسن ما يستطيع أو الوصول إلى أعلى الممكنات الإنسانية (أنظر للتفصيل : ورنر ييجر ؛ مُثل الثقافة اليونانية ، نشرة مطبعة جامعة أكسفورج ، نيويورك 1945 ، المجلد الأول ، ص 5)

رابعاً – إن الطريق إلى الأريت ، هو تحرير النفس من تأثير الثروة ، والشهرة والسلطة ، والتي لا قيمة لها في الطبيعة .

خامساً – تسبب المعاناة والعذابات ، الأحكام الكاذبة ، والتي هي سبب الإنفعالات السلبية والشخصية الشريرة .

  وعلى هذا الأساس فإن الكلبي لا يملك ملكاً ، ويرفض كل صور الثروة والأموال ، والشهرة والسلطة والسمعة (أنظر : أي لونك ؛ التقليد السقراطي : ديوجانس ، كريتيس والأخلاق الهيلينستية / منشور في كتاب (وشارك فيه مجموعة باحثين ) : الكلبيون : الحركة الكلبية في الماضي وتراثها ، نشرة مطبعة جامعة كليفورنيا 1996 ، ص ص 28 – 29) .

  ويتطلب العيش وفقاً إلى الطبيعة ، تلبية الضروريات للوجود فقط . وإن الإنسان يصبح متحرراً عن طريق تحرير النفس من الحاجات التي نتيجة للتقاليد والعادات . ولهذا تبنى الكلبيون شخصية هيركلس بطلاً مثالياً لهم (وهو بطل إلهي وفقاً للإسطورة اليونانية ، وهو إبن رب الأرباب زوس (أنظر : كارل كيرني ؛ أبطال اليونان ، نشرة دار تايمز وهيدسن ، لندن 1959) . وفعلاً فإن الطريق الكلبي للحياة ، يتطلب التدريب المستمر ، وليس فقط التدريب على الأحكام والتعبيرات العقلية ، وإنما عن طريق التدريب الرياضي كذلك . ولذلك كان ديوجانس دائماً يقول :

  هناك نوعان من التدريب ؛ العقلي والجسمي ، والأخير تم خلقه في العقل بسرعة .. ولكن الواحد منهما بدون الأخر يكون ناقصاً .. ولما كانت الصحة والنشاط يعملان في خدمة ما هو خير ، فإنهما بالتأكيد يعتمدان على كل من العقل والجسم سوية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب السادس ، 70) .

  والحقيقة إن الفيلسوف الكلبي ليس بفيلسوف إنسحابي (وهذا يشمل المجتمع الكلبي عامة) ، بل هو دائماً مكشوف ، شاخص أمام أنظار الجمهور ، وعند الحديث عن الفيلسوف الكلبي فهو شخصية واحدة على طول خط الحياة ، لا يعرف التلون بضغط الظروف ، ولا يتصنع المواقف ليرضي السلطة والسلطان بمعناها العام . وهو شخصية صبورة يواجه الإعتداءات بإعتدال ، لأنه عارف بأن مظهره وسلوكه الذي لا يتناسب وتقاليد وأعراف المجتمع المحلي المنغلق الذي يعيش في وسطه . ولذلك فإن الفيلسوف الكلبي بدلاً من التأكيد على هويته المحلية ، تطلع نحو هوية المواطن العالمي . وفعلاً فإن الكلبيين هم الذين إخترعوا فكرة العالمية أو الكوسموبولتية . ولعل صدى ذلك تجده في السؤال ، الذي يُلقى على الكلبيين دائماً من قبل الجمهور المحلي : من أين أتيتم ؟ فإن ديوجانس يجيب ” أنا مواطن العالم “ (المصدر السابق ، 63) .

  وإن الكلبي هو مثال للواعظ اليومي للناس ، وهو الحارس الأمين (وكلب الحراسة الأمين) على مقدرات الإنسانية ، وعمله الحقيقي هو تنبيه الناس على الخطأ في إسلوب حياتهم . ولعل المثال من حياة الكلبي (وبالمناسبة إن تداول كلمة العظ هي للسخرية فقط) يكشف حقيقة عمله ، فهو دائماً يحفر عميقاً من أجل الإمساك بالقيم المتخفية في جذور التقاليد والأعراف . ومن هذا الطرف يمكن الحديث عن الفلسفة الكلبية بأنها فلسفة تركز على الأخلاق فقط . والشاهد على ذلك الأثر الذي تركته في العالم الهيلينستي عامة ، وعلى الفلسفة الرواقية خاصة . ومن الشهادات الرواقية على أثر الفلسفة الكلبية عليها ، إسمع إلى ما يقوله الفيلسوف الرواقي ” أبولودورس ” (إزدهر في عام 150 ق.م) ، فقد أفاد باحرف الواحد : ” إن الفلسفة الكلبية هي أقصر الطرق إلى الفضيلة ” (أنظر : المصدر السابق / الكتاب السابع ، 121) .  وفعلاً فإن الكثير من هذه الآراء الكلبية قد إمتصتها وإستبطنتها المدرسة الرواقية (أنظر : مالكولم سوكفيلد ؛ فكرة الرواقية للمدينة ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج 1991) .

فلاسفة المدرسة الكلبية الأوائل

  وإن الفيلسوف الأول  من فلاسفة المدرسة الفلسفية الكلبية ، هو الفيلسوف أنتيسثينيس ، وهو أثيني من جهة الوالد*وتراقي من طرف الأم ، بدأ حياته محارباً

ــــــــــــــــــــــــــ

* لقد خصص ديوجانس لارتيوس الحديث عن الفيلسوف الكلبي أنتسثينيس ، الكتاب السادس من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وبالتحديد تسعة عشر فقرة ، تبدأ بالفقرة رقم 1 وتنتهي بالفقرة رقم 19 . ورغم إن ديوجانس يعتمد بعض الأحيان على مصادر معادية للكلبية ، فهو من المصادرالفلسفية الأولى التي وصلت إلينا كاملة . والذي قام بترجمته إلى الإنكليزية روبرت درو هيكز ، وهو من نشرة مكتبة لوب الكلاسيكية ، والصادر عام 1925 .

ــــــــــــــــــــــــــ

 ، وفعلاً فقد قاتل في شبابه في معركة تناجرا (بين أثينا من طرف وتناجرا وطيبة من طرف أخر وذلك في عام 426 ق.م ، وكان عمره ثمانية عشر ربيعاً) ، ومن ثم أصبح حوارياً وتلميذاً للفيلسوف السفسطائي جورجياس (485 – 380 ق.م) والذي تعلم على يديه فن الخطابة (وهذه التلمذة على يد السفسطائي جورجياس ، تمنحنا فرصة مهمة لفهم الكثير من أنماط حياة الكلبيين ، فهم فلاسفة جوالون ، حالهم بدرجات ما تشبه حال فلاسفة السفسطائية ..) . ومن ثم كما يبدو لنا إن التلميذ أنتيسثينيس ، إنقلب على أستاذه جورجياس ، وأصبح تلميذاً متحمساً للفيلسوف الشهيد سقراط (469 – 399 ق.م) وكان ذلك في نهايات القرن الخامس قبل الميلاد .

   إن هذا الإنقلاب الدرامي في حياة أنتيسثينيس وتفكيره ، خلق إنعاطفاً فكرياً وترجيحاً لفلسفة المعلم الجديد سقراط وعلى حساب فلسفة المعلم الأول جورجياس ، والذي يعدُ واحداً من خصوم سقراط . ونحسب إن ذكريات دروس المعلم جورجياس في الخطابة ظلت متخفية تحت جلد الخطاب الفلسفي الذي أنتجه أنتيسثينيس ، وإن مأساة معلمه سقراط ، التي تلوثت فيها يد بعض السفسطائيين ، سببت تروما (الصدمة النفسية) وجرحاً نازفاً ، عاشه أنتيسثنيس بقية عمره ،  وحمله معه إلى قبره . وفعلاً فإن المصادر التي تناولت حياته ، وخصوصاً ديوجانس لارتيوس ، تذكر بإنه كان حاضراً لحظة إعدام أستاذه سقراط ، وتشير إلى أن أنتيسثينيس لم ينسى على الإطلاق مسببي مأساته وقتلته ( أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 9) .

   تبنى أنتيسثينيس الجانب الأخلاقي من التعاليم الفلسفية للأستاذ الشهيد سقراط ، وطوره ليتناسب ونزعته الفلسفية الأخلاقية ، التي تدافع بقوة عن حياة الزهد ، وذلك خلال التأكيد على العيش وفقاً للفضيلة . وهو بمنظار العديد من كتاب المرحلة الهيلينستية ، وخصوصاً المتأخرين ، هو المؤسس الحقيقي للفلسفة الكلبية . وبدأ محاضراته في كاينوساركس ، وهو مجاور لمعبد هركليس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 13) .

    واليوم يقدم لنا كاينوساركس فهماً للأسباب التي حملت الكلبيين ، ومنهم أنتيسثينيس على وجه الخصوص ، على عدم التمسك بمواطنتهم وهويتهم الأثينية ، ففضلوا الهوية الكوسموبولتية والمواطنة العالمية (وهذه الفكرة الكلبية ستلقى لها ترحيباً وتبنياً قوياً عند الرواقية ، وربما من خلالها أو من خلال الكلبيين المتأخرين إستبطاناً ملفت للنظر عند المسيحية) (أنظر الكتاب الممتاز : دونالد دولي : تاريخ الكلبية من ديوجانس وحتى القرن السادس الميلادي ، نشرة مطبعة جامعة كيمبريدج ، ص ص 209 وما بعد) . نقول وفقاً لقواعد الحياة الثقافية الأثينية يومذاك ، فإن كاينوساركس كان مكاناً تعليمياً للأشخاص الذين تكون أمهاتهم أجنبيات . وفعلاً كما ذكرنا أعلاه إن أم أنتيسثينيس كانت تُراقية أجنبية على الرغم من والده الأثيني القُح .

  وحسب رواية ديوجانس لارتيوس ، فإن كتابات أنتيسثينيس تشكل عشر مجلدات كاملة . ولكن مع الأسف لم يبقى منها سوى مقاطع متفرقة . وكان يفضل إسلوب المحاورة في الكتابة (ويبدو في هذا الأسلوب الأثر السقراطي ، والذي يُعزز الفهم لدينا في طرفين ؛ الأول إن أسلب لمحاورة السقراطية ، قد تبناه فيما بعد معظم تلاميذ سقراط ، من أمثال أنتيسثينيس ، أكسانوفان ومن ثم إفلاطون .. والثاني إن محاورات أكسانوفان السقراطية ، ومحاورات إفلاطون السقراطية ، هي في الأصل نسخً أكسانوفانية وإفلاطوني لمحاورات سقراط الشفهية في الأصل) .

  لقد هاجم أتيسثينيس في محاوراته بعض من معاصريه من أمثال الخطيب والجنرال الأثيني القبايدس (450 – 44 ق.م) ، ومعلمه الأول ، السفسطائي جورجياس ، وإفلاطون (424 – 347 ق.م) . وكان إسلوبه يتمتع بالأناقة والصفاء . وزعم الخطيب والمؤرخ اليوناني ثيوبومبس (ولد عام 380 ق.م) في رسالة بعنوان ” في الشفقة ” (والتي فيها هجوم على إفلاطون) ، بأن إفلاطون إستحوذ دون وجه حق ، على الكثير من أفكار أنتيسثينيس . وعلى أي حال ، فإن شيشرون كان له رأي أخر بحق الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس ، فبعد قراءة لبعض مؤلفات أنتيسثينيس ، وصفه ” بالرجل الأكثر ذكاءً من المثقف ” (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 4) .

  ومن ثم جاء الفيلسوف الكلبي ” ديوجانس السينوبي (نسبة إلى مدينة سينوب التركية اليوم) (ولد حوالي 412 – 323 ق.م) . وهو فيلسوف يوناني ، وواحد من مؤسسي الفلسفة الكلبية . ولد في سينوب ، وهي مستعمرة أيونية ، تقع على البحر الأسود (أنظر : لوي نيفيا ؛ ديوجانس سينوب : الرجل في الحوض الفخاري ، نشر دار كرين وود 1998) . وإتخذ ديوجانس من هركليس مثالاً له ، جسده في حياته وتصرفاته . وإعتقد إن الفضيلة تُفصح عن حالها في أفضل صورة في الفعل ، وليس في النظرية *.

ـــــــــــــــــــــــــــ

* ومن الملاحظ على مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، إنه قد خص الفيلسوف الكلبي ديوجانس بحجم كبير من الفقرات ، بحيث جاءت ثلاثة أضعاف الفقرات التي كتبها عن الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس ، وفعلاً فقد شغلت من الكتاب السادس من موسوعته حياة وأراء … ، الفقرات التي تبدأ بالفقرة 20 وتنتهي بالفقرة الحادية والثمانيين .

ــــــــــــــــــــــــــ

  كما وإستخدم الأسلوب الكلبي في الحياة والتصرف ، وذلك لنقد القيم والأعراف الإجتماعية ، والتي رأها صورة للمجتمع الفاسد . وأعلن عن نفسه مواطناً كوسموبولتياً أي عالمياً . وهناك روايات تذكر بأنه تابع خُطى الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس ، وأصبح مريداً مخلصاً له على الرغم من قسوة المعلم التي صبها عذاباً جسدياً على التلميذ ديوجانس (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، التاب 6 : 18 ، 21) . ورواية اللقاء بين الإثنين ، هي موضوع شك . فليس هناك ما يؤكد على إن الرجلين إلتقيا في حياتهما (أنظر : أي لونك ؛ التقليد السقراطي : ديوجانس ، كريتس والأخلاق الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 45) .

  وتذكر المصادر التي أعتنت بديوجانس ، إلى إنه إصطنع فضيلة الجوع والفقر ، وبدأ بالتسول في الأسواق العامة ، وذلك من أجل العيش ، وينام في الأحواض الفخارية المهملة في الأسواق . وتحول إلى ظاهرة فلسفية مشهورة ، وبالتحديد في حمله مصباحه في ضُحى النهار ، زاعماً بأنه يبحث عن الرجل الآمين الصادق . ومعروف عنه ، إنه تهكم وسخر من الإسكندر المقدوني (356 – 323 ق.م) الرمز السياسي الكبير يومذاك . كما ووبخ إفلاطون ، وهاجمه في تفسيره لسقراط ، وتخريب محاضراته .

  وبعد رحلة بحرية ، قبض عليه القراصنة ، وباعوه عبداً في أسواق النخاسة . قررالإستقرار في كورنيثا . وهناك سلم مصباح الفلسفة الكلبية ، إلى وريثه الفيلسوف الكلبي كريتس ( والذي كان بدوره معلماً لزينون الأكتومي ، مؤسس الفلسفة الرواقية) . ولم يبقى لنا من مؤلفات ديوجانس العديدة شئ حي . ولكن جاءتنا التفاصيل عن حياته من خلال روايات نقلها لنا ديوجانس لارتيوس ، في كتابه الموسوعة الشهير حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (أنظر : محمد جلوب الفرحان : ديوجانس لارتيوس وموسوته ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” / مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الثاني ربيع 2011) . والحقيقة إنه رغم ضياع مؤلفات ديوجانس الكلبي ، فإن مؤرخ الفلسفة ديوجانس لرتيوس يذكر بأنه كتب عشرة كتب ، ومجلد من الرسائل ، وسبع مسرحيات تراجيدية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 80).

   واليوم كل ما لدينا روايات عن حياته ، وأقوال تنسب له ، وهي مبعثرة في مصادر كلاسيكية (أنظر : لوس نفيا ؛ المصدر السابق ، ص 226) . وبالطبع إختلط فيها الحقيقي الأصيل الذي كتبه يراع الفيلسوف الكلبي ديوجانس ، بالروائي المنحول الذي أضافته خيالات الكتاب وذلك لملأ الفراغات الناقصة عن حياة وآراء هذا الفيلسوف الظاهرة * .

ـــــــــــــــــــــــــ

* وبالمناسبة فإن العقل العربي الإسلامي ، قد تعرف في وقت مبكر معقول ، على الفلسفة الكلبية ، وخصوصاً على رمزها الظاهرة الثقافية ” ديوجانس ” . ولعل من الشواهد التاريخية على معرفة العقل العربي الإسلامي بآراء ديوجانس وتداولها ، المصادر الآتية :

1 – أبو الفرج بن هندو ؛ الكلم الروحانية من الحكم اليونانية / دراسة وتحقيق وشرح الدكتور محمد جلوب الفرحان ، نشرة الشركة العالمية للكتاب ، ط1 بسروت 2001 ، ص ص 233 – 240) .

2 – حنين بن إسحاق ؛ آداب الفلاسفة ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ، ط1 ، الكويت 1985 ، ص 45 

3 – مسكويه ؛ جاويدان خرد ، تحقيق عبد الرحمن بدوي ، دار الأندلس ، بيروت بلا تاريخ ، ص 216

4 – المبشر بن فاتك ؛ مختار الحكم ومحاسن الكلم ، حققه عبد الرحمن بدوي ،  ط1 ، مدريد 1958 ، ص ص 72 – 74

ــــــــــــــــــــــــ

 فلاسفة كلبيون من القرن الرابع قبل الميلاد

 وقبل الحديث عن كريتس الطيبي (365 – 285 ق.م) ، وريث ديوجانس على المدرسة الكلبية ، نود المرور على قائمة من أسماء الفلاسفة الكلبيين في القرن الرابع قبل الميلاد ، والذين لازم بعض منهم ديوجانس ، وكانوا تلاميذاً له ، ويتقدم القائمة أونيسكرتيوس (360 – 290 ق.م) وكان تلميذاً وحوارياً لديوجانس رغم إن ولديه قد تقدموا عليه في الزمن في التلمذة على يد ديوجانس(أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 6 : 84) ، ومنهم الفيلسوف فيلسكوس الإيجيني (عاش في نهايات القرن الرابع قبل الميلاد) وكان تلميذاً لديوجانس مثل والده أونيسكرتيوس وأخيه الأصغر إندروسثينس واللذان سبقا والدهم وجاءوا إلى أثينا وتعلموا الفلسفة بحضور محاضرات المعلم ديوجانس (المصدر السابق ، الكتاب 6 : 75) .

  ومن الفلاسفة الكلبيين اللذين درسوا على يد ديوجانس ، الفيلسوف هيجسيس سينوب (إزدهر عام 325 ق.م) وهو تلميذاً لديوجانس ، وكذلك مونميوس السركوسي (بالعربية سرقاسطة) وهو من فلاسفة الكلبية في القرن الرابع قبل الميلاد ، وكان في الأصل عبداً ، ومن ثم أصبح تلميذا لديوجانس وأصبح زميلاً للفيلسوف كريتس الطيبي الذي كان في الوقت ذاته تلميذاً لديوجانس (المصدر السابق ، الكتاب 6 :82 . وفعلاً فقد خصص له مؤرخ الفلسفة ديوجانس فقرتين وهما 82 و 83) ، ومنهم الفيلسوف الكلبي ثراسليس (إزدهر عام 325 ق.م) . ومن ثم تصاعد نجم الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي (365 – 285 ق.م) وأصبح رئيساً للمدرسة الكلبية* .

ـــــــــــــــــــــــــ

* ولدينا قوائم بأسماء فلاسفة المدرسة الكلبية ، تُغطي القرن الرابع والثالث والأول قبل الميلاد . كما وتمتد قوائمنا ، فتغطي فلاسفة الكلبية في القرون الميلادية ، الأول والثاني والرابع والخامس .

ـــــــــــــــــــــــــ     

  ولد كريتس عام 365 ق.م في طيبة اليونانية (أنظر : الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 52) ، وهو إبن أسكوندرس ، ومن خلال والده ورث كريتس ثروة هائلة . وقد أورد ديوجانس لارتيوس عدداً من الروايات (خصص ديوجانس لارتيوس من موسوعته حياة وآراء .. للحديث عن كريتس ثمان فقرات من الكتاب السادس ، بدأت بالفقرة رقم 85 وإنتهت بالفقرة 93) ، التي تشرح التحولات التي حدثت في حياة كريتس . منها الرواية التي تشرح أسباب توزيع الفيلسوف لأمواله على مواطني طيبة . فترى إن الفيلسوف شاهد في إحدى المسرحيات التراجيدية ، إنقلاب حياة الملك تيليفوس الدراماتيكية ، فبعد إن كان صاحب المُلك والسلطة ، تحول إلى متسولاً في الشوارع . وفي رواية أخرى إن الفيلسوف كريتس أودع أمواله عند صاحب بنك ، وإشترط عليه في الإتفاق بينهما ، أن يسلم هذه الأموال لأولاده . ولكن إذا أصبحوا فلاسفة ، فطلب منه أن يوزعها على الفقراء (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (مصدر سابق) ، الكتاب 6 : 87 – 88) .

  ومن ثم إنتقل كريتس إلى أثينا ، وأصبح تلميذاً لديوجانس . وهناك بعض المصادر لا ترى بإن هذه العلاقة بين التلميذ كريتس والمعلم الفيلسوف الكلبي ديوجانس يقينية . إلا إننا نحسب إن هناك إفادات يقينية وردت على لسان كريتس ، تؤكد على قيام مثل هذه العلاقة ، فقد قال بالحرف الواحد ” إنه كان زميلاً لديوجانس ، والذي تحدى كل محاولات الحسد والغيرة ” (المصدر السابق ، الكتاب 6 : 93) .

  وتذكرُ روايات أخرى بأن كريتس تتلمذ على يد إثنين من فلاسفة المدرسة الميغارية ، وهما كل من ستلابو (360 – 280 ق.م) وتلميذه البرايسن الأكيني (إزدهر سنة 330 ق.م) (المصدر السابق ، 6 : 85) ، وعاش كريتس حياة بسيطة مملوءة بالفرح والبهجة* . ومن النافع الإشارة إلى إن بلوتارك ، الذي

ـــــــــــــــــــــــ

* وهذه إشارات كافية تلوح على عبورالفلسفة الميغارية إلى ديار الفلسفة الكلبية ، وخصوصاً مع الفيلسوف الكلبي كريتس . ويبدو إن صدى دروس الأساتذة الميغاريين ؛ برايسن وستلابو ، وبالتحديد دروسهما في منطق القضايا الميغاري ، قد عبرت خلال كريتس إلى تلميذه زينون الأكتومي مؤسس الرواقية ، ومن خلال الرواقية أو الإفلاطونية المحدثة التي إستبطنت الكثير من الفكر الرواقي ، وبالتحديد الفكر المنطقي عبرت الى دائرة المباحث الفلسفية والمنطقية الإسلامية .

ــــــــــــــــــــــ

ولد في نهايات النصف الأول من القرن الأول الميلادي ، وبالتحديد في العام 46 ، وتوفي عام 120 ، قد كتب سيرة ذاتية تفصيلية عن الفيلسوف الكلبي كريتس . ولكن مع الأسف تعرضت للضياع ، وبقيت منها إشارات فقط ، يِؤكد فيها بلوتارك على علو كعب كريتس ، ويصفه بالتحديد بأنه إنسان من نوع خاص . فيقول :

   كان كريتس لايملك شيئاً ، سوى محفظته ، وردائه الرث ، ودائماً تراه يُضاحك الحياة بدعابة ساخرة ، وكأنه في مهرجان .

   وقيلً إنه كان يُعاني من عوق جسمي ، تمثل في تحدُب في أكتافه ، وعرج في واحدة من رجليه . وإعتاد الأثينيون على تلقيبه بفاتح الأبواب ، وذلك بسبب دخوله كل البيوت دون تردد ، وإن الناس كانوا يستقبلونه بترحيب وتشريف . فقد كان يدخل بيوت الأصدقاء حتى دون توجيه دعوة له (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ بلوتارك مؤرخاً للفلسفة اليونانية / سينشر على موقع الفيلسوف) .

  كتب الفيلسوف الكلبي كريتس العديد من الرسائل ، تناول فيها موضوعات فلسفية متنوعة ، كونت بمجموعها كما يحسب ديوجانس لارتيوس كتاباً . ويعتقد لارتيوس إن كريتس كان يُفضل إسلوب المحاورة . وعلى هذا الأساس قارن لارتيوس بين إسلوب كريتس وإسلوب إفلاطون . ولكن هذه الرسائل – الكتاب لم تبقى متداولة لفترة طويلة ، فقد ضاعت وطواها النسيان (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب السادس : 98) .

  وهناك ست وثلاثون رسالة فلسفية كلبية ، حفظها لنا القدر من الضياع ، واليوم تُنسب إلى الفيلسوف الكلبي كريتس ، ويرى الدارسون إنها كُتبت ولفقت في القرن الأول قبل الميلاد . وكريتس هو مؤلف لعدد من التراجيديات الفلسفية ، وعدد من القصائد الشعرية الصغيرة والتي يُطلق عليها بالألعاب . ويبدو من خلال ما تبقى من مقاطع لكتابات كريتس ، يتبينُ إنه كان يُعلم إسلوب الزهد البسيط . ولهذا كان صاحب نهج زهدي معتدل أكثر من سلفه ديوجانس .

  وفعلاً في مقطع ظل محفوظاً له ، تأكدت هذه النزعة الزهدية المعتدلة ، فقد جاء فيه ، إن رجلاً سأل الفيلسوف كريتس قائلاً : ” ماذا سيكون حالي إذا أصبحت فيلسوفاً ؟ فرد عليه الفيلسوف ” ستكون قادراً بالتأكيد ” . ومن ثم فصل أكثر ” ستكون قادراً على فتح محفظتك بسهولة ، وتصرف بسخاء ، وتوزع بكرم بدلاً مما عليه أنت الآن ؛ الخجل يلفك ، كثير التردد ، ودائماً ترتجف مثل أيادي المشلولين . وبدلاً من ذلك ، إذا كانت محفظتك مملوءة ، فبالتأكيد ستنظر بكل ذلك . ولكن إذا كانت محفظتك فارغة ، فإنك لا تكون متحيراً ممتحناً . وإذا حاولت مرة أن تستعمل النقود ، فإنك ستكون قادراً على التصرف بها بسهولة ويسر. ولكن إذا كنت لا تملك شيئاً ، فإنك لا تستحق شيئاً ، وإنك ستعيش بقناعة مع ما تملك ، ولا ترغب بما لا تملك ، ولا تبتئس بما سيأتي في طريقك ” (أنظر : أدورد أونيل ؛ حكايات : المعلم الكلبي ، نشرة دار الباحثين الأكاديميين ، مونتانا 1977 ، الفقرة رقم ) .   

   كما وجذب كريتس العديد من التلاميذ ، وبالمناسبة كانت الفيلسوفة الكلبية هبريشا الماروني (إزدهرت عام 325 ق.م) واحدة من طالباته (وقد خصها ديوجانس لارتيوس بالفقرات 96 و97 من كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب السادس) ، وهي أخت تلميذ له يُدعى ميتروكلس . وقيل إن هبريشا هامت به عشقاً ، وأحبت طريقه في الحياة ، فكان الحاصل تمردها على إسلوب حياة عائلتها الثرية . ومن ثم تزوجت منه ، فكان زواجهما زواجاً إحتفالياً في مدينة أثينا ، وذلك بسبب إن هذا الزواج تأسس على علاقات المساواة والإحترام بين الزوجين . فتحولت قصتهما إلى حديث كل لسان أثيني . وفعلاً فقد تسائل الناس : كيف يجوز لأمرأة محترمة أن تتصرف بهذه الطريقة ؟ وكان لهما من هذا الزواج ولد وبنت (للتفاصيل أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / منشور في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، العدد الرابع ، خريف 2011) .

  كما كان كريتس معلماً للفيلسوف الرواقي زينون الأكتومي (334 – 262 ق.م) ، وبالترجيح في السنوات الأخيرة من القرن الرابع الميلادي . وبلا شك فقد ترك أثراً ملحوظاً على تطور فلسفته الرواقية . وبالمقابل فإن التلميذ الفيلسوف زينون عندما يتحدث عن كريتس ، فإن كلامه مملوء بعبارات التقدير والإحترام العاليين . (أنظر : ديوجانس لارتيوس : الكتاب الأول : 15 ، الكتاب السادس : 105 ، والكتاب السابع : 2 …) . وفعلاً إن قارئ موسوعة ديوجانس لارتيوس حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ، وخصوصاً عندما يتحدث عن كريتس وزينون الأكتومي ، يتأكد بأن كتابات زينون ، كانت واحدة من المصادر المهمة التي عرفتنا بالفيلسوف الكلبي كريتس (المصدر السابق ، الكتاب السادس : 91 ، وقارن كذلك الكتاب السابع : 4) .

  أما طلاب كريتس الأخرون التي حفظت لنا أوراق التاريخ أسماءهم ، منهم ميتروكلس (إزدهر عام 325 ق.م) . وهو فيلسوف كلبي من مارونيا (وقد خصه مؤرخ الفلسفة ديوجانس لارتيوس بفقرتين من كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب السادس ، وهما الفقرة رقم 94 والفقرة رقم 95) ، درس أولاً في مشائية أرسطو ، ومن ثم تحت يد الفيلسوف المشائي ثيوفروستس (خليفة أرسطو على المدرسة) ولكنه تحول إلى الكلبية* ، بعد إلتحاقه بالفيلسوف كريتس ومتابعة أبحاثه الفلسفية تحت إشرافه (المصدر السابق ، الكتاب السادس : 94) .

ـــــــــــــــــــــــــ

 * وهنا نلفت الأنظار إلى إن أفكار الفلسفة الأرسطية ، والمدرسة المشائية ممثلة بأراء ثيوفروستس ، قد عبرت إلى الفلسفة الكلبية ومن خلالها إلى الرواقية ، وبالطبع من خلال ميتروكلس . ونحسبُ خلال كل هذه المصادر عبرت إلى دائرة الثقافة العربية الإسلامية ، خصوصاً إذا وضعنا في إعتبارنا المدراس الرواقية التي إنتشرت في العراق وفارس والهند وبلاد الشام في عهد السلوقيين خلفاء الإسكندر المقدوني ، ومنها المدارس الرواقية البابلية التي إنطلق شعلتها في سلوقيا عاصمة السلوقين التي أسسوها على ضفاف دجلة الخالد (تقع اليوم بقاياها جنوب بغداد ، وكانت مقابلة لعاصمة الفرس ، طيسفون التي تقع على الجهة الأخرى من دجلة  خلال الإحتلال الفارسي للأراضي العراقية) والتي ولد فيها وتخرج من مدرستها الفلسفية الفيلسوف الرواقي الشهير ديوجانس البابلي ، ومن ثم شد الرحال إلى أثينا ، وأصبح رئيساً للمدرسة الرواقية في أثينا .

ــــــــــــــــــــــــــ

 ومنهم مونميوس السركوسي الذي كان تلميذاً لديوجانس الكلبي ، ومن ثم تعرف على كريتس وتابع دراسة الفلسفة بصحبته . وكتب كتابين ؛ الأول بعنوان في الدوافع . والثاني بعنوان التشجيعُ على الفلسفة (المصدر السابق ، الكتاب السادس : 82 – 83) . ومنهم الفيلسوف الكلبي ثيومبروتس (إزدهر عام 300 ق.م) وكان تلميذاً وزميلاً للفيلسوف كريتس الطيبي . وكذلك منهم الفيلسوف كليمونس الكلبي (إزدهر عام 300 ق.م) ، وهو تلميذ للفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي (أنظر : ماريا أوديل : الكلبيون : الحركة الكلبية وتراثها (مصدر سابق) ، ص 392) .

فلاسفة المدرسة الكلبية في القرن الثالث قبل الميلاد

  يتقدم القائمة الفيلسوف الكلبي (الساخر) بايون بوريسثينس (325 – 250 ق.م) ، ويُشار إليه كفيلسوف كلبي وسفسطائي (وأحسب هنا قد وقع خلط واضح بين الكلبية والسفسطائية ، وذلك لأن حال الفيلسوف الكلبي في السلوك حال السفسطائي ، فهو فيلسوف جوال يسكن الشوارع وينام في الأماكن العامة ..) . وتذكر المصادر حادثة مهمة غيرت إتجاه الفيلسوف بايون ، فقد وقع أسيراً ، وبيع عبداً في أسواق النخاسة ، وبعد تحريره ، رحل إلى أثينا متطلعاً إلى دراسة الفلسفة . وفعلاً بعد إن حط الركاب في عاصمة الفلسفة ، إنخرط في الدراسة في معظم المدارس الفلسفية هناك . ومن ثم تبنى إسلوب الحياة الكلبي ، وتدرب على إسلوبهم الساخر ، وفعلاً فقد سخر من حماقات البشر ، وهاجم الدين . وبالمقابل أعلى من مكانة الفلسفة .

  جاء بايون في الأصل من مستعمرة أولبيا اليونانية (هي اليوم جزء من أوكرانيا) والتي تقع في الساحل الشمالي للبحر الأسود ، وبالتحديد على مدخل نهر بوريسثنيس ، الذي جاء منه لقب الفيلسوف الكلبي بايون . صحيح إن المصادر تشير إلى إنه عاش في الفترة ما بين 325 و 250 قبل الميلاد . ولكن ليست هناك شواهد تاريخية دقيقة على تاريخ ولادته ووفاته بالتحديد اليقين .

  إلا إننا نتلمس عند المؤرخ اليوناني سترابو (63 ق .م – 24 م) شهادة تاريخية نافعة ، فقد ذكرته معاصراً للجغرافي وعالم الرياضيات القورينائي أرتوسثينس (الليبي) (276 – 194 ق.م) ، والذي ولد عام 276 ق.م (أنظر : دون رولر ؛ جغرافية أرتوسثينس : مقاطع مترجمة وشرح ، نشرة مطبعة جامعة برنكتون 2010) . بينما حفظ لنا ديوجانس لارتيوس على شهادة منقولة عن الفيلسوف الكلبي بايون ، يصف فيها سلالته التي ترتبط بالملك المقدوني إنتيغونس الثاني غونتس (319 – 239 ق.م) (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 4 : 46 – 47) .

   ذكرنا أعلاه إن بايون بعيد وصوله إلى أثينا ، بدأ بدراسة الفلسفة . وفعلاً إستهل دراسته في الأكاديمية تحت إشراف أكسينوكرتس (396 – 314 ق.م) والذي كان رئيساً للأكاديمية الإفلاطونية من 339 وإلى 314 ق.م (المصدر السابق ، ص 15) وهو المدافع عن العودة إلى إفلاطون وفلسفته (أنظر : الكرا وأخرون ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (مصدر سابق) ، ص 48) ، ومن ثم إنتقل للدراسة تحت إشراف كريتس الأثيني (توفي ما بين 268 و 264 ق.م) وكان رئيساً للأكاديمية كذلك (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، ص 21) .

  ومن ثم أصبح فيلسوفاً كلبياً (المصدر السابق) ، وهناك إحتمال من إنه درس تحت إشراف الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي ، والذي كان رئيساً للمدرسة الكلبية يومذاك . وحسب ديوجانس لارتيوس فإن بايون أقام علاقة مع الفيلسوف القورينائي ثيودورس الملحد (340 – 250 ق.م) (المصدر السابق ، الكتاب 2 : 86) ، والذي حينها كان يعيش في اليونان والأسكندرية ، وقبل أن يتحول إلى مدينته قورنيا (أنظر : ألكرا وأخرون ؛ المصدر السابق ، ص 52) . ومن المحتمل إن إلحاد ثيودورس قد ترك أثراً على الفيلسوف الكلبي بايون (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب 4 : 54) .

  وأخيراً أصبح تلميذاً للفيلسوف المشائي ثيوفروستوس (المصدر السابق ، 52) وبعدئذ رحل إلى اليونان ومقدونيا ، وأصبح من أعضاء الدائرة الثقافية لحاشية الملك المقدوني أنتيغونس الثاني غونتس (المصدر السابق ، 46 ، 54) . ومن ثم بدأ بتدريس الفلسفة في مدينة روديس (المصدر السابق ، 49 ، 53) . ونحسب قبل أن نغادر الحديث عن الفيلسوف الكلبي بايون ، إن نذكر حقيقتين :

أولاً – يرى الدارسون الأكاديميون اليوم ، إن بعض وجهات ديوجانس لارتيوس جاءت من مصادر معادية للفيلسوف بايون ، وخصوصاً في قضية إلحاده . ولكن الفقرات المتبقية من تراث بايون ، تكشف بأن الفيلسوف كان صاحب نظرة دينية شكية ، فيما يتعلق بالأديان السرية والوحي (أنظر : دونالد ديودلي ؛ تاريخ الكلبية ، ص ص 64 – 66) .

ثانياً – إن التنوع في مصادر دراسة الفيلسوف الكلبي بايون ، قد كونت ظاهرة فلسفية ، إنفتحت فيها المدارس الفلسفية بعضها على البعض الأخر . ومن خلال هذا الطريق تلاقحت الأفكار الفلسفية المتنوعة ، وعبرت من جيل من الفلاسفة إلى جيل أخر وكأنها المكون الفلسفي للمدرسة الكلبية مثلاً . مع الإشارة إلى إن هذا الحال يشمل مختلف المدارس الفلسفية . وهذا ما نراه في دراسات أخرى .

  ومن الفلاسفة الكلبيين في القرن الثالث قبل الميلاد ، كل من ديمترس الإسكندري (إزدهر عام 275 ق.م) وهو من تلاميذ الفيلسوف الكلبي ثيومبروتس و إيشكليس الأفسوسي (إزدهر في عام 275 ق.م) وهو من تلاميذ الفيلسوفيين ثيومبروتس وكليمونس . والفيلسوف الكلبي تيماركوس الإسكندري (إزدهر عام 275 ق.م) وهو تلميذ الفيلسوف الكلبي كليمونس . و ساكرس (إزدهر عام 275 ق.م) . ووفقاً لرأي مؤلفي كتاب الكلبيون : الحركة الكلبية في الماضي وتراثها ، فإنهم كانوا من حواريي الفيلسوف الكلبي ميتروكلس ، تلميذ كريتس الطيبي ، وأخ زوجته هبريشا الماروني (أنظر : ماريا أوديل وأخرون ؛ المصدر السابق) .

  ومن الكلبيين في هذا القرن ، كان الشاعر سوتيدس الماروني (إزدهر في عام 275 ل.م) . وقد تشرب الفلسفة الكلبية ، وعكسها شعراً ، سخر فيه من الرموز الحاكمة وأخلاقها ، ودفع بسبب ذلك حياته . ولد سوتيدس في مارونيا ربما في تراقيا أو كريت . وهو شاعر ساخر ، كتب باللهجة الأيونية ، وعاش في الإسكندرية خلال حكم بكلميوس الثاني فيلادلفيس (309 – 296 ق.م) والذي إمتد حكمه لمصر ما بين 285 و246 ق.م (أنظر للتفاصيل عن فرعون مصر بطلميوس الثاني : بول ماكشاين وفيليب كولمان (مجموعة بحوث بإشرافهما) ؛ بطلميوس الثاني فيلادلفيس وعالمه ، بيرل 2008) .

  وفعلاً فإن الشاعر الكلبي سوتيدس ، قد هاجم بطلميوس ، وذلك بسبب زواجه من إبنته أريسانيو ( توفيت حوالي 260 ق . م) (أنظر : بلوتارك ؛ تربية الأطفال ، الفقرة رقم 11 أ / مترجمة في كتاب كراهام شبلي ؛ عالم اليونان بعد الإسكندر 0323 – 30 ق.م) ، نشرة روتليدج (سلسلة تاريخ روتليدج للعالم القديم) ، لندن 2000 ، ص 138) . ولهذا السبب تعرض الشاعر الكلبي إلى السجن ، ومن ثم هرب ولاذ إلى جزيرة كانوس ، وبعد فترة قصيرة قبض عليه الأدميرال باتروكلس ، والذي بدوره تلقى أوامر قتله ورماه في مياه البحر . ولكن ظل الشاعر خالداً ، في حين لف التاريخ قتلته برداء من العار .

  ومنهم الكاتب الكلبي الساخر مينبيس جدارا (الأردني) وقد خصص له ديوجانس لارتيوس صفحات من الكتاب السادس من موسوعته حياة وآراء مشاهير الفلاسفة (والتي تضم الفقرات 99 ، 100 و101) . وعلى الرغم من ضياع جميع أعمال مينبيس جدرا ، فإنه ترك أثراً واضحاً على كل من الباحث الأكاديمي الروماني ماركوس ترتنتيوس فيرو (116 – 27 ق.م) ، والكاتب الخطيب الأشوري الساخر لوكين الساموستي (125 – 180 م) (واللقب نسبة إلى مدينة ساموستا الواقعة في أعالي الفرات الخالد) هذا طرف  . والطرف الثاني من فهم الأثر الذي تركه الكاتب الكلبي الساخر مينبيس الأردني على الأدب اليوناني والروماني ، واضح من خلال الجنس الأدبي الذي إرتبط بإسمه ، والذي يطلق عليه إصطلاح الأدب الساخر المينبيسي .

   ولد مينيبيس في مدينة جدارا (اليوم هي جزء من الأرن ويطلق عليها أُم قيس) ، وكان عبداً يعمل في خدمة مواطني بونتس ، وبعد إن حصل على حريته ، توجه إلى طيبة وعاش هناك بقية من حياته . وهناك قصة غريبة ينفرد بها ديوجانس لارتيوس ، كان الحاصل منها إنتحار الكاتب الكلبي مينيبيس . وبالمقابل نجد رواية لوكين الذي يتقدم على ديوجانس بحدود نصف قرن من الزمن على الأقل ، والذي وجدناه يُعلي من مكانة مينيبيس إلى مقام الفلاسفة الكلبيين الأوائل الرواد ، من أمثال أنتسيثينس ، ديوجانس وكريتس الطيبي .

  ومن أعمال الكاتب الكلبي (الساخر) مينيبيس ، والتي يُعددها مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، كتابات نقدية فيها هجوم على الأبيقورية والرواقية ، وكتاب الوصايا ، ورسائل كتبها الألهة ، والرد على الفلاسفة الطبيعيين (وهذا الكتاب يُذكرني بعناوين إسلامية مشابهة ، وقريبة مثل الرد على الدهريين ..) والرد على رجال الرياضيات ورجال النحو . وكتاب عن ولادة أبيقور ، والإحتفالات في المدرسة الأبيقورية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، التاب 6 ، الفقرة رقم 101) .

  ووفقاً للخطيب والنحوي أثانيوس ، والذي عاش في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلاديين ، فإن هناك كتاباً بعنوان السمبوزيوم (الأجتماع) يُنسبه إلى الكاتب الكلبي مينبيس (أنظر : دونالد بودلي ، تاريخ الكلبية (مصدر سابق) ، ص 70) . ونحسب إن عنوان الكتاب سمبوزيوم ، يُذكرنا بواحدة من أهم محاورات إفلاطون والتي حملت العنوان ذاته (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية / منشور على موقع الفيلسوف ، 2 نوفمبر 2011 ، القسم الثاني والمعنون محاورات إفلاطون من زاوية تاريخية) ، ولا تتوافر لدينا نسخة من هذا الكتاب لنعرف حقيقة هذا الكتاب ، وهل هو مجرد عنوان ؟ أم إن هناك إستثمار لفكرة الكتاب الإفلاطوني ؟ أم هو معارضة كلبية للموضوع الإفلاطوني ؟ أم إنه لا هذا ولا ذاك ، وإن الكتاب في جوهره تأسيس مستقل أنتجه يراع الكاتب الكلبي مينبيس .

 ومن الفلاسفة الكلبيين في القرن الثالث قبل الميلاد ، الفيلسوف ميندميس ، والذي لا نعرف شيئاً محدداً عن تاريخ ولادته ، ولا عن وفاته . ولكن كل مانعرفه إنه كان من فلاسفة الكلبية في القرن الثالث . إلا إن ما نعرفه قطعاً ، هو إن ديوجانس لارتيوس من مصادرنا الأولى عن ميندميس . وفعلاً فقد خصص في كتابه حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، وبالتحديد الكتاب السادس ، الفقرات الأربعة ؛ 102 ، 103 ، 104 و 105 . ولكن كلام لارتيوس جاء عاماً عن الكلبية ، ماعدا مقدمة الفقرة 102 ، وبالتحديد السطرين الأولين ، اللذان أشار فيهما إلى إنه ” كان من تلاميذ كولتس لامبسكيوس ” وعن بعض الخوارق المتداولة عنه (لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب السادس ، الفقرة رقم 102) .

  والمعلم كولتس لامبسكيوس (320 – 268 ق.م) هو تلميذ للفيلسوف أبيقور ، وواحد من أشهر حوارييه ، والذي كتب رسالة بعنوان : هل إنه من المستحيل العيش وفقاً لمبادئ فلاسفة آخرون ؟ (أنظر : ألكرا وآخرون ؛ المصدر السابق ، ص 51) . صحيحُ إنه ليس هناك تأكيد مئة في المئة على إن ميندميس ، كان تلميذاً للأبيقوري كولتس . ولكن الصحيح كذلك إن هناك رأي مقابل نهض على نسختين من المخطوطات البردية ، اللتان تم إكتشافهما لاحقاً ، وفيهما لاحظ الأكاديميون على وقوع تنازع بين ميندميس وكولتس ، حول آراء الأبيقورية في الشعر .

  ومن فلاسفة الكلبية في القرن الثالث قبل الميلاد ، الفيلسوف والشاعر والمشرع كركيدس مكلوبلس (290 – 220 ق.م) نسبة إلى مدينة مكلوبلس اليونانية (ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الفقرة 76) . ومنهم تيليس الميغاري (إزدهر عام 235 ق.م) ، وهو معلم كلبي وكاتب خطابات . والمصدر الوحيد الذي حفظ لنا بعض المقاطع المنتزعة من مصادر تعود إلى ما قبل القرن الخامس الميلادي ، هو ستوبس المقدوني . والمقاطع السبعة حملت العناوين الآتية : في الظاهر والوجود ، في الكفاية الذاتية ، حول المنفى ، مقارنة بين الفقر والثروة ، في اللذة التي ليست هي بهدف الحياة ، وفي الظروف ، وفي التحرر من الإنفعال (أنظر : أدورد أونيل ؛ تيليس : المعلم الكلبي ، نشرة دار الأكاديميين 1977 ، ص ص 12 – 15) . وفي أعماله يشير دائماً إلى سقراط وديوجانس . وضم مقاطع من أعمال الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي ، ستلابو وبايون بوريسثينس  (أنظر : دونالد ديدلي ؛ تاريح الكلبية (مصدر سابق) ، ص 86) .

   ومن فلاسفة الكلبية في القرن الأول قبل الميلاد ، الكاتب الساخر ميليكر جدرا (الأردني – الفلسطيني) . يصنفه مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس ، كاتباً كلبياً مع الكاتب الكلبي الساخر مينبيس (ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب السادس ، الفقرة رقم 99) . كتب مليكر شعراً ساخراً مثيراً ، ضاع الكثير الكثير منه ، ولم يبقى سوى 134 قطعة نثرية ساخرة ، والتي حفظها لنا المخطوط المعنون المجموع اليوناني ، وهو اليوم المصدر الوحيد لكتابات مليكر جدرا (أنظر : بيتر جي ؛ المجموع اليوناني وقطع يونانية قديمة أخرى ، الناشر ألين لين 1974 ، ص 142) .

  والشاعر والكاتب الساخر (الكلبي) ميليكر جدرا ، هو إبن أوكرينس ، والذي ولد في مدينة جدرا (اليوم تسمى أم قيس في الأردن) . وكانت يومذاك نصف هيلينستية ، تقع في شمال فلسطين . وذهب للدراسة في مدينة صور اللبنانية ، ومن ثم تحول إلى مدينة كوس ، التي صرف فيها بقية حياته ، ومات فيها في عمر متقدم . وإعتماداً على مخطوط المجموع اليوناني ، فإن الأكاديميين يرجحون إلى إنه إزدهر خلال (95 – 93 ق.م) ، وبالتحديد خلال حكم الملك سيلوقس السادس إيبهانس نكتر ، حاكم المملكة السلوقية (للإطلاع على تاريخ المملكة السلوقية أنظر : أميل كوهرت وسوزان وايت ؛ من سمرقند وإلى سرديس : مشروع جديد للإمبراطورية السلوقية ، لندن 1993) .

  إضافة إلى ربط ديوجانس لارتيوس للشاعر الساخر ميليكر بالكاتب الكلبي مينيبيس ، فإننا نلحظ إن رأيه وجد صدى قوياً لدى بعض الباحثين الأكاديميين ، فرددوا نسبته إلى المدرسة الفلسفية الكلبية ، وذهبوا إلى إن حال ميليكر حال مينيبيس ، كتب مقالات نثرية ساخرة ، بث فيها الفلسفة في إسلوب تصويري مرح . ومن سوء حظنا إن هذه المقالات هي الأخرى ضاعت وطواها النسيان .  ويبدو إن شهرة الكلبي ميليكر جدرا ترتبط بالمقاطع 134 التي حفطها مخطوط المجموع اليوناني (أنظر : وليم سميث ؛ معجم الأساطيروالسير اليونانية والرومانية ، نشرة لتل براون وشركاؤه ، بوسطن 1867 ، ص 385) .

 كما وتحتفل المصادر المهتمة بالمجاميع الشعرية والنثرية اليونانية في المرحلة الهيلينستية ، بالشاعر الكلبي والكاتب الساخر ميليكر جدرا ، وذلك لأنه كتب مجموعاً شعرياً ، عُرف بعنوان الكارلاند ، وهو مجموعة قصائد تركز على موضوع خاص محدد . إنتخب فيه قصائد لست وأربعين شاعراً من عصور يونانية مختلفة . و الكارلاند يعني مقارنة القصائد الشعرية القصيرة الجميلة ، بالزهور الملونة الجميلة . وفي المدخل الذي كتبه ميليكر للمجموع ، تحدث فيه عن أسماء زهور مختلفة ، وصنفه على الطريقة الألفبائية وإعتماداً على الحروف الأولى التي يبدأ بها البيت الشعري ولكل قطعة شعرية منتخبة . ولعل من المؤسف القول بأن مجموع الكارلاند قد تعرض للضياع . ولكن الحظ كان في جانبنا ، فقد شكل الأساس الذي تبناه مخطوط المجموع اليوناني (أنظر : فيليب سميث ؛ كارلاند ميليكر ، منشور في كتاب وليم سميث ؛ المصدر السابق) .

About these ads
This entry was posted in Aristotle, Cynicism : Philosophy and Philosophers, Dr.MOHAMAD FARHAN, Philostratus, Plato, فلاسفة كلبيون من القرن الرابع قبل الميلاد, فلاسفة المدرسة الكلبية في القرن الثالث قبل الميلاد, مدرسة فلسفية عراقية - كندية إلكترونية, مركز دريد للدراسات, الفلاسفة الكلبيون وفكرة المواطنة العالمية, الفلسفة الكلبية وإهتمامات العقل العربي, الفلسفة الكلبية وعبور الأرسطية ومن خلالها إلى الرواقية, الفيلسوف الكلبي كريتيس وتلميذه الرواقي زينون الأكتومي, الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي, الفيلسوف الكلبي مونميوس السركوسي, الفيلسوف الكلبي هيجسيس سينوب, الفيلسوف الكلبي أنتيسثينيس وأستاذه سقراط, الفيلسوف الكلبي المؤسس أنتيسثينيس, الفيلسوف الكلبي بايون بوريسثينيس, الفيلسوف الكلبي ثراسليس, الفيلسوف الكلبي ديمترس الأسكندري, الفيلسوف الكلبي ديوجانس الساخر, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الفيلسوف السيكوثي أناكارسيس / غير يوناني, الفيلسوف العراقي ديوجانس البابلي, الكاتب الكلبي الأردني مينبيس جدرا, الكاتب الأردني الفلسطيني الساخر ميليكر جدارا, الشاعر سوتيدس الماروني, بحث في إصطلاح الفلسفة الكلبية, تأمل في مبادئ الفلسفة الكلبية, تأملات تاريخية في إصول الفلسفة الكلبية and tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , . Bookmark the permalink.