الإهتمام الأكاديمي الغربي بتراث ماركوس شيشرون

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مجلة فلسفية إلكترونية

———————————————————————————-

الإهتمام الأكاديمي الغربي

بتراث ماركوس شيشرون

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

——————————————————————————-

القسم الأول

تقديم :

  إهتمت دوائر البحث الأكاديمية الغربية بتراث الفيلسوف ورجل الدولة والخطيب ماركوس شيشرون في وقت مبكر . فمثلاً إنها بينت لنا بأنه لم ينقضي وقت ملحوظ من الزمن على وفاة شيشرون ، وإن واحداً من معاصري شيشرون ورفيق حياته ماركوس تيليوس تيرو (توفي عام 4 قبل الميلاد) والذي كان في البداية عبداً يعمل في بيت شيشرون ومن ثم حرره من العبودية . وهو غالباً ما يًذكر في رسائل شيشرون . وبعد موت شيشرون قام بنشر أعمال سيده . كما وإن تيرو كتب العديد من الكتب وبطريقة الكتابة المختصرة . إلا إن الكتاب الغربيين يترددون في التأكيد على تاريخ ولادته . ولكن القديس جيروم (347 – 420م) إقترح تاريخ ولادته عام 103 ق.م وبذلك جعله أصغر من شيشرون قليلاً [1]. وربما ولد تيرو في فترة متأخرة من ذلك التاريخ والسبب إن شيشرون بنفسه كان يُشير إلى تيرو بكلمات ” الرجل الشاب وكان ذلك في عام 50 ق.م ” [2].

  ومن المحتمل أن يكون تيرو قد ولد عبداً ، وكان يعمل في بيت شيشرون في أربينم ، ومن ثم جاء مع عائلة شيشرون إلى روما . إلا إننا لا نعلم علم اليقين بأنه كان عبداً . غير إن المؤكد إن شيشرون غالباً ما يُشير إليه في رسائله . وإن واجباته تتضمن الكتابة والإملاء والتنقيط ، وترتيب مائدة الطعام وحديقة البيت والإمور المالية . وغالباً ما يشير شيشرون إلى مكانته ودوره المساعد لشيشرون خاصة في عمله ودراساته [3]. وفعلاً فإنه تم تحرير تيرو من العبودية عام 53 ق.م ومن ثم رافق شيشرون إلى صقلية (سيسلي) خلال عمل شيشرون محافظاً لها . وبعض الأوقات كان يتغيب تيرو عن صاحبه شيشرون بسبب ضعف صحته . وغالباً ما يكون شيشرون قلقاً من المرض الذي يعانيه تيرو [4].

  وبعد موت شيشرون إشترى تيرو أملاكاً له في بوتسولي القريبة من مدينة نابولي الإيطالية والتي قال عنها القديس جيروم ” بأنها المدينة التي مات فيها تيرو وكان ذلك في عام 4 ق.م وحينها ناهز من العمر تسع وتسعين عاماً ” [5].

الإهتمام الغربي المبكر بسيرة شيشرون وتراثه الفكري

   كتب تيرو أول سيرة ذاتية عن سيده وصاحبه شيشرون . إلا إن هذه السيرة مع الأسف تُعد اليوم من المفقودات [6]. والسؤال ؛ هل كانت سيرة شيشرون التي كتبها تيرو متوافرة في عصر بلوتارك ومن ثم بعد ذلك فقدت وضاعت ؟ لا أحد يعرف الجواب . كيف حدث ذلك وشيشرون هو واحد من أعظم رجال الرومان الذين تم مناقشتهم وتركوا أثاراً واضحة على أجيال من الخطباء وكتاب الرسائل . ورغم هذا الحال فإن بلوتارك كتب عن شيشرون رائعته التي حملت عنوان حياة شيشرون ، وهي جزء من موسوعة ضخمة بعنوان الحياة المتوازية [7].  فمثلاً كونتليان غالباً ما يعتمد عليه مصدراً ويشير إليه في نصوصه ، بل وينصح القراء لكتاباته بأن يقيسوا ويوازنوا مستويات تقدمهم في مضمار الخطابة على شيشرون . كما وإن بيلني أو بيلينوس هو خطيب وكاتب رسائل مثله مثل شيشرون . وإنه (أي بيلني) إختار شيشرون وإسلوب حياته بوعي ، كما وعمل مقارنات بينه وبين شيشرون . ونشر مجموعة من الرسائل ووجهها إلى الأصدقاء وكان في مضمونها غالباً ما يقتفي خطوات شيشرون .

  ومن المعلوم إن خُطب شيشرون كانت في وقت مبكر تستخدم نصوصاً ومصادر دراسية لتعليم الخطابة . إضافة إلى إن حياة شيشرون كانت هي الأخرى من مفردات المنهج الدراسي في مدارس الخطابة . كذلك إن مؤرخي الإمبراطورية الرومانية يناقشون إنجازات الخطيب ورجل الدولة شيشرون . كما ووضعت العديد من الشروح على أعماله . والشاهد على ذلك الدراسات التي كتبها كل من الخطيب والمربي الروماني (من إصول إسبانية) ماركوس فابيوس كونتليان أو كونتليانوس (تقريباً 35 – 100م) وإشتهر برائعته التي حمل عنوان معاهد البلاغة والتي تكونت من إثنتا عشر مجلداً والذي نشره عام 90 ميلادية وفيها ينصح طلبته على متابعة شيشرون . ولاحظنا إن كونتليان قد بخس حق الفلسفة والفيلسوف وذلك حين تحدى تفوق الفلسفة وعلو كعبها على الخطابة . وإنه من طرف آخر إقترح على الخطيب أن يقرأ الفلسفة  . بينما حزم شيشرون أمره وتحول إلى ضفاف الفلسفة وظل في الوقت ذاته خطيباً كبيراً [8].

  والشاهد الآخر الذي جاء بعد كونتليان هو الفيلسوف الإفلاطوني والمؤرخ وكاتب السير اليوناني بلوتارك (أو فلوطرخس بالعربية) (46 – 127م) والذي أصبح مواطناً رومانياً فيما بعد . ولعل من أهم كتبه في مضمار الإهتمام بالفيلسوف والسياسي والخطيب شيشرون ، هو كتابه الذي حمل عنوان حياة شيشرون وهو رائعة متفردة [9]، وهو جزء من مجموع كتبه بلوتارك بعنوان الحياة المتوازية [10] والذي يُرجح إلى إن بلوتارك قد كتبه في نهايات القرن الأول الميلادي [11]. وكان هذا المجموع من المصادر اليونانية المبكرة التي وصلت إلينا عن الفلسفة اليونانية عامة وحياة شيشرون خاصة .

  ومن المعروف إن فلوطرخس / بلوتارك ولد في نهايات النصف الأول من القرن الأول الميلادي (ولد عام ست وأربعين ميلادي) وتوفي تقريباً في الربع الأول من القرن الثاني الميلادي . وهذه الحقيقة تحملنا على القول بأن كتاب الحياة المتوازية يتقدم على رائعة ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) والتي حملت عنوان حياة وآراء مشاهير الفلاسفة بحدود القرنيين من الزمن [12].

  ومن النافع أن نعرف بشخصية بلوتارك ومن ثم برائعته الحياة المتوازية وخصوصاً حياة شيشرون . وإسمه الكامل لوكيوس ماستريوس بلوتكريس خصوصاً بعد إن أصبح مواطناً رومانياً . وبلوتارك واحد من الفلاسفة الإفلاطونيين المشاهير في مرحلة الإفلاطونية المتوسطة [13]، إضافة إلى كونه مؤرخاً وكاتب مقالات وسير يونانية [14]. أما كتابه ” حياة شيشرون ” فهو جزء من مجموع بعنوان ” الحياة المتوازية ” [15] والعنوان الكامل لهذه الرائعة هو حياة وسير ذاتية لمشاهير الرجال وركز فيه على قيمهم الأخلاقية ونكوصهم ، والتي كتبها في أواخر القرن الأول الميلادي .

  تألفت رائعة بلوتارك هذه من ثلاث وعشرين زوجاً من السير المتوازية ، زوج واحد يخص اليونان وزوج ثان يخص الرومان (ولذلك كانت حياة متوازية) ، كما وضمت أربع سير لا تندرج تحت التوازي . وهذه السير مهمة في حديثها عن الأشخاص إلا إنها أكثر أهمية في إنها تتحدث عن العصور التي عاش فيها هؤلاء الرجال والفلاسفة [16]. أما كتاب بلوتارك حياة شيشرون فقد تألف من تسع وأربعين فقرة تفاوتت في حجمها وكذلك إحتوت على هوامش . وهي بالتقويم الأخير سيرة تفصيلية . ونحسب إنها من المصادر المبكرة التي إعتنت بالكتابة عن حياة الفيلسوف والسياسي الروماني شيشرون [17].

  ولاحظنا إن عدداً من الأكاديميين الغربيين من يرى إن بلوتارك قد مزج في كتاباته بين ما هو صحيح منقول وما هو مخترع دون أن يخضع تلك الروايات إلى محاكمة نقدية . وإن تفسيره يحتوي على العديد من الإمور لم تكن معروفة ومتداولة في مصادرنا ، ولكن وجهة نظر شيشرون هي في الجوهر صحيحة تماماً [18].

 وتضم دائرة الثقافة اليونانية الرومانية خطيباً وكاتباً آخر كان تلميذ كونتليان وهو بيلنيوس الأصغر (61 – 113م) قد إهتم بدراسة شيشرون . وبلينيوس أو بيلني الذي كتب مئات الرسائل ومن حسن حظنا إن الكثير منها لازال محفوظاً وخالداً ويتمتع بقيمة تاريخية حيث تعكس ظروف العصر الذي كُتبت فيه . وكان بيلنيوس يتميز بالأمانة والإعتدال . كما وكانت له علاقات بالفيلسوفين  كل من أرطميدروس الأفسوسي (عاش في القرن الثاني الميلادي) والمشهور بكتابه تفسير الأحلام أو أحلام اليونان ، والفيلسوف فرات الرواقي (عاش ما بين عامي 35 – 118الميلاديين).

  ودرس بيلنيوس الأصغر (لأن عمه أو خاله بيلنيوس الأكبر وهو خطيب كذلك) على يد كونتلينان . ومعروف عنه إنه بدأ الكتابة وعمره أربعة عشر عاماً وكتب تراجيديا باليونانية ومع الأسف ضاع هذا الكتاب . أما في الخطابة فقد كان بيلنيوس يقتفي خطوات شيشرون إلا إنه أكثر مباشرة منه [19]. كذلك إهتم بشيشرون وكتاباته فلاسفة عصر النهضة وعلى رأسهم فولتير وجون لوك وديفيد هيوم ومونتسكيو .

شيشرون وكتاباته : موضوع تأمل أكاديمي غربي معاصر

أما ذاكرة القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين الأكاديمية ، فقد حفظت لنا مشاريع أبحاث متخصصة حول سيرة شيشرون وأطراف من تفكيره الفلسفي والسياسي . ولعل من أهمها للإستشهاد الدراسات الآتية :

أولاً – شيشرون : سيرة ذاتية

  وهو من الكتب الرائدة والذي كتبه البروفسور والشاعر الفلندي والسويدي بالولادة تورستن بيترسن والذي جاء بعنوان شيشرون : سيرة ذاتية ، والذي نشره لأول مرة في شباط عام 1919 [20]. وأسس تورستن سمعته الأكاديمية في جامعة أوبسالا التي تقع شمال ستوكهولم حيث عمل فيها بروفسوراً للأدب المقارن . وكانت إطروحته للدكتوراه عن الكاتب البولندي جوزيف تيودور كونراد (1857 – 1924) وهو واحد من الكتاب الإنكليز المجددين والتي كتبها في جامعة أبوكديميا . ومن ثم أصبح بروفسوراً للأدب والجماليات في جامعة هلسنكي وعاد رئيساً لجامعة أوبسالا . وتكونت رائعته الحالية ” شيشرون : سيرة ذاتية ” من 699 صفحة . وهذا السفر الخالد تكون من مقدمة لم تتعدى الصفحة الواحدة ، ومدخل هو الفصل الأول (ص ص 1 – 13) . وجاء الفصل الثاني بعنوان وجهة نظر (ص ص 15 – 21) . وتلاه الفصل الثالث والذي حمل عنوان مدينته ومسقط رأسه وهي إربنيم (ص ص 22 – 32) . ونحسب إن الفصل الرابع والذي حمل عنوان روما (ص ص 33 – 67) وهو من الفصول المهمة في هذا السفر وذلك لأننا أولاً لانعرف الكثير من المعلومات عن شيشرون قبل بلوغه سن السادسة والعشرين أو السابعة والعشرين وهي على الأكثر السنة التي جاء فيها شيشرون ليُدافع فيها عن أول قضية في المحاكم . إلا إنها ليست السنة الأولى التي جاء بها إلى العاصمة روما . فمن المعروف لدينا إن شيشرون تلقى تعليمه الأولي في إربنيم وكذلك بعض الوقت حضر دروساً في روما . والواقع إن زياراته إلى روما فترة صباه وفتوته كان لها أبعد الأثر في تشكيل شخصيته وحياته برمتها .

  أما الفصل الخامس فكان بعنوان في المحاكم (ص ص 68 – 122) وهذا الفصل يؤشر بداية عمل شيشرون المهني في المحاكم والقضاء . وقسم المؤلف هذا الفصل إلى عدة محاور (أقسام) ؛ فالأول جاء بعنوان أهمية الخطابة (ص ص 68 – 74) والثاني حمل عنوان البدايات (ص ص 75 – 86) والثالث حمل عنواناً دالاً وهو النشر أو الطباعة (ص ص 87 – 96) وفيه تناول منشورات شيشرون في مضمار الخطابة . وبعد ذلك جاء القسم الرابع والذي حمل عنوان الإستراحة (ص ص 96 – 102) وكشف فيه عن حجم الجهد الذي يبذله شيشرون في العمل في القضاء والكتابة وحالته الصحية المتردية ومن ثم إقتراح أطبائه بضروة التمتع بإستراحة عن العمل ومن ثم العودة إلى العمل وممارسة الكتابة وعملية الإنشاء بنفس وطاقة متجددتين . وعالج القسم الخامس طريقته في العمل (ص ص 102 – 110) وفيها كشف عن النجاحات التي حققها ، وموقف النقاد من طريقته ، ودرجات الإختلاف بين طريقته وطرائق الأخرين في العمل القضائي والخطابة . أما القسم السادس فقد بحث فيه في مضمار القانون (ص ص 110 – 117) وطريقة تفسيره والإختلاف في التفسير ودور الخطابة في الدفاع عن تفسير القانون . بينما بحث القسم السابع في المعايير المهنية (ص ص 117 – 122) والفصل محاولة في البحث عن هذا الطرف المنسي والذي لا تتوافر أثار ومعلومات كافية عليها .

  ومن ثم جاء الفصل السادس وكان بعنوان محاكمة غايس فيريس (حوالي 120 – 43 ق.م) (ص ص 123 – 170) . وبالمناسبة إن فيريس كان حاكماً لصقلية (سيسلي) ومشهور بسمعته السيئة . وفي عام 70 ق.م عاد إلى روما ، وفي هذه السنة وبطلب من الصقليين قام شيشرون بمحاكمته ، وخطابات شيشرون في المحكمة طبعت وتداولها الجمهور ، وعُرفت بخطابات شيشرون ضد فيريس . وفيريس في الأصل كان ضابطاً صغيراً خلال الحرب الأهلية والتي حدثت بين الجنرال الروماني ورجل الدولة غايوس ماريوس (153 – 86 ق.م) والجنرال الروماني ورجل الدولة لوسيوس سولا فيلكس (والمشهور بإسم سولا) (138 – 78 ق.م) وهذه الحرب الأهلية إمتدت للفترة ما بين عام 88 ق.م وحتى عام 87 ق.م . وهذا الفصل تكون من محورين ، فالأول كان بعنوان المحاكمة (ص ص 123 – 141) والثاني حمل عنوان الحقائق (ص ص 141 – 170) .

  وتلاه الفصل السابع والذي جاء بعنوان في السياسة (ص ص 171 – 202) وعالج فيه ثلاثة محاور وجاءت على التوالي ؛ أولاً – المناصب القضائية (ص ص 171 – 176) . وفي الفصل إشارة نحسبها في غاية الأهمية حيث ذكرت بأن ” مهنة شيشرون الرئيسة هي الخطابة وبالتحديد خلال السنوات التي سبقت عمله قنصلاً ، بل وحتى بعد عام 63 ق.م وإنغماسه في الدوامة السياسية ، وتركيز جُل جهوده للحفاظ على الدولة وإحداث ترقية في الشروط  ونقلها إلى حالة أفضل . وبالطبع كانت الخطابة سلاحه الرئيس . ومن هنا نفهم لماذا الرومان أطلقوا عليه لقب شيشرون الخطيب حتى وإن تذكروا نشاطاته السياسية والأدبية ” (ص 171) . وثانياً – بومبي (ص ص 176 – 190) في الواقع إن السنوات التي تبعت موت الجنرال سولا (عام 78 ق.م) كانت شاهداً على الصعود التدريجي لقوة وهيمنة بومبي (ص 176) . وبالطبع هو القائد السياسي والعسكري بومبيوس الكبير (106 – 48 ق.م) وجاء من عائلة إيطالية ثرية . وكان جنرالاً في الحرب الأهلية الثانية التي حدثت في عصر سولا (ص ص 176 – 190) . وفعلاً فقد حصل على لقبه بومبي الكبير خلال نجاحاته في هذه الحرب الأهلية ، وهو متزوج من جوليا يوليوس قيصر والتي كانت زوجته الرابعة . ثالثاً – شيشرون : محاولة الحصول على القنصلية (ص ص 191 – 202) . وفعلاً فإن شيشرون هو ” أول شخص جديد يحصل بالإنتخابات على القنصلية منذ عصر ماريوس ، بل هو الشخص الجديد الأول الذي كانت له مكاتب عدة ، وحصل عليهم الواحد بعد الأخر وفي عمر يسمح به القانون ” (ص 202) .

 ولاحظنا إن المؤلف قد خصص الفصل الثامن إلى دراسة حياة شيشرون الشخصية (أو الخاصة) (ص ص 203 – 221) . ولاحظ المؤلف إنه من الصعوبة بمكان الحصول على معلومات كافية عن حياة شيشرون الشخصية وبالتحديد خلال العشرين سنة من نشاطه في المحاكم ومن ثم صعوده المهني (إلا إنه من الممكن الحصول على لمحة عامة) . صحيح جداً إن معلوماتنا عن هذه الفترة ، مصدرها يعود إلى رسائل شيشرون والبالغ عددها أحد عشرة رسالة فقط ، إضافة إلى قطعة روائية كُتبت عام 44 ق.م والتي تُقدم لنا وصفاً للأيام الأولى التي عاشها في آثينا ، والحقيقة هذه هي المرحلة الثانية من حياته والتي إنتهت بإنتخابه إلى القنصلية (ص 203) .

  ومن ثم جاء الفصل التاسع والذي حمل عنواناً دالاً على فترة مهمة من حياة شيشرون ، وهي الفترة التي تم فيها إنتخابه قنصلاً وكان هذا الفصل بعنوان القنصلية (ص ص 222 – 239) . الواقع إن حياة شيشرون خلال العمل في القنصلية ، لم تكن حياة هادئة أو كما وصفها المؤلف ” لم تكن مساءً هادئاً في حدائق الأكاديمية ، وإنما جُل وقته صرفه شيشرون في معركة مستمرة قاتل فيها القادة السياسين من أمثال قيصر بصورة رئيسة ، ومن ثم لاحقاً قاتل ضد السنتور لويسيوس سركيوس كاتلين (108 – 62 ق.م) (ص 222) والتي ترتبط بشخصه تاريخياً مؤامرة الكاتليين الثانية والتي قادها السنتور كاتلين وبمساعدة مجموعة من الإرستقراط الرومان ، وهي مؤامرة تطلعت إلى الإنقلاب على الجمهورية الرومانية .

  ودرس المؤلف فيه محاورعديدة منها ؛ أولاً – خطة القيصر (ص ص 222 – 228) . وثانياً – ضد مشروع ببليوس سيرفليوس رولوس عام 63 ق.م . وقدم شيشرون أربعة خطابات ضد هذا المشروع ، ظلت ثلاث منها خالدة وضاعت الرابعة ومشروع رولوس يقوم على فكرة توزيع الأراضي على الفقراء (ص ص 228 – 233) . وثالثاً – النشاطات الثابتة (ص ص 233 – 239) . ورابعاً – بداية المؤامرة (ص ص 240 – 249) . وخامساً – الكاتليون الأوائل والكاتلييون الثواني (ص ص 249 – 257) . وسادساً – ميورينا ، وهو القنصل الروماني لوسيوس لسينيوس ميورينا (كان قنصلاً عام 62 ق.م ) وجاء ذكره في مراسلات شيشرون (ص 429) (ص ص 257 – 262) . وسابعاً – المؤامرة الثالثة للكاتليين (ص ص 262 – 275) . وثامناً – المؤامرة الرابعة للكاتليين (ص ص 275 – 285) . ومن حسن الحظ لكل من شيشرون وروما ، بأن أحداث عام 63 ق.م لم تسبب لشيشرون أية علل جسدية أو معاناة أخلاقية (ص 285) .

  أما الفصل العاشر فقد جاء بعنوان الثلاثية (ص ص 286 – 342) وهو من الفصول الكبيرة مقارنة مع صفحات الفصول السابقة . وتكون من المحاور الآتية ؛ الأول حمل عنوان المكانة العالية والمثال السياسي (ص ص 286 – 293) . الحقيقة إن القنصلية رفعت من شيشرون إلى مكانة رفيعة في الحياة السياسية الرومانية ، وهي بالطبع مكانة لم يحصل عليها روماني معاصر له إن لم يكن جنرالاً عسكرياً . كما إن شيشرون هزم القيصر في لعبته السياسية ولذلك أطلق عليه بلوتارك بقناعة عالية ، لقب أول رجل شريف (ص 287) . وعالج المحور الثاني قضية ما أسماه المؤلف سقوط المثال (ص ص 294 – 306) . وتلاه المحور الثالث والذي كان بعنوان دوافع النفي (ص ص 306 – 314) . ونقطة التحول في وضع شيشرون جاءت من خلال قبوله بدعوة القيصر للإنضمام إلى التحالف الثلالثي وكان بإعتقاد شيشرون إن ذلك سيحقق له أمرين ؛ الأول المصالحة مع أعدائه والثاني تأمين ظروف العيش الآمن في الشيخوخة (ص 306) . وحمل المحور الرابع عنوان المنفى (ص ص 315 – 323) . وتلاه المحور الخامس والذي كان بعنوان دال ، وهو العودة إلى روما (ص ص 323 – 330) وفعلاً فإن شيشرون يصف رحلته إلى روما فيما بعد بقوله ” لقد جلبه الشعب إلى روما على أكتافهم بكل تقدير وإحترام ، وعاد منتصراً تحمله العربة الذهبية .. ” (ص 324) . وجاء المحور السادس ليُفصل في الظروف الجديدة التي حملت شيشرون على الخضوع (ص ص 330 – 342) . ولعل حال شيشرون خلال هذه الفترة يصفها مقطع من رسالة له كتبها في هذه الفترة حيث يقول فيها ” لقد حملت شخصي على الإبتعاد من التدخل في الشؤون العامة ، وأن أكرس وقتي للأدب . إلا إنني أعترف لك بأنني أحاول أن أتستر على ذلك وقدر إمكاني أن أخفيه من معرفتك . أنا في الحقيقة أتعذب أخي العزيز ، أنا أتعذب حيث لا وجود لأي دولة وقانون ..” (ص 342) .

   ولاحظنا إن الفصل الحادي عشر والذي جاء بعنوان مرحلة التأليف (ص ص 343 – 365) يُلخص محطة بالغة الأهمية من محطات حياة شيشرون ، حيث إنه تخلى عن العمل السياسي وتحول إلى القراءة والدراسة ، و” بدأ يكتب المقالات الطويلة ، بل ومن الصحيح القول بأنه أصبح كاتباً ” (ص 343) . تكون هذا الفصل من محاور عديدة ؛ الأول منها كان بعنوان حلقة السيسبيونية والحماس الآدبي (ص ص 343 – 351) وهذه المرحلة مثلتها خير تمثيل رائعته التي حملت عنوان حول الخطابة والتي تكونت من ثلاثة كتب (ص 343) . والحقيقة إن الحلقة السيسبيونية أو حلقة سيسبيو ترتبط بإسم الجنرال والسياسي الروماني ببليوس كورنيليوس سيسبيو أفركانوس (الأفريقي) (185 – 129 ق.م) [21]. أما المحور الثاني فحمل عنوان من أجل المجد (ص ص 352 – 360) . والثالث بعنوان من أجل روما (ص ص 360 – 365) . ومن الملاحظ على نهج وطبيعة كتابة شيشرون خلال هذه الفترة ، وهذا ما لاحظه أصدقاء شيشرون ، إنهم كانوا في حالة إندهاش من إهتمامه المتزايد كلما مر الوقت في مضماري الخطابة والفلسفة . في حين كتب آخرون الشئ القليل في كلا المضمارين وذلك لإعتقادهم بأنهما ليستا من الإهتمامات المهمة للقنصل . ولاحظنا إن شيشرون إستجاب لإنتقاداتهم في رسالة الخطيب والتي نشرها عام 46 ق.م ، والتي وجهها إلى بروتوس والتي زعم فيها ” إنه من المناسب لشخص في مقامه أن يكتب معالجة جيدة في فن الخطابة بشرط أن لا يُقدمها بنهج المعلم العادي ، ولكن بطريقة النصيحة الحميمة والتشجيع ” (ص 365) . وبعد سنة من ذلك ، عاد إلى هذه القضية مرة آخرى ، ويومها كان مشغولاً مع الفلسفة ، وقدم إجابة لصديقه ، وبالتحديد في مقدمة كتابه المعنون الأكاديمية [22]، وبالطبع قدم الأسباب التي حملته على فعاليته ، وكانت أسباب كافية … وختمها بكلماته القائلة ” وأنا لا أعتقد بشئ آخر ، غير ما كان بوسعي عمله ” (ص 365) .

  ومن ثم جاء الفصل الثاني عشر والذي كان بعنوان فن الخطابة (ص ص 366 – 442) وهو من الفصول الواسعة ، حيث تألف من ست وسبعين صفحة . وتكون من المحاور الأتية ؛ أولاً – الأعمال (ص ص 366 – 373) . صحيح إن شيشرون بدأ مشروعه الطموح هذا برسالته التي حملت عنوان حول الخطابة . ومن المعلوم إن شيشرون حصل على ” إعتراف واسع بإنه خطيب روما الرئيس ، وحاله حال كل الفنانين الذين يتمتعوا بوعي ثقاب ، فقد كان مولعاً بنظرية الفن وبتطبيقاتها . وهذه كانت سمة بارزة شارك فيها شيشرون بدرجات ما ، عدد من معاصريه …  ” (ص 366) . ثانياً – النظرية (ص ص 373 – 406) . ثالثاً – التطبيق (ص ص 406 – 412) . رابعاً – حول الخطيب (ص ص 412 – 433) . وهي الأولى من رسائل شيشرون الثلاثة الرئيسة حول الخطابة . ويُرجح إنه إنتهى من كتابتها في نهاية عام 55 ق.م ، وصرف في كتابتها مدة إمتدت ” سنة ونصف” كما جاء في رسالة بعثها شيشرون إلى آتكيوس في نوفمبر وذكر فيها ” إنه أكملها ” (ص 412) . خامساً – بروتس والخطيب (ص ص 433 – 442) . وهو بعيون الدارسين لتراث شيشرون الخطيب والفيلسوف ، هي نوع من التوسيع لأطراف محددة من رسالة شيشرون التي حملت عنوان حول الخطيب . وهي الأطراف التي كتبها شيشرون ” بعد تسع سنوات فيما بعد ، وبالتحديد في الأشهر الأولى من عام 46 ق.م والنصف الثاني من هذه السنة ، وبعد التأسيس العملي ليوليوس قيصر حاكماً لروما ” (ص 433) .

  ودرس الفصل الثالث عشر ، والذي حمل عنوان حول الدولة (ص ص 443 – 461) ، مضمار السياسة . وفعلاً فإن الباحث في تراث شيشرون عامة وكتاباته السياسية خاصة ، إن رسالته حول الدولة والتي جاءت بعد رسالته حول الخطيب ، هي ثاني أكبر رسالة . والحقيقة إن شيشرون ” بدأ كتابتها في مايس عام 54 ق.م ، كما جاء الإشارة إليها في رسالتين بعثهما إلى أخيه كونتيوس والذي كان يومذاك في جول ” . كما وذكر شيشرون ” في إنه إنخرط في مايس في الكتابة حول السياسة ” (ص 243) . وكتب شيشرون هذه الرسالة على شكل محاورة أرسطوطالية ، وكانت شخصياتها تضم سيسبيو وأعضاء من حلقته ، وتألفت من تسعة كتب . وكل كتاب منها صُممت مناقشاته لتشغل يوم واحد . ومن الملاحظ إن شيشرون قد قرأ مخطوطته على صديقه سالستيس (رمز كبير في الإمبراطورية الرومانية خلال القرن الأول) ، والذي إقترح على شيشرون أن يكون هو بنفسه الشخصية الرئيسة . ومن النافع الإشارة إلى إن أرسطو في محاوراته كان قد لعب دور الشخصية الرئيسة .. (ص 443) .

  وتكون هذا الفصل من محورين ؛ الأول – كان بعنوان حول الدولة (ص ص 443 – 451) . وهذا العمل تطور بصورة تدريجية بطيئة . ويُرجح إن هذه الرسالة لم ترى النور قبل مغادرة شيشرون إلى محافظته ، وبالتحديد في عام 51 ق.م . وتألفت النشرة النهائية من ستة كتب ، وليست من تسعة كتب كما هي في النشرة التجريبية إلا إنه تم المحافظة على جميع الشخصيات . أما المناقشات فقد إستمرت لفترة ثلاثة أيام بدلاً من تسعة ، وتم تخصيص كل كتابين ليوم واحد . والحقيقة إن الرسالة لم تصل إلينا في شكلها الكامل (ص 444) .  والثاني – جاء بعنوان حلم سيسبيو (ص ص 451 – 461) . والحقيقة إن حلم سيسبيو ، هو واحد من أعمال شيشرون الرئيسة ، والذي يمنحنا فرصة للقول إلى إن معرفتنا بشيشرون ، لا تحملنا على أن نتخيله يتأمل في نجوم السماء في السنوات التي إنحرفت فيها حبيبته روما إلى دوامة من الفوضى والأتوقراطية . بل بالعكس إننا نحسب حلم سيسبيو هو نوع من العزاء والسلوى له . ولذلك جاءت محاولاته لتجديد السلام والإتلاف والتي (مع الأسف) لم تأتي على الإطلاق ، مع إعتقاده بأن الشئ العظيم في هذا العالم ، هو حب الوطن وإن الغاية العليا هي سعادته ، دون طمع في شهرة ، وسلطة أو أية منافع آرضية زائلة (ص 461) .

  وتلاه الفصل الرابع عشر والذي حمل عنوان قيليقية (ص ص 462 – 479) . والواقع إن شيشرون كان حاكماً لها ولمدة إثنتى عشر شهراً . وبالتحديد بداية من اليوم الأخير من تموز عام 51 ق.م ، حيث غادر روما متوجهاً إلى محافظته في مايس من هذه السنة ، ومن ثم عاد إلى إيطاليا في الخامس والعشرين من نوفمبر من عام 50 ق.م (ص 462) . وتكون هذا الفصل من المحاور الآتية ؛ أولاً – الحرب الأهلية القادمة (ص ص 462 – 467) . وثانياً – شيشرون القائد (ص ص 467 – 471) . وثالثاً – بين شرين [23](ص ص 471 – 476) . ورابعاً – الذهاب والعودة (ص ص 476 – 479) . ومن المناسب أن نذكر هنا شيئاً عن صحبة أفراد من عائلة شيشرون في رحلته إلى محافظة قيليقية والتي ضمت سكرتيره المفضل تيرو ” والذي كان يُعانى في الفترة الأخيرة من المرض ، فسافر شيشرون وتركه خلفه ، وكان شيشرون حريصاً عليه ، فكان يكتب له في كل مكان يتوقف فيه رسالة وحتى وصل إلى إيطاليا ” (ص 478) . وضمت عائلة شيشرون في قيليقية ، كل من ” ولده ماركوس الذي كان يومها حوالي الخامسة عشرة ، وولده كونتيوس والذي كان أكبر من ماركوس ، وكلاهما رافقا والدهما إلى محافظة قيليقية وقد إختار لهما شيشرون معلماً يونانياً وكان شيشرون راضياً من إشرافه على تعليمهما ، إلا إن الولدين وجدا في معلمهما قليل الصبر ويتميز بمزاج متبدل . وكلاهما زارا الملك ديتريوس (105 – 42 ق.م) [24]، ومن ثم في الشتاء فقد كان كلاهما يدرس تحت إشراف والدهما شيشرون . أما إبنته تيوليا فبقيت تعيش في البيت بعد طلاقها من زوجها الثاني .. وخلال غياب والدها تزوجت من دولبالا [25]والذي كان أصغر منها ، وبالطبع شيشرون لم يكن موافقاً على هذا الزواج لأن دولبالا لم يكن شخصية مستقرة … ” (ص ص 478 – 479) .

  وجاء الفصل الخامس عشر ليبحث في الظروف التي تولدت تحت قيادة يوليوس قيصر (ص ص 480 – 536) . وهو فصل كبير بدرجات ما ، حيث تألف من ست وخمسين صفحة . وتكون من محاور عديدة ، فمثلاً كان المحور الأول بعنوان الحرب الأهلية (ص ص 480 – 404) . في حين حمل المحور الثاني عنوان دالاً ، وهو الدكتاتورية (ص ص 495 – 515) . وكان الثالث بعنوان موت تيولا / بنت شيشرون (ص ص 515 – 536) . وكان مشروع التخفيف من درجات حزنه على فقدان تيولا ، وطريق عزاء له ، هو لقائه بأصدقائه وخصوصاً أتكيوس (ص 536) ، ومن ثم القراءة والكتابة . وفعلاً ” فخلال هذا الوقت أخذ يقرأ ويكتب بصورة دائمة ، ومباشرة بعد إنتهائه من كتابة خطاب العزاء [26] أو ربما قبل ذلك بقليل ، بدأ خطته الشاملة في عرض الفلسفة اليونانية باللغة اللاتينية ” (ص 536) .

  وتلاه الفصل السادس عشر ، وهو بالطبع الفصل القريب إلى شرياننا الفلسفي ، والذي جاء بعنوان الفلسفة (ص ص 537 – 591) . وهو من الفصول الكبيرة والذي تكون من أربع وخمسين صفحة . وتألف من محاور عديدة ، والتي ناقش فيها شيشرون أولاً – رسالته الفلسفية الثانية والتي كانت بعنوان هورتنسيوس أو حول الفلسفة (ص ص 537 – 539) . والحقيقة إن رسالة شيشرون حول الفلسفة أو هورتنسيوس ، هي من محاورات شيشرون الضائعة ،  وذلك من خلال إعتناق الفلسفة . والمحاورة حملت إسم صديق شيشرون ، الرجل الفاضل كونتيوس هورتنسيوس هوراتليوس (114 – 50 ق.م) والذي كان قنصلاً عام 69 ق.م [27]. وثانياً – الأكاديمية (ص ص 540 – 546) . وثالثاً – حول الغايات الخيرة والشريرة (ص ص 547 – 554) . ورابعاً – مناقشات توسكولن (فيلته) (ص ص 554 – 564) . وخامساً – الميتافيزيقا (ص ص 565 – 571) . وسادساً – العمر المديد والصداقة (ص ص 571 – 574) . وسابعاً – الواجب (ص ص 575 – 580) . وثامناً – أصالة شيشرون (ص ص 580 – 591) .

  وخاتمة المسك كان الفصل السابع عشر والذي حمل عنوان المعركة الأخيرة (ص ص 592 – 685) وهو من أوسع فصول الكتاب على الإطلاق ، فقد تكون من ثلاث وثمانين صفحة . وتكون من المحاور الآتية ؛ أولاً – بعد منتصف آذار (يوم إغتيال يوليوس قيصر) (ص ص 592 – 615) . وثانياً – الخطب الفليبية (ص ص 615 – 679) . وهي سلسلة من الخطب التي ألقاها شيشرون ، والتي تألفت من 14 خطاباً ، شجب وأدان فيها شيشرون الجنرال مارك إنثوني . وقدمها خلال عامي 44 ق.م و43 ق.م . وهي على إسلوب الخطب اليونانية الفليبية (ضد فيليب المقدوني) والتي قدمها ضده الخطيب ورجل الدولة الأثيني ديموستيني (384 – 322 ق.م ) [28] . وثالثاً – النهاية أو موت شيشرون (ص ص 679 – 685) .

تعقيب :

  نتطلع بعد هذه الرحلة المعرفية المتنوعة في سيرة شيشرون وتراثه الفكري السياسي والفلسفي إلى الكتابة عن شيشرون فيلسوفاً وكاتباً في مضمار الفلسفة العتيد ، بل وإنه من أوائل الفلاسفة الرومان الذين خطوا معجماً فلسفياً باللغة اللاتينية . وكذلك كتب العديد من الرسائل الفلسفية . صحيح إن رائعته الفلسفية التي حملت عنوان حول الفلسفة أو هورتنسيوس والتي نعرف إنه كتبها عام 45 ق.م ، وهي مصدرمهم من مصادرنا في معرفة حجم ومقدار أصالة شيشرون الفلسفية . إلا إن هذه المحاورة مع الأسف ضاعت وطواها النسيان . ورغم ضياع هذه المحاورة ، فإننا لا نزال نمتلك مصادراً وكتابات فلسفية تركها شيشرون ، وهي محفوظة وخالدة . وفي الأمكان الإعتماد عليها وعلى كتابات بلوتارك وخصوصاً رائعته التي حملت عنوان حياة شيشرون وهي جزء من موسوعة ضخمة بعنوان الحياة المتوازية ، مصدراً نافعاً في البحث عن شيشرون فيلسوفاً ، وكاتباً في مضمار الفلسفة العتيد . وهذا سيكون موضوع بحث مستقل قادم وسنعالجه في مقال قادم .                  

——————————————————————————————————-

الهوامش

 – أنظر : ميكن هيل وليمز ؛ الراهب والكتاب : جيروم والدراسات الأكاديمية المسيحية ، شيكاغو 2006 . [1]

 – أنظر : شيشرون ؛ رسائل إلى إيتكيوس (ثلث مجلدات) ، ترجمها إلى الإنكليزية إي . أو . وتستدت ، نشرة مكتبة لوب للكلاسيكيات 1912 ،   [2]

الفقرة 7 . 2 .

 – أنظر : شيشرون ؛ رسائل إلى الأصدقاء ، ترجمة شكلتن بيلي ، نشرة مكتبة لوب للكلاسيكيات  ، المجلد الأول وضم الرسائل من 1 وحتى  [3]

113 .

 – أنظر : شيشرون ؛ رسائل إلى إيتكيوس (المصدر السابق) .[4]

 – أنظر : شيشرون ؛ رسائل إلى الأصدقاء (مصدر سابق) ، الفقرة رقم 16 .21 .  [5]

 – أنظر: تورستن بيترسن ؛ شيشرون : سيرة ذاتية ، دار نشر بابلو وتانن ، نيويورك 1963 ، ص 2 .[6]

 – للتفاصيل أنظر : بلوتارك ؛ حياة شيشرون (الحياة المتوازية) ، مكتبة لوب الكلاسيكية ، المجلد السابع ، 1919 . [7]

 – أنظر : بول هالسل ؛ مصدر التاريخ القديم : كونتليان : التربية المثالية 90 ميلادية ، 1998 . [8]

 – أنظر للتفاصيل ؛ روبرت لامبرتن ؛ بلوتارك ، دار نشر نيو هيفن ، مطبعة جامعة ييل 2001 .[9]

 – أنظر : بلوتارك ؛ حياة شيشرون ، وهو جزء من مجموع بعنوان الحياة المتوازية ، المجلد السابع ، نشرة مكتبة لوب للكلاسيكيات 1919 [10]

(أون لاين) .

 – أنظر : ديفيد ستوكتن ؛ شيشرون : سيرة سياسية ، مطبعة جامعة أكسفورد 1971 ، الببلوغرافيا ، ص 346 .[11]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ ديوجانس لارتيوس مؤرخ الفلسفة اليونانية ، موقع الفيلسوف ، 2 ديسمبر 2010 .[12]

 – الإفلاطونية المتوسطة هي إصطلاح أطلقه المحدثون على مرحلة من تطور فلسفة إفلاطون . وهذه المرحلة شغلت الفترة ما بين عام 90 ق.م [13]

وبالتحديد عندما رفض فيلسوف الأكاديمية إنطوكيوس إسكيلون (تقريباً 125 – 68 ق.م) النزعة الشكية التي هيمنت على الأكاديمية الجديدة ، وإمتدت حتى تطور الإفلاطونية الجديدة على يد إفلوطين في القرن الثالث الميلادي . والحقيقة إن الإفلاطونية المتوسطة ضمت مبادئ فلسفية لمدارس متنافسة للإفلاطوني ، وهما مبادئ المشائية والرواقية . أما بلوتارك فقد دافع عن حرية الإدرادة وخلود النفس … للتفاصيل أنظر : جون مايلز ديلون ؛ الإفلاطونيون في المرحلة المتوسطة ، مطبعة جامعة كورنيل 1977 .  

 – أنظر : روبرت لامبرتن ؛ بلوتارك ، دار نشر نيوهيفن ، مطبعة جامعة ييل 2001 . [14]

 – إنظر : بلوتارك ؛ الحياة المتوازية (مصدر سابق) . [15]

 – إنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ بلوتارك مؤرخاً للفلسفة اليونانية ، سيظهر فصلاً في كتابنا المعنون تأملات في الفلسفة اليونانية .[16]

 – أنظر بلوتارك ؛ المصدر السابق ، الفقرات من 1 – 49 .[17]

 – أنظر : تورستن بيترسن ؛ المصدر السابق . [18]

 – أنظر : بيتي راديس ؛ رسائل بليني (أو بيلنيوس) الأصغر ، كلاسيكيات بنجوين ، لندن 1963 . [19]

 – أنظر : تورستن بيترسن ؛ شيشرون : سيرة ذاتية ، دار نشر بيبلو وتانن ، نيويورك 1963 ، المقدمة حيث أشار إلى نشرة عام 1919 .[20]

 – وتضم حلقة سيبيو مجموعة من الفلاسفة والشعراء والسياسيين والذين تحلقوا حول إسم الجنرال والسياسي سيبيو في الجمهورية الرومانية [21]

القديمة . وعندما كان قنصلاً لأمر بالحصار الأول على قرطاج ومن ثم تدميرها عام 146 ق.م . وكان يقود مجموعة من السنتورات المعارضيين للإخوة كراكوس (وهما كل من تيبريوس وغايوس في القرن الثاني قبل الميلاد) . ولاحظنا بإن المصادر تتباين في ذكر عدد أعضاء حلقة سيبيو ؛ فهناك من يرى إن عددهم في الفترة المبكرة الأول ىكان 15 عضواً ، بينما كان عددهم في المرحلة المتوسطة 27 عضواً ، وكانوا عشرة أعضاء في الفترة المتأخرة . وكانوا يناقشون سوية قضايا الثقافة والأدب اليونانيين ، وخصوصاً الطرف الإنساني منها . وكانت للجماعة توجهات سياسية خارجية ذات طبيعة إنسانية . والحقيقة إن شيشرون هو المصدر الأولي عنها ، وخصوصاً كتابيه ، الأول بعنوان رسالة حول الصداقة والتي كتبها عام 44 ق.م والثانية بعنوان محاورة الجمهورية والتي تتكون من ستة كتب وألفها على صيغة المحاورات السقراطية ، وهي محاورة فلسفية كتبها شيشرون ما بين عامي 54 و51 قبل الميلاد .. للتفاصيل أنظر : أي . إي . أستين ؛ سيسبيو أميلينس (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1967 .  

 – الحقيقة كتاب الأكاديمية من كتب شيشرون البالغة الأهمية ، ونحن هنا نتحدث عن نشرة الكتاب الإنكليزية والذي حمل عنوان أكاديمية شيشرون[22]

، راجع النص وشرحه جيمس أس . ريد ، دار نشر ماكميلان وشركاؤه ، لندن 1874 .  

 – الحقيقة إن المؤلف إستعار العنوان من الميثيولوجيا اليونانية ، وهو في الأصل مصطلح أشتق من الإسطورة اليونانية ” بين سسيلا وشاربيديز ” [23]

ويعني الإختيار بين شريرين . وسسيلا وشاربيديز هما ماردان بحريان ، جاء ذكرهما عند هوميروس في إسطورة الأوديسا . والإسطورة اليونانية إقترحت لهما شاطئين متقابلين في مضيق مسينا ، ما بين سيسلي (صقلية بالعربية) والأراضي الإيطالية الرئيسة . للتفاصيل أنظر : جورج هانفامنا ؛ سسيلا وأسلافها (بالإنكليزية) ، مجلة دراسات حول الفن والأثار ، عدد خاص في تكريم إرنست كيتنزنكر ، العدد 41 ، سنة 1987 ، ص ص 249 – 260 .

 – أنظر : كيسهولم هيك ؛ ديتريوس ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط11 ، 1911 ، ص 933 .[24]

 – هو بيبليوس كرونليوس دولبالا وكان جنرالاً رومانياً خلال الحرب الأهلية (التي حدثت مابين عامي 49 – 45 ق.م) ووقف دولبالا مع بومبي  [25]

ومن ثم غير موقفه ووقف مع يوليوس قيصر . أنظر : معجم أكسفورد الكلاسيكي ، ط3 ، سنة 1996 ، ص 394 .

 – وخطاب العزاء كتبه شيشرون عام 45 ق.م ، وكتبه للتخفيف من حزنه بعد موت إبنته الوحيدة تيولا والذي حدث في شباط من هذه السنة . [26]

أنظر : سوزان تريجري ؛ ترنتي ، تيولا وبيوبالي : نساء عائلة شيشرون ، دار نشر روتليدج 2007 .  

 – أنظر : روب كودمان وجيمي سوني ؛ المواطن الروماني الأخير ، حياة وميراث كوتو ، العدو الفاني لقيصر ، دار نشر ماكميلان ، 2012 [27]

تألف من 384 صفحة .  

 – للتفاصيل أنظر ؛ جيمس مورفي (الناشر) ؛ ديموستيني : حول العرش ، دراسة نقدية للخطاب القديم ، دار نشر رندم ، نيويورك 1967 . [28]

——————————————————————————————————-

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

الفيلسوف والسياسي والخطيب ماركوس تيلوس شيشرون

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مجلة فلسفية إلكترونية

———————————————————————————-

MARCUS TULLIUS CICERO

Philosopher, Politician and Orator

Dr. MOHAMAD FARHAN, Philosopher

الفيلسوف والسياسي والخطيب

   ماركوس تيلوس شيشرون

الدكتور محمد جلوب الفرحان

الأكاديمي المتمرس الكندي

ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————————————————

تقديم :

   ينظرُ الأكاديميون الغربيون المعاصرون بعيون الإكبار والتقدير إلى الفيلسوف ورجل الخطابة والمنظر السياسي ماركوس تيلوس شيشرون (106 – 43 ق.م) وذلك للأثار العميقة التي تركها على أطراف متنوعة من الثقافة اللاتينية عامة والفلسفة اليونانية التي إنتشرت وشاعت خلال الإمبراطورية الرومانية خاصة [1]. بل ونلحظ إن أثره إمتد إلى عصور الحداثة الأوربية ، فقد مارس تأثيراً واضحاً على فلاسفة القرن الثامن عشر وخصوصاً على فيلسوف التنوير الفرنسي فولتير (1694 – 1778) والذي أعلى من مكانة شيشرون ورفعه إلى الطوابق العالية وذلك عندما تكلم عن كتابه حول الكهانة ورأى إنه أفضل كتاب ولدته دوائر الثقافة والإنشاء في العالم القديم .

مؤشرات من سيرة الفيلسوف والخطيب شيشرون  

  ولد الطفل ماركوس شيشرون في 3 كانون الثاني من عام 106 ق.م ، وكانت ولادته في مدينة آربينو الإيطالية ، وهي مدينة تلال تبعد أكثر من ستين ميلاً إلى جنوب العاصمة روما . وكان يتمتع المواطنون الأربينونيين يوم ولد شيشرون بالجنسية الرومانية . أما تاريخ حصولهم على الجنسية الرومانية فإنه يصعد إلى عام 188 ق.م وبالتحديد قبل ولادة شيشرون بأكثر من ثمانين عاماً. ولاحظ علماء اللنكوستيكا إن الأربينونيين بدأوا يستخدمون اللغة اللاتينية بدلاً من لغته الفولسين الأصلية (وهي فرع من اللغات الهندو أوربية..) وقبل منحهم الحق بأن يكونون مواطنين رومان[2].

  وهذا الحال يحملنا على القول بأن الجماعات الإيطالية الأصلية التي عاشت وإندمجت بالمجتمع الروماني ، قد صرفت ما يُقارب القرنيين في عملية هضم وتمثل اللغة والثقافة اللاتينيين ، وغطت بالتحديد القرنيين الثاني والأول قبل الميلاد . وهذا القدر الثقافي لعب دوراً مهماً في تحديد هوية ومستقبل شيشرون ؛ رجل دولة وخطيب ومن ثم كاتب مأمول متفرد . كما صنع هذا القدر من شيشرون ” أن يكون سيداً عظيماً للخطابة والإنشاء اللاتينيين ” .  والحقيقة إن شيشرون ” لم يكن رومانياً بالمعنى التقليدي ” وهذا الحال رفع من درجات وعيه

وزاد من حساسيته من هذه القضية طول حياته [3].

  ومن المفيد الإشارة إلى إنه خلال هذه الفترة من تاريخ الرومان إذا تطلع شخص ما إلى أن يكون مثقفاً فما عليه إلا أن يكون متمكناً وبدرجات عالية من الحديث والكتابة في كل من اللغتين اللاتينية واليونانية . مع العلم إن أبناء الطبقات العليا من الرومان ، كانوا ” يفضلون اليونانية على اللغة اللاتينية في مراسلاتهم الشخصية . بل ويحسبون إن اليونانية أكثر صفاءً وإشعاعاً وتتميز بدقة تعابيرها مقارنة باللاتينية ” . ويضيفون إلى إن يُفضلون اليونانية بسب إنها تتسم بالثراء والعمق المعرفيين . وعلى هذا الأساس فضلها أبناء الطبقات العليا ثقافة وأدباً لهم . ومن هذا الطرف تركت طبعات واضحة على شخصياتهم ومجتمعاتهم . والشاهد على ذلك خطاب يوليوس قيصر والذي إستشهد بكلمات الكاتب المسرحي التراجيدي الأثيني ميناندر (342 – 290 ق.م) حين تكلم (أي يوليوس قيصر) عن سلطة اللغة والثقافة اليونانيتين والذي قال ” بأن كل من اللغة والثقافة اليونانيين قد تم تعليمهما في مدينة آربينو قبل أن تنضم وتتوحد مع روما ” . وهذا الفعل السياسي يسر عملية التمثل الثقافي في المجتمع الروماني وخاصة بين أبناء النخب الثقافية المحلية [4].

  ولد شيشرون في أحضان عائلة نبيلة تنتمي إلى ما يُعادل طبقة الفرسان . وكان والده ماركوس تيلوس شيشرون من رجال أملاك الأرض الأثرياء . أما أمه هلفيا فكانت ربة بيت . وكان والده فكان يُعاني من بعض العوق والذي كان السبب وراء عدم إنخراطه في الأعمال الحكومية والعامة . ولذلك ركز إهتمامه على الدراسة بصورة مكثفة وذلك تعويضاً عن عوقه . أما والدته هلفيا ففي الحقيقة لا يتوافر لدينا الكثير من المعلومات حولها سوى إنها كانت مثل حال نساء عصرها ، مواطنة رومانية ووظيفتها الرئيسية هي ” إدارة شؤون البيت ” . ومن المفيد أن نشير إلى كلمات ولدها الصغير كونتيوس تيلوس شيشرون (102 – 43 ق.م) [5] والذي وصف والدته في رسالة له فقال ” إنها كانت ربة بيت ذات مواصفات عالية وتتمتع بذكاء وشخصية محترمة ” [6].

    أما كونتيوس شيشرون فهو الأخ الأصغر للفيلسوف ماركوس تيليوس شيشرون وبالتحديد كان الفيلسوف أكبر منه بأربع سنوات فقط . وعلى أساس إهتمام والدهما بتعليمهما الأكاديمي ، فقد تم إرسالهما سوية إلى للدراسة في كل من روما وأثينا . ولاحظنا إن هناك عدد من الأكاديميين الغربيين من يحتمل إنهما درسا في رودس كذلك وهذه الفترة من الدراسة إمتدت ما بين 79 – 77 ق.م) [7]. ووفقاً لرواية الفيلسوف الإفلاطوني فلوطرخس (بلوتارك) فإن الفيلسوف شيشرون ” كان تلميذاً فذاً ويتمتع بذكاء خارق ، وإن طريقته في الدراسة لفتت إنتباه الجميع في روما [8].

  لقد حصل ماركوس شيشرون في روما على عرض لدراسة القانون الروماني ، وتحت إشراف الأكاديمي والسياسي من أتباع الجمهورية الرومانية كونتيوس سكافيلو (حوالي 159 – 88 ق.م) [9] وهو متخصص في القانون الروماني ودرس الفلسفة على يد الفيلسوف الرواقي من جزيرة روديسا بانتيوس الرواقي أو الروديسي (185 – 110 ق.م) [10]وهذا الجانب يحملنا على الإمساك ببعض من مصادر شيشرون في مضمار الفلسفة عامة والفلسفة الرواقية خاصة والتي نزلت عن طريق أستاذه سكافيلو الذي كان جسراً معرفياً مرت من خلاله الأثار الفلسفية الرواقية للفيلسوف بانتيوس الروديسي ووجدت طريقها إلى ذهنية التلميذ شيشرون .

  ولاحظنا ونحن نقرأ في أعمال الفيلسوف الرواقي بانتيوس إنه ألف كتاباً بعنوان حول الواجبات وكما نعلم إن واحداً من كتب شيشرون جاء بهذا العنوان بالضبط . ولذلك نحسب إنه من خلال أستاذ شيشرون كونتيوس سكافيلو قد تعرف شيشرون على كتاب بانتيوس والذي كان المصدر الأساس أو ربما الوحيد لكتاب شيشرون الذي جاء بالعنوان ذاته [11]

  وبعد مرور سنة واحدة على دروسه التي تلقاها من إستاذه سكافيلو [12]، تحول التلميذ شيشرون إلى معلماً ومشرفاً على برنامج تعليم عدد من الطلبة الشباب ومنهم الخطيب والسياسي (الجمهوري اليوناني) ماركوس كاليوس روفس (82 – 48 ق.م) [13]ومجموعة أخرى من رجال المحاماة الشباب [14]. كما وكانت لدى شيشرون ميولاً نحو الشعر وفعلاً فقد حاول في شبابه كتابة الشعر ، ودفعه هذا الهم الشعري إلى ترجمة أعمال شاعر اليونان الملحمي هوميروس (عاش في القرن الثامن قبل الميلاد) ، وترجم قصيدة الشاعر اليوناني آراتوس (315 – 240 ق.م) والتي حملت عنوان الظاهرة (الفينومنا) ومن ثم تأثر بالشاعر الملحمي الروماني فيرجل (70 – 19 ق.م) وقرأ له قصيدته الطويلة (الملحمة) التي حملت عنوان جيريكا والتي تكونت من اربعة كتب والتي ظهرت عليها آثاراً فلسفية أبيقورية[15].

  وحال شيشرون مثل أغلب معاصريه من الرومان ، فقد تعلم باليونانية وترجم منها مفاهيم الفلسفة اليونانية إلى اللغة اللاتينية وبذلك وفر لطلاب الفلسفة والمثقفين الرومان مُعجماً فلسفياً منثورة مادته في نصوصه وكتاباته . إضافة إلى إنه ترجم العديد من الأعمال الفلسفية وقدمها للجمهور الروماني . ومن الملاحظ إن شيشرون بدأ بدراسة اللغة والثقافة اليونانية وهو في سن الصبا ولذلك كانت العوائل والأصدقاء المقربين لعائلته ، يطلقون عليه في مرحلة الصبا وللتندر إصطلاح ” الولد الصغير اليوناني ” . وكل هذا صحيح ، ولكن للدقة إننا لاحظنا إن هاجس شيشرون كان على الدوام ، هو الإرتباط بأواصر قوية تشده إلى ” النُخب الرومانية التقليدية ” . وهذا فعلاً ما تطلع إليه وعمل على تحقيقه بكل جد ومثابرة في حياته وبدرجات عالية من النجاح [16].    

شيشرون والتحول نحو ضفاف الفلسفة والتأليف

  وفي أواخر التسعينات وبواكير الثمانينات قبل الميلاد عشق شيشرون الفلسفة وإنغمس في مباحثها دراسة وتأملاً . ولاحظنا إن هذا التحول نحو ضفاف الفلسفة قد ترك أثاراً عميقة على مجمل حياته . فمثلاً عمل بكل جد على تقديم الفلسفة اليونانية وجاهد بقوة على شيوعها في دائرة الثقافة اللاتينية (وهي لغة وثقافة الرومان) وذلك من خلال قيامه بترجمة المفردات الفلسفية إلى اللغة اللاتينية وبذلك وفر للقارئ الروماني معجماً فلسفياً بلغته اللاتينية كما أشرنا أعلاه . كما وتقرب من فلاسفة عصره فقابل مثلاً الفيلسوف الأبيقوري فيدرس الأبيقوري (138 – 70 / 69 ق.م) والذي زار روما عام 91 ق.م تقريباً . ورافق شيشرون في زيارته إلى الفيلسوف فيدرس أتباعه وطلبته كل من سكافيلو وتاتيوس بومبونيوس (110 – 32 ق.م) والأخير بومبونيوس على خلاف شيشرون ظل أبيقورياً إلى نهاية حياته [17].

  وبالمناسبة إن الفيلسوف فيدرس كان رئيس المدرسة الأبيقورية في آثينا يومذاك [18]. وكان معاصراً للفيلسوف والخطيب شيشرون وإتصل الأخير بالفيلسوف الأبيقوري فيدرس في فترة شبابه يوم كان مقيماً في روما . ومن ثم تجددت معرفة شيشرون بالفيلسوف الأبيقوري في عام 80 ق.م يوم إقامة شيشرون في آثينا وخلال ذلك كان فيدرس شيخاً ورمزاً قائداً للمدرسة الأبيقورية . ومن ثم توسعت علاقة شيشرون برموز الأبيقورية ، حيث كانت له صداقة مع فيلوس (وهو بالطبع ليس المؤرخ الروماني ماركوس فيلوس (19 ق.م – 31م) لأن الأخير ولد وشيشرون مات قبل ولادته على الأقل بخمس وعشرين سنة [19]) . وقدم شيشرون فيلوس مُدافعاً عن العقائد الأبيقورية في محاورته الفلسفية التي حملت عنوان حول طبيعة الألهة [20] والتي كتبها شيشرون عام 45 ق.م ، والتي تألفت من ثلاثة كتب وتم فيها مناقشة مضمار اللاهوت برؤية عدد من فلاسفة اليونان ومن مدارس فلسفية مختلفة . وبالطبع ناقشت إضافة إلى النظريات الأبيقورية ، النظريات الرواقية[21] والشكية [22] وموقف شيشرون منها [23].

  ونحسب من النافع أن نُخبر القارئ بأن كتاب أو رائعة شيشرون حول طبيعة الآلهة هو محاورة فلسفية . وإن شيشرون يناقش في كل كتاب منها ، موضوعات اللاهوت ومن وجهات نظر الفلاسفة اليونان وبالطبع من مدارس فلسفية مختلفة . فمثلاً هناك مناقشات لوجهات نظر الفلاسفة الرواقيين والفلاسفة الأبيقوريين والفلاسفة الشكاك . كما وفي الكتاب فعل تدقيق وإمتحان قام به شيشرون لمجمل من الأسئلة الأساسية في مضمار اللاهوت اليوناني . وإقتصر دور شيشرون في هذه المحاورة على دور الراوي على الرغم من إنه لم يلعب دوراً فاعلاً في المناقشة التي جرت بين الفلاسفة . ولمزيد من الفائدة نُشير إلى شخصيات هذه المحاورة ، والتي تكونت من الشخصيات الآتية :

1 – الشخصية الأولى هي شخصية الفيلسوف غايوس فيلوس (وهو بالطبع ليس المؤرخ الروماني ماركوس فيلوس على الإطلاق كما ظن بعض الأكاديميين الغربيين ولسبب بسيط وهو إن الأخير كما بينا ولد بعد موت شيشرون على الأقل بخمس وعشرين سنة ..) وإنما هو غايوس فيلوس الفيلسوف الأبيقوري والذي مثل المدرسة الفلسفية الأبيقورية [24].

2 – الشخصية الثانية هي شخصية الفيلسوف كونتيوس لويسلوس باليبوس (عاش حوالي 100 ق.م) وهو فيلسوف رواقي وهو من مدينة قادس (بالعربية) الأسبانية [25]. ووضعه شيشرون في موقع المقارنة مع أفضل فلاسفة اليونان . ولعب باليبوس في المحاورة دور الشارح للاهوت في النظريات الرواقية . وكانت حجته الفلسفية برأي شيشرون ذات وزن راجح بين الآراء المتداولة [26]. والحقيقة إن باليبوس له حضور في محاورة أخرى كتبها شيشرون وهي محاورة رتنسيوس وفيها يقدمه شيشرون من مناصري الأراء الرواقية . وهذه المحاورة تُعد  اليوم من محاورات شيشرون الضائعة .

3 – الشخصية الثالثة هي شخصية الفيلسوف غايوس أورليوس كوتا (تقريباً 124 – 73 ق.م) وهو الخطيب ورجل الدولة الروماني ، وهو خال يوليوس قيصر من طرف أمه يورليا كوتا . وقدمه شيشرون في محاورتين من محاوراته ؛ الأولى حول الخطابة . والثانية حول طبيعة الآلهة وقدمه في المحاورة الآخيرة واحد من مناصري الأكاديمية الجديدة (أي المدرسة الشكية) [27].

  ولاحظنا إن رائعة شيشرون حول طبيعة الآلهة ضمت :

أولاً – الكتاب الأول والذي تكون من مدخل شيشرون ومن ثم عرض حالة فيلوس في اللاهوت الأبيقوري ونقد كوتا للأبيقورية .

ثانياً – وركز الكتاب الثاني على شرح باليبوس ودفاعه عن اللاهوت الرواقي .

ثالثاً – وتناول الكتاب الثالث نقد كوتا لمزاعم باليبوس .

  ويبدو برأي الأكاديميين الغربيين إن نتائج شيشرون متناقضة وفيها صمت وسكوت واضح وهو برأيهم نمط من ” ستراتيجيات الإنفتاح الحضاري (المدني) ” . وهذا فعلاً ما فعله شيشرون وشمل به مزاعم باليبوس ، التي رأى فيها ” الكثير من الصدق والحقيقة تقريباً ” [28]. والحقيقة إن كتاب شيشرون حول طبيعة الآلهة ، لم يكن عملاً أبيقورياً أو رواقياً تقليدياً . وإنما هو إضافة وإشعاعاً بل وفيه مذاقاً وملحاً شيشروني خاص على النص الأبيقوري والرواقي . إلا إنها ظلت من زاوية العقيدي الأبيقوري والرواقي تناقش وجهات نظرهم حول الدين واللاهوت . ومن المفيد الإشارة إلى إن الجدل مفتوح ومستمر بين الأكاديميين الغربيين وبالتحديد حول أسئلة من مثل ؛ هل إن ألهة الأبيقوريين والرواقيين مثل آلهتنا ؟ أم هل إن آلهتهم هي مجرد نتاج فعلنا الذي قام بالإختراع على آلهتهم ؟ وللإستشهاد لاحظنا مثلاً إن الأكاديمي ديفيد كونستان (بروفسور الكلاسيكيات في جامعة نيويورك ولد عام 1940) يرى ” إن ألهة الأبيقورية آلهة حقيقية بمعنى إنها موجودة مثل الذرات تلتقي وتتحد وتمتلك خصائص ولها معنى ومفهوم مثلما يعتقد الناس ” [29].

 ومارست محاورات شيشرون ، وخصوصاً محاورة حول طبيعة الآلهة ، إضافة إلى محاورة حول الواجبات [30]. ومحاورة حول الكهانة (العرافة) تأثيراً بالغاً على إتجاهات الفلسفة الرومانية (أو اللاتينية / الإيطالية) وذلك من طرف إنها عالجت موضوعات الإلهام والوحي .. وهذه المحاورة أي حول طبيعة الآلهة ألفها شيشرون عام 44 ق.م وهي تتألف من كتابين [31]. والحقيقة إن هذه المحاورة مارست تأثيراً على فلاسفة القرن الثامن عشر ، وبالتخصيص على الفيلسوف الفرنسي فولتير والذي قال عنه ” إنه ربما كان أفضل كتاب أنتجه العالم القديم ” [32] كما أشرنا إلى ذلك في التقديم . أما محاورة في الكهانة فهي واحدة من محاورات شيشرون المهمة ، والتي جاءت من فعل التكهن أو التنبؤء وهي لا علاقة لها بالتنبوء أو التكهن العلمي القائم على فهم سببي . وإنما على فعل الإلهام والذي يحدث بعون ومساعدة إلهية [33]. وفعلاً فإن هذه الظاهرة قد أهملها مجتمع العلماء والفلاسفة الشكاك ونظروا إليها على إنها مجرد خرافة [34].

  والواقع إن مقالة شيشرون حول الكهانة (أو العرافة) هي مقالة فلسفية إلا إنها إتخذت شكل المحاورة . وفيها شخصية شيشرون الشخصية الرئيسة (إضافة إلى أخيه كونتيوس) حيث يقوم شيشرون بالتحليل والكلام . ولاحظنا إنه مهتم بالتفاصيل وخصوصاً تحديد إنماط وأشكال الكهانة . فمثلاً يقسمها إلى نمط إلهامي (ويدرج حالات الجنون) ، ونمط الأحلام ، ونمط فيه يمتلك الشخص ملكات أو قدرات على التأويل والشرح والتفسير . وهي تشمل بعض الطقوس مثل تقديم التضحية (تضحية الحيوانات) وقراءة بعض النصوص ، ومن أنماطها علم التنجيم والذي تتضمن قراءة الطالع (المستقبل) وذلك من خلال مراقبة طيران الطيور وترجمة ما تدل عليه ، وكل ذلك يحدث بوحي من الألهة ..

  والكتاب الأول هو دفاع عن الكهانة وفيها بعض الأثار الرواقية . أما الكتاب الثاني ففيه تفنيد ماركوس شيشرون لكل مظاهر الكهانة والعرافة ومن زاويته الأكاديمية الفلسفية . وكونت هذه المحاورة مصدراً أولياً من مصادر الدين الروماني . وضم شيشرون فيها مقتطفات من قصيدته المشهورة بعنوان حول القنصلية [35].

  ولاحظنا إن كتابات شيشرون النقدية في القرن الأول قبل الميلاد في مضمار الكهانة قد ألهمت الروائي والخطيب اليوناني الأشوري لوكين السميساطي (125 – 180م) في القرن الثاني بعد الميلاد ودفعته إلى كتابة العديد من المحاورات والتي تمثلت بالشكل الأتي ؛ محاورات الموتى ، ومحاورات الألهة ، وعقائد للبيع ، ومن ثم رائعته التي حملت عنوان الإسكندر : النبي الكذاب [36]. وبالطبع هو غير الإسكندر المقدوني (356 – 324 ق.م) وإنما هو الإسكندر أبونتشيس (105 – 170م) والذي ولد بعد موت الإسكندر المقدوني بأكثر من قرنين وعقدين من السنيين .

   ولما كان لوكين حاله حال شيشرون معجباً بالأبيقورية وفلسفتها . فقد ألف لوكين محاورة الإسكندر : النبي الكذاب ضد الإسكندر أبونتشيس الذي حرق كتاب الفيلسوف أبيقور ، وقال لوكين مندداً بالإسكندر أبونتشيس ومقيماً كتاب أبيقور بل ومناقشاً : ” ما الكرامات التي خلقها هذا الكتاب ؟ إنها كرامات السلام والهدوء والحرية . وهي طريق تحريرهم من الخوف والآمال الزائفة والرغبات الشديدة والإسراف المتطرف . كما وهي تعمل على رفع ذكائهم ، وتمكنهم من الصعود إلى طوابق الحقيقة العالية ، وتُطهر فهمهم وتنقيه من الأدران والحماقات .. وتُسدد تفكيرهم نحو الطريق المستقيم حيث الحقيقة والصدق ” [37] 

  أما فيما يخص محاورة شيشرون التي حملت عنوان حول الواجبات ، فقد ألفها عام 44 ق.م وهي السنة الأخيرة من حياته ، وكان عمره يومها ثلاثة وستين عاماً . وكتبها بإسلوب رسالة وجهها إلى ولده ماركوس شيشرون (وبالمناسبة إن ولده يحمل إسم والده ذاته وجده كذلك وهذا تقليد روماني) ويوم كتبها شيشرون كان ولده يدرس الفلسفة في آثينا . وهي في المحط الآخير محاولة لتحديد السلوك المثالي العام [38]. وفيها ينتقد يوليوس قيصر ودكتاتوريته وفي صفحات مختلفة . وفيها واضح الأثر الذي تركته الأكاديمية المشائية (أي الأرسطية) وكذلك المدرسة الرواقية وخصوصاً الفيلسوف الرواقي بانتيوس .

  تألفت محاورة حول الواجبات من ثلاثة كتب ؛ الأول ناقش فيه الشرف . والثاني درس فيه المنافع . والثالث عالج فيه قضية الصراع . ويزعم شيشرون إن غياب الحقوق السياسية هي التي أفسدت الأخلاق . ومن ثم يتحول للحديث عن القانون الطبيعي وحسب رأيه هو القانون الذي يحكم سلوك البشر و الألهة [39]. وفيه يحثُ ولده ماركوس على إتباع الطبيعة والحكمة والسياسة ويحذره من الإستسلام إلى اللذة والكسل [40].

تأمل في الفلسفة السياسية : حول الكومنولث والقوانين  

 ومن ثم جاءت محاورة شيشرون والتي حملت عنوان حول الكومنولث وحول القوانين ، وكلاهما بنظر الأكاديميين الغربيين من أكثر الأعمال أهمية في مضمار الفلسفة السياسية [41]. كما إن هاتين المحاورتين كونتا مادة مجلد واحد من مجلدات أعمال شيشرون . إلا إن هذا المجلد عرض مقتطفات وقام بترجمتها وتركيبها عدد من الباحثين الأكاديميين الغربيين بإشراف البروفسور جيمس زيتزيل وهو بروفسور الكلاسيكيات في جامعة كولومبيا . وجاءت النصوص مسنودة بمدخل مكثف وملاحظات وإضافات .

 وعلى هذا الأساس فإن هذا المجلد توزع في محاورتين (أو كتابين) :

الأول – حول الكومنولث وتكون من ستة كتب (أو ستة أجزاء) . ولاحظنا إن الكتاب الأول كون مقدمة وفعلاً فقد جاءت بعنوان مقتطفات المقدمة [42]. وضم هذا الكتاب عدة محاور ؛ عرض في الأول منها خطابه إلى أخيه كونتيوس والإلتزام والواجب نحو قطر واحد من أقطار الإمبراطورية الرومانية . كما وبين أهمية كل من التعليم النظري والخدمة العملية ، ودحض الحجج ضد المشاركة في الحياة العامة . إضافة إلى بحثه فيما يتمتع به من مؤهلات (أي مؤهلات شيشرون) وبالتحديد من طرفي الخبرة و التعليم [43].

  بينما جاء المحور الثاني بعنوان البيئة والمناقشة التمهيدية [44]. ونحسب من المفيد أن نشير إلى إن القارئ الأكاديمي لرائعة شيشرون حول الكومنولث ، سيندهش من المنهجية المعاصرة التي تناول فيها موضوعة الكومنولوث وهو يكتب في القرن الأول قبل الميلاد هذا الخطاب الفلسفي السياسي . والشاهد على ذلك مناقشته للظاهرة الكونية والأسس العملية لعلم الفلك (وفي الفلك إمكانية قراءة المستقبل) [45]. ومن ثم عرض طرفان من وجهة نظره للفلسفة ، وبالتحديد الموقف من الموضوعات الإنسانية [46]، والتحضير للحياة العملية [47]، وإنتخاب الموضوع (أي موضوع الدراسة) وأفضل أشكال الكومنولث [48].

  أما المحور الثالث فقد جاء بعنوان النظرية الدستورية (أو بلغة شيشرون نظرية الدساتير) [49]. ومن الملاحظ على منهجية شيشرون إنها منهجية صارمة منضبطة بقواعد البحث الأكاديمي وهذا طرف يشدنا إليه ويحملنا على الإحتفال به في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين . والشاهد على ذلك إنه إستهل بحثه في هذا المحور بمجموعة من التعريفات الأولية ومن المعروف إن التعريفات هي مفاتيح العلوم وخصوصاً المنطقية والرياضية والتي هي موديلات لجميع العلوم . وفعلاً فقد بحثت هذه التعريفات في إصول المجتمع ، والصور الأساسية أو أشكال الكومنولث [50]، وتبعها بدراسة للإشكال البسيطة من الدساتير وتحدث عن الفوائد من مزج الدساتير [51]. ومن ثم طالب بتقديم توسيع للموضوع الذي تناولته الدراسة وخصوصاً التوسيع الذي عرضه غايوس لايلوس [52].

      والشاهد الأخر على فكره الفلسفي السياسي المعاصر ، هو تركيزه على :

أولاً – حجج الديمقراطية [53].

ثانياً – حجج الإستقراطية [54].

ثالثاً – حجج الملكية [55].

  ودقق في فضائل كل من حجج الديمقراطية والإرستقراطية والملكية ، ومن ثم مال نحو ضفاف الملكية ومن الملاحظ إن في إختياره النظام السياسي الملكي ، إنه وقع تحت تأثير تفضيل الجنرال ورجل الدولة الروماني سكيبيو الأفريقي (236 – 183 ق.م) [56]. ومن ثم قدم حجج الملكية ، ومن طرفي حكومة الألهة والحكومة الكونية (العالمية) [57]. وقدم الشاهد أو الدليل التاريخي عليها [58]، وأشار إلى بنية أو تركيب العقل في كل منهما [59]. وقام بفعل مقاربة قدم فيه مثال رب البيت [60]، والحاجة إلى المحافظة على الوحدة زمن الأزمة [61]، والحب للملك الجيد [62]. وكشف شيشرون عن حقيقة مهمة تُباطن أنواع الحكومات ، وذهب إلى إن الأنواع البسطة من الحكومات والتي هي عرضة إلى الفساد وبين بالمقابل محاسن الدستور المركب (الممزوج) [63]. ومسك الختام الخلاصة التي أعلن فيها شيشرون صراحة من إن روما هي من أفضل الحكومات [64]. ولعل من النماذج السياسية التي كانت متوافرة على طاولة بحث شيشرون تجربة كل من السياسيين والقائدين العسكريين الرومانيين سكيبيو وهو زميل طفولته وعضيده لايلوس وهذه قضية تحتاج إلى دراسة مقارنة مستقلة تكشف عن حجم الحاضر من آرائهما في نصوص شيشرون .  

تأمل في الكتابات الفلسفية لماركوس شيشرون

   كان شيشرون من فلاسفة القرنين الثاني والأول قبل الميلاد . فهو إضافة إلى كونه فيلسوفاً وسياسياً ، فقد كان خطيباً من الطراز الأول ومن هذا الطرف ترك تأثيراً كبيراً على تاريخ اللغة والثقافة اللاتينيتين (وبالطبع كانت اللاتينية لغة العصر) [65] ومن خلالهما نشر الثقافة الفلسفية . ولعل أهمية شيشرون في تاريخ الفلسفة ، تعود إلى أنه أول من قدم للرومان المدارس الفلسفية اليونانية المشهورة وعرفهم بالإتجاهات الأكاديمية الفلسفية اليونانية .

  كما وطور جهازاً لغويا فلسفياً لاتينياً ووضعه في متناول طلاب المعرفة والمثقفين الرومان ومن هذا الطرف يمكن الحديث عن جهوده من زاويتي الترجمة الفنية واللنكوستيكا (فقه اللغة) . ولاحظنا إن هناك عدداً من الأكاديميين الغربيين من تصور حركة الرينسانس (النهضة) الأوربية هي عملية  ” إحياء لتراث شيشرون ” وخصوصاً بعد إن أكمل النهضويون الأوربيون نهضتهم ” لاحظنا إنهم ضموا شيشرون إلى معاقل الكلاسيكيات القديمة ” . بل ووجدنا إن هناك من يرى إن تأثير شيشرون إمتد إلى أبعد من عصر الرينسانس حتى وصل إشعاعه إلى عصر التنوير ، حيث ذهبوا إلى إن شيشرون ترك أثاراً واضحة على كل من الفيلسوف الإنكليزي جون لوك (1632 – 1704) والفيلسوف الإسكتلندي ديفيد هيوم (1711 – 1776) والفيلسوف الفرنسي شارلز مونسكيو (1689 – 1755) [66].

  ونحن نحتفل بالفيلسوف شيشرون من طرف إهتمامنا بكتاباته الفلسفية والتي مست أطراف من علوم الفلسفة [67]مثل الأخلاق والسياسة والمنطق واللاهوت أو الميتافيزيقا والتي ظهر فيها أثر فلسفي رواقي واضح المعالم . ونحسبُ إن الموضوعات التي تناولها يراع شيشرون هي موضوعات فلسفية سبق إن تناولها فلاسفة اليونان في كتبهم ، والتي كانت من مثل موضوعات الموت والألم والعواطف والسعادة .. والشاهد على ذلك مجموعة كتب شيشرون السبعة ، وبالطبع الستة الأولى منها حملت عنوان ” حول الخطابة ” . أما الكتاب السابع فقد جاء بعنوان ” حول الفلسفة [68].

  ولعل الحديث عن شيشرون مؤرخاً للمدارس الفلسفية اليونانية يكون ممكناً وخصوصاً بعد عثورنا على كتاب له بعنوان ” حول الشكية الأكاديمية ” وهو كاف للإستشهاد . إضافة إلى مساهمة في عملية التدوين في مضمارالسياسة [69]، فقد كان له كتاباً بعنوان ” حول الجمهورية ” وله كتاب قانوني وهذا هو تخصصه وجاء بعنوان ” حول القوانين ” وكتب في مضمار اللاهوت وبإصطلاحات الفلاسفة يُرادف أطرافاً من مضمار الميتافيزيقا أو ما بعد الطبيعة وهو مضمار فلسفي عتيد . وفعلاً فقد لاحظنا إن شيشرون خصص ثلاثة كتب من كتبه لمعالجة موضوعات فلسفية بحتة ، منها كتابين درس فيهما موضوع اللاهوت وبالإصطلاحات الفلسفية موضوعات الميتافيزيقا (ما بعد الطبيعة) . وكان كتابه الأول بعنوان ” حول التأملات الإلهية ” . في حين كان كتابه الثاني كتاباً خص فيه العقيدي اليوناني وبالتحديد آلهة اليونان وكان بعنون ” حول طبيعة الآلهة [70]. أما كتابه الثالث فقد درس فيه أطراف من موضوع فلسفي عتيد وهو علم الأخلاق والذي جاء بعنوان ” الغايات الآخلاقية [71].

تعقيب ختامي :

  كما وكتب فيلسوف السياسة والخطيب السياسي ماركوس شيشرون العديد من الخطابات السياسية والقانونية (بعضاً منها في مضمار الدستور) حتى بلغ عددها إلى ثمانية وثمانين خطاباً . صحيح إن بعضاً منها تعرض للإندثار والضياع ، إلا إن البعض الآخر بقي حياً خالداً وبلغ بتقديرات الأكاديميين الغربيين بحدود ثمانية وخمسين خطاباً وهي بتقديرنا تكون مضمار ثرياً في ما يمكن أن نطلق عليه ” الفلسفة السياسية عند شيشرون ” . ولعل من الشواهد على خطاباته السياسية ؛ خطابه الأول وهو خطاب دفاع وكتبه وألقاه عام 81 ق.م . كما ونستشهد بخطابه السياسي الشهير عام 43 – 44 ق.م ضد الجنرال الإيطالي مارك إنثوني (أو ماركوس إنطونيوس) (83 – 30 ق.م) وهو السياسي والقائد العسكري الروماني والذي لعب دوراً حرجاً خلال مرحلة التحول نحو ضفاف الجمهورية الرومانية وكان هو السبب وراء موت الفيلسوف والسياسي شيشرون التراجيدي . وبالطبع يومها كانت الجمهورية الرومانية في مرحلة تحول من حكومة أوليغارشية (حكومة الأقلية) إلى إمبراطورية الأوتقراط (الشخص الواحد) . وكان إنتوني مسانداً ومتعاضداً مع يوليوس قيصر (100 – 44 ق.م) حينها وواحد من جنرالاته [72]. وبالمناسبة إن هذا الخطاب السياسي سبب أزمة سياسية للجنرال إنثوني وعائلته والشاهد على ذلك رد الفعل الدرامي الذي قامت به زوجة أنثوني حيث مثلت هي وزوجها بجثة الفيلسوف الخالد شيشرون بُعيد إعدامه .

————————————————————————————–

الهوامش

 – أنظر : إليزابيث راوسن ؛ شيشرون : صورة شخصية (بالإنكليزية) ، مطبعة برستول للكلاسيكيات 1994 (تكون من 357) . [1]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 1 . [2]

 – أنظر المصدر السابق .[3]

 – المصدر السابق ، ص 7 . [4]

 – كونتيوس تيلوس شيشرون أرسله والده مع أخيه الأكبر ماركوس شيشرون للدراسة في روما وأثينا وربما إلى رودس . وتزوج حوالي 70 ق.م  [5]

من بومبونيا وهي أخت أتسيوس بومبونيوس (110 – 31 ق.م) وهو صديق الفيلسوف شيشروب المقرب .وكانت بومبونيا إمرأة قوية مهيمنة ومزاجية وطلقها بعد زواج غير منسجم . وتدخل أخيه الفيلسوف شيشرون للتوفيق ولكنه لم يوفق بينهما فطلقها وكان حصيلة زواجهما ولادة إبنه ” كونتيوس تيلوس شيشرون ” الذي يحمل الإسم ذاته . ويصف يوليوس قيصر الأخ كونتتيوس ” بأنه كان جندياً شجاعاً وقائد عسكري ملهم ” وتنسب له العديد من المسرحيات وقصائد الشعر .. أنظر إنثوني إيفرت ، المصدر السابق ، ص 15 .

 – المصدر السابق ، ص ص 5 – 6 . [6]

 – أنظر : هنري جوزيف هاكسل ؛ هذا هو شيشرون ، 1964 ، ص 83 . [7]

 – أنظر : فلوطرخس (بلوتارك) ؛ حياة شيشرون (من كتاب الحياة المتوازية) ، مطبعة لوب للكلاسيكيات 1919 ، المجلد السابع (أون لاين) . [8]

 – أنظر المصدر السابق .[9]

 – والفيلسوف بانتيوس الرواقي هو تلميذ كل من الفيلسوف العراقي (بالولادة وبدراسة الفلسفة في المدرسة الرواقية في مدينة سلوقيا الواقعة على  [10]

ضفاف دجلة والمقابلة لمدينة سلمان باك جنوب بغداد) ديوجانس البابلي أو السلوقي (ولد حوالي150 أو 140 – ومات حوالي 230 ق.م) والفيلسوف الرواقي إنتبيتر (مات عام 130 ق.م) وهو كذلك تلميذ ديوجانس البابلي وخليفته على المدرسة الرواقية في أثينا … أنظر : كيمب أليكرا وأخرون (المشرفون) ؛ تاريخ كيمبريدج للفلسفة الهيلينستية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدح 2008 ، ص ص 41 – 42 .

 – أنظر : كيمب أليكرا ؛ المصدر السابق . [11]

 – كونتيوس سكافيلو وكان رجل التشريع خلال الحرب الأهلية التي حدثت للفترة ما بين عامي 91 – 88 ق.م . إضافة إلى كونه متبحراً في القانون[12]

الروماني بل وله سلطة ومرجعية مبكرة فيه . وكان معلماً ومشرفاً على السياسي والخطيب شيشرون . ودرس سكافيلو القانون أولاً على يد والده . أما في مضمار الفلسفة فقد كان معلمه والمشرف عليه الفيلسوف الرواقي بانتيوس الرواقي الروديسي . وقد خلد شيشرون أستاذه في ثلاثة من أعماله وهي على التوالي ؛ أولاً – محاورة بعنوان حول الخطابة ومن ثم جاءت بعنوان الخطيب المثالي في ترجمتها الإنكليزية (أنظر : شيشرون حول الخطيب المثالي ، ترجمة ج . أم . ماي و ج . ويس ، مطبعة جامعة أكسفورد 2001 . وثانياً – مقالة (أو رسالة) بعنوان حول الصداقة وهي مقالة فلسفية تابع في كتابتها الإسلوب المبكر الذي تداوله الفلاسفة اليونان (وهي محاورة كذلك) . أنظر : شيشرون ؛ حول الصداقة ، ترجمها إلى الإنكليزية دبليو . أي . فليكونر مع مقدمة ، مكتبة لوب الكلاسيكية ، مطبعة جامعة هارفرد 1923 (وتمت مراجعتها عام 1978) . وثالثاً – محاورة جاءت بعنوان حول الجمهورية ومن ثم بعنوان حول الكومنولث وهي محاورة فلسفية أثارت الكثير من الجدل . أنظر : شيشرون ؛ حول الجمهورية ، ترجمة ج . إي . ريتزل ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1995 .   

 – وماركوس روفس هو الخطيب والسياسي الإيطالي في أواخر الجمهورية الرومانية . وفي العشرينات من عمره إرتبط  بكل من الجنرال   [13]

ماركوس كراسوس (115 – 53ق.م) والفيلسوف شيشرون . وفعلاً فقد كانت له مراسلات مع شيشرون . ووقف روفس مع يوليوس قيصر ضد القائد العسكري والسياسي بومبيوس الكبير (106 – 48 ق.م) في الحرب الأهلية .. أنظر : توم هولند ؛ الإنتصار وتراجيديا الجمهورية الرومانية ، لندن 2004 .   

 – أنظر : إليزابيث راوسن ؛ المصدر السابق ، ص ص 14 – 15 . [14]

 – أنظر : ريتشارد توماس ؛ قصيدة جيريكا ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1988 . [15]

 – أنظر : إنثوني إيفرت ؛ شيشرون : وعصر السياسيين الرومان العظماء ، دار نشر رندم 2001 ن ص 35 .[16]

 – الأبيقورية وفيدرس الأبيقوري : الأبيقورية مدرسة فلسفية هيلينستية ، وهي نظام فلسفي نشأ على تعاليم الفيلسوف اليوناني أبيقور (341 – 270[17]

ق.م) وغرض الفلسفة عنده هو أن يكون الإنسان سعيداً ويعيش حياة هادئة . والأبيقورية فلسفة ذرية مادية وتابعت خطوات الفيلسوف اليوناني ديمقريطس (460 – – 370 ق.م) وبالطبع هناك أجيال من الفلاسفة الأبيقوريين تقدموا على الفيلسوف فيدرس الأبيقوري ومن الملاحظ إن فيدرس عاش على الأقل بعد أبيقور بحدود مئتين وخمسين سنة . للتفاصيل أنظر : هوارد جونز ؛ التقليد الأبيقوري ، دار نشر روتليدج ، نيويورك 1989 . أما فيدرس الأبيقوري فقد كان رئيس المدرسة الأبيقورية في أثينا وأصبح بعد موت رئيسها السابق الفيلسوف والشاعر زينون الصيداوي (150 – 75 ق.م) وهو فينيقي من مدينة صيدا اللبنانية …أنظر : كيمب أليكرا وأخرون ؛ المصدر السابق .  

 – أنظر : كيمب أليكرا وأخرون ؛ المصدر السابق ، ص 52 . [18]

 – للمقارنة أنظر: أي . ج . ودمان ؛ المؤرح الروماني فيلوس باتركيلوس : الرواية القيصرية والأوغسطية ، كيمبريدج 2004 .[19]

 – أنظر : شيشرون ؛ حول طبيعة الآلهة ، ترجمة فرنسيس بروكس ، شركة مينهن للنشر ، لندن 1896 (أون لاين) . [20]

وهذا الكتاب موسوعة رائعة من الروائع التي كتبها شيشرون عن اللاهوت اليوناني . وتألفت في نشرتها الإنكليزية من تصدير صغير جداً ومن مدخل وثلاثة كتب ، وفي الإمكان الحديث عن فصول هذه الكتب الثلاثة أو فقرات هذه الكتب المرقمة . وهي فقرات صغيرة لا تتجاوز الصفحة الواحدة . تكون الكتاب الأول من 44 فقرة . في حين ضم الكتاب الثاني 57 فقرة . وإحتوى الكتاب الثالث على 40 فقرة . وإنتهى الكتاب برمته بإحالات وهوامش .

 – المدرسة الرواقية [21]

 – المدرسة الشكية [22]

 – أنظر : شيشرون ؛ المصدر السابق . [23]

 – أنظر المصدر السابق ، الكتاب الأول والثاني والثالث فقرات متنوعة .[24]

 – أنظر للتفاصيل : تريفر كيرنو ؛ فلاسفة العالم القديم : مدخل من الأي إلى الزد ، دار نشر جيرالد دوكورن 2006 (تكون من 272 صفحة) .[25]

 – أنظر : شيشرون ؛ المصدر السابق ، [26]

 – أنظر : شيشرون ؛ المصدر السابق ، الكتاب الثالث . وكذلك حول الخطابة ، الفقرة رقم 3 . [27]

 – ستيفن كرينبيلت ؛ الإنحراف (بالمعنى الذري الفيزياوي) : كيف أصبح العالم جديداً ، شركة نشر نورتن 2011 . وعنوان الكتاب تم إستلهامه من [28]

من كتاب الفيلسوف والشاعر الأبيقوري الروماني لوكرتيوس الذي حمل عنوان حول طبيعة الأشياء .

 – أنظر : ديفيد كونستان ؛ أبيقور حول الألهة ، 2011 ، ص ص 53 – 71 . [29]

 – أنظر : شيشرون ؛ حول الواجبات (نصوص كيمبريدج في تاريخ الفكر السياسي ) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1991 .[30]

 – أنظر : ديفيد وردل ؛ شيشرون حول الكهانة والعرافة ، الكتاب الأول ، ترجمة مع مدخل تاريخي شارح ، أكسفورد 2006 . [31]

 – بيتر كي ؛ التنوير وصعود الوثنية الحديثة ، شركة نورتن للنشر 1995 ، ص 109 . [32]

 – أنظر : وليم ريجنلاند هولدي ؛ الكهانة والعرافة اليونانية : دراسة في طرقها ومبادئها (بالإنكليزية) ، دار نشر ماكميلان 1913 ، ص 309 [33] وما بعد .

 – أنظر المصدر السابق .[34]

 – أنظر : شيشرون ؛ حول الكهانة (العرافة) ، ترجمها إلى الإنكليزية دبليو . أي . فلاكونر ، مكتبة لوب للكلاسيكيات ، 1923 ، المجلد العشرين ، [35]

وبالطبع الكتابين الأول والثاني .

 – أنظر : لوكين السميساطي ؛ الإسكندر : النبي الكذاب ، ترجمها إلى الإنكليزية أي . أم . هارمون ، نشرة مكتبة لوب للكلاسيكيات 1936 . وأنظر[36]

كذلك : لوكين السميساطي : مدخل إلى أعماله ومخطوطاته ، نشرة مكتبة لوب للكلاسيكيات ، 1936 وضم تسع مجلدات وفيها مقابلة بين النصين اليوناني والإنكليزي .

 – أنظر : أي . أم هارمون ؛ لوكين : المجلد الرابع ، مكتبة لوب للكلاسيكيات 1925 ن ص 235 .[37]

 – أنظر : شيشرون ؛ حول الواجبات ، ترجمة ب. ج. ولش ، عالم أكسفورد للكلاسيكيات ، مطبعة جامعة أكسفورد 2008 ، ص 30 .[38]

 – أنظر : إي . أم . إتكين (المشرف) ؛ شيشرون : حول الواجبات ، ترجمة أم . ت. كريفن ، نصوص كيمبريدج في الفكر السياسي 1991 ، ص  [39]

26 .

 – أنظر : شيشرون ؛ المصدر السابق  . [40]

 – أنظر : شيشرون ؛ حول الكومنولث وحول القوانين ، المشرف جيمس أي . ج . زيتزيل ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1999 ، قارن صفحة 36  [41]

من المدخل . 

 – أنظر : المصدر السابق ، الكتاب الأول ، ص 1 .  [42]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1 – 13 . [43]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 14 – 37 . [44]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 19 – 26 . [45]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 26 – 29 . [46]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 30 . [47]

 – المصدر السابق ، ص ص 31 – 37 . [48]

 – المصدر السابق ، ص ص 38 – 71 . [49]

 – المصدر السابق ، ص ص 38 – 42 . [50]

 – المصدر السابق ، ص ص 43 – 45 . [51]

 – المصدر السابق ، ص 46 . [52]

وغايوس لايلوس هو الجنرال ورجل الدولة الروماني وشارك في حملة شبه الجزيرة الإيبرية (الأندلس فيما بعد) وللفترة من 210 – 206 ق.م) والتي تشمل يومذاك أسبانيا الرومانية (وتضم أسبانيا والبرتغال) . والجنرال لايلوس هو الذي هاجم قرطاج الجديدة ، وهجومه أسهم في إنتصارات الجنرال سكيبيو الأفريقي على حانيبال . ووفقاً للمؤرخين الرومان فإن لايلوس كان صديق الطفولة لسكيبيو الأفريقي . إلا إنه لم يكن من العوائل الثرية . وهناك من يرى إنه رافق سكيبيو في العديد من المعارك والفتوحات وبالتحديد منذ 210 – 201 ق.م . إلا إنه لم يترقى إلى منصب عال . إلا إن إسمه أخذ يصطع خلال الحرب البونيكية الثانية . ومن خلال علاقته بالجنرال سكيبيو تم إختياره حاكماً عسكرياً ومدنياً لمحافظة سيسلي (صقلية) عام 192 ق.م بعد فشله في المرة الأولى عام 196 ق.م ومن ثم أصبح قنصلاً … للتفاصيل أنظر : بولبيوس ؛ تواريخ بولبيوس ، دار نشر مكتبة لوب للكلاسيكيات 1927 (أون لاين) .  

 – أنظر : شيشرون ؛ حول الكومنولث ، ص ص 47 – 50 .[53]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 51 – 53 .[54]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 54 – 55 . [55]

 – أنظر المصدر السابق .[56]

ويوبليوس كورنليوس سكيبيو الأفريقي والمشهور سكيبيو الأفريقي … وكان جنرالاً خلال حرب بونيكيه الثانية . وهو إضافة إلى ذلك رجل دولة في الجمهورية الرومانية .. للتفاصيل أنظر : هوارد هايس سكولرد ؛ سكيبيو الأفريقي في الحرب البونيكية الثانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1930 ، ص ص 37 – 38 . والمعروف عنه بأنه القائد العسكري الذي هزم حانيبال (247 – 183ق.م) وكان يومها رئيس أركان جيوش قرطاجة . ويُنظر إلى حانيبال على إنه واحد من القواد العسكريين العظماء في التاريخ . فمثلاً المؤرخ العسكري الأمريكي ثيودور دوك (1842 – 1909) يطلق عليه لقب ” آب الستراتيجية ” وذلك بسبب عداوته لروما ، ولكن رغم ذلك فقد تبنت روما مبادئه في التكتيك العسكري .. للتفاصيل أنظر : ليونارد كوتريل ؛ حانيبال : عدو روما ، دار نشر دي كابو ، نيويورك 1992 . 

 – أنظر : شيشرون ؛ حول الكومنولث ، ص ص 56 – 57 . [57]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 58 . [58]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 59 – 60 .[59]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 61 .[60]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 62 – 63 .[61]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 64 . [62]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 65 – 69 .[63]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 70 – 71 . [64]

 – أنظر : بيريل راوسن ؛ سياسات الصداقة : بومبي وشيشرون (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة سيدني 1978 . [65]

 – أنظر : والتر نيكورسكي ؛ شيشرون والقانون الطبيعي ، مطبعة نوتردام 2015 .  [66]

 – أنظر : ج . أف . باول ؛ شيشرون فيلسوفاً : إثنتا عشر بحثاً (كتاب جماعي) ، مطبعة كليرندون – أكسفورد 1995 .  [67]

 – أنظر المصدر السابق . [68]

 – أنظر : شيشرون ؛ خطابات سياسية مختارة ، دار نشر بنجوين ، بريطانيا 1969 . [69]

 – للمزيد من المعلومات حول الطرف الطقوسي الشعائري وألهة اليونان ، أنظر : وليم ريجنلد هالدي ؛ الكهانة اليونانية : دراسة في طرقها[70]

ومبادئها ، دار نشر ماكميلان ، جامعة ويسكنسن 2008 (تألف من 209 صفحة) .

 – أنظر : شيشرون ؛ الغايات الآخلاقية ، إشراف جوليا أناس ورالف وولف ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2001 . [71]

 – أنظر : إلينور هازار ؛ مارك إنتوني : سيرة ذاتية ، مينابولس : مطبعة جامعة مينسوتا 1978 . [72]

———————————————————————————————

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

الإنراكية والفيدرالية : دراسة في فكر برودن الفلسفي – السياسي

 الفلسفة حُبُ الحكمة      الفيلسوف مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة 

مجلة فلسفية إلكترونية

——————————————————————

THE ANARCHISM & FEDERALISM

Study in PROUDHON’s Philosophical and Political Thought

Dr. MOHAMAD FARHAN, PHILOSOPHER

الإنراكية والفيدرالية

دراسة في فكر بيير برودن الفلسفي السياسي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————————-

 يجري الحديث في العراق عن إقليم فيدرالي غريب عجيب ، فيه تهيمن العشيرة وأبنائها الذين يمسكون بيد حديدية بكل القيادات منذ عقود ، ويتوارث الأبناء سلطة الأباء .. يا إخوان ليس في الفيدرالية وراثة وليس فيها لنظام العشائر وجود .. الفيدرالية نظام غربي مدني تحفظ فيه حقوق الجميع وليس فيه تمييز بين عمر وعلي وزيا وأشور .. فكيف يجري الحديث عن الفيدرالية في عراق العجائب .. إنها فيدرالية القرن الحادي والعشرين .. إنها فيدرالية ليس فيها إنتخابات للقيادات وإنما فيدرالية التعيين وشروطه إن تكون من العائلة والعشير .. وإن الحديث عن تمثيل متوازن عادل لمكونات الشعب العراقي في هذا الأقليم أي في تأليف الحكومة الفيدرالية هو حديث عن فيدرالية من نمط جديد لم يعرفها الغرب وهو إختراع عراقي غريب . ولعل السؤال الذي لم يفكر به أحد في الإقليم الفيدرالي هو ؛ كيف يكون هناك إقليم فيدرالي وهناك حكومة وحدة مركزية يقودها مجموعة من سياسي عقائد العصور الوسطى الذين لا يؤمنون بالفيدرالية ؟ . الفيدرالية نظرية حياة شاملة يُشارك فيها الجميع أي كل مكونات الشعب العراقي .. والفيدرالية نظام سياسي يتعارض وسلطة العائلة والعشير والرس (عربي ، كردي ..) والجندر (تسفيل منزلة المرأة وإعلاء من مقام الرجل) وعقيدي ديني (شيعي وسني وصابئي وزرادشتي ..)   ومن البديهي في الفكر السياسي في الشرق والغرب وحتى في جزر الوقواق إن الفيدرالية ضد الوحدة (فهي مع الشعب العراقي وضد الحديث عن وحدة الكرد والعرب والتركمان ..) . هذه هي الفيدرالية الحقيقية أما فيدراليتكم ياإخوان فهي مجرد لغو سياسي ..  

—————————————————————————————–

 تقديم :

   إن أهمية برودن في تاريخ الفكر عامة والمعاصر منه خاصة هو إنه أول فيلسوف أطلق على نفسه إصطلاح الإنراكي أي اللاسلطوي بصراحة وفخر بالرغم من حملة النقد والتحفظ التي شنها النقاد عليه ، وخصوصاً الذين كانوا ينتمون يومذاك إلى مدرسة تفكير الباخونينية الكروبوتكينية ، ونسبة إلى كل من الإنراكي الثوري الروسي ميخائيل الأسكندروف باخونين (1814 – 1876) وهو مؤسس الإنراكية الجماعية ورمز من الرموز الكبيرة التي أسست حركة الإنراكية الإشتراكية [1]. والأمير الإنراكي الثوري الروسي بوتير (أو بيتر) ألكسيفش كروبوتكين (1842 – 1921) وهو المدافع عن مجتمع شيوعي متحرر من أي شكل من أشكال الحكومة المركزية والذي يُدار من قبل مجموعة من العمال المتطوعين [2]. وبالطبع ليس فيه أي نوع من الدكتاتوريات حتى وإن كانت دكتاتورية البروليتاريا (الطبقة العاملة) .

وإن القارئ المتمعن في نصوص ماركس سيلحظ  ببساطة إن ماركس سيتخلى عن  دكتاتورية البروليتاريا عند عتبات الشيوعية وهي المرحلة التي ستشهد حسب التصور الماركسي تلاشي العائلة والدولة ومن ثم الدخول إلى المرحلة الإنراكية . والحقيقة إن ماركس لم يعترف بذلك صراحة وإن إعترف بها ضمناً . وهنا لاحظنا إن ماركس يتابع خُطى سيده بيير جوزيف برودن ، بل ويصبح واحداً من تلاميذه الإنراكيين . والشاهد على ذلك إن ماركس في المرحلة الشيوعية إنقلب على نفسه وراح يروج لصالح برودن ومجتمعه الإنراكي أي المجتمع اللاسلطوي وبلغة ماركس الفوضوي وهي التهمة التي بشر بها ضد برودن لسنيين .

  ونحسبُ إن هذه الجماعة من النقاد من إتباع الحركة الباخونينية الكروبتكينية ، قد ظلموا أنفسهم أولاً وظلموا باخونين وكروبتكين وبالطبع ظلموا الفيلسوف الإشتراكي اللاسلطوي برودن . فمن طرف إنهم ظلموا أنفسهم فقد كشفوا للقارئ الأكاديمي عن حقيقة معرفية ، وهي إنهم جاهلون ولم يقرأوا تراث ملهمي حركتهم الإنراكية ، وهما كل من باخونين وكروبتكين . وبذلك ظلموا كلاً من ملهميهما باخونين وكروبتكين . فمثلاً باخونينن قال بصراحة ” لقد نسى الأخرون سيدهم برودن ” ومن ثم أضاف ” والحقيقة إن برودن سيدنا جميعاً [3]. وإن سيرة كروبتكين الذاتية تُدلل على إن من أولى قراءاته كانت مؤلفات برودن [4]. كما وإنهم ظلموا برودن الذي أعلن عن نفسه بأنه أول إنراكي وقالها بكل زهو وفخر [5].

 ورأى الباحث الأكاديمي الكندي المعاصر ” جورج وودكوك ” (1912 – 1995)[6] وهو يتأمل في آراء هذه المجوعة من الباخونيين الكروبتكينيين الجدد ، إلى إنهم ” لم يقرأوا كتب برودن بعناية كافية ، وربما السبب إلى إنها لم تترجم إلى الإنكليزية يومذاك ” وعلى أساس هذا الإفتراض ، إنها (لو) إذا تُرجمت إلى الإنكليزية ” لأدركوا بأن معظم الأطراف الأساسية من تعاليمهم هي جزء من تفكير وكتابات برودن ” [7].

برودن وإنشاء الآدب الفلسفي السياسي الإنراكي

  لقد فات الباخونيين الكروبتكينيين الجدد  بأن نصوص ومؤلفات برودن تقدم الشواهد على حضور الحركة الإنراكية ومن ثم حضور الحركة الفيدرالية وذلك إعتقاداً بصدق إطروحة برودن القائلة ” إن الإنراكية قادتني إلى الفيدرالية ” . وهنا نعرض بعض من هذه الشواهد . فمثلاً في كتابه الذي حمل عنوان الفكرة الشاملة للثورة في القرن التاسع عشر [8]، قد صاغ أسس الإنراكية (الحركة اللاسلطوية) وهي العقائد الأساسية للتحرير حسب رؤية الفيلسوف الإشتراكي الفرنسي برودن . وبالطبع قد رفضها خُلفائه بحجة إنها غير واقعية وغيرعملية [9]. وكتاب الفكرة الشاملة هو من الكتب الإنجلية للحركة الإنراكية والذي جاء خلاصة لتأملات برودن لتجرية ثورة عام 1848 .

  وفعلاً فإن برودن إنتهى من كتابته ونشره عام 1851 . وهو في حقيقته مجموعة دراسات ، أهداها برودن إلى رجال الأعمال [10]، وهو بعنوانه إهداء وفي مضمونه فيه أطراف مما يشبه المدخل [11]. وهو كتاب في غاية الأهمية من طرف إنه ترك تأثيراً واسعاً على تاريخ الحركة اللاسلطوية . ومن طرف إنه حمل صياغة لأسس النظرية الإنراكية الراديكالية . ومن طرف ثالث إن فيها رؤية لمجتمع مثالي ، تتضمن مشروع تأمل لمحو الدول القومية والسلطات المركزية

  وبالمناسبة إن الباحث روبرت غراهام قد أعلن في بحثه الذي حمل عنوان ” الفكرة الشاملة لثورة برودن ” إلى إن كتاب برودن الفكرة الشاملة للثورة في القرن التاسع عشر ، هو واحد من النصوص ” في الآدب الإنراكي الكلاسيكي ” . وكتبه برودن بعد الثورة الفرنسية في عام 1848 . والذي صاغ فيه ” قواعد الليبرالية البديلة لحركة اليعاقبة [12]التي هيمنت يومذاك على كل من الحركات الجمهورية والثورية في فرنسا ” . وهذا الكتاب برأي غراهام يحمل ” ستراتيجية مفصلة للتغيير الثوري وبالرغم من تغافل الحكومة ، فإن هذا الكتاب قدم ” بديلاً إنراكياً (لاسلطوياً) و عرض نمطاً من الإعلام الإنراكي والذي بدأت تباشيره تشع كقوة واضحة في حركة اليسار ” . إضافة إلى ذلك فإن هذا الكتاب ” إحتوى على نقد للمجتمع القائم بما في ذلك مؤسساته وتقاليده ، وصاغ رؤية لمجتمع جديد ، ينهض على أسس المساوة والعدالة [13].

  تألف كتاب الفيلسوف الإنراكي (اللاسلطوي) برودن الثورة الشاملة في القرن التاسع عشر من سبعة دراسات وتوسعة (وكل منها كان بوزن فصل أو أكثر). وجاء بالشكل الآتي :

1 – الدراسة الأولى والتي كانت بعنوان رد الفعل سبب الثورة [14]. ولاحظنا إن فيلسوف الإنراكية (اللاسلطوية) برودن قد درس ثلاثة قضايا تُكون أطراف مهمة من أطراف الفلسفة الإنراكية وثورتها ضد النزعة السلطوية . فمثلاً في القضية الأولى درس سلطة الثورة [15]. بينما عالج في القضية الثانية موضوع التقدم المتوازي بين ” رد الفعل ” و ” الثورة ” ومنذ شباط [16]. في حين ركز بحث القضية الثالثة على ” ضعف رد الفعل ” ومن ثم ” إنتصار الثورة ” [17].

2 – الدراسة الثانية وجاء عنوانها على صيغة سؤال ومفاده ؛ هل توافر سبب كاف لقيام الثورة في القرن التاسع عشر ؟ [18]. وبحث برودن في هذه الدراسة ثلاث واجهات ، وهي ؛ قانون ميل المجتمع وثورة عام 1789 وإنجازها أهداف نصف الطريق فقط [19]. فوضى القوى الإقتصادية وميل المجتمع نحو معاقل الفقر [20]. وشذوذ الحكومة وميلها نحو الطغيان والفساد [21].

3 – الدراسة الثالثة وحملت عنوان مبدأ الترابط [22].

4 – الدراسة الرابعة والتي كانت بعنوان مبدأ السلطة [23].

5 – الدراسة الخامسة والتي إقترح لها برودن عنوان التصفية الإجتماعية [24].

6 – الدراسة السادسة وكانت بعنوان تنظيم القوى الإقتصادية [25].

7 – وحملت الدراسة السابعة عنواناً مُثيراً ، وهو إنهماك الحكومة في الإقتصاد [26].

8 – التوسعة وهو مضمار تم إضافته في نهاية تأليف الكتاب ، وهو نهج إتبعه بعض الكتاب . والحقيقة من الطرف الميثديولوجي ، لاحظنا إن هناك طريقيتين منهجيتين ؛ توسعة في المقدمة حيث يستفيض الباحث أو المؤلف في التفصيل فيها حيث يلقي الضوء على الأطراف التي يسرت وأعانت المؤلف على إيصال رسالته إلى القارئ وبصورة ملحة إحتاج إليها في منهج التأليف . في حين إعتاد بعض المؤلفين من مدارس مختلفة بالتوسع في الخاتمة وشرح الأطراف التي تحتاج إلى التوضيح والتفسير والتي تجاوزتها فصول أو أبواب الكتاب . فكان قلم الكاتب هنا يشبه ريشة الفنان يضيف بعض الألوان ليجعل من اللوحة أو الكتاب أكثر شروقاً وإشعاعاً بعد إدراك متأخر بوجود قصور إو مناطق معتمة تحتاج إلى شئ من التنوير والضوء وفراغات تتطلب ملئها بتفسيرات سريعة ومكثفة .

  وهكذا كانت هدف التوسعتين في بداية الكتاب أو في خاتمته .وهذا ما حدث في كتاب الفيلسوف الإنراكي برودن ؛ فكانت توسعة بدأ بها كتاب الفكرة الشاملة للثورة في القرن التاسع عشر والتي كانت بعنوان الإهداء ، وهو بالطبع ليس إهداء عادي وإنما شرح وتفصيل وعرض للأفكار إمتد لأكثر من أربعة صفحات . ومن ثم توسعة ثانية أعلن عنها برودن بصراحة وكانت خاتمة الكتاب وقال فيها ما أراد أن يبثه في نهاية الكتاب .

مبدأ الفدرالية وتقويم نقدي لسياسة الوحدة وصحافتها

 نحتفل بالرائعة الفلسفية السياسية التي كتبها الفيلسوف الإشتراكي الإنراكي (اللاسلطوي) الفرنسي بيير جوزيف برودن لأسباب عدة ، منها إنه يُصور لنا الفيدرالية شبيهة أوهي كما تصورها خيمة عربية مفتوحة في فضاء فرنسي (ويحتمل أن يكون فضاءً أوربياً) متنوع هذا من طرف . ونحتفل به من طرف آخر من زاوية ميثديولوجية حيث إن ريشته ويراعه نجحا نجاحاً عالياً في تحليل الأنظمة السياسية المختلفة في عصره ، وكان تحليله نقدي بنائي (تركيبي) . صحيح جداً إنه وقف في تحليله على جوهر وطبيعة الأنظمة السياسية المتنوعة التي ولدها العقل الفلسفي السياسي الأوربي ، من مثل النظام السياسي البطريركي (الأبوي) والمونراكي (الملكي) والبانراكي (الجمعي) والإنراكي (اللاسلطوي) والفيدرالي (الإتحادي) والشيوعي والديمقراطي .   

  كما ومن النافع الإشارة إلى إن النزعة الإنراكية (اللاسلطوية) هي التي قادت الفيلسوف الإشتراكي اللاسلطوي برودن إلى ضفاف الفدرالية (الإتحادية) . ففي نص بالغ الأهمية من نصوص كتابه الذي حمل عنوان مبدأ الفيدرالية (أو المبدأ الفيدرالي والحاجة إلى تجديد الحزب الثوري) [27]، لاحظنا إن برودن يُقدم لنا إفتراضه الخاص بالعلاقة بين الإنراكية والفيدرالية حيث يقول ؛ ” إذا بدأتُ الإنراكية في عام 1840، فإن النتيجة لنقدي لفكرة الحكومة ستقودني إلى محطتي الأخيرة وهي الفيدرالية ، وهي الأساس الضروري للشعوب الأوربية ، وأخيراً فإنها منظمة لكل الدول … وخصوصاً فإن النظام الجمهوري ينهض بصورة مباشرة على أسس من الحرية وضمير المواطن الإنراكي (أي حرية وضمير المواطن اللاسلطوي) ، مع غياب لكل القيود ، الشرطة ، السلطة ، القاضي ، الأنظمة إلخ ..وبالمقابل ستسود مجموعة من القيم الإشتراكية العالية ، وفيما وراء ذلك ستظهر الحكومة الإنسانية المثالية . وبالطبع سوف لا نكون هناك ، وقرون سوف تمر قبل إدراك هذا المثال ، إلا إن قانونا يسير بفعالية في هذا الإتجاه ، والنمو والتطور يسيران بلا توقف نحو الغاية ، ولهذا أنا مؤمن بمبدأ الفيدرالية [28]. وهذا الحال يقُودنا إلى الوقوف عند عتبات رائعته التي حملت عنوان مبدأ الفيدرالية . والحقيقة إن عنوان مبدأ الفيدرالية هو عنوان الجزء الأول من هذه الرائعة . أما عنوان الرائعة بأجزاءها الثلاثة ، فهو ” المبدأ الفيدرالي والحاجة إلى تجديد الحزب الثوري ” .  

ثلاثية برودن حول المبدأ الفيدرالي والحاجة إلى تجديد الحزب الثوري

   كتب برودن هذه الرائعة بالفرنسية في بداية الخمسينات ، ومن ثم ظهرت في عام 1863 في نشرتها الكاملة والتي تألفت من تصدير وثلاثة مجلدات أو أجزاء وخاتمة . والمجلد الأول وكان بعنوان مبدأ الفيدرالية ، وتكون من أحد عشر فصلاً . وهو مجلد تكويني إيجابي على العموم وإن كان فيه نقداً للإنظمة السياسية الأخرى من زاوية النظام السياسي الفيدرالي أو بلغة برودن من زاوية مبدأ الفيدرالية . أما المجلد الثاني وكان بعنوان سياسة الوحدة وتألف من أحد عشر فصلاً . في حين جاء المجلد الثالث بعنوان صحافة الوحدة وتكون من تسعة فصول . وعلى هذا الأساس نرى إن هذه الرائعة الفلسفية السياسية تكونت من مضمارين ؛ واحد بنائي تركيبي وهو المجلد الأول والخاص بمبدأ الفيدرالية . والثاني نقدي تقويمي (وفيه إمكانية للحديث عن نهج هدمي) وهذ شمل المجلد الثاني (سياسة الوحدة) والمجلد الثالث (صحافة الوحدة) .   

مبدأ الفيدرالية : مفهوم ضد الوحدة

   أعلن الفيلسوف الإشتراكي الإنراكي برودن في تصدير كتابه ” المبدأ الفيدرالي والحاجة إلى تجديد الحزب الثوري ” عن الإشكال السياسي الذي صاحب نشر مقاله مبدأ الفيدرالية بالإيطالية أولاً وخصوصاً ردود أفعال الحكومة البلجيكية وتصاعد درجة حرارة مخاوفه وهو عائد إلى فرنسا بعد أربعة سنوات من العيش في المنفى . فقال بصراحة ؛ ” بعد ما يُقارب أشهر معدودات من نشر مقالة لي في الصحف الإيطالية . وكانت فكرتي الأساسية هو دفاعي عن الفيدرالية ضد الوحدة ” . فإن الصحف البلجيكية إتهمتني بالترويج والتحريض على ضم بلدهم إلى فرنسا . وكنت حينها في حالة إستغراب وإندهاش كبيرين . وكان حالي هو عدم التصديق بما طرق سمعي ، ورد فعلي الأولي ، هو التساؤل عن المصادر التي وقفت وراء هذه الحملة الإعلامية المحمومة . ولحظتها شخص في ذهني سؤالان كبيران وهما ؛ هل هي مجرد هلوسة (أو هذيان) جماهيري ؟ أو هي مصيدة من الشرطة ؟ وكانت إستجابتي الأولية لهذا الفعل الإعلامي البلجيكي ، هو أن أتوجه بالسؤال إلى المنذرين والمحذرين ، وأطلب منهم الإجابة المحددة على سؤالي ، وهو ؛ هل إنهم قرأوا ما كتبت في الصحف الإيطالية حقاً ؟ وإذا كانوا جادون فيما يفعلون ، فالحقيقة هذا أمر فيه توبيخ لي . ولمعرفتي بالنهاية التي سيصل إليها هذا الجدل (القتال) ، فإنني لا أتعجل وأنا على إستعداد لإستثمار الوقت ونتائج العفو العام ومن ثم العودة من المنفى إلى فرنسا . وفعلاً فأنا لم أتسرع في الرد في هذا الظرف الصعب والذي جاء بعد فترة من النفي إمتدت لأكثر من أربعة سنوات . فقد كانت العودة إلى فرنسا هي هدفي الأول : وفعلاً فأنا أتحرك بسرعة فائقة [29].

  وبعودة برودن إلى أرض الوطن ، رأى وسمع ذريعة فرنسية مقابلة للتهمة البلجيكية ،  تُروجها الصحف وينشرها بحماس الإعلام الديمقراطي ، ومفادها كما يقول برودن ” إتهامي بالتخلي عن نهج الثورة . فتعالت بوجهي صراخات ودعوات محمومة تطالب وترفع شعار ” لا للضم ” . وكان حال برودن هو شعوره ” بأنه المرتد والخارج على القطيع ” . وفعلاً فإنه يعترف بحالة الإندهاش العالي التي فرضت سيطرتها عليه ، وبدأ يتساءل ؛ هل أنا إيمندوس[30] الذي نهض من كهفه بعد أن نام قرن من الزمن ؟ أو أنا بالصدفة لم أكن موجوداً على ديار الديمقراطية الفرنسية التي تسير في ظلال قيادة الليبرالية البلجيكية التي كابدت وعانت الكثير من النكوص والإرتداد [31].

  ومن ثم أدرك برودن ، إن الثورة الفيدرالية أو ضد الضم هي مجرد مفاهيم متنافرة خالية من أي توافق وإنسجام . ورغم ذلك أشار إلى إنها مفاهيم ” تستفزني وتحمل الجمهور على الإعتقاد بأنني تخليت من رسالتي ، وقمت بفعل إنشقاق من الحزب الذي كنت أنتمي إليه من قبل . وإن كان لا يتوافر لها معنى يُدلل على إنكار مبادئه ، ولكنه في ظل حرارة التوحيد كان يخون وطنه . حقيقة إن هذا الحال سبب لي الجنون . فأخذت أتساءل وأدقق مواقفي ؛ هل كل ذلك حدث دون معرفة مني ، وتحولت إلى إتجاه معارض ؟ ” .

 وجسد برودن حاله وحال فرنسا بفأرة لافونتين [32].

وهي (الفأرة) التي كانت تتوقع إن هناك شيئاً ما تحت نهاية الماكنة !

  ولذلك إحتكم برودن إلى العقل وقرر الإنتظار والتفكير في الوقت المناسب للرد ، وصرف بعض الوقت للملاحظة ومراقبة ما سيحدث . وبالطبع إن ثبات التفكير وتوافر القناعة الصلدة مع إلغاء العجلة هما السبيل السليم المؤدي إلى القرار القوي . ورأى إنه قبل القيام بأي فعل ، هو التأمل بمنهج واقعي ، كان حاصله مراجعة التاريخ والظروف التي ألمت به لترك فرنسا وإختيار المنفى ، فتذكر برودن إنه غادر فرنسا وهو في حالة غضب شديد هذا كل ما يتذكره ، ولذلك لاحظ إن الرجال الذين يعرفهم تحولوا إلى كائنات غريبة [33].

  وعلى أساس هذا الواقع ، أخذ برودن يرفع العديد من الأسئلة أمام ناظريه ، منها ؛ من هم اليوم الذين يُمثلون الشعب الفرنسي ؟ وماذا حدث للفئات المختلفة من الأصحاب ؟ وما هي الفكرة التي هيمنت على أرائهم ، وما هي أحلام الجمهور ؟ وإين هو الشعب الفرنسي ؟ ومن هو الذي يقودهم ويتبعوه ؟ وما هي قناعاتهم ؟ … ومن ثم تحول إلى الطبقة الوسطى والتي كان حسب رأيه يُطلق عليها مرة البرجوازية ، فهي اليوم لم تعد تحمل هذا الأسم … وإنتقل إلى الحكومة … والكنيسة والأحزاب ، والكنيسة والإمبراطورية ، والديمقراطية والحرية والمساواة وحق التصويت والإنتخابات .. والقومية والوحدة ، وعقل الدولة ، وما أسماهم بآلهة الديمقراطية ، والديمقراطية والصحافة ، والنقد والمناقشة . ومن ثم إنتهى إلى القول ” إنه لا عودة إلى حزب سقط في معاقل الرومانتيكية ، ولا لفلسفة قانون ستنتهي إلى الطغيان …” [34].

  ومن الناحية الميثديولوجية يمكن القول بأن المجلد أو الجزء الأول الذي حمل عنوان مبدأ الفيدرالية كان هو المعيار النقدي التقويمي للمجلدين أوالجزئين الآخرين ، وهما سياسة الوحدة وصحافة الوحدة . وعلى أساس هذا الفهم يصحُ الحديث عن المنظومة الفلسفية السياسية للفيلسوف الإشتراكي اللاسلطوي إلى إنها بدأت بالإنراكية وإنتهت بالفيدرالية ، وكان في الوقت ذاته الناقد العنيد للإنظمة السياسية الوحدوية وصحافتها الوحدوية ..  

تأمل حول مبدأ الفيدرالية

  تكون الجزء الأول والذي كان بعنوان مبدأ الفيدرالية[35] من أحد عشر فصلاً وعالج فيها أطراف متنوعة من فكرانيته للفيدرالية وواجهاتها المختلفة . فمثلاً لاحظنا إنه في الفصل الأول درس مفهوم الثنائية السياسية وبالتحديد من زاوية السلطة والحرية [36]. وعرض في الفصل الثاني تصميم أولي لنظام السلطة ونظام الحرية [37]. ومن ثم جاء الفصل الثالث وبعنوان أشكال وصور الحكومة [38]. وتلاه الفصل الرابع وبعنوان التحولات بين المبادئ : إصول التناقضات السياسية [39]. ومن ثم جاء الفصل الخامس وبعنوان في واقع الحكومات : الحل الإشتراكي [40]. ودرس في الفصل السادس المُشكل السياسي والذي كان بعنوان الموقف المبدئي من حل المُشكل السياسي [41]. وتبعه بمعالجة للمفهوم الفيدرالي والذي خص بها الفصل السابع والذي حمل عنوان ضوء على فكرة الفيدرالية [42]. وإشتغل في الفصل الثامن على موضوع الدستور والذي كان بعنوان وقفة عند عتبات الدستور التقدمي [43]. وعالج في الفصل التاسع طرف من أطراف الفيدرالية والذي كان بعنوان تأخير الفيدراليات : أسباب التأجيل [44].  ومن ثم بحث في المثالية السياسية والذي ركزه في الفصل العاشر والذي جاء بعنوان المثالية السياسية : نزعات الوحدة والضمان الفيدرالي [45]. وجاء مسك الختام الفصل الحادي عشر وبعنوان العقوبات الإقتصادية والفيدرالية الزراعية الصناعية [46].

الثنائية السياسية : السلطة والحرية

  درس برودن مفهوم الثنائية السياسية في إطار ميثديولوجيته في التناقض (لا تنسى بأن برودن هو رجل التناقضات) وفعلاً فقد بحث في الثنائية السياسية وهي معادلة طرفها الأول السلطة وطرفها المقابل الحرية ، وهما مفهومان في علاقة معارضة وإرتباط . كما إنه بحث

فيما تعنيه كلمة أو إصطلاح الفيدرالية أو الإتحادية . ويعتقد برودن إنها فكرة جديدة تدور حول نظرية النظام الفيدرالي . وهي على وجه العموم فكرة ترتبط إرتباطاً وثيقاً بالنظرية العامة للحكومات ، وإن الطرف الذي نحتفلُ به هو تشبيه برودن الفيدرالية بمأوى مماثل لخيمة العربي [47].  

  ومن ثم يُفصل برودن ، فيشيرُ إلى إن كل السياسات الدستورية ، وكل أنظمة الحكومات فيها أشياء ومفاهيم من الفيدرالية ، والتي من الممكن ردها إلى الصيغة القائلة ؛ موازنة السلطة عن طريق الحرية والعكس بالعكس . ويُقدم لنا شواهد تاريخية على تبني ” صيغة موازنة السلطة بالحرية.. ” والتي تصعد إلى اليونان وبالتحديد إلى تراث الفيلسوف اليوناني أرسطو [48]وكذلك في كتابات عدد آخر من الكتاب [49].

 ونحسب من خلال دراستنا للفكر الفلسفي السياسي اليوناني قبل سقراط وإعتماداً على أبحاثنا في أول موسوعة فلسفية تاريخية وصلت إلينا ، وهي موسوعة مؤرخ الفلسفة ديوجانس لارتيوس والتي حملت عنوان حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، نرى إن قضية الموازنة بين ” السلطة والحرية ” قد عرفتها التشريعات الدستورية منذ عصر سولون الحكيم (القرن السابع والسادس قبل الميلاد) أي قبل أرسطو بحدود الثلاثة قرون من الزمن على الأقل . وبذلك نُصحح رواية برودن التي توقف فيها عند كتابات الفيلسوف اليوناني آرسطو وندفع بها صعوداً إلى سولون الحكيم [50].

  وخلاصة القول هو إن نظرية الحكومة الفيدرالية أو الإتحادية هي الخيمة العربية (أنظر وصف برودن أعلاه) التي إحتضنت كل التناقضات في معادلة سياسية جديدة ، وفرت لها الحضانة والتعايش في إطار خيمة سياسية ، هي خيمة الفيدرالية [51]. ولعل واحد من الأمثلة الفلسفية – السياسية الدالة على منطق التناقضات الذي يتداوله برودن ، مثاله القائل ؛ ” السلطة ، والحرية ” هما فكرتان متعارضتان ، ” كُتب عليهما ليعيشا في حالة صراع أو يهلكان سوية [52]. ورغم هذا التصوير الروائي البرودني (نسبة إلى برودن) ، فهي واقع حي على الأقل في كتابات ونصوص الفيلسوف الإشتراكي اللاسلطوي بيير جوزيف برودن .

تصميم أولي للنظام السياسي للسلطة ونظام الحرية

  أشار برودن إلى إن هناك إثنين من المبادئ الأساسية لأية حكومة ، وبالطبع هما مبدئان متناقضان ؛ السلطة والحرية [53]. وبحكم رغبة العقل الإنساني والذي يتطلع إلى شد أفكاره سوية في تركيبة مبدأ واحد . فإنه خلال هذه العملية يجري فعل إستقصاء وطرد للمبادئ التي لا تتوافق وتنسجم وهذا المبدأ من طرف . ومن طرف آخر إستنباط نظامين مختلفين . ولعل الحاصل من ذلك إنتخاب المبدأين الأوليين ووفقاً لعملية التفضيل . أو إختيار مبدأ أولي واحد منهما وتفضيله على المبدأ الآخر : وهما خطة السلطة وخطة الحرية .

  ولذلك فإن الجماعة تتألف من أفراد ، وإن علاقة الفرد بالمجموعة يمكن تصورها في إطار وجهة نظر سياسية . وعلى هذا الأساس إن هناك أربعة طرق مختلفة ، وإن الحاصل منها أربعة أشكال من الحكومات [54]. وحسب مفهوم برودن إن لكل إثنين منهما خطة :

أ – خطة السلطة :

– حكومة الجميع يهيمن عليها حاكم واحد ، وهي أما ملكية أو بطريركية [55].

– حكومة وتُدار من قبل الجميع ، وهي أما بانراكية [56] أو شيوعية .

والصفة الأساس لمثل هذا النظام ، هو إنه في كلا النوعين فإن السلطة كتلة غير قابلة للإنقسام [57].

ب – خطة الحرية :

– حكومة للجميع وبمشاركة كل فرد ، الديمقراطية

– حكومة للكل وبمشاركة الكل ، وهي أما حكومة إنراكية (اللاسلطوية) أو حكومة ذاتية أي ذات نمط من الحكم الذاتي .

  وإن السمة الأساس لمثل هذا النظام من الحكم ، وبالطبع في كل من الإنراكية والحكم الذاتي ، هو تقسيم السلطة [58]. وعرض من الطرف الميثديولوجي ملاحظتين ؛

الأولى تحدث فيها برودن عن الحكومة الملكية ، ورأى إنها التعبير الأولي عن مبادئ السلطة وإستشهد بخطاب الفيلسوف والسياسي الفرنسي لويس دي بونالد (1754 – 1840)[59] والذي أشار إلى إنه ” من خلال سلطة الوالدين ، فإن العائلة هي جنين الملكية ” وإن الحكومات الأولى هي على العموم ” العوائل أو العشائر التي تحكم من خلال قائدها الطبيعي ، وهو أما الآب ، البطريرك ومن ثم في الأخير جاء الملك [60].

   ولاحظنا ونحن نقرأ نصوص برودن في مجلده الخاص بمبدأ الفيدرالية ، وبالتحديد في الفصل الثاني الذي حمل عنوان تصميم أولي للنظام السياسي للسلطة ونظام الحرية ، لاحظنا إنه تحت نظام الحكم الملكي ، يتحدث عن تطور الدولة في إطار طريقين ؛ الأول من خلال جيل طبيعي وعن طريق تكاثر العوائل ، وبالطبع القبائل والأجناس (الرس) . والثاني من خلال التبني وذلك يحدث عن طريق دمج العوائل طوعياً وبالقوة . وهذا الإندماج غالباً ما يحدث مع القبيلة الأم . ومن ثم يذكر برودن إلى إن هذا التطور للدولة الملكية قد يصل إلى ” أعداد هائلة قد تتعدى مئات الملايين والتي تدفعها إلى الإنتشار على مساحات من مئات الآلف من الكيلومترات المربعة ” [61].

  أما أنظمة الحكم من أمثال النظام السياسي البانراكي (نظام سياسي عفوي ليس للسلطة فيه أي أساس هرمي أو توزيع السلطة في منازل)  أو الجماعية ، فإن التحول إليها حدث طبيعياً بعد موت وتلاشي الملكية أو بموت رئيس البيت . وعلى أساس الفهم السياسي للنظام البانراكي فإن الشعب (أو مجتمع المواطنين) يتكون من الإخوان والأطفال والوالدين وبقية المشتركين في الملكية . والنظام البانراكي لا يعتمد على نظام الإنتخابات لأختيار رئيس أو قائد جديد . وهذا الشكل السياسي نادر وإن توافرت بعض الأمثلة عليه . والسلطة في هذا النظام تتمتع بوزن ثقيل . وإن النزعة الفردية هي الغالبة في هذا النظام مقارنة بالأنظمة الأخرى . ويعتقد برودن إنه من الصعوبة تبني هذا الشكل السياسي . إلا إنه لاحظ إن الجماعات الدينية هي الشكل الوحيد لهذا النظام ، وهو متوافر في كثير من البلدان والأديان ، وإنه ينزع إلى ” تدمير أو محق الحرية  ” ورغم ذلك فإن الفكرة هي ” فكرة قبلية أولية [62].

   ويستشهد برودن بفكرة الملكية للمقارنة ، ومن ثم يذهب معلقاً فيقول ” إن فكرة الملكية ستجد لها تضمينات في حكومات الواقع . وهذا ما ذكرناه على الأقل في هذا المقام “. فمثلاً إن الملكية تأسست بصورة طبيعية ، وهذا الواقع يُبرر فكرتها ، ومن ثم مشروعيتها وأخلاقيتها (وبالطبع هذا يشمل الشيوعية) . ولكن سنُلاحظ بأن هناك خطتين مختلفتين لهما وليس خطة واحدة . وبالرغم من إعتمادهما على معطيات واقعية (كونكريت) وطريقة أو منهج إستنباطي ، فإن ما بقى  منها ، هو مبدأ الصرامة الذي تتبعه وتسير بهديه . وهذ شاهد على صفاء و نقاء جوهرها ، وهكذا حُكم عليها أن تبقى دائماً مجرد ” فرضيات ” . والحق إنه رغم أصل الملكية ، هو أصل بطريركي ، وإن مزاجها هو مزاج هادئ ، والتعيين يجري بصورة مطلقة ، وإعتمادها على مبدأ الحق الإلهي لحكم المملكة والمجتمع على حد سواء . فإن المتولد من ذلك هو مفهوم الأمانة المتنامي بها [63].   

الثانية وجاءت على صيغة تساؤل ، وهو بالطبع سؤل مشروع ويدور حول ؛ كيف تتحول هذه الأنظمة الحكومية إلى حكومات ديمقراطية ؟ وكيف يكون التعبير عنها بمبدأ الحرية وبصورة عفوية ؟ في الواقع إن برودن هنا إستند إلى الفيلسوف جان جاك روسو والثورة الفرنسية نموذجاً ، وعلى هذا الأساس ذهب معلقاً ، فرأى إنه في الإمكان الإعتماد عليهما مصادراً في هذا الموضوع ، فالدولة تظهر منتوجاً (مصنعاً) وليس طبيعة عضوية . إلا إنها في الوقت ذاته طبيعة ذكية وذلك من طرف كونها روح [64].

  ومن ثم تحول برودن للحديث عن خطة أخرى تتطلع إلى ” تطوير الدولة ” ، فذهب إلى إن ذلك يحدث ” من خلال فعلين ، وهما الضم أو الحصول على عضوية جديدة . وفي هذا الحال يُفترض إن جميع المواطنين قد وقعوا على عقد الإنضمام أو على عقد الحصول على العضوية ” . وإنتقل برودن إلى مواقع وظروف الأجانب في الإنضمام ، فإعتقد إنها مرهونة بشرطين لا ثالث لهما ، وهما ” الحقوق والإمتيازات ” التي يتمتع بها المواطنون الأصليون . وتأمل في ظروف الدولة وخصوصاً إذا كانت تعمل بإتجاه الدخول في حرب وأثر ذلك على حقوق المواطنة فذهب إلى إن ” حال الدولة مثل حال الفاتح المفروض به أن يفتح الباب أمام سكان البلاد المفتوحة (المحتلة) ، ويمنحهم الحقوق ذاتها التي يتمتع بها المواطنون الأصليون ” شرط أن يتنازل مواطنو الدولة المفتوحة عن جنسيتهم الأصلية لقاء حصولهم على مواطنة جديدة [65].

  ولاحظنا إن برودن تداول إصطلاحاً سياسياً كان متداولاً خلال الإمبراطورية الرومانية ، وهو باليونانية ” آيسانومي ” ويعني ” تساوي الحقوق السياسية [66]. وهذا القانون يشمل أطفال الدول المفتوحة (المحتلة) ، فإنهم يصبحون مواطنون بعد أدائهم يمين المواطنة . ومن المتعارف عليه في الحضارة الرومانية إن أطفال المملكة هم مواطنون بالولادة ، كما هو الحال في مجتمع رجل التشريع الأسبرطي ليكروجس الإسبرطي (تقريباً عاش 800 – 730ق.م) [67]، ومجتمع إفلاطون (428 – 347ق.م) [68]. وإن الأطفال في كل من مجتمع ليكروجس الأسبرطي وفي مجتمع جمهورية إفلاطون فإنهم ينتمون إلى الدولة [69]. ومن ثم تحول برودن للحديث عن المجتمع الديمقراطي ومكانة المواطن فيه ، فرأى إن المواطن سيكون عضواً في المجتمع الديمقراطي ، وفي المجتمع الديمقراطي يكون جميع المواطنيين متساويين أمام القانون بغض النظر عن جوهر الطيبة والبراءة ، وبالطبع في المجتمع الديمقراطي تجري الإنتخابات بنهج ليبرالي (حر) [70].

  وأفرد برودن نصوصاً تحدث فيها عن السلطة وهي فعل من أفعال الإرادة ، ورسم دوره في عملية الضم وصعوداً من القاع الإجتماعي حيث السقف الأرحب الذي تستظل به العائلة ومن ثم الإرتقاء إلى الفضاء الأوسع حيث المحافظة . ولعل الوحدة الأساس هي العائلة ، ومن ثم تأتي المدينة (وهي مجموعة عوائل) ، وتتبعها صعوداً المحافظة (أو المنطقة) [71]. وإن نصوص برودن تتحمل الحديث عن المحافظة بأنها مجموعة مدن . كما وإن الحرية هي المبدأ ونسغ الحياة الدائم الذي يُغذي هذه الوحدات الثلاثية ويُقدم في الوقت ذاته فهماً لحركتها وعلاقة كل وحدة منها بالوحدات الأوسع والأكثر شمولاً .

 وإقترح بأن هناك خطين من التطور في الأنظمة السياسية ، وهما خطان متعارضان ؛ الأول خط تطوري للدولة السلطوية وقدم أمثلة دالة عليها ، وهي السلطة البطريركية (الآبوية) أو السلطة الشيوعية . والثاني خط تطوري لكل من الدولة الليبرالية والدولة التعاقدية (دولة تنهض على العقد) والدولة الديمقراطية . ورأى إنه لا يوجد مانع طبيعي يُقف توسع وإمتداد النظام الملكي وذلك لأن مثل هذا النظام متوافر على الدوام في حياة الكثير من الأمم والشعوب وعلى هذا الأساس تحدث عن فكرة الملكية العالمية (وهي فكرة متسورة بعقيدي مسيحي ويهودي ..) . ومن ثم أشار إلى إنه لا يتوافر الكثير من الموانع الطبيعية أمام فكرة توسيع دولة الديمقراطية والتي تحمل المتأمل على إمكانية الحديث عن فكرة جمهورية عالمية أو فكرة نهوض دولة ديمقراطية عالمية (شاملة) [72].

  ومن ثم عاد الفيلسوف الإشتراكي الإنراكي (اللاسلطوي) برودن إلى النظر والتأمل في واقع الحكومات ، فلاحظ إن هناك تنوع ليبرالي مُلفت للنظر ، فقال مدافعاً عن النظام الإنراكي (اللاسلطوي) من بين أنظمة الحكومات الآخرى ؛ ” لقد ذكرت إن الإنراكية أو حكومة تحكم نفسها بنفسها والتي يُطلق عليها بالإنكليزية الحكومة الذاتية [73]. صحيح إن تعبير الحكومة الإنراكية (أو بالعربية الحكومة اللاسلطوية والتي تُرجمت وتم تداولها أكاديمياً وفي دوائر الثقافة الإعلامية مع الإسف بإصطلاح الفوضوية وذلك لأغراض التشويش السياسي) يتضمن التناقض ، وقد يبدو نظاماً من المستحيل تحقيقه أو ربما هو فكرة سخيفة (بالطبع هذه وجهات النقاد من معسكرات اليمين واليسار) . ولكن مفهوم الإنراكية في إطاره السياسي ، وعلى حد تعبير برودن ” هو مفهوم عقلاني وإيجابي أكثر من غيره من المفاهيم السياسية الأخرى . وفي أدائه الوظيفي فإنه يُخفض الوظائف الصناعية ، ويحول النظام الإشتراكي إلى نظام تحويل وتبادل . وإن كل فرد في النظام الإنراكي ممكن أن يتحدث عن نفسه حاكماً مطلقاً بذاته . وبالطبع هذا النظام من الحكم هو نظام سياسي مُعارض للنظام الملكي المطلق [74].

تعقيب ختامي :

  وفي الختام قارن برودن أولاً بين النظام الحكومي الملكي وبين النظام الحكومي الشيوعي . وبالطبع النظام الملكي نظام عاشته الشعوب والأمم ويرتبط بتاريخ ضارب بجذوره العميقة في مضمار الحضارات وعبر العصور . أما النظام الشيوعي فكان حتى عصر برودن نظام سياسي مأمول وظل مجرد حلم في كتابات الفلاسفة والطوباويين فقط [75]. ومن ثم قارن برودن ثانياً بين النظام الديمقراطي وبين النظام الإنراكي . وراجع برودن بنظرة ميثديولوجية هذه الأنظمة السياسية الأربعة من زاوية تقويمية نقدية وبلغة مكثفة شديدة ، فذهب مثلاً وهو يُدقق ويقوم النظامين الملكي والشيوعي ، فرأى إنهما مرتبطان بطبيعتهما وعقلانيتهما ، وإن شرعيتهما وأخلاقيتهما ينهضان على طبيعة كل منهما . إلا إنه أثار السؤال حول دقة ودرجة نقاء مفاهيهمهما (أي مفهوم الملكية والشيوعية) ودرجة صرامتها . وإن نقد وتقويم برودن شمل كل من النظام الديمقراطي والإنراكي ، فرأى ” إنه رغم الإغراء العارم الذي يلف مفهوم الحرية ، فإنه لم تتحقق لفكرة النظام الديمقراطي والنظام الإنراكي سلامة وأمانة كافيان ، كما ولم تتحقق نجاحات واسعة لهما في أرجاء من المعمورة ” [76].

——————————————————————-

الهوامش    

 – جاء باخونين من عائلة نبيلة حيث كانت عائلة والده تمتلك على 500 من العبيد الرقيق ، ووالده كان دبلوماسياً وهو أصغر ملحق في السفارة [1]

الروسية يومذاك . عمل والد باخونين وعاش لسنوات عديدة في كل من فلورنسا ونابولي الإيطاليتين . ومن ثم عاد إلى روسيا في عمر الأربعين وتزوج من فتاخ في الثامنة عشرة وأنجبت له خمسة بنات وخمسة أولاد وكان البكر من بينهم الفيلسوف ميخائيل باخونين . وبعد تدريب عسكري مبكر وخدمة في بولندا ، فقد كان الفتى باخونين شاهد على المعاملة السيئة للحكومة القيصرية الروسية للشعب البولندي ولذلك أعلن عن إمتعاضه الشديد من هذه المعاملة ولأسباب صحية ترك الخدمة العسكرية وتوجه إلى موسكو لدراسة الفلسفة وهذا مؤشر مبكر على كره باخونين للحكومة المركزية وبذور أولية للنزعة الإنراكية (اللاسلطوية) . ومن الملاحظ إن باخونين منذ ذلك الوقت أصبح من المناصرين لتحرير بولندا والشعب البولندي . وفي موسكو إرتبط بمجموعة من طلاب الجامعة السابقين ، والذي تحلقوا حول الشاعر نيكولاي ستانكفيش (1813 – 1840) وبدأ بدراسة منظمة للفلسفة المثالية وخصوصاً فلسفة كانط وشيلنج وفيختة وهيجل . ومن ثم كون حلقة فلسفية تلتقي في بيته . وترجم في وقت مبكر كتاب فيختة بعنوان بعض المحاضرات .. ومع ستانكفيش قرأ غوتة وشيلر وهوفمان . ورحل باخونين إلى برلين واًصبح بروفسوراً وهناك قابل الهيجلين الشباب وإرتبط بهم ، وإنتمى إلى الحركة الإشتراكية ببرلين . وأصبح صديقاً للهيجلي الشاب إرنولد روج (1802 – 1880) وأصبح من نقاد الماركسية وخصوصاً مفهوم دكتاتورية البروليتارية وترك أثراً واضحاً على نعوم شومسكي … من أهم مؤلفات باخونين ؛ الدولوية (من الدولة) والإنراكية (اللاسلطوية) والذي كتبه عام 1873 وهو من أعماله الكبيرة التي كتبها بالروسية ، والله والدولة (1882) وترجم إلى الإنكليزية عام 1883 ، للتفاصيل أنظر : بول ماكلكين ؛ ميخائيل باخونين ؛ الأسس الفلسفية لنزعته اللاسلطوية ، دار نشر الكورا ، نيويورك 2002 .

 – جاء الأمير بوتير الكسيفش كروبتكين من عائلة إرستقراطية عالية تنتمي إلى طبقة الأمراء ، وهو جغرافي وإقتصادي وفيلسوف إنراكي روسي [2]

وكان والده أميراً يملك أراضي واسعة في ثلاثة محافضات وعدد من العبيد بحدود 1200 من عبيد الأرض . وبتأثير التعاليم الجمهورية فإن كروبتكين في عمر الثانية عشرة تنازل عن لقب الأمير وحتى إنه كان يوبخ أصدقائه عندما ينسبون لقب الإمارة إليه . وفي عام 1857 وكان عمره أربعة عشرة ربيعاً دخل مع 150 فتى وأغلبهم من أبناء الحاشية القيصرية الأكاديمية العسكرية في سانت يطرسبيرك . ونحتفل باللاسلطوي بكروبتكين لكونه بدأ قراءاته ، بقراءة أعمال الإنراكي الفرنسي بيير جوزيف برودن إضافة إلى قراءة بعض المفكرين السياسيين من أمثال جون ستيوارت مل وألأب الروحي للإشتراكية الروسية الكسندر هيرزن (1812 – 1870) ومزج كل ذلك بتجربته مع فلاحي البساتين في سيبريا ، والتي قادته إلى أن يعلن عن نفسه إنراكياً وبالتحديد في عام 1872 . وبعد إستقالته من الجيش ، فإن والده حرمه من الميراث ، فتركه ” أميراً لا حول له ولا قوة ” . ومن ثم إنضم باخونين إلى الحزب الثوري ورفض العرض بالعودة إلى سانت بطرسبيرك . وبعودته إلى روسيا قام بنشر الأفكار الثورية بين فلاحي البساتين والعمال . وفي عام 1874 تم إعتقاله وسجن في معتقل حامية بيتر وبول وذلك لنشاطاته السياسية .. وبسبب خلفيته الإستقراطية فقد مُنح إمتياز خاص وذلك بالسماح له بالإستمرار في عمله الجغرافي وهو في السجن . إلا إنه تمكن من الفرار من السجن بمساعدة أصدقائه وركب البحر وفر إلى إنكلترا ومن ثم إلى سويسرا ورحل إلى باريس وفي عام 1877 ساعد على تأسيس الحركة الإشتراكية . وعاد إلى سويسرا وفي عام 1878 أسس صحيفة جورا الإتحادية الثورية كما نشر العديد من الكتيبات الثورية . وبعد إغتيال القيصر تم طرده من سويسرا فذهب إلى لندن وحضر مؤتمر الإنراكية في لندن وبالتحديد في 14 تموز 1881 . وإختلف مع إجندا المؤتمر وعاد إلى فرنسا فإعتقلته الحكومة الفرنسية وسجن لمدة خمس سنوات . وبدعوة من الصحفية البريطانية الإنراكية شارلوت ويلسن (1854 – 1944) أسس معها صحيفة الحرية عام 1886 والتي لازالت مستمرة حتى هذا اليوم . وفي عام 1917 عاد إلى روسيا خلال ثورة شباط وإستقيل لإستقبال الأبطال وعرضت عليه وزارة التربية ، فرفض العرض إعتقاده بتعارضه مع مبادئه الإنراكية (اللاسلطوية) . من أهم كتاباته ؛ المساعدة التعاونية : عامل النشوء عام 1902 ، والسيطرة على الخبز وكتبه بالرنسية ونشر في باريس عام 1892 … للتفاصيل أنظر : جورج وودكوك وإيفان إيفوكفيش ؛ الأمير الإنراكي (اللاسلطوي) : دراسة في سيرة بيتر كروبوتكين الذاتية ، لندن 1950 .   

 – أنظر المحور المعنون ” برودن : الأب الروحي لحركة الإنراكية (اللاسلطوية) ” . [3]

 – أنظر الهامش رقم 3 من هذه الكتاب . [4]

 – أنظر : مارك لير ؛ باخونين : الحب الخلاق ، مطبعة القصص السبعة 2006 ، ص 211 . [5]

 – هو البروفسور جورج وودكوك ، وهو شاعر وكاتب كندي في التاريخ ، وهو كاتب سير ذاتية سياسية . وإضافة إلى ذلك هو مفكر إنراكي وكاتب  [6]

مقالات في النقد الأدبي . نشر البروفسور وودكوك العديد من المجلدات في آدب الرحلات . وفي عام 1959 أسس مجلة الآداب الكندية ، وهو مشهور في العالم بكتابه الذي حمل عنوان الإنراكية : تاريخ الأفكار والحركات التحررية ، والذي صدر عام 1962 ، وكتابه القارئ الإنراكي عام 1977 ، وكتابه برودن : السيرة الذاتية ، وليم جودوين (1756 – 1836) وهو أول مؤيد للإنراكية في العالم الناطق بالإنكليزية ، وأوسكار وايلد (1854 – 1900) والأمير الإنراكي بيتر بروبتكين .. ومن أولى مؤلفات البروفسور وودكوك ، مجموعة شعرية بعنوان الجزيرة البيضاء عام 1940 ، وتلاه رائعته الإنراكية أو الفوضى عام 1944 … للتفاصيل أنظر مثلاً : جون روبرت كولمبو ؛ مؤسسي الأدب الكندي ، دار نشر دوندرن 1984 .

 – جورج وودكوك ؛ بيير جوزيف برودن : سيرة ذاتية ، دار كتب الوردة السوداء ، نيويورك 1987 ، المقدمة الشخصية ، ص 14 .[7]

 – أنظر : بيير جوزيف برودن ؛ الفكرة الشاملة للثورة في القرن التاسع عشر ، دار نشر كورير 2013 (تألف من 304 صفحة) . [8]

 – أنظر : جورد وودكوك ؛ المصدر السابق . [9]

 – أنظر ؛ بيير جوزيف برودن ؛ الفكرة الشاملة للثورة في القرن التاسع عشر ، ترجمة جون بيفرلي روبنسن ، نشرة دار دوفر 2013 ، ص ص [10]

5 – 9 . والحقيقة إن الطبعة الأولى لهذا الكتاب المترجم إلى اللغة الإنكليزية ظهرت عام 1923 (دار الحرية ، لندن ) .  

 – وبعد الإهداء يأتي عنوان الكتاب ويتبعه ما يشبه المقدمة . (أنظر ص ص 11 وما بعد) . [11]

 – حركة اليعاقبة أو النادي اليعقوبي هما تجمعات سياسية ومن ثم تحولت إلى إصطلاحات سياسية شاع تداولها خلال الثورة الفرنسية وبالتحديد  [12]

خلال الفترة من 1789 وحتى 1799 وذلك لوصف أعضاء النادي اليعقوبي . وهو حركة ثورية سياسية ومن أشهر النوادي السياسية للثورة الفرنسية … واليوم يُطلق إصطلاح اليعاقبة واليعقوبي للدلالة على معاني متنوعة . فمثلاً يُطلق في بريطانيا للإشارة إلى الجماعات الراديكالية أو الجناح السياسي في السياسات الثورية وخاصة عندما يُصاحبها عقائد ثابتة وعنف وقمع إرهابي .. وفي فرنسا إن إصطلاح اليعاقبة يُشار به إلى المتحمس إلى الدولة الجمهورية ، وسلطة حكومية قوية .. ويوصف ويُشار به على المناصر والمؤيد للنظام التربوي الحكومي الذي يُعزز القيم المدنية . وكذلك يُطلق على المناصر للدولة القومية القوية والتي تُقاوم وتعارض المؤثرات الأجنبية الوافدة .. للتفاصيل أنظر : توني جودث ؛ الماركسية واليسار الفرنسي : دراسات حول العمل والسياسات الفرنسية ، مطبعة جامعة نيويورك 2011 .  

 – روبرت غراهام ؛ الفكرة الشاملة لثورة برودن ، مركز البحث حول تاريخ ونظرية الإنراكية / الأرشيف الإنراكي (أون لاين) وهو بحث واسع .[13]

 – أنظر : بيير جوزيف برودن ؛ الفكرة الشاملة للثورة في القرن التاسع عشر ، ترجمة جون بيفرلي روبنسن (مصدر سابق) ، ص ص 13 – [14]

39 .  

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 13 – 18 .[15]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 19 – 30 .[16]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 31 – 39 . [17]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 40 – 74 . [18]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 40 – 45 .[19]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 46 – 58 .[20]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 59 – 74 .[21]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 75 – 99 . [22]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 100 – 169 . [23]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 170 – 204 . [24]

 – أنظر : المصدر السابق ، ص ص 205 – 239 . [25]

 – أنظر: المصدر السابق ، ص ص 240 – 287 . [26]

 – أنظر : بيير جوزيف برودن ؛ مبدأ الفيدرالية (أو المبدأ الفيدرالي والحاجة إلى تجديد الحزب الثوري) ، الناشر أدورد دنتو (النص الإنكليزي) [27]

1863 (أون لاين) .

 – نقلاً عن جورج وودكوك ؛ المصدر السابق ، المقدمة ، ص 16 . [28]

 – بيير جوزيف برودن ؛ مبدأ الفيدرالية ، التصدير . [29]

 – إيمندوس الكريتي (عاش ما بين القرنين السابع والسادس قبل الميلاد) ، وهو متنبئ وشاعر فيلسوف يوناني . وهو شخصية نصف إسطورية [30]

ويُنقل عنه إنه بينما كان يرعى مجموعة من خراف والده ، فإن النعاس أخذه ونام بعمق لفترة إمتدت سبع وخمسين سنة في كهف كريتون المقدس للإله زيوس . وقيل بعدما أفاق جاء بنعمة الوحي والنبؤة على حد رواية ديوجانس لارتيوس (الكتاب الأول ، الفقرات 109 – 115) . وإلشاعر الفيلسوف إيمندوس مشهور بمعارضاته التي يُرجح الأكاديميون إنها نُسبت إليه في فترة لاحقة . ونحسب إن معارضات إيمندوس كانت مصدراً من مصادر معارضات (أو تناقضات) برودن . وهكذا مسكنا بمصدر من مصادر تفكير وميثديولوجيا برودن .للتفاصيل أنظر : أندري زيكوف ؛ نشاطات إيمندوس في أسبارطة ، مجلة التاريخ القديم ، موسكو 2002 ، العدد 4 ، ص ص 110 – 130 (ملخص بالإنكليزية) .

 – بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق .[31]

 – وهي حكايات تصعد إلى القرن السابع عشر وفيها دلالة على تفضيل حياة الريف على حياة المدينة . ولا تنسى إن برودن من عائلة فلاحية تمتلك[32]

بساتين العنب ويعملون حرفيين …

 – أنظر : بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق .[33]

 – أنظر المصدر السابق . [34]

 – أنظر : بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق ، الجزء الأول .  [35]

 – أنظر المصدر السابق ، الجزء الأول ، الفصل الأول . [36]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل الثاني . [37]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل الثالث . [38]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل الرابع . [39]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل الخامس .  [40]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل السادس . [41]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل السابع . [42]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل الثامن . [43]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل التاسع . [44]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل العاشر . [45]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل الحادي عشر . [46]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل الأول . [47]

 – ترك لنا أرسطو العديد من الروائع الفلسفية السياسية ، منها حقيقي ومنها منسوب وتدور حول نسبتها إليه أراء متنازعة . فمن الثابت إن رائعته [48]

الفلسفية السياسية والتي حملت عنوان السياسة أو سياسات أرسطو هي من الروائع  التي تركها لنا أرسطو . وهي بحث في الفلسفة السياسية . وتألفت هذه الرائعة الفلسفية من ثمانية كتب . ولاحظنا إن أرسطو عالج في الكتاب الأول طبيعة المجتمعات وخلص إلى أفضلها وهي المجتمعات السياسية . كما ردد في هذا الكتاب عبارته الشهيرة ” الإنسان حيوان سياسي ” . وتأمل في الكتاب الثاني في واقع الأنظمة السياسية وأفضلها . ووقف عند عتبات رائعتي إفلاطون السياسيتين ؛ وهما الجمهورية والقوانين ، ودقق في الأنظمة السياسية لكل من سبارطه وكريت وقرطاج .ودرس في الكتاب الثالث شخصية المواطن ، وأنواع الدساتير ، وتوزيع السلظ السياسية ، وأنواع الملكية . وتحدث عن الحكومة المطلقة ، والدكتاتور والدكتاتورية والطغيان والطغاة . وناقش في الكتاب الرابع مهمة النظرية السياسية ، ومن ثم تساءل ؛ لماذا هناك دساتير متعددة ، وإنماط من الديمقراطية ، وأنواع من الحكومات الأوليغراشية (حكومات الأقلية) ؟ والحكومات المثالية برأي أرسطو هي الحكومة الدستورية . والموضوع الرئيس للكتاب السادس ، هو التغييرات الدستورية ، والمحافظة على الدساتير . ولفت الإنتباه إلى إن أنظمة الطغيان هي أنظمة غير مستقرة . وكرس الكتاب السادس على دراسة نوعين من الدساتير ؛ الدساتير الديمقراطية ودساتير الأوليغراشية . ودرس في الكتاب السابع الدولة الأفضل والحياة الأفضل ، والدولة المثالية وبالتحديد من طرف سكانها وجغرافيتها . وسلط الضوء على مواطني الدولة المثالية ، والزواج والأطفال . أما الكتاب الثامن فخص به أرسطو التربية في الدولة المثالية . أنظر : ماري نيكولاس ؛ المواطنون ورجال الدولة : دراسة في سياسات أرسطو (بالإنكليزية) ، دار نشر رومان وليتلفيلد 1992 . وكذلك : بيتر سمبسون ؛ شرح فلسفي على سياسات أرسطو ، مطبعة جامعة كرولينا الشمالية 1998 .

ولعل من الكتب المهمة التي تُنسب إلى أرسطو في مضمار السياسي ، الكتاب الذي حمل عنوان دستور أثينا . وهو في ترجيح أغلب الأكاديميين الغربيين ، إنه من نتاج مدرسة أرسطو . وإن كتابته تمت تحت إشراف أرسطو . ولاحظنا إن هناك من يرى إن كتاب دستور أثينا هو من نتاج خلفائه على مدرسته اللقيون . والكتاب تألف من نصين ، وإن واحداً منهما فإن هناك إحتمال إن أرسطو أو أحد من طلابه قد كتبه . أما الثاني فيُنسب إلى أكسنوفان الأثيني (403 – 354ق.م) وهو تلميذ الفلسوف اليوناني سقراط (469 – 399ق.م) . وإعتماداً على رواية مؤرخ الفلسفة اليونانية ديوجانس لارتيوس (إزدهر في القرن الثالث الميلادي) ، فإن أرسطو إختار مجموعة من طلابه لإعداد نصه . والواقع إن دستور أثينا هو موسوعة دستورية ، فقد تألف من 158 دستوراً للمدن اليونانية ومن ضمنها دستور أثينا … أنظر : بيتر جون رودس ؛ شرح على الدستور الأثيني لأرسطو (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1981 .

 – أنظر بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق .[49]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تأمل في الخطابات السياسية لسولون الحكيم ، موقع الفيلسوف ، 4 مايو 2013 . [50]

 – بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق . [51]

 – المصدر السابق . [52]

 – أنظر المصدر السابق ، الفصل الثاني . [53]

 – أنظر المصدر السابق . [54]

 – الحكومة البطريركية وهي الحكومة الأبوية . وبطريرك جاءت من الكلمة اليونانية باتريكا والتي تعني ” الأب ” أو ” رئيس عشيرة أو عائلة ” .[55]

ونحسبُ إن الدلالة الأوسع جاءت من الأب . وعلى هذا الأساس جرى الحديث في الأدب السياسي عن النظام البطريركي أي النظام الأبوي . وإن بعده التاريخي يصعد إلى النبي إبراهيم ، فهو أول من حصل على لقب الأب وبالإعتماد على نصوص الكتب السماوية والتي ذكرت إلى إن إبراهيم هو أب لشعوب عديدة (سفر التكوين 17 : 4) وإشارة إلى أولاد يعقوب الإثنا عشر .. ومن ثم أضيف إليها خصائص كتابية ، فمثلاً رؤساء القبائل هم إثنا عشر بطريركاً . وتشير الإنسكلوبيديا الكاثوليكية إلى أن المسيحية إستعارت إصطلاح البطريرك من العبرية . وبعد ذلك أصبح إصطلاح البطريرك له معنى تقني وعنوان وظيفي ، وتحول إلى معنى تشريفي واسع لا حدود له … للتفاصيل أنظر : الإنسكلوبيديا الكاثوليكية ، شركة روبرت أبليتون ، نيويورك 2015 .  

 – الحكومة البانراكية وهي شكل من الحكومات لا أساس هرمي (هايراركي) لها . وإصطلاح بانراكي هو في الأصل حد مفهومي صاغه لأول  [56]

الفيلسوف ورجل الإقتصاد وعالم النبات البلجيكي بول أميل بايدت (1810 – 1891) وبالتحديد صاغه عام 1860 ، وكان يقصد به ” شكل محدد من أشكال الحكومات ” وفيه حق للفرد في إختيار أي شكل من أشكال الحكم دون أن يقع تحت تأثير سلطة أو قوة تأمره بالخضوع والتحول من مكانه ووضعه الحالي . وذكر معجم أكسفورد بعض الأسماء لهذا الإصطلاح ، وذهب إلى إنها على الأغلب تحمل معاني ذات طبيعة شعرية ، وتعني ” المجال الكوني ” وقد تم إقتباسه عام 1848 من قبل الشاعر الإنكليزي فيلب جيمس بايلي (1816 – 1902) . وفي القرن العشرين تم إعادة صياغة الحد بانراكي من قبل عدد من الأكاديميين العاملين في مضمار العلاقات الدولية وذلك لوصف مفهوم الحكم العالمي . ومن ثم قام عدد من المنظرين في الأنظمة السياسية ، بوصفه بأنه نظام لا ينهض على أساس هرمي (هايراركي) . وبالطبع يُعرف في مضمار السياسة الدولية بالنظام السياسي  اللاهرمي … أنظر : جيمس سيول ومارك سلبتر ؛ بانراكي ومعايير أخرى للحكومات العالمية ، دورية الحكومة العالمية ، المجلد الأول ، العدد الثالث 1995 ، ص ص 373 – 382 .   

 – أنظر : بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق .[57]

 – أنظر المصدر السابق . [58]

 – جاء السياسي والفيلسوف الفرنسي لويس دي بونالد من عائلة نبيلة عريقة تسكن في جنوب فرنسا . درس في كلية جولي وهي مؤسسة تربوية [59]

شاملة تبدأ من الروضة وحتى الجامعة ، ودخلها بونالد وكان عمره خمسة عشر ربيعاً . وبعد التخرج والعمل في وظائف مختلفة ، تم إنتخابه محافظاً لمينة مييو وبالتحديد في عام 1785 وكان عمره ثلاثين عاماً . ومن ثم أعيد إنتخابه محافظاً للمرة الثانية ، ومن ثم إنتخب عضواً ورئيساً للجمعية الوطنية . والمشهور عن السياسي دي بونالد ، إنه معارض كبير للثورة الفرنسية ، وعقيدته السياسية مزيج من الملكية والكاثوليكية . وهو صوت قوي مدافع عن عودة الملكية . ومن الملاحظ إنه في العديد من مؤلفاته هاجم إعلان حقوق الإنسان ، والعقد الإجتماعي لجان جاك روسو ، والأفكار الإشتراكية وسياسات الثورة الفرنسية … وبسبب ظروف فرنسا إستقال من الجمعية ورحل مع ولديه إلى هيدلبيرك (ألمانيا) خوفاً من الإنتقام . وجلب معه إلى هيدلبيرك العديد من المجلدات ، ومن ثم بدأ الكتابة . ومن أهم المصادر التي كونت إصولاً فكرية لكتاباته ، كل من مؤلفات السنتور والمؤرخ الروماني تاسيتس (حوالي 58 – 120م) والتاريخ العالمي للكاتب الفرنسي جاك بنيني بوست (1627 – 1704) ، وردخ القوانين لمونتسكيو ، والعقد الإجتماعي لجان جاك روسو . ومن أهم مؤلفات دي بونالد ؛ نظرية السلطة الدينية والسياسية (1796) ، ونظرية التربية الإجتماعية (1796) ، مقالة تحليلية للقوانين الطبيعية والنظام الإجتماعي (1800) ، والطلاق (1801) ، والتشريع البدائي (3 مجلدات) عام 1802 ومن المسيحية والمسيحية (1825) ، ومن العائلة الفلاحية والعائلة الصناعية (1826) .. أنظر : جين باستير (المشرف والناشر) ؛ لويس دي بونالد : تأملات حول ثورة تموز 1830 وقضايا آخرى ، دار البتروز 1988 .

 – بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق . [60]

 – المصدر السابق . [61]

 – المصدر السابق .[62]

إن حد أو مفهوم أولي هو مفهوم فلسفي وإبستمولوجي على وجه الدقة ، ويعني أولي أو قبلي . وفي تاريخ الفلسفة ونظرية المعرفة دائماً يجري الحديث عن نوعين من الحدود أو المفاهيم ؛ أولاً الحدود الأولية القبلية والتي يُقابلها بالإنكليزية الصفة بروير والتي تعني السابقة على التجربة (وبالطبع يشمل القضايا وبذلك نستطيع الحديث عن قضايا أولية قبلية أو تحليلية) . وثانياً الحدود البعدية والتي يُقابلها بالإنكليزية الصفة بوستروير والتي تعتمد على التجربة والمشاهدة (وبالطبع ممكن الحديث عن القضايا التركيبية) . وعلى أساس الأولي والبعدي نميز بين نوعين المعرفة ؛ المعرفة الأولية السابقة على التجربة والتي تشمل العلوم الرياضية والمنطقية والفيزياء النظرية … ومعرفة تجريبية (بعدية) وتشمل جميع علوم الفيزياء التطبيقية والكيمياء والبايولوجيا … ولعل من الأمثلة التي نستشهد بها الفيلسوف اليوناني إفلاطون وتلميذه أرسطو ، وعالم الهندسة اليوناني إقليدس وكتابه إصول الهندسة والذي تأثر في بناء نظامه الهندسي بل وإحتذى طريقة أرسطو المنطقية (أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الأثر المنطقي لأرسطو على هندسة إقليدس ، مجلة آداب الرافدين (مجلة أكاديمية محكمة) ، كلية الآداب – جامعة الموصل ، العدد 11 سنة 1979 ، ص ص 117 – 150 . وفي تاريخ الفلسفة الحديثة الفيلسوف الإنكليزي التجريبي جون لوك ، وإنتخب الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط  منهجا نقدياً للعقلية والتجريبية الكلاسيكيتين وكون موقفاً نقدياً يتوسط بينهما وفيه أشياء من العقلية (الرياضيات خصوصاً) وفيه أشياء من التجريبية . ولذلك عُرفت فلسفة كانط وإبستمولوجيته ” بفلسفة وإبستمولوجيا نقدية” وعلى هذا الأساس إشتهر كانط بالقضية التحليلية التركيبية وهي موديلاً تتحقق فيها شروط االعلوم الرياضية (وعلم المنطق خصوصاً) وعلوم التجريب   … للتفاصيل أنظر : بروس رسل ؛ التبرير الأولي ونظرية المعرفة ، منشور في إنسكلوبيديا سانفورد (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة سانفورد 2007 (أون لاين) . 

 – أنظر : بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق .[63]

 – المصدر السابق . [64]

 – المصدر السابق .[65]

 – إيسانومي إصطلاح سياسي جاء من كلمة إيسوس وتعني المساواة ونوموس ويعني قانون ، فهي كلمة مركبة تعني قانون المساواة . وقد  [66]

تداولها كل من مؤرخي اليونان ؛ هيرودتس (عاش تقريباً 484 – 425 ق.م) وثوسيديدس (460 – 400 ق.م) ومن ثم كاد ينطمر هذا الإصطلاح السياسي . إلا إن اإنكليز بثوا الروح فيه من جديد ن وأطلقوا على إصطلاح إيسانومي قانون المساواة ” … للتفاصيل أنظر : موكنز هرمان هانسن ؛ الديمقراطية الآثينية في عصر رجل الدولة ديموستيني (382 – 322ق.م) :التركيب والمبادئ والأيديولوجيا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أوكلاهوما 1991 (تألف من 447 صفحة) .

 – يعتمد الباحثون الأكاديميون الغربيون اليوم في الكتابة عن ليكروجس الإسبرطي على موسوعة المؤرخ وكاتب السير اليوناني بلوتارك     [67]

والمشهور باللغة العربية بإسم فلوطرخس (46 – 127م) ، والتي حملت عنوان حياة النبلاء اليونان والرومان أو حياة التوازي وجزء منه حياة ليكروجس . وكتبه فلوطرخس في نهايات القرن الأول الميلادي . وضاعت أجزاء من هذه الموسوعة وبقيت منها ثلاث وعشرين زوجاً من السير الذاتية . وكل زوج يتألف من سيرة يونانية وسيرة رومانية . وليكروجس هو المشرع الإسبراطي الإسطوري والذي أسس دولة ومجتمع إسبارطه العسكريين وذلك إستجابة لنبؤة وحي الإله أبولو في معبد دلفي … للتفاصيل أنظر : دبليو ج . فورست ؛ تاريخ إسبارطه 950 – 192ق.م ، نيويورك 1963 .  

 – كتب الفيلسوف اليوناني إفلاطون العديد من المحاورات الفلسفية وكانت محاورة الجمهورية واحدة من روائعه الفلسفية السياسية والتي  كتبها [68]

حوالي عام 380ق.م ، وتألفت من عشرة كتب . وهي من محاورات المرحلة السقراطية من تاريخ تطور فلسفة إفلاطون . وسقراط هو المحاور الرئيس ويحيط به صحبة من الأثينيين والأجانب . والذين تطلعوا إلى مناقشة معنى العدالة ، وهل إن الإنسان العادل هو الإنسان الأكثر سعادة من الإنسان غير العادل ؟  وعرض فيها إفلاطون على لسان سقراط تعريفاً لمفهوم العدالة والنظام ، وخصائص الدولة العادلة والإنسان العادل وشخصية الحاكم العادل أو الملك الفيلسوف أو الفيلسوف الملك ، وأنواع الأنظمة السياسية من مثل الأوليغراشية والديمقراطية والطاغية .. وعالج فيها نظرية المثل ومن خلال إمثولة الكهف .. ومن هذا الطرف نتفهم السبب الذي حمل مؤرخو الفلسفة اليونانية على تداول عنوان بديل عن عنوانها الحقيقي ، فأطلقوا عليها ” حول العدالة ” . وهي من أهم أعمال إفلاطون ونالت شهرة واسعة وتركت أثاراً عميقة في تاريخ الفلسفة والنظرية السياسية على حد سواء .. للتفاصيل أنظر : ج . أر . أف . فرير (المشرف) ؛ صُحبة كيمبريدج إلى جمهورية إفلاطون (صحبة كيمبريدج إلى الفلسفة) كتاب أكاديمي جماعي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2007 (تألف من 562 صفحة) .   

 – بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق . [69]

– أنظر المصدر السابق . [70]

 – أنظر المصدر السابق . [71]

 – أنظر المصدر السابق . [72]

 – المصدر السابق . [73]

 – المصدر السابق . [74]

 – والحق إن تاريخ الفلسفة اليونانية قد حفظ مشروعاً فلسفياً سياساً شيوعياً مبكراً في واحدة من محاورات الفيلسوف اليوناني إفلاطون . وفعلاً [75]

فقد صاغ فيها لأول مرة في تاريخ البشرية أول نظام ومجتمع سياسي شيوعي ، وبالتحديد في محاورة الجمهورية . والواقع إن إفلاطون لم يقف عند عتبات التفكير وفعل الإنشاء الفلسفي ، بل تخطى هذه المرحلة وعمل بجد من خلال إتصالاته برجالات السياسة في عصره وذلك بهدف ترجمة مشروعه الفلسفي – السياسي إلى واقع معيوش . وفعلاً فقد دعاه حاكم سرقاسطة ديونسيوس الأول للقدوم والمباشرة بتنفيذ مشروعه الفلسفي وخصوصاً إن إفلاطون كان معلماً لديون وهو أخ زوجة الطاغية .. وفعلاً ذهب إفلاطون ولكن الأوضاع السياسية يومذاك وعلاقة إفلاطون بديون وشكوك الطاغية من مؤامرة تحاك ضده ، حملته على نفي ديون وإلقاء القبض على إفلاطون وبيع في أسواق العبيد وتم شراء إفلاطون وتحريره وتكررت الدعوات من قبل ديون بالقدوم حين مات الطاغية وصعد إلى العرش إبنه ديونسيوس الثاني …وفعلاً فقد تم التلميح عن شخصية ديون في محاورة الجمهورية … وهذه قصة ذات تفاصيل متشعبة … للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ إفلاطون مؤرخاً للفلسفة اليونانية (بحث واسع نُشر في حلقات) ، المحور المعنون رحلات إفلاطون العلمية / الرحلة إلى سيسلي (صقلية) والتجارب السياسية المؤلمة ، موقع الفيلسوف ، 5 سبتمبر 2011 .   

 – بيير جوزيف برودن ؛ المصدر السابق . [76]

——————————————————————————————-

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

الفيلسوف الإشتراكي الفرنسي اللاسلطوي بيير جوزيف برودن والدراسة في أكاديمية بيزنسون

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مجلة فلسفية إلكترونية

———————————————————————————-

Pierre – Joseph Proudhon

 His Study at Besancon Acadmy in Paris 

Dr. MOHAMAD FARHAN , PHILOSOPHER

الفيلسوف الإشتراكي الإنراكي بيير جوزيف برودن

والدراسة في أكاديمية بيزنسون – باريس  

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————————-

تقديم :

   يُعدُ هذا البحث من الأبحاث الرائدة في المنظومة الفلسفية والإقتصادية الإشتراكية للفيلسوف الفرنسي الإنراكي (اللاسلطوي) بيير جوزيف برودن (1809 – 1865) . وهو صديق لكل من الفيلسوف الألماني والإقتصادي السلطوي كارل ماركس (1818 – 1883) والفيلسوف والإقتصادي السلطوي فردريك إنجلز (1820 – 1895) خصوصاً في فترة إقامة ماركس في فرنسا وزيارات إنجلز المتكررة له حين قدومه من بريطانيا . وكل هذا صحيح ولكن تبدل الحال ودارت عقارب الساعة بحساب متواليات هندسية وذلك عندما يأس ماركس من إحتواء برودن وضمه تحت مظلته الماركسية فكان الحاصل نشوب خلاف بين الطرفين وتطور من طرف ماركس إلى حد كسر العظم وخصوصاً بعد إن  نشر برودن روائعه الإقتصادية الثلاث عامة وبالتخصيص الرائعة التي سببت كسر العظم وهي فلسفة البؤس ، وهذه  الروائع الإقتصادية البرودنية (نسبة إلى بيير جوزيف برودن) جاءت بالصورة الآتية :

الأولى – بعنوان ما هي الملكية ؟ أو بحث في مبدأ الحق والحكومة والتي نشرها عام 1840 والتي قال فيها بصراحة شعاره الذائع الصيت ” الملكية سرقة ” وهو الشعار الذي سيردده الماركسيون على الدوام ، ونسوا أو تناسوا شخصية قائله برودن وهو مسجل ومؤرخ في كتابه أعلاه .

الثانية – بعنوان تحذير إلى رجال الأملاك حول الملكية والتي نشرها عام 1841 .

الثالثة – وبالطبع هي سبب الخلاف والتي جاءت بعنوان تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة البؤس والتي نشرها عام 1846 .

   ولاحظنا إن ماركس غضب غضباً شديداً على  كتاب برودن الأخير فلسفة البؤس وكتب رداً غاضباً عليه في عام 1847 أي بعد أقل من سنة من صدور كتاب برودن وبعنوان بؤس الفلسفة وظهر قسم منه في زمن برودن وماركس . وشكل كتاب ماركس بؤس الفلسفة بداية تاريخية صعبة حين نتحدث عنها في إطار المأزق بين حركتين إشتراكيتين ؛ حركة إشتراكية الأحرار (اللاسلطوية) وحركة الإشتراكية الماركسية (السلطوية) أو بين الإشتراكية الإنراكية (اللاسلطوية) والشيوعية التي بدأت نشاطها بعد موت برودن عام 1865 ويومها لم ينشر ماركس رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي .

  وبعد وفاة ماركس بأكثر من عقدين من الزمن نشرت إبنة ماركس لورا (1845 – 1911) كتاب بؤس الفلسفة بصورته المتداولة . ومثلما نجح ماركس في إحتواء أنجلز فقد فشل فشلاً ذريعاً في إحتواء برودن  .  وبينما رفض برودن الخضوع فإن أنجلز سلم بطريق الإلتحام بالماركسية وأصبح جزءاً منها بالرغم من إن إنجلز كان متقدماً على ماركس في الكتابة والإنشاء في مضمار نقد الإقتصاد السياسي وهو العنوان الفرعي لكتاب ماركس رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . كما وإن إنجلز نشر كتابه عن شروط الطبقة العاملة في إنكلترا في عام 1844 أو 1845 وقبل أن ينشر ماركس شيئاً عن الطبقة العاملة بل إن ماركس بعد خمس سنوات من نشر إنجلز لكتابه عن الطبقة العاملة في إنكلترا ، نشر ماركس كتابه عن الطبقة العاملة في فرنسا وبالتحديد في عام 1850  . وبالمناسبة إن إنجلز هو الذي أقنع ماركس بقبول فكرة قيادة الطبقة العاملة [1].

برودن والسنة الأكاديمية الأولى : المشرف والفصول الدراسية

  وصل برودن إلى باريس في خريف عام 1838 وذلك ليبدأ مباشرة الإتصال بالمشرف على دراساته في أكاديمية بيزنسون في باريس ، والبروفسور جوزيف دروز (1773 – 1850) هو الذي تم إنتخابه وتسميته مشرفاً على برودن من قبل أكاديمية بيزنسون . ومن المعروف إن دروز كان يتسم بنهج الإعتدال ويتمتع بالأمانة وكتب العديد من المقالات في فن الخطابة وفن[2] الحياة السعيدة [3]. والأكاديمي دروز هو في الأصل كاتب في الأخلاق والعلم السياسي والإقتصاد السياسي . وهو بالطبع من مدينة بيزنسون وكانت دراسته الأولى في مضمار الأبحاث التشريعية والتي قادته إلى باريس .

   كما كانت للبروفسور دروز علاقة  بالشاعر وكاتب الدراما الفرنسي جين فرنسيس ديوكس (1733 – 1816) [4]ومع الطبيب الفيلسوف المادي بيير جين كابينس (1757 – 1808) [5] والأخير مهتم بالإقتصاد والزراعة والإقتصاد الريفي . وبالمناسبة فإن كابينس كان مُلهماً بالفيلسوف الإنكليزي جون لوك (1632 – 1704) . وكلاهما (أي ديوكس وكابينس) شجعا صديقهما دروز على الكتابة والتأليف . وفعلاً فقد كتب ونشر روايته الأولى والتي كانت بعنوان لينا وكان عملاً فيه أشياء من الإبداع [6] جذبت أنظار الناقد الأدبي شارلز بوف (1804 – 1869) [7]والذي رحب بهذه الرواية . إلا إن الرواية تعرضت للمنع بعد نشرها . وتحول دروز للعمل في أعمال إدارية ومن ثم عاد إلى الكتابة وعمل في عدد من المجلات ، وبدأها بنشر مقالته التي جاءت بعنوان في مدح مونتاني (1533 – 1597) وبالتحديد في عام 1812[8] ، وتلاها كتابه دراسات في الفنون الجميلة[9] ، وجاء بعدها كتابه مذكرات جاك فوفيل : رواية [10]. ومن ثم تبعها عمله الذي جاء بعنوان الفلسفة الأخلاقية أو أنظمة مختلفة في علوم الحياة[11] ، والذي حصل عن طريقها على جائزة البارون مونتاني الخيرية –  جامعة بيزنسون عام 1823. ومن بعدها وبالتحديد في عام 1824 حصل دروز على الموافقة للدراسة في الأكاديمية الفرنسية [12]. ومن ثم نشر في عام 1824 كتابه ضد الشاعر والروائي والكاتب المسرحي الفونس دي لامارتين (1790 – 1869) . وفي عام 1832 كتب ونشر عملين مهمين جداً خصوصاً في إهتمامات طالبه بيير جوزيف برودن الأكاديمية والبحثية وهما ؛ الأول جاء بعنوان إختبارات جديدة للآخلاق في السياسة . والثاني والأكثر أهمية وكان بعنوان تطبيقات إقتصادية أو المبادئ العلمية للثروة [13]. وكذلك نشر كتابه أفكار حول المسيحية ، الدليل وحقيقتها [14]، ومن ثم جاء كتابه الذي كان بعنوان إعترافات فيلسوف مسيحي [15].

  وكل هذا التراث كان متوافراً أما أنظار برودن تلميذ أكاديمية بيزنسون وبحضور مشرفه البروفسور جوزيف دروز . وفعلاً فإن حكاية الأستاذ دروز وتلميذه برودن تبدأ فصولها الأولى

بوصول برودن إلى عتبات الأكاديمية وإتصاله بالمشرف جوزيف دروز . ومعها بدأت فصول جديدة من حياة الأكاديمي برودن وبالطبع سيحاول فيها نشر مؤلفاته وهذا مبحث تناولناه تحت مضمار كتابات ومؤلفات بيير برودن .

  وبالمناسبة إن المشرف دروز قد وصف تلميذه برودن بأنه ” رجل المعارضات (أو التناقضات) ” وكان عمر برودن يومذاك ” تسع وعشرين سنة ” . ولاحظنا إن الأكاديمي دروز إعتاد على اللقاء بتلميذه برودن مرتين في الإسبوع خلال هذ السنة . ويبدو إن هذا اللقاء الأكاديمي حكمه إتفاق بين الإستاذ المشرف دروز والتلميذ برودن وبالتحديد في ضبط وتنيظم العلاقة بينهما ، وهو أساس يقوم على ” قبول عدم الإتفاق في وجهات النظر ” وخصوصاً فيما يتعلق بطبيعة وأهمية اللنكوستيكا والفلسفة ” . ورغم هذا المبدأ فإن علاقتهما قد تعرضت إلى التصدع ومن ثم التمزق بعد إن أقدم برودن على نشر كتابه الأول والذي حمل عنوان ما هي الملكية ؟ عام 1840 [16].

   ومن المفيد أن نشير إلى إن برودن خلال الشهور العشرة الأولى من منحته الدراسية في الأكاديمية ، وبالتحديد من 11 نوفمبر 1838 وحتى بواكير سبتمبر 1839 بدأ يركز بصورة رئيسية على قراءاته المركزة في الببلوغرافيا وفي غرفته مع حضور بعض الفصول الدراسية في الأدب والفلسفة والتاريخ . وكان حينها برودن ينتقد بشدة طريقة الأساتذة في التدريس ونزعتهم الدائمة في مدح بعضهم البعض . إلا إنه لم يفكر على الإطلاق بالتخلى عن حضور محاضراتهم أو يفكر بهجرها .

  وكان برودن يومها مواكباً على حضور خمسة فصول دراسية والتي في الأمكان عرضها  بالصورة الآتية :

أولاً – الفصل الدراسي الذي قدمه جين فيلبرت داميرون (1794 – 1862) وهو بروفسور تاريخ الفلسفة الحديثة [17]. ونُرجح إن البروفسور داميرون قد بث الكثير من المصادر إلى برودن وطلاب دفعته وذلك من خلال محاضراته  أو ربما من خلال فترات الإستراحات والحوارات التي كانت تمتد بعض الأحيان إلى خارج مضمار الفلسفة الحديثة [18]. إذ من المعروف إن البروفسور داميرون قد درس تحت إشراف كل من الباحث الأكاديمي والمستشرق يوجين بورنوف (1801 – 1852) وهو باحث متخصص باللغة الفارسية القديمة والمخطوطات الزرادشتية والتي تُعرف بالأبستاق[19] وكذلك المتخصص باللغة السنسكرتية والمخطوطات البوذية الخاصة بعبادة كريشنا [20]. ودرس تحت إشراف بروفسور التاريخ الحديث أبيل فرانسوا فاليمين (1790 – 1870) وكان فاليمين بروفسوراً في السوربون ومن أهم مؤلفاته التي نشرها مبكراً (عام 1819) كتابه عن القائد السياسي البريطاني أوليفر كرومويل (1599 – 1658) وكتابه الذي حمل عنوان فصل في الأدب الفرنسي (خمسة مجلدات ظهرت عامي 1828 – 1829) [21]. ودرس تحت إشراف الفيلسوف الفرنسي فيكتور كوزين (1792 – 1867) وهو من المعاصرين للإشتراكي برودن ومات بعده بسنتين . ومن طرف كوزين فإنه درس فلسفة كانط وفردريك جاكوبي (1743 – 1819) كما ودرس فلسفة الطبيعة عند شلنج ، وصرف شهراً معه ومع جاكوبي وتعمقا في فلسفة الطبيعة . وذهب إلى ألمانيا لمقابلة هيجل وتعمقت صداقتهما . وإشتهر كوزين بنزعته الفلسفية الإنتخابية . ونشر العديد من المؤلفات منها كتابه شذرات فلسفية ، وجاء بعده كتابه فلسفة جون لوك ، ونشر أعمال الفيلسوف الإفلاطوني المحدث بروقلس والتي تكونت من ستة مجلدات ، ومن ثم نشر أعمال ديكارت ، وأعمال إفلاطون في ثلاثة عشر مجلداً وغيرها .. [22].

  ومن المحتمل إنه من خلال هذا الثلاثي الفلسفي والذي ضم كل من بورنوف وفاليمين وكوزين نزل الكثير إلى تلميذهما داميرون وإنتقل من خلال محاضراته ومؤلفاته إلى التلميذ برودن . ومن طرف مؤلفات داميرون والتي نُرجح إن طالب الأكاديمية القراء الباحث برودن قد إطلع عليها بشكل وآخر هي عبارة عن إعادة تفسير لأعمال بعض الفلاسفة الفرنسيين . والشاهد على ذلك هو إن مؤلفات داميرون قامت بنشر مجموعة أعمال الفيلسوف الفرنسي ثيودور سايمون جيوفري (1796 – 1842) والتي كانت بعنوان مجموعة من الأعمال الفلسفية لجيوفري 1842 مع ملاحظة للمؤلف والتي حاول داميرون تلطيفها وحذف بعض التعابير التي تداولها جيوفري . وأعمال جيوفري تُعارض نظام التعليم الذي تبنته جامعة السوربون كما وإن هذه المقالة سببت جدلاً مريراً وواسعاً يومذاك .

  وكذلك نُرجح إن برودن قرأ كتاب الفيلسوف والإقتصادي السياسي الفرنسي بيير ليروكس (1797 – 1871) والذي كان بعنوان تشويه مخطوطات جيوفري 1843 ومقاله الذي حمل عنوان تاريخ الفلسفة الفرنسية في القرن التاسع عشر 1828 إضافة إلى مقاله الذي جاء بعنوان تاريخ الفلسفة الفرنسية في القرن السابع عشر1846 ومن ثم كتابه الذي كان على صورة مذكرات والذي كان بعنوان في تاريخ الفلسفة الفرنسية في القرن الثامن عشر (1858 – 1864) . وعلى هذا الأساس يمكن القول إن كل هذا التراث إضافة إلى محاضرات ومناقشات الفصل الدراسي الذي يديره الفيلسوف داميرون كانت أمام أنظار الباحث الأكاديمي برودن وموضوع تأملاته [23].

ثانياً –  الفصل الدراسي الذي قدمه إيتني فاشروت بروفسور تاريخ الفلسفة القديمة [24]. ويومها لم ينشر بعد الأستاذ فاشروت كتابه الممتاز تاريخ نقدي لمدرسة الإسكندرية . وسيأتي نشره بعد تخرج برودن وعلى الأقل المجلد الأول بأربع سنوات والمجلدين الأخرين ما بين سبع وعشرة سنوات . ولاحظنا إن  البروفسور الفرنسي إيتني فاشروت (1809 – 1897) هو من جيل برودن وهذا الأمر يُقدم لنا فهماً للحساسية والندية التي وضعت التلميذ المتفرد برودن في مواجهة مع أساتذته خفية في أغلب الأحيان ومعلنة في أحيان قليلة . والسبب إنهم من جيل واحد وهو تلميذ لهم وإن برودن بزهم وصعد إلى الطوابق العالية من البحث  . إضافة إلى إنه رهن جُل حياته إلى الدراسة وبدأ ينشر مؤلفاته وهو طالب في الأكاديمية . درس إيتني فاشروت تحت إشراف الفيلسوف الفرنسي فيكتور كوزين ومن ثم خلفه في موقعه الأكاديمي في السوربون [25].

  ولد إيتني فاشروت في أحضان عائلة فلاحية مثله مثل الإشتراكي الإنراكي برودن . ومن ثم درس في الكلية الفرنسية ، وعاد منها ليشغل وبالتحديد عام 1838 درجة المشرف (المدير) على الدراسات . وبعد سنوات من التعليم في المحافظات تمكن عام 1839 من خلافة أستاذه كوزين وأصبح بروفسوراً للفلسفة في السوربون . ومن أعماله الأولى كتابه الذي حمل عنوان تاريخ نقدي لمدرسة الإسكندرية ، وظهر بثلاثة مجلدات وفي الفترة ما بين 1846 –  1851 . والذي حقق سمعة وشهرة عالية . ومن خلال البحث وجدنا إن كتاب تاريخ نقدي لمدرسة الإسكندرية هو واحد من ثلاثة كتب أولى ألفها البروفسور فاشروت إلا إنه لم يكن الكتاب الأول . وإنما كان ترتيبه الكتاب الثالث . أما الكتاب الأول فقد صدر عام 1836 وكان بعنوان نظرية آرسطو في المبادئ الأولى [26]. في حين نشر الكتاب الثاني في عام 1836 كذلك وكان بعنوان حول سلطة العقل وفقاً لإعتبارات القديس أنسلم (1033 – 1109) . والحقيقة إن كلاهما كانا مشروعان أكاديميين أنجزهما فاشروت للحصول على درجة الدكتوراه في الفلسفة [27].

   وللتدليل على الندية والحساسية بين الإستاذ فاشروت والتلميذ برودن ، نحسب من المفيد أن نشير إلى إن برودن نشر على الأقل ثلاثة روائع إقتصادية قبل أستاذه فاشروت ، وهم كل من ما هي الملكية ؟ أو بحث في مبدأ الحق والحكومة والتي نشرها عام 1840، وتحذير إلى رجال الأملاك حول الملكية والتي نشرها عام 1841(كلاهما نشرهما خلال دراسته طالباً في الأكاديمية) وتناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة البؤس والتي نشرها عام 1846(هذا الكتاب ذكرناه للمقارنة بين مانشره الإستاذ ومانشره التلميذ فقط) [28].

  ولاحظنا إنه بعد صدور رائعة الأستاذ فاشروت الأكاديمية تاريخ نقدي لمدرسة الإسكندرية ، بدأ رجال الدين بحملة هجوم منظمة عليه وعلى رائعته وكان الحاصل من ذلك إنهم تمكنوا في عام 1851من إيقافه من العمل الأكاديمي . فكان هذا فعلهم أما إستجابته فجاءت برفض أداء يمين الولاء للحكومة الجديدة ، فكانت حجتهم هذه سبب مشروع لطرده من العمل الأكاديمي . ومن ثم أقدم في عام 1859 (وفي إطار الفعل ورد الفعل) على نشر رائعته الجديدة وبعنوان الديمقراطية [29]، فأقاموا الحجة عليه وأصدروا عليه الحكم بالسجن لمدة سنة واحدة ومن ثم خُفضت إلى ثلاثة أشهر .

  وبعد ذلك وبالتحديد في 7 آذار 1868 تم إنتخابه عضواً في أكاديمية العلوم الأخلاقية والسياسية ، وليحل محل أستاذه فيكتور كوزين . والحقيقة إن هذه الأكاديمية هي واحدة من الأكاديميات الفرنسية الخمسة في فرنسا . وتلاها صعود آخر فأصبح عضواً في الجمعية الوطنية . ومن طرف الحديث عن التحولات الدراماتيكية في حياة البروفسور والفيلسوف إيتني فاشروت وجدنا إنه  كان خلال الخمسينات والستينات من القرن التاسع عشر مفكراً حراً ، إلا إنه في نهاية حياته أعلن صراحة عن ندمه بعد نمو النزعة الإلحادية والنزعات المضادة لرجال الدين ولذلك جاء رد فعل فاشروت بالعودة إلى الوراء حيث مرابض الكاثوليكية والملكية [30]. وهكذا فاز برسوم وشعائر كاثوليكية واعدة ربما ستُقام على جنازته وقبره بعد موته .

  وإستكمالاً لأطراف هذا البحث نقوم بإلقاء الضوء على المصادر التي نشرها الفيلسوف فاشروت وهو الأستاذ أولاً والفيلسوف المعاصر للتلمليذ برودن ثانياً . ولهذا نحسبُ إن هناك إحتمال عال يُرجح إن التلميذ ومن ثم الفيلسوف الند برودن قد قرأ بعض منها على الأقل أو إطلع عليها بصورة وآخرى . وهذه المصادر شملت المؤلفات الآتية ؛ الميتافيزيقا والعلم وهو كتاب ضخم حيث تألف من ثلاثة مجلدات ، ونشره عام 1858[31] ، ومقالات في الفلسفة النقدية[32] ، والدين[33] ، والعلم والوعي[34] ، والسياسة الخارجية والجمهورية[35] ، والنزعة الروحانية الجديدة [36] ، والديمقراطية الليبرالية [37]. ومن أشهر مقالاته المتأخرة ، مقالته النقدية والتي هزت كل الفرضيات حول تراجعه إلى الكاثوليكية والتي حملت عنواناً مثيراً وله دلالات وكشوف عن إن الرجل قادم على الموت ولكنه غير مطمأن على الناس من المؤسسة الدينية ورموزها ، فجاء المقال بعنوان البابا السياسي ، والذي نشره قبل وفاته بثلاث سنوات [38].          

ثالثاً – الفصل الدراسي الذي قدمه أم . جيروسيز ، بروفسور الأدب والذي تعلم منه برودن أشياء عن الفيلسوف الفرنسي باسكال (1623 – 1662) والفيلسوف الفرنسي جين برويير (1645 – 1696) ومولير (وهو إسم قلمي للكاتب جين بابتست ) (1622 – 1673) والشاعر الفرنسي جين لا فونتين (1621 – 1695) [39]. ولعل أهمية البروفسور جيروسيز تعود إلى إنه فتح أذهان تلميذه برودن على مؤلفات وكتابات هذا الرباعي المؤثر في الحياة العقلية والثقافية الفرنسية ، والتي تشربها أولاً من خلال محاضرات الإستاذ جيروسيز أولاً ومن ثم من خلال قراءاته اللاحقة . وإن الحاصل من دروس الأستاذ جيروسيز هو إننا مسكنا بمصادر إضافية نزلت من القرن السابع عشر والتي كان لها بالطبع التأثير الواضح على تكوين ذهنية برودن ومن خلالها تسربت إلى كتاباته ونصوصه حيث كونت نسيجاً عضوياً ظل يُغذي منظومته الفكرية حتى النفس الأخير واللحظة النهائية من عمله الإنشائي وحركة يراعه .

  ونحسبُ إن البداية وقفة عند عتبات الفيلسوف الفرنسي باسكال ، ونسعى إلى التعريف به مصدراً من مصادر الفيلسوف الإشتراكي الإنراكي برودن . وإعتماداً على إعتراف برودن بنفسه بأن الأستاذ جيروسيز ومحاضراته هي التي عرفته بالفيلسوف باسكال [40]. والفيلسوف بليز باسكال هو عالم فيزياء ورياضيات وهذا كله مهم إلا إننا لاحظنا إن تأثيره على برودن جاء من خلال أطراف متنوعة ، منها دور باسكال في تطوير الإقتصاد الحديث والفكر الإجتماعي . ومنها في نقد الفكر الديني  وتحت إسم مؤلف مجهول وإصطناع شخصيات تتحاور حول قضايا دينية مسيحية متنوعة مثل النعمة وحرية الإرادة …  وبإسلوب الرسائل . وهذه الرسائل جاءت بعد تجربة دينية عاشها باسكال في نهاية عام 1654 . وكان الحاصل من هذه التجربة الروحية كتابة عملين مهمين هما ؛ الأول الرسائل الإقليمية (أو الباريسية) [41]والثاني جاء بعنوان بينسن أي الأفكار أو أفكار باسكال حول الدين وموضوعات أخرى [42].

  ومن مؤلفات باسكال الأخرى ، كتاب حمل عنوان الروح الهندسية ، وهو في الحقيقة مقدمة لكتاب مدرسي في الهندسة . وهو واحد من أهم كتبه وتركه ومات في سن مبكر مع الآسف ولم يُفكر بنشره أحد لأكثر من قرن من الزمن . ومن ثم نشر في عام 1653عمله الذي حمل عنوان رسالة حول المثلث الحسابي [43].

  وكذلك عرف برودن من خلال محاضرات البروفسور جيروسيز في أكاديمية بيزنسون في باريس وبالتحديد في السنة الأكاديمية الأولى الفيلسوف الفرنسي جين برويير[44] . وبالطبع من خلال محاضرات البروفسور جيروسيز أولاً ومن خلال بحثه عن المتوافر من مصادر والتي تُقدم مادة بحث أكاديمي عنه . وفعلاً فأن الباحث الأكاديمي في سيرة ومؤلفات جيروسيز والتي نُرجح إن طالب الأكاديمية برودن قد قرأ بعض منها وإطلع على بعض أخر وبالطبع تسربت بعض من أقسمها إلى كتاباته ونصوصه .  

  والشاهد على ذلك سيرة الفيلسوف جين برويير والتي بينت لنا بأنه مهتم بمضار الأخلاق إضافة إلى الأدب الفرنسي في القرن السابع عشر . كما ولاحظنا إن برويير جاء من عائلة من الطبقة الوسطى ، فمثلاً كان والده المسؤول الأول عن الأمور المالية في الإدارة المحلية ومن المحتمل عن طريق ولده برويير تسربت بعض الأفكار عن الإدارة المالية إلى برودن وبالطبع عبر أحاديث ومحاضرات الأستاذ جيروسيز في الأكاديمية وبالتحديد من خلال حديثه عن الفيلسوف ورجل الأخلاق جين برويير . وظهر لنا إن والد برويير كان مهتماً بتعليم ولده رغم الظروف الصعبة التي تمر بها فرنسا يومذاك ، فرتب ظروفه بصورة منظمة ، فدفع له إجور الدراسة وترك له مبلغاً معتبراً من المال ليؤمن مستقبله [45].

  درس جين برويير في كلية كليمونت التي يشرف عليها اليسوعيون . ومن ثم تابع دراسته في مضمار الخطابة في جامعة أورلينز . وأصبح معلماً خاصاً للأمراء والأميرات . ومن أهم أعماله كتابه الذي حمل عنوان العديد من القراء والعديد من الأعداء والذي ظهر عام 1688 . ويتميز برويير بإسلوب متفرد وترك أثاراً على العديد من الكتاب الفرنسيين منهم كل من كاتب المسرح والدراما الفرنسي توماس كورنيل (1625 – 1709) والشاعر والكاتب الفرنسي برنارد دي فونتنل (1657 – 1757) والشاعر الفرنسي إسحاق بنسوارد (1613 – 1691) والروائي الفرنسي بلزاك ( 1799 – 1850) [46]. ومن طرف بلزاك نحسب من الضروري أن نشير إلى إنه كان معاصراً للإشتراكي اللاسلطوي برودن وإن كان أكبر من الأخير بعشرة سنوات (ومات قبل برودن بخمسة عشرة سنة) . وبذلك مسكنا بمصدر مهم من المصادر التي تركت أثاراً على برودن بصورة مباشرة أو من خلال القراءة إضافة إلى إننا نُرجح التأثير المتبادل بين الطرفين .

   ومن أعمال برويير المهمة الآخرى مجموع من القطع الآدبية القصيرة . وهي تعكس روح وتطورات القرن السابع عشر [47]. ونُرجح من خلال هذ العدد من الكتاب والذين ذكرهم جين برويير ربما عبرت من خلال البروفسور جيروسيز إلى تلميذه برودن ودفعه إلى قراءة تراثهم وخصوصاً بلزاك الذي كان معاصراً له ويومها كانت مسرحياته وكتاباته الروائية موضع إهتمام مختلف الدوائر الأكاديمية والثقافية والسياسية الفرنسية على حد سواء .

   كما وإنه من خلال الفصل الدراسي الذي حضره برودن في أكاديمية بيزنسون والذي قدمه بروفسور الأدب الفرنسي جيروسيز ، تعرف على آدب مولير[48]. وبالطبع من خلال المحاضرات والمناقشات التي حدثت في أطراف مختلفة من الفصل الدراسي للسنة الأكاديمية الأولى  . ومولير أو جين بابتست وهو الأسم الحقيقي (1622 – 1673) هو الكاتب المسرحي والممثل وشيخ الكوميديا في الأدب الغربي[49]. وسنترك من الأن الأسم الحقيقي ونتداول الإسم القلمي مولير وهو الأسم الأكثر شهرة والذي حمل الناس على نسيان إسمه الحقيقي .

  ولد مولير في باريس ، وهو إبن كل من جين بوكلان وماري كريس . والواقع إن مولير جاء من عائلة برجوازية فرنسية تعمل في التجارة وخصوصاً من طرف الأم . أما والده فكان يعمل منجداً في حاشية الملك لويس الثالث عشر وفعلاً فإن المعنيين بسيرة مولير الذاتية يذكرون بإن مولير في عام 1631عمل لفترة في هذه المهنة (المنجد وهو صناع المنامات والأفرشة) وضمن الفريق الذي كان يُساعد والده . ولم يكن محظوظاً فقد ماتت والدته وهو إبن عشرة سنوات فأخذت علاقته بوالده تسير بإتجاه سلبي وخال من كل مشاعر الود والحميمية . ورغم ذلك فإنه أكمل دراسته الإبتدائية في المدرسة الأبتدائية الباريسية . ومن ثم سجل في كلية اليسوعية في كلارمن وكانت دراسات أكاديمية مركزة . ومن ثم درس في فترة من عام 1642 ليكون محامياً إلا إنه لا يتوافر لنا دليل على إنه أكمل البرنامج التعليمي وتأهل فيه [50].

  وعندما بلغ الحادي والعشرين من عمره وبالتحديد في عام 1643 هجر طبقته الإجتماعية وقرر متابعة عمله في المسرح وإرتبط بالممثلة الفرنسية مادلين بييجر (1618 – 1672) وهي مخرجة وأسس معها المسرح اللامع ، ومن ثم تزوج من إبنتها وكان مولير هو الممثل والكاتب وإستمر هذا المسرح لفترة سنتين وبعد ذلك أغلق وصدر حكم بسجن مولير [51]. ونحسب من المهم هنا ألقاء بعض الضوء على أعمال مولير التي من المحتمل إن برودن قرأها وهي من مصادر الأدب في القرن السابع عشر وبالتأكيد إن بروفسور الأدب جيروسيز قد درسها في محاضراته ولفت أنظار تلميذه برودن إلى أهميتها خصوصاً في إنها توفر معرفة بالحياة التفصيلية للمجتمع الفرنسي في القرن السابع عشر .

  ومن الأعمال التي كتبها مولير في وقت مبكر مسرحيته الأولى والتي حملت عنوان الدكتور الطائر ، والتي كتبها عام 1645 وكان عمره ثلاثة وعشرين سنة [52] وفيها تصوير لصراع الطبقات والمصالح والأجيال وتمسك النبلاء بمراكزهم ودوافع الطمع وعلى حساب الحب والعمر والأجيال . وتأتي في عينة الإنتخاب مسرحية الطبيب والحب والتي كتبها عام 1658 وهي أول مسرحية يُشارك مولير بنفسه في تمثيلها . ومسرحية مدارس للمتزوجين والتي كتبها عام 1661 ومدارس للزوجات والتي أنجزها عام 1662 والطرطوف أو المنافق والتي كتبها عام 1664 . والحقيقة إن كوميديا المنافق أو الطرطوف هي من أشهر المسرحيات التي كتبها مولير والتي سببت جدلاً واسعاً ، فأصدر الملك لويس الرابع عشر قراراً بإيقاف عرضها بتأثير من رئيس أساقفة باريس بول فيليبي هارديون والذي كان معلماً للملك والمستمع لأعترافاته [53].

  ومن العينات التي ينبغي أن تُذكر في هذا المضمار ، مسرحية النبيل البرجوازي أو بعنوان إرستقراطية الطبقة الوسطى أو النبلاء والتي مثلها عام 1670 . وهي أوبرا كوميدية ساخرة . ولعل المهم فيها هو تصوير طريقة التسلق والصعود الإجتماعي مع تحليل للشخصية البرجوازية و الإشارة إلى إن البطل هو تاجر ملابس . وبالمناسبة إن في هذه الكوميديا حضور للفلسفة وتحت عنوان بطل من أبطالها وهو سيد الفلسفة [54].

  ونُرجح إن هذه الأعمال وخصوصاً في تصويرها لحياة الناس والصعوبات الإقتصادية التي تُعانيها . وبالمقابل تحليله لحياة الطبقة البرجوازية المترفه والتي سخر منها مولير وبالتحديد من خلال تصوير شخصية الطرطوف أو المنافق قد ساعدت برودن على أن يتفهم قضية تناقض النظام الإقتصادي التي كرس لها رائعته التي تناولت في أطراف منها الفقر والتي صعدها برودن إلى مستوى البؤس وهكذا جاء عنوانها المرادف فلسفة البؤس .

  كما وإطلع طالب الأكاديمية برودن في الفصل الدراسي الذي قدمه بروفسور الآدب جيروسيز على نتاج الشاعر الفرنسي جين لا فونتين [55] وهو شاعر معاصر للشاعر المسرحي مولير . والشاعر فونتين هو واحد من أغلب القراء للشعراء الفرنسيين في القرن السابع عشر وجاء من عائلة فرنسية تنتمي من طرف الوالدين إلى البيوتات العالية من الطبقة الوسطى إلا إنهم ليسوا من النبلاء رغم إن والده كان من الأثرياء .

  وكان الفتى فونتين الولد البكر لعائلته ولذلك إهتمت العائلة بتعليمه في المؤسسات التعليمية الرفيعة . وفعلاً فقد درس في كلية الرانس (مدرسة النحو) غير إنه في الأيام الآخيرة من الدراسة إختار الدخول إلى الخطابة وبالتحديد في عام 1641 وصرف فترة قصيرة إلا إنه علق دراسته لإعتقاده إن ذلك كان إختياراً خاطئاً [56]. وبدأ دراسة القانون ولم تتوافر لدينا مصادر ومعلومات عن مصير دراسة القانون ولكننا نُرجح إنه تخلى عنها لصالح الشعر والعمل الآدبي .

  ووفقاً لرأي كاتب القصة القصيرة الفرنسي غوستاف فلوبير (1821 – 1880) فإن  فونتين هو الشاعر الفرنسي الوحيد الذي تمكن من فهم نسيج اللغة الفرنسية قبل عصر فيكتور هيجو (1802 – 1885) ومن ثم صعد بها إلى الطوابق العالية . والشاهد على ذلك إنه كان قارئاً جيداً للشاعر والناقد الفرنسي والمترجم فرانسوا دي ماليرب (1555 – 1628) الذي عاش في القرنين السادس عشر والسابع عشر ، وعلى حد رواية فونتين إن الشاعر دي ماليرب هو الذي أيقظ خياله الشعري [57].

  وفعلاً فإن فونتين بدأ عمله الأدبي في الثلاثين من العمر ولكنه في الواقع كان مجرد ترجمات إستهلها بترجمة أعمال الكاتب المسرحي الروماني ترينس (تقريباً 159 ق.م – 185) وهو من إصول أفريقية وهي بالتحديد كوميديا وبعنوان الأبتر [58]. كما إن فونتين من أشهر كتاب الأساطير الفرنسيين بل وإن أساطيره تُعد من أعظم روائع الأدب الفرنسي ، وحيث إنها تعرض إنموذجاً عالياً يتخطى بشهرته الحدود الفرنسية حيث إنها تطوي أوربا برمتها .

  ومن أشهر مجاميعه من الأساطير ؛ أساطير (أو خرافات) الإختيارات والتي ظهرت عام 1668 وفي ستة كتب كونت مجلدين . ومن ثم نشر في عام 1671 ثماني أساطير جديدة وكونت الكتب من 7 وحتى 9 المجموعة الثانية . أما الكتب من 9 وحتى 11 فقد ظهرت في عام 1679 . ويبلغ مجموع كل الأساطير 87 إسطورة وقد أهداها الشاعر فونتين إلى صاحبة الملك المدام دي مونتسبن . وما بين عامي 1682 و1685 نشر مجموعة أساطير تُعالج أحوال الناس في العصور القديمة . في حين ظهر الكتاب 12 في مجلد مستقل وبالتحديد في عام 1694 وإحتوى على 29 إسطورة وقد أهداه الشاعر إلى حفيد الملك لويس دي بورجندري والذي كان يبلغ من العمر إثنتى عشر ربيعاً [59].  

  ومن ثم نشر أول عمل إبداعي له وبعنوان الكونتيسة والذي ظهر عام 1664 وكان عمره ثلاثة وأربعين عاماً ، وتلاه نشر روايته التي حملت عنوان السايكا وكيوبيد والتي نشرها عام 1669 وهي قصة إسطورية ذات طبيعة جمالية . وبعدها نشر مجموعة قصائد بعنوان قصائد مسيحية والتي نشرها عام 1670 .  ومن الملاحظ إنه في عام 1674 تعاون فونتين مع المؤلف الموسيقي جين بابتست (1632 – 1687) في جنس أدبي جديد وهو الأوبرا . وفي السنة ذاتها نشر مجموعة حكايات جديدة وفيها مواقف معادية لرجال الدين مما كان رد الفعل صدور قرار بمنعها من البيع . كما وظهرت له مجموعة من الترجمات الفلسفية لكل من إفلاطون وشيشرون (107 – 44 ق.م) .

  ومن الطرف السياسي فقد لاحظنا إن الشاعر الفرنسي فونتين كان مقرباً من المركيز والسياسي الفرنسي الرفيع نيكولا فوكت (1515 – 1680) والذي عمل في خدمته في عام 1658 بالرغم من محاولاته أن يظل بعيداً عن الحاشية الملكية . ومن ثم أخذ يتردد على صالون مدام دي لا سابلير (1636 – 1693) وعاش فترة في بيتها بعد دعوتها له وكان يومها في ضائقة مادية [60].

  وفي عام 1682 تم الإعتراف بالشاعر فونتين واحداً من أكبر كتاب الرسائل الرجال في فرنسا وكان عمره يومذاك قد تجاوز الستين عاماً [61]. ونحسبُ إن كل هذا الترات كان متوافراً أمام أنظار ومسامع الفيلسوف الإشتراكي اللاسلطوي برودن والذي كان يومها طالباً في أكاديمية بيزنسون ، وكذلك من خلال محاضرات البروفسور جيرسيوز أو المناقشات التي كانت تجري داخل الصف أو القراءات للمصادر التي تغطي أطراف إضافية من هذه المحاضرات . ولا ننسى إننا نتحدث عن حالة طالب متميز وكاتب ند ومخاصم بعض الأحيان لأساتذته كما بينا في أطراف مختلفة من هذا البحث .          

رابعاً – كما وحضر برودن الفصل الدراسي الذي قدمه الباحث الأكاديمي ورجل الإستشراق الفرنسي يوجين بيرنوف (1801 – 1852) والذي درس السيمانطيقا [62]. والبروفسور بيرنوف كان أكبر من تلميذه برودن بأقل من ثمانية سنوات ومات مبكراً وبالتحديد قبل برودن بثلاثة عشر سنة وهو في قمة عطائه العلمي . إلا إن المهم لدينا إنه كان شاهد العصر الأكاديمي على الروائع الإقتصادية التي نشرها تلميذه برودن إثناء فترة دراسته في أكاديمية بيزنسون في باريس على الأقل . ومن طرف سيرته الذاتية فإنها تذكر لنا بأن الطفل يوجين بيرنوف ولد في باريس وترعع في بيئة أكاديمية عالية حيث كان والده البروفسور جين لويس بيرنوف (1775 – 1844) وكان من المختصين بالفيللوجيا ومترجم من اليونانية والكلاسيكيات اللاتينية .

  ولعل من أهم كتب الوالد جين بيرنوف كتابه الذي حمل عنوان طريقة لتعليم اللغة اليونانية والذي صدر في عام 1814[63]. ويومها كان عمر ولده يوجين ثلاثة عشر ربيعاً . وفعلاً فقد لاحظنا إن الولد يوجين سار على خطى والده وهو الإهتمام باللنكوستيكا غير إنه كان مدفوعاً بحب الإستشراق فتوجه في دراساته نحو الحضارة واللغات الهندية القديمة ، وهو مؤسس الجمعية الأسيوية الفرنسية . كما وكانت للباحث الأكاديمي يوجين بيرنوف مساهمات متميزة في اللغة المسمارية ومن خلال دراسته لعينة منها في بلاد فارس . ومن ثم بدأت مراسلات ومناقشات بين يوجين بيرنوف والمستشرق النرويجي الألماني كريستين ليسن (1800 – 1876) والذي نشر دراسته في هذا المضمار وكانت بعنوان نقوش مسمارية فارسية من برسيبولس [64]. ومن ثم إكتشف يوجين نقوش جديدة إحتوت على قائمة من ألفباء اللغة المسمارية وتكونت من ثلاثين حرفاً وهذا بحد ذاته إضافة معرفية وإكتشاف بالغة الأهمية في موضوع اللغة المسمارية [65].

  ومن مؤلفات البروفسور يوجين ، كتاب زرادشت الفستا (أو الفنداد) والذي نشره للفترة ما بين ( 1829 – 1843) . وكتاب حمل عنوان التعليق على كتاب الطقوس والذي نشره للفترة ما بين ( 1833 – 1835) . ورسالة حول النقوش المسمارية والتي طبعها عام 1838 . ومن ثم جاء كتاب تاريخ القصائد الشعرية لكريشنا والتي نشرها ما بين 1840 – 1847 . وتلته كتب منها ؛ مقدمة حول تاريخ البوذية الهندية والتي تم نشرها مرتين ؛ الأولى في عام 1844 . والثانية جاءت بعد موته بحدود إثنتين وثلاثين سنة وبالتحديد في عام 1876 . ومن النافع الإشارة إلى إن كل هذه الدروس مفيدة في الإقتصاد والسياسية والقضايا الإجتماعية التي سيشتغل عليها فيلسوف الإشتراكية اللاسلطوية برودن وخصوصاً في طرف التحليل اللغوي من زاوية اللنكوستيك [66] والسيمانطيقا [67]. وهي الدروس التي حضرها طالب الأكاديمية بيير جوزيف برودن في الفصل الدارسي الذي قدمه الباحث الأكاديمي الفرنسي الشاب (يومذاك) يوجين بيرنوف .  

خامساً – وحضر طالب الأكاديمية برودن الفصل الدراسي الذي قدمه المؤرخ الفرنسي جول ميشليه (1798 – 1874) والذي غطى فيه تاريخ فرنسا في القرنين الرابع عشر والخامس عشر[68]. إنحدر المؤرخ الفرنسي ميشليه من عائلة ذات إصول هوجونوتية وتتمتع بتراث ثري [69]. وكان والده يمتلك مهارات عالية في تقنيات الطباعة . ومن طرف ولده جول فقد إعتاد في مرحلة فتوته على تقديم المساعدة له في عمل الطباعة . إلا إن والده كان يُفكر في مستقبل مهني مختلف لولده وذلك لكونه متمكناً مادياً ولهذا أرسله للتعليم إلى كلية شارلمان الفرنسية الشهيرة [70].

  وفعلاً فقد بدأت في هذه الكلية ملكات الفتى جول ميشليه العقلية بالنمو المتصاعد السريع ، وجاءت الشهادة عليه في عام 1821 وذلك عندما إجتاز الإمتحان الجامعي النهائي . وحصل بعدها على وظيفة إستاذ في التاريخ في كلية رولين . وهذه الفترة تُصف بأنها من أفضل فتراة حياته والتي قدمته باحثاً أكاديمياً وكاتب رسائل . والبروفسور ميشليه كان نصيراً قوياً لكل من البروفسور آبيل فرانسوا فاليمين وهو أستاذ التاريخ الحديث في السوربون ، والبروفسور والفيلسوف فيكتور كوزين . والبروفسور ميشليه كان سياسياً متحمساً للنزعة الجمهورية والتي إعتنقها خلال فترة فتوته والتي لونتها أفكار رومانتيكية متنوعة الإصول [71].

  ونحسب إن أهمية البروفسور ميشليه المعاصرة تكمن في إنه كان الرائد في تداول وتعريف لفظة الرينسانس (النهضة) وبمعنى إعادة الولادة . ومن ثم قدم فهماً حديثاً للإنسان ومكانته في هذا العالم  [72]. ولعل المهم هنا أن نقف عند عتبات مؤلفاته والتي في جوهرها الكثير من الدلالات على مصادقية تقويم برودن لأستاذه ميشليه [73]. فمثلاً نشر ميشليه ما بين عامي 1825 و1827 أجزاء مختلفة من كتابه التاريخ الحديث ، ومن ثم نشره في عام 1827 . ولاحظ الأكاديميون إن هذا الكتاب تم تأليفه بعناية ودقة عاليتين وكتب بإسلوب عالي دون أن يفقد متعته . وكان الناتج من هذه النشرة حصوله على لقب بروفسور  ومن مؤلفات البروفسور ميشليه ؛ تاريخ الثورة الفرنسية [74]، وتاريخ فرنسا [75]، حول التاريخ : مدخل إلى تاريخ العالم والذي نشره عام 1831 ، ومقدمة إلى تاريخ فرنسا والذي نشره عام 1869 [76]. ومن طرفنا فإننا نحتفل بالمؤرخ الفرنسي ميشليه والسبب إنه كان شجاعاً وأعلن صراحة عن مقته الشديد للعصور الوسطى [77]، ونُشاركه الإحتفال بالتحول الراديكالي نحو ضفاف الرينسانس رغم إنها حركة ولدت في أحشاء العصور الوسطى . ومسك الختام إننا نُرجح إن رائعة ميشليه تاريخ فرنسا في مجلداتها التسعة عشر كان مصدراً ثرياً للطالب ومن ثم الكاتب الأكاديمي برودن وليغرف منها الكثير والخاص بالأطراف الإقتصادية على أقل تقدير .

  ونحسبُ إن هذه الفصول الدراسية الأكاديمية التي حذرها برودن في السنة الأول كانت في غاية الأهمية خصوصاً إنه كشفت عن المصادر التي لعبت فعلاً مؤثراً ومبكراً في تكوين ذهنية الأكاديمي برودن وبالطبع من خلالها إنتقل أثرها إلى كتاباته ونصوصه . والحقيقة إن هذه المصادر تستحق دراسات أكاديمية مستقلة وذلك لبيان حجم الحاضر والغائب في كتابات برودن . والشاهد على سبيل المثال إن برودن أعلى من مكانة أستاذه جول ميشليه ، ورفعه إلى الطوابق العالية فقال ” إن محاضرات ميشليه تمنحه مكانة ليكون إنساناً وإنساناً أكثر عظمة من قيصر والإسكندر أو نابليون ” [78].

بحث في المصادر التي قرأها برودن في السنة الأكاديمية الأولى

  حاول برودن أن يقدم لنا في مضمار قراءة الكتب شهادة معرفية عالية وكشف فيها عن قائمة الكتب والمصادر التي قرأها ، وهي بالتأكيد قائمة مختصرة جداً جداً . ورغم هذا الحال فأن برودن يخبرنا عن المصادر المتنوعة التي ضمتها هذه القائمة والتي قرأها خلال السنة الأولى من دراسته في الأكاديمية . والواقع إن كتلوك الكتب الذي إستند إليه هو كتلوك واسع وضم مؤلفين كلاسيكيين وثيوقراط . فمثلاً إن الكتلوك ضم بصورة واسعة أعمال رجال اللاهوت والفلسفة واللنكوستيكا [79].

  ولاحظنا أولاً إن هذه القائمة يتقدمها كتاب الفلسفة المسيحية الذي كتبه الأب الفيلسوف ورجل اللاهوت والطبيب الفرنسي لويس يوجين ماري بوتين (1796 – 1867) [80]. وكتاب الفيلسوف المادي وعالم الفيزيولوجيا بيير جورج كابينس الذي حمل عنوان العلاقة بين الطبيعي والأخلاقي [81]، وهو إستاذ الصحة العامة في كلية طب باريس[82]، وكتاب عالم الإجتماع الفرنسي أوغست كونت الذي حمل عنوان فصل في الفلسفة الوضعية [83]. وكتاب السياسي السويسري – الفرنسي بينجامين كنستان (1767 – 1830) والذي حمل عنوان التطور المستمر للأفكار الدينية [84]، ومن أهم أعمال كنستان روايته التي حملت عنوان أدولف وهي جنس من أدب السير السايكولوجية والتي صدرت عام 1816 [85].

  وكذلك كتاب الفيلسوف الفرنسي فيكتور كوزين (1792 – 1867) والذي كان بعنوان فصل من تاريخ الفلسفة : مقتطفات فلسفية [86].  والفيلسوف كوزين من المؤيدين للواقعية الحسية الإسكتلندية التي طورها الفيلسوف توماس ريد (1710 – 1796) وجماعته ، وريد من النقاد المعاصرين للفيلسوف التجريبي ديفيد هيوم (1711 – 1776) ومن النافع القول إن الفلسفة الواقعية الحسية الي أيدها كوزين قد تركت أثاراً مهمة على سياسة فرنسا التربوية وإمتد هذا الأثر على تفكير وميثديولوجيا برودن كذلك [87].

 ومن المصادر التي قرأها برودن في السنة الأولى وضمها إلى قائمته الخاصة ، كتاب عالم الحيوان الفرنسي جورجيس كوفييه (1769 – 1832) والذي حمل عنوان مقدمة إلى مملكة الحيوان [88]. وكوفييه هو رمز كبير في البحث في العلوم الطبيعية في بواكير القرن التاسع عشر ولعب دوراً في تأسيس حقل علم التشريح المقارن . كما إن كتابه مقدمة إلى مملكة الحيوان قد ترجم إلى الإنكليزية في عام 1817 في أربعة مجلدات وبعنوان مملكة الحيوان[89] .

  وضمت قوائم برودن التي قرأها في السنة الأولى من دخوله إلى الأكاديمية ، كتاب الفيلسوف وعالم الرياضيات الأسكتلندي ديوكالد ستيورات (1753 – 1828) وبالطبع قرأه برودن بالفرنسية (والذي ترجمه جيوفري من الأنكليزية) وبعنوان موجزات الفلسفة الأخلاقية [90]. والكتاب في الأصل ظهر في الإنكليزية لأول مرة عام 1793 وطبع العديد من المرات . ونحسب من النافع الإشارة إلى إن أعمال ستيوارت الكاملة قد نشرت في أحد عشر مجلداً (وخلال الفترة 1854 – 1858) وبإشراف السير وليم هملتون ، ومن ثم أكملها مع ميموار الفيلسوف والشاعر الإسكتلندي جون فيش (1829 – 1894) [91].

  وقرأ برودن في السنة الأولى من بداية برنامجه التعليمي أعداداً من صحيفة المونيتور ، وبالتحديد أعداد من عام 1835 والتي تتعلق بقانون تدنيس المقدسات [92]. وهذا القانون صدر في كانون الثاني من عام 1825 وتحت حكم الملك شارلز . وفعلاً فقد جرى جدل واسع حول قانون تدنيس المقدسات ومن ثم أصدرت الحكومة الفرنسية كتيباً تساءلت فيه ؛ كيف يكون تدنيس المقدسات جريمة تم إرتكابها ضد الدين ولكنها ليست ضد الله ؟ [93].

   ومن ضمن المصادر التي إطلع عليها برودن كتاب فيلسوف التنوير الفرنسي مونتسكيو (1689 – 1755) الذي حمل عنوان روح القوانين [94]. ونشر مونتسكيو هذا الكتاب تحت إسم مستعار والسبب لأن أعماله كانت محظورة وتحت الرقابة . ومن ثم ترجمه إلى الإنكليزية توماس ناجنت ، وظهرت طبعته الأولى عام 1750 . والواقع إن مونتسكيو صرف في تأليفه وكتابته بحدود أحدى وعشرين سنة [95]. وقرأ دورية المراجعة الألمانية الجديدة [96]. وأثناء تدقيقنا وجدنا الأعداد التي كانت متوافرة هي أعداد الفترة من 1829 – 1834 . وكذلك قرأ برودن كتاب المؤرخ والسياسي الفرنسي أوغست باشيو بنهور (1799 – 1855) والذي حمل عنوان تاريخ الفلسفة الألمانية والذي نُشر عام 1836 [97].

  وتكشف قائمة برودن عن حقيقة مهمة فإضافة إلى دراسته الفلسفة في الأكاديمية . إلا قائمة برودن تُشير إلى إنه قرأ مصادر متخصصة في الفلسفة اليونانية ، فقد ذكر إلى إنه قرأ محاورة من محاورات الفيلسوف اليوناني إفلاطون (428 / 427 أو 424 / 423 – 348 / 347 ق.م) وهي محاورة جورجياس [98]. وهي حسب تصنيف الأكاديميين الغربيين هي من المحاورات السقراطية (وفعلاً فإن سقراط هو الشخصية الرئيسية فيها) . ووضعوها في رتبة واحدة مع كل من محاورة إيثديموس وبروتاغوراس ومينو . وكتبها إفلاطون بحدود عام 380 ق.م وفيها سقراط يبحث عن تعريف للخطابة [99]

  ونحسب من المصادر الفلسفية المهمة التي قرأها برودن وكان لها الأثر في تكوين  معرفته بالفيلسوف اليوناني أرسطو (384 – 322 ق .م)عامة وبالطرف الميتافيزيقي من فلسفته خاصة ، هو كتاب الفيلسوف وعالم الأثار الفرنسي فيلكس رافشين مولاين (1813 – 1900) والذي حمل عنوان رسالة حول ميتافيزيقا أرسطو[100] والتي نشرها عام 1846 . وأهمية فيلكس رافشين تتعدى كل ذلك ونظن إن هناك الكثير قد عبر من خلال كتابات فيلكس رافشين إلى منظومة تفكير برودن وخصوصاً الطرف الفلسفي . منها إن فيلكس ذهب إلى ألمانيا للدراسة وحضر محاضرات الفيلسوف الألماني شيلينج (1775 – 1854) وفي عام 1838حصل على الدكتوراه وإطروحته دارت حول العقيدة الميتافيزيقية في قصيدة الشاعر إيفرن إهبتيود . وهذه الإطروحة تحولت إلى نص كلاسيكي وبالمناسبة إنها أثارت إعجاب الفيلسوفين كل من هنري برغسون (1859 – 1941) ومارتن هيدجر (1889 – 1976) . وربما قرأ برودن كتاب فيلكس رافشين الذي حمل عنوان بحث عن الرواقية والذي نشره عام 1851 ويومها كان برودن في قمة إنتاجه الأكاديمي[101].

  وكذلك قرأ عن ماكسيملان روبسبير (1758 – 1794) وبالتحديد تقرير للإتفاق[102]. وروبسبير هو رمز من رموز الثورة الفرنسية . وكان في الأصل عضواً في نادي اليعاقبة (جاكوبي) . ولعل من التناقض في حياة روبسبير إنه عارض في بداية عمل السياسي حكومة الإعدام وعمل على إنهاء العبودية وتأثر بفلاسفة التنوير من أمثال روسو ومونتسكيو . وإنقلب الحال فإرتبطت بإسمه سياسات التطهير الراديكالية والتي أقدم فيها على قتل معارضيه ولذلك وصفت فترة حكمه بعصر الإرهاب . وفي 28 تموز عام 1794 تم إعدامه مع إثنتاعشر عضواً من مواليه [103].

  كما وضمت قائمة مصادر برودن في السنة الأولى من دراسته في الأكاديمية ، كتاب المفكر السياسي الفرنسي ألكسيس دو توفكيل (1805 – 1859) وبعنوان الديمقراطية في أمريكا [104]. والذي ظهر في مجلدين (وفي عامي 1835 و1840) وهو حصيلة زيارات توفكيل للولايات المتحدة الأمريكية . ويُعد من الأعمال المبكرة في مضمار علمي الإجتماع والسياسة [105]. ويوم صدور هذا الكتاب كان برودن في بداية طريقه في البحث الأكاديمي .

 كما كون كتاب الجنرال العام للثورة الفرنسية الفيلسوف والسياسي الفرنسي إنطوان ديستوت دي تريسي (1754 – 1836) مصدراً مهما لدائرة فهم برودن ، والذي جاء بعنوان رسالة في الإقتصاد السياسي والتي كتبها عام 1823 [106].  وبنهج مقارن نستطيع أن نقول إن برودن قرأ هذه الرسالة في الإقتصاد السياسي وهو في السنة الأولى من دراسته في الأكاديمية ويومها كان برودن إبن سبع وعشرين ربيعاً . وربما حملت هذه الرسالة الكثير من الأفكار الإقتصادية وعلى الأقل عبرت بشكل وآخر إلى رائعتي برودن ؛ ماهي الملكية ؟ وفلسفة البؤس . والحق إن إنطوان دي تريسي نشر رسالته في الإقتصاد السياسي وعمر برودن أربعة عشر سنة فقط .

  والحقيقة إن الأكاديميين الغربيين ينسبون إلى الفيلسوف إنطوان دي تريسي شرف صياغة إصطلاح الإيديولوجيا وكعلم للإفكار . ومن هذا الطرف فإنه مارس تأثيراً على عدد من الفلاسفة ورجال الإقتصاد ومن أمثال الفيلسوف الأسكتلندي توماس براون (1778 – 1820) وجون ستيوارت مل والفيلسوف الإنكليزي هربرت سبنسر (1820 – 1903) … ومن أهم مؤلفات دي تريسي الأولى رائعته التي جاءت بعنوان تحليل إصول الديانات والتي طبعها عام 1800 ورائعته التي حملت عنوان مبادئ الأيديولوجيا ، والتي نشرها خلال الفترة 1825 – 1827 في أربعة مجلدات . ويومها كان برودن طالباً نشطاً على القراءة في المدرسة الملكية في مدينة بيزنسون ومواكباً على القراءة في المكتبة المحلية العامة ويُشارك في المسابقات المدرسية وخصوصاً في كتابة المقالات ويحصد الجوائز ويعد نفسه لأداء إمتحان البكلوريا . واخيراً تم نشر كتاب الفيلسوف دي تريسي والمعنون موجز لملكة التفكير : ميتافيزيقا كانط ونصوص أخرى ، ونشرتها دار فايرد ، باريس عام 1992 [107].

  صحيح جداً إن هذه القائمة من المصادر التي قرأها برودن في السنة الأولى من دراسته في الأكاديمية في باريس ، تُخبرنا عن طريقة دراسته أكثر مما تعلمنا حول ما تعلمه منها . والحقيقة إن برودن قرأ كل هذه الكتب وإتصل بهذا العدد من المؤلفين في حدود بضعة أشهر ، كما وإنه حضر محاضرات إضافة إلى إنه كان يعمل في جزء من الوقت . وهذا مؤشر على إنه لم يتفرغ بصورة كاملة لعمله الأكاديمي الفكري . كما إن قراءته كانت عامة ومتنوعة  وهي قراءات غير مركزة رغم إنها كانت دراسات مست بصورة ما كل ما كان يتطلع إليه [108].

  ولعل المهم من تركيز برودن في قراءاته ودراساته ، هو إنه في القسم الأول من السنة الأكاديمية ، كان مسكوناً بالإهتمام بالطرف اللنكوستيكي . وفعلاً فإن الباحث الأكاديمي لاحظ إنه في أواخر شباط فأن برودن قدم مقالة مُعدلة بعنوان إختبار النحو العام إلى الأكاديمية وذلك للمشاركة في التنافس على جائزة فولني [109]، وهي جائزة أسسها الفيلسوف والمستشرق الفرنسي كونستنتين فولني (1757 – 1820) وبالتحديد عام 1803 وتتألف الجائزة من ميدالية ذهبية قيمتها 1200 فرنك وشروطها أن تكون دراسة فيللوجية مقارنة [110]. والواقع إن الأكاديمية لم تمنح الجائزة لبرودن ولكنها بدلاً من ذلك قدمت له شهادة شرف . ولذلك قام برودن ببيع مخطوطة مقالته إلى مجلة اللغة الفرنسية مقابل 30 فرنك لكل صفحة ، ولكن قبل نشرها توقفت المجلة من الصدور [111].

  ومن الملاحظ إن إهتمام برودن خلال هذه الفترة ، تحول من الفيللوجيا وتوجه بقوة نحو مضمار الأفكار الإقتصادية والإشتراكية . وفعلاً فإنه خلال عام 1839 أصبح مشغولاً بالنظريات الإقتصادية ومفاهيم التماسك الإجتماعي والتي إحتلت مكانة كبيرة في تفكيره . وهذا التحول صاحبه تغيير في الميثديولوجيا (أو الطريقة) التي إعتاد برودن على تداولها . فمثلاً بدأ برودن يتحول نحو الطرف التجريبي وهو يُدقق في أسس نظرياته ، فأصبح من مناصري الطريقة العلمية كما نفهمها اليوم . وهذا التحول فرض سيطرته بصورة من الأطلاقية . رغم إننا لاحظنا إلى إن برودن في هذه الفترة قد تبنى ميثديولوجيا حذرة ، فإنه خفف من توقعاته الميتافيزيقية وإن عززها بطاقات قوية تعتمد على الملاحظة [112].

  وبحثاً في جذور هذا التحول الميثديولوجي في تفكير برودن ، وجدنا إنه خلال هذه الفترة قد حدثت عدة لقاءات بين برودن والفيلسوف الفرنسي ثيودور سايمون جيوفري (1796 – 1842) والحقيقة هذه الإشارة إلى ثيودور جيوفري مكنتنا من الإمساك بمصدر مهم من مصادر برودن وخصوصاً من زاوية الطرف الميثديولوجي . فمن المعروف إن جيوفري وقع تحت تأثير الفيلسوف الفرنسي فيكتور كوزين والذي كان معاصراً له ، وكوزين من المناصرين للواقعية الحسية الأسكتلندية كما ذكرنا ذلك سابقاً [113]. وفعلاً فإن الباحث بيير هوبتمان قد لاحظ بأن هذه اللقاءات تركت أثاراً مهمة على تفكير برودن . وجيوفري يومها قد ناصر النزعة التجريبية وعن هذا السبيل يكون جيوفري قد قدم الفلاسفة الأسكتلنديين إلى الفلسفة الفرنسية في القرن الثامن عشر (والأدق برأينا في القرن التاسع عشر) ومن خلال أعماله أو من خلال ترجماته لأعمال كل من دوكالد ستيوارت وتوماس ريد . ويبدو لنا من خلال ملاحظات جيوفري إن برودن قد قرأ أعمال الفلاسفة الإسكتلنديين خلال السنة الأولى من دراسته في الأكاديمية في باريس . وحسب فرضية ستيفن فنسنت التي تذهب إلى إن برودن إذا أخذ كل ذلك بجدية ووفقاً لما قام به ، فإنه من الممكن القول بأن برودن كان ميالاً لإتخاذ إنموذجهم مثالاً لتأسيس الأفكار على حقائق ذات طبيعة تم إدراكها من خلال الملاحظة [114].

  إضافة إلى ذلك فإن ستيفن فنست فتح لنا الباب للوقوف على عتبات طرف آخر من مصادر برودن في السنة الأولى من دراسته في الأكاديمية في باريس . فمن الملاحظ إن القارئ لملاحظات قراءات برودن ، يجد إن برودن نظر في أعمال كل من الفيلسوف الفرنسي كوندياك والفيلسوف السياسي مونتسكيو [115]. إن أهمية إيتني بونت دي كوندياك (1714 – 1780) في الفلسفة الفرنسية الحديثة تعود إلى إن إهتمامه توزع في ثلاثية فلسفية وهي الأبستمولوجيا وعلم النفس وفلسفة العقل . وإضافة إلى ذلك فقد كانت له علاقة قوية بكل من الفيلسوفين الفرنسيين دنيس ديدرو و جان جاك روسو . وبدأت صداقته بروسو عندما كان روسو معلماً خاصاً لأولاد أخ الفيلسوف كوندياك . ولعل أهمية كوندياك في تاريخ الفلسفة الفرنسية تعود إلى إنه أعاد تأسيس مبادئ الفيلسوف الإنكليزي جون لوك في فرنسا وبالتحديد في مفهوم كوندياك عن الحسية التجريبية . وفعلاً فإن كتاب كوندياك الأول جاء بعنوان مقال حول أصل المعرفة الإنسانية ، ومنه نزلت الكثير من أفكار جون لوك . أما الكتاب الثاني فقد حمل عنوان مقال حول الأنظمة . وفيه نقد شديد للأنظمة الفلسفية الحديثة التي نهضت على المبادئ المجردة مع حضور واضح لأفكار جون لوك ونقده للإفكار الفطرية وبالتحديد نقده للفلسفة الديكارتية وفلاسفتها ، وخصوصاً ملكة مالبرانش (1638 – 1715) في علم النفس وموندولوجيا ليبنتز (1646 – 1716) ومفهوم الجوهر الذي صاغة إسبينوزا (1632 – 1677) في الأخلاق . ولعل من أهم أعمال كوندياك مقاله الذي حمل عنوان رسالة في الأحاسيس [116]. وفعلاً فإن تجريبية كوندياك تركت أثراً واضحاً على جهوده في تأسيس الأبستمولوجيا [117].

  أما أهمية مونتسكيو فهو في الحقيقة مصدر مهم من مصادر برودن سواء في فلسفته السياسية أو ربما في أطراف من تفكيره الإقتصادي وبالتحديد في رائعته روح القوانين . ولعل البداية إشارة إلى التقويم الذي تقدم به عالم الإقتصاد الأنكليزي المعاصرجون مينارد كينز ومؤسس النزعة الكينزية ، والذي وصف مونتسكيو ” بإنه آدم سميث فرنسا ، بل هو واحد من أعظم الإقتصاديين .. ” [118].  

  والحقيقة إن أهمية منتسكيو تعود إلى إنه عاش في عصر التنوير هذا طرف ، وإنه كتب الكثير عن الإستبداد والطغيان السياسي إلى حد إنها هيمنت على المعجم السياسي الحديث . ومونتسكيو من طرف آخر تخرج وأصبح محامياً . إلا إنه سرعان ما تخلى عن القانون والمحاماة وكرس نفسه للدراسة والكتابة [119]. ولعل نجاحه في مضمار الكتابة يرتبط برائعته    التي حملت عنوان رسائل فارسية والتي نشرها عام 1721 [120]. ومن ثم نشر كتابه الذي حمل عنوان إعتبارات حول أسباب عظمة الرومان وإنهيارهم ، وبالطبع نشره عام 1834[121] . ونحسبه رائعة متقدمة في فلسفة التاريخ . وهي في تقدير عدد من الأكاديميين الغربيين واحدة من أفضل الروائع الثلاث التي كتبها وهي مرحلة تحول نحو عتبات رائعته روح القوانين والتي نشرها عام 1748 بإسم مجهول [122]. وإضافة إل كل ذلك فإن هناك رابطاً قوياً يشد برودن بقوة إلى مونتسكيو ، وهو إن مونتسكيو كان ماسونياً [123]حاله مثل حال برودن لاحقاً .

تعقيب ختامي :

  لقد أشرنا أعلاه إلى تجريبية كوندياك وأبستمولوجيته وبالطبع هذا يحملنا على القول دون تردد بأن مونتسكيو يشارك كندياك في هذا الطرف الميثديولوجي . فمثلاً مونتسكيو شيد دراسته للرموز السياسية على أساس فحص الخبرة التاريخية للجنس البشري . وهنا كلاهما (أي كوندياك ومونتسكيو) قد منحا برودن قوة في التوجه نحو ضفاف الطريقة التي تؤكد على الملاحظة . ومن المعلوم إن عمل برودن الكبير في السنة الأولى من دراسته في الأكاديمية في باريس ، كانت الدراسة التي جاءت بعنوان إحتفالات الآحد (1839) والتي تعكس تحول برودن نحو القضايا الإجتماعية والسياسية والتي تميزت بالطبع بميثديولوجية أقل ميتافيزيقية [124].

————————————————————————————————–

الهوامش

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ كتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي (دراسة أكاديمية في المصمون والمصادر) ، الفصيلة من مجلة[1]

أوراق فلسفية جديدة ، العدد السادس ، كانون الثاني – شباط 2015 .

 – جوزيف دروز ؛ مقالة حول فن السعادة ، باريس 1833 .[2]

 – أنظر : جورج وودكوك ؛ بيير جوزيف برودن : السيرة الذاتية  ، دار كتب بلاك روز ، نيويورك 1987 ، ص 36 .[3]

 – ديوكس أو ديوشس هو كاتب ومنتج الدراما الفرنسي . وبحكم إنتمائه إلى الطبقة البرجوازية فإنه تلقى تعليماً برجوازياً عالياً . وأنتج أولى [4]

مسرحياته التراجيدية عام 1768 وكانت بعنوان إميليس ، ومن ثم أنتج هاملت عام 1769 ، وروميو وجوليت عام 1772 ، ومن ثم أنتج مسرحية أوديب والتي إعتمد مصدرين على إنتاجها وهما كل من يوربيدس (تقريباً 480 – 406) وسوفكلس (تقريباً 496 – 405) . وبعدها تم إختياره رئيساً للأكاديمية وليشغل محل فولتير بعد وفاته … أنظر : جون كولدر ؛ شكسبير لعصر العقل : التكييف المسرحي المبكر لجين فرانسوار ديوكس (1789 – 1792) ، نشرة مؤسسة فولتير 1992 (تكون من 402 صفحة) .

 – بيير جين كابينس هو طبيب وفيلسوف وفيزيولوجي وشخصيته المستقلة سببت له الكثير من المشاكل مع أساتذته وتعرض إلى الطرد من الكلية .  [5]

وبعدها كرس نفسه للشعر وبدأ بترجمة مقاطع من هوميروس على أمل الفوز بجائزة الأكاديمية ولكنه لم يفوز . وبتشجيع من أصدقائه ترجم الإلياذة . وبتشجيع من والده ترك الكتابة وكرس نفسه لمهنة الطب . كتب بحثه الأول بعنوان ملاحظات حول المستشفيات (1790) وتم تعينه إدارياً للمستشفيات في باريس . وفي عام 1795 أصبح بروفسوراً للصحة العامة والنظافة وبالتحديد في المدرسة الطبية في باريس ومن ثم أصبح رئيساً للطب الشرعي وتاريخ الطب .. وكانت له علاقة حميممة بالقائد الثوري الفرنسي هونري ميرابو (1749 – 1791) .. وعمل كابينس الرئيسي كان بعنوان حول العلاقة بين الطرفين الطبيعي والأخلاقي من الإنسان (1802) .. وهناك طرف يخص علم النفس الفيزيولوجي ومن الملاحظ إن علم النفس عند كابينس مرتبط بالبايولوجيا وخصوصاً الحواس وممثلة بالجهاز العصبي . وهذا الطرف كون الخط المادي من تفكيره .. أنظر : أم . أس . ستام ؛ الأطراف الطبية في علم الإنسان عند كابينس ، مجلة دراسات في تاريخ البايولوجيا ، العدد الثاني ، 1978 ، ص ص 1 – 31 .

 – جوزيف دروز ؛ لينا أو أطفال الوزير آلبرت ، ثلاثة مجلدات ، 1805 .[6]

 – شارلز أوغسطين بوف  وهو ناقد الأدب الفرنسي . بدأ حياته العلمية بدراسة الطب في كلية شارلمان في باريس (1824 – 1827) وعمل في [7]

مستشفى سانت لويس . وكتب في عام 1824 بعض المقالات الأدبية ومن ثم كتب مراجعة كتب مراجعات لأعمال فيكتور هيجو الشعرية وأصبح صديقاً له … إلا إن بوف لم يكن وفياً لهيجو فإنهارت صداقتهما . ومن أهم مقالات بوف سلسلة أحاديثه الإسبوعية والتي كانت تنشرها الصحف وبعنوان حديث الإثنين . ومن ثم أصبح بروفسور الأدب اللاتيني . من أهم مؤلفاته عرض تاريخي لنقد الشعر والمسرح الفرنسي في القرن السادس عشر (مجلدان 1828) ،  والميناء الملكي (5 مجلدات نشره ما بين (1840 – 1859) .. ومن شعره إخترنا قصائد كاملة (1863) . ومن أعماله التي ترجمت إلى الإنكليزية وهي كثيرة إخترنا منها مقالات حول الرجال والنساء (1890 ترجمة وليم ماثيوس وهريت برستون) . أنظر للتفاصيل : روجر وليمز ؛ سانت بوف ، سلطان الأدب ، منشور في كتاب النور والظل : عالم نابليون الثالث ، دار نشر ماكميلان ، نيويورك 1957 . وكذلك : ريتشارد شادبورن ؛ شارلز أوغسطين بوف ، دار تويني للناشرين ، بوسطن 1977 .

 – هو فيلسوف النهضة الفرنسية ميشيل دي مونتاني ، ومن أهم مؤلفاته محاولات ، ومارس تأثيراً على العديد من الفلاسفة من أمثال ديكارت [8]

وباسكال وجان جاك روسو وفردريك نيتشه والقائمة طويلة . ولعل أهميته إن ديكارت إستبطن بقوة منهجه الشكي .. أنظر للتفاصيل : ساره باكويل ؛ كيف تعيش أو حياة مونتاني (سؤال واحد وعشرين محاولة للإجابة ) ، دار فانتج ، لندن 2010 .  

 – أنظر : جوزيف دروز ؛ دراسات في الفنون الجميلة ، باريس 1815 . [9]

 – أنظر : جوزيف دروز ؛ مذكرات جاك فوفيل : رواية ، بالتعاون مع لويس بينو أبيكار ، باريس 1822 (أربعة مجلدات) .[10]

وجاك فوفيل (1769 – 1828) هو موسيقي وشاعر وكاتب مسرحي وروائي وكتب العشرات من المسرحيا الكوميدية والجادة والكتب والكتيبات . من أهم أعماله المسرحية ؛ الماضي ، الحاضر والمستقبل (1791) ، وإحتفالية الغربان (1800) ، وبنات للزواج (1805) … أنظر : جين كورات ؛ الإنسان الذي عمل الأوبرا ، باريس ، ص ص 106 – 107 .

 – أنظر : جوزيف دروز ؛ الفلسفة الأخلاقية أو أنظمة مختلفة لعلم الحياة ، باريس 1923 .[11]

 – أنظر للتفاصيل : هيك كيسهولم (الناشر) ؛ الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1911 ، ط 11 . [12]

 – أنظر : جوزيف دروز ؛ الإقتصاد السياسي أو مبادئ علم الثروة ، دار نشر يوليوس رينورد ، باريس 1829  .[13]

 – أنظر : جوزيف دروز ؛ أفكار حول المسيحية ، الدليل وصدقها ، باريس 1842 .[14]

 – أنظر : جوزيف دروز ؛ إعترافات فيلسوف مسيحي ، باريس 1848 . [15]

 – أنظر : ستيفن فنست ؛ المصدر السابق ، ص 51 .[16]

 – المصدر السابق ، ص 53 . [17]

 – أنظر : هيك كيسهولم (الناشر) ؛ جين فيلبرت داميرون ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1911 ، ط11 . [18]

 – أنظر : جيمس كاولس بريشارد ؛ أبحاث في التاريخ الطبيعي للجنس البشري ، لندن ، ط3 ، المجلد الرابع ، ص ص 30 – 31 .[19]

 – أنظر : ياما أكيرا ؛ يوجين بورنوف : الخلفية التاريخية للبحث عن المخطوطات السنسكرتية سوترا لوتس (وهو خطاب بوذا) ، طوكية 1998 .[20]

 – أنظر : هيك كيسهولم (الناشر) ؛ آبيل فرانسوا فاليمين ، الإنسكلوبيديا البريطانية مطبعة جامعة كيمبريدج ، 1911 ، ط11 . [21]

 – أنظر : وليم هاملتون ؛ مناقشات حول الفلسفة ، الأدب والتربية وإصلاح الجامعة ، لندن 1852 . [22]

 – أنظر : هيك كيسهولم ؛ جين فيلبرت داميرون ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمريدج 1911 ، ط 11 . [23]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق . [24]

 – أنظر : كريستفور كلارك وكيسر ولفورم ؛ الحروب الحضارية : الصراع العلماني الكاثوليكي في أوربا القرن التاسع عشر ، مطبعة جامعة [25]

كيمبريدج 2003 ، ص 86 .  

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ نظرية آرسطو في المبادئ الأولى ، باريس 1936 أو 1935 وهي في الحقيقة إطروحة الدكتوراه الأولى والتي كتبها [26]

بالفرنسية . أما إطروحة الدكتوراه الثانية والتي كتبها باللاتينية فكانت عن القديس أنسلم .

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ حول سلطة العقل وفقاً لإعتبات القديس أنسلم ، مطبعة جامعة هارفارد 2008 (وهو كتيب صغير تكون من 44 [27]

صفحة فقط) .  

 – قارن تاريخ نشر الأستاذ لكتابه ” تاريخ نقدي لمدرسة الإسكندرية ” والذي ظهر بمجلداته الثلاثة في الفترة ما بين 1846 – 1851 وتاريخ نشر [28]

روائع برودن الإقتصادية الثلاثة وهي على التوالي 1840 ، 1841 و1846 . إذن فعلاً قضية تثير الحساسية والندية بين الأستاذ والتلميذ .

 – أنظر : كي تويلر ؛ ديمقراطية إيتني فاشروت ، منشور في دورية مراجعات الإدارية ، 1990 ، المجلد 43 ، العدد 245 ، ص ص 117 – 126[29]

 – أنظر : غوستاف فابريه (الناشر) ؛ معجم المعاصرين الشامل ، القسم الخاص بالفيلسوف إيتني فاشروت ، باريس 1880 .  [30]

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ الميتافيزيقا والعلم ، الناشر شامروت ، باريس ، 3 مجلدات 1863 . وكل مجلد يتألف من 500 صفحة .[31]

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ مقالات في الفلسفة النقدية ، نشرة أف . شامروت ، باريس 1864 (وتألف من 452 صفحة) . [32]

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ الدين ، نشرة أف . شامروت ولويريان ن باريس 1869 (تألف من 465) . [33]

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ العلم والوعي ، دار نشر كريمر بلير ، باريس 1870 (تألف من 190 صفحة) .[34]

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ السياسة الخارجية والجمهورية ، دار نشر كريمر بلير وآخرين ، 1881 (كتيب) .[35]

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ النزعة الروحانية الجديدة ، دار نشر هاشت ، باريس 1884 (تألف من 401 صفحة) . [36]

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ الديمقراطية الليبرالية ، دار نشر كالمن وليفي ، باريس 1892 (تألف من 292 صفحة) .[37]

 – أنظر : إيتني فاشروت ؛ البابا السياسي ، مجلة مراجعات باريسية ، 1894 ، المجلد الثالث ، ص ص 41 – 49 .[38]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق . [39]

 – أنظر المصدر السابق .[40]

 – وهي رسائل تصور باسكال ، إنها كانت تٌرسل من باريس إلى صديق في إحدى المحافظات الفرنسية ، وتدور حول القضايا الأخلاقية واللاهوتية .[41]

وجاءت هذه الرسائل إستجابة من باسكال بعد الجدل بين حركة كاثوليكية تُدعى الينسنية وبين اليسوعيين ، وهي تسعة عشرة رسالة . والحركة الكاثوليكية الينسنية ترتبط بإسم البروفسور كورنايل ينسين (1585 – 1638) وباسكال يحاول الدفاع عن الحركة الينسينية . وهي رسائل جدل مسيحي وكتبها عام 1653 … للتفاصيل أنظر : بليز باسكال ؛ الرسائل الباريسية (أو الأقليمية) ، ترجمة توماس ماكرير ، جامعة أديلاند – جنوب إستراليا 2014 (أون لاين) .

 – وعمل باسكال بينسس أو الأفكار ، هو مجموعة شذرات في اللاهوت والفلسفة وهي التي قادته إلى حياة الزهد والتقشف . إضافة إلى إنها رسالة  [42]

دفاع عن الدين المسيحي . ومنها إنبثق مفهوم باسكال المعروف برهان باسكال والذي يدور حول وجود الله أو عدم وجود الله ، والذي إنبثق من عمله الأفكار والذي ظل ناقصاً . ويبدو إن العنوان مخترع وذلك لأن باسكال لم يتداول هذا العنوان على الإطلاق .. أنظر : أي . ج . كليرشمر ؛ مدخل إلى بينسس أو الأفكار ، دار نشر بنجوين 1995 ، المقدمة ، ص 18 .

 – أنظر : دونالد آدمسن ؛ بليز باسكال : عالم الرياضيت والفيزياء والمفكر حول الله ، دار ماكميلان 1995 . [43]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق . [44]

 – أنظر : هيك كيسهولم (الناشر) ؛ جين دي لا برويير ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مجبعة جامعة كيمبريدج 1911 ، ط11 . [45]

 – جاء أونوريه دي بلزاك من عائلة مزدهرة إقتصادياً من طرف الوالد الذي كان يعمل سكرتيراً في حاشية الملك ، ومن ثم مسؤلاً عن الغذاء ونائباً[46]

للمحافظ ومديراً لمركز رعاية الكبار المرضى . وتزوج والده وكان الفرق العمري مع زوجته (أنا شارلوت سولمبير) كبيراً حيث إنه أكبر منها بثلاث وثلاثين سنة . وكان والده ملحداً وأمه إمرأة إجتماعية وذات أخلاق عالية . وكان بلزاك الأبن الأكبر لإخوته الثلاثة (وهم كل من لورا ، لورنس وهنري) . وكانت تربطه علاقة حميمة بإخته لورا التي كانت أصغر منه بستة عشر شهراً . وبعد وفاته المبكر كتبت سيرته الذاتي ونشرتها عام 1858 وبالتحديد بع وفاته بثمان سنوات . درس بلزاك في مدرسة داخلية واحدة مع المؤرخ الفرنسي جول ميشليه والذي مدح بلزاك وأشاد بإنجازاته المدرسية وإعترف بتفوقه . وسجل عام 1816 بمدرسة القانون وكان يحضر بعض الفصول الدراسية في السوربون . وفي الوقت ذاته كان يحضر دروساً في التاريخ الطبيعي في المتحف . كما كان مهتماً بنظريات عالم النبات جورج كوفيه (1769 – 1832) وعالم الطبيعة إيتني جيوفري (1772 – 1844). وكتب بلزاك تسعين رواية وقصة قصيرة . من أشهرها الكوميديا الإنسانية والتي تُقابل عمل دانتي (1265 – 1321) الكوميديا الإلهية . والكوميديا الإنسانية هي على حد تعبير بلزاك ” التاريخ الطبيعي للمجتمع ” … أنظر : ستفني فوكن (المشرف والناشر) ؛ أونوريه دي بلزاك ، البعد الشعري في الرواية : المؤتمر السادس ، الجماعة العالمية للبحث في تراث بلزاك ، جامعة مونتريال ، مونتريال (كندا) 1996 .

 – أنظر : ج . ويستن و ب . رايت ؛ أعمال دي لا برويير : الشخصيات أو أخلاقيات العصر ، دار نشر فليت ستريت ، لندن .[47]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[48]

 – أنظر : أنظر : فيلس هارتنول (الناشر) ؛ صحبة أكسفورد إلى المسرح ، مطبعة جامعة أكسفورد 1983 ، ص 554 . [49]

 – المصدر السابق . [50]

 – أنظر : فرجينا سكوت ؛ مولير : الحياة المسرحية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2000 .[51]

 – أنظر : شارلز هيرون ول ؛ الأعمال الدرامية لمولير (ترجمة مع مداخل مختصرة وملاحظات شارحة ) ، دار نشر بونتام وأولاده ، نيويورك [52]

1919 .

 – أنظر : مولير ؛ الطرطوف أو المنافق ، ترجمة مارتين سوريل ، دار كتب نيك هيرن ، لندن 2002 .  [53]

 – أنظر : جوزيف كريو ؛ مولير ، إنسكلوبيديا دراما العالم ، نيويورك 1984 ، ص ص 397 – 418 . [54]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق . [55]

 – أنظر : فيليب ودزورث ؛ لا فونتين الشاب : دراسة في نموه الفني وشعره المبكر وأساطيره الأولى ، مطبعة جامعة نورث ويسترن ، إلينوي [56]

1952 .

 – أنظر ك هيك كيسهولم (الناشر) ؛ فرانسوا دي ماليرب ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، 1911 ، ط11 .[57]

 – أنظر : ترينس ؛ كوميديا الأبتر ، كتبها حوالي عام 161 وتألفت من مقدمة وخمسة أفعال (فصول) (أون لاين) .[58]

 – للتفاصيل أنظر : جون ميتز ؛ أساطير أو خرافات لا فونتين ، نشرة نقدية لنصوص من القرن الثامن عشر ، نيويورك 1986 ، ص ص 3 – 9 . [59]

وكذلك أي . تيلي ؛ لا فونتين وبديا ، دورية مراجعة اللغة الحديثة 1939 ، المجلد 34 ، العدد الأول .  

 – أنظر للتفاصيل عن نيكولا فوكت : أنجز أثيل مككي ؛ الشاعر لا فونتين وأصدقائه : سيرة ذاتية ، شركة نورتن للنشر ، نيويورك 1973 ،[60]

 (تألف من 227 صفحة) .

 – أنظر : أندرو لوسكي ؛ القرن السابع عشر : 1600 – 1715 ، مطبعة الحرية 1967 .[61]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[62]

 – أنظر : هيك كيسهولم (الناشر) ؛ جين لويس بيرنوف ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1911 ، ط11 . [63]

 – والبروفسور المستشرق النرويجي الألماني كريستين ليسن ، هو متخصص باللغة السنسكريتية . وبالمناسبة إنه درس اللغة العربية وكان عنوان[64]

إطروحته للدكتوراه مناقشة للملاحظات العربية حول البنجاب (بون 1827) . أنظر : هيك كيسهولم (الناشر) ؛ كريستن ليسن ، الإنسكوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1911 ، ط11 .

 – أنظر : جيمس كولس بريشارد ؛ أبحاث في التاريخ الطبيعي للجنس البشري ، لندن 1844 . [65]

 – اللنكوستيك أو علم اللغة ، وهي دراسة علمية للغة وبالطبع من ثلاث زوايا ؛ الصوت والرمز والمعنى (الدلالة) . أما من الزاوية المنطقية فتم [66]

دراسة اللغة من ثلاث زوايا ؛ أولاً النظر إلى اللغة نظام يتألف من رموز وهذا بحث يدخل في مضمار السنتاكس . ولكل رمز من رموز اللغة له معنى ودلالة ومن خلال علاقته مع الرموز الآخرى وهذ مبحث يشتغل عليه مضمار السيمانطيقا . وللغة وظيفة إجتماعية وهذا مضمار تدرسه البراجماطيقا . والحقيقة إن تاريخ اللنكوستيك من الزاوية المنطقية قد حصر جُل إهتمامه في السنتاكس والسيمانطيقا . أما البراجماطيقا فيبدو إن علماء المنطق قد تركوا هذا المبحث بصورة غير معلنة إلى علماء الإجتماع .. أنظر : 1 – رودلوف كرناب ؛ السنتاكس المنطقي للغة ، دار نشر روتليج 2010 (تكون من 368 صفحة) . 2 – جاكوب مي ؛ البراجماطيقا : مدخل ، دار نشر بلاك ويل ، أكسفورد ، ط2 ،  2001 (تكون من 418 صفحة) .

 – السيمانطيقا هي ببساطة دراسة منطقية للمعاني التي تثيرها الرموز وتحديد معنى واحد لكل رمز من رموز اللغة والتي تقابل في لغة التداول  [67]

اليومي عالم الألفاظ . وبهذا نحُدد أبجديات المفاهيم الدقيقة والواضحة . والهدف المنطقي هو تخليص اللغة وخصوصاً اللغات العلمية من رياضيات وفيزياء نظرية … من اللغو و الحشو الزائد . وأخذ الحديث يجري في دوائر البحث السيمانطيقي عن أشكال من السيمانطيقا مثل ؛ السيمانطيقا الإجرائية و السيمانطيقا التجريبية والسيمانطيقا الدلالية والسيمانطيقا البديهية و السيمانطيقا الصورية أو الرمزية … أنظر : رودلوف كرناب ؛ المعنى والضرورة : دراسة في السيمانطيقا ومنطق الموديلات ، مطبعة جامعة شيكاغو 1988 (تكون من 258 صفحة) .   

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق ، ص 53 . [68]

 – والهوجونوت هم جماعة عريقة من البروتستانت تصعد جذورهم إلى القرنيين السادس عشر والسابع عشر . وعاشت خلال حركة الإصلاح [69]

البروتستانتي للكنيسة . وتاريخياً فإن الهوجنت هم بروتستانت فرنسيون ألهمتهم كتابات رجل اللاهوت الفرنسي جون كالفين (1509 – 1564) في فترة الثلاثينات من القرن السادس عشر . وكالفن رمز كبير في تطوير اللاهوت المسيحي الذي سيُطلق عليه لاحقاً بالكالفينية . وتعرض الهاجونوتون إلى الكثير من المآسي والإبادات على يد إخوتهم من المؤمنين المسيحيين . ونزحوا في أصعاق مختلفة من أوربا ، وقسم توجه إلى أفرقيا وقسم إستقر في أمريكا … للتفاصيل عن الهوجونت أنظر : شارلز مالكلوم جيلمان ؛ هجرة الهوجونت إلى أوربا وأمريكا ، سببها وتأثيراتها ، نشرة جمعية الهوجونت القومية في أمريكا ، دار نشر كولت نيك 1962 (تكون من 234 صفحة) .

أنظر : ليونيل جوسمان ؛ ميشليه والتاريخ : الغيبة من الطبيعة ، منشور في وقائع الجمعية الفلسفية الأمريكية ، المجلد 145 ، 2001 ، ص ص -[70]

283 – 333 .  

ليونيل جوسمان ؛ جول ميشليه وعلم التاريخ الرومانتيكي ، منشور في جاك برزن وجورج ستاد (كتاب جماعي بإشرافهما) ؛ كتاب أوربيون ،  -[71]

دار نشر سكربنر وأولاده 1985 ، ص ص 571 – 606 .  

 – أنظر : ب . موري و أل . موري ؛ فن الرينسانس ، دار نشر توماس وهيدسن ، لندن 1963 . [72]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[73]

 – جول ميشليه ؛ تاريخ الثورة الفرنسية ، ترجمة شارلز كوكس ، مطبعة جامعة أكسفورد 1847 .[74]

 – جول ميشليه ؛ تاريخ فرنسا ، ترجمة ويلتر كلي ، لندن 1844 ، المجلد الأول (تكون من 653 صفحة) .  [75]

وهو في حقيقته رائعة موسوعة تاريخية تألفت من تسعة عشر مجلداً . عالج في المجلد الأول تاريخ فرنسا المبكر وحتى موت شارلمان . والمجلد الثاني تناول فرنسا خلال عصر الإقطاع  ، والمجلد الثالث تاريخ فرنسا خلال القرن الثالث عشر . والمجلد الرابع فرنسا في القرن الرابع عشر ، والمجلد الخامس فرنسا في القرن الخامس عشر . والمجلد السادس تناول مئة سنة من الحرب . والمجلد السابع والثامن درسا تأسيس السلطة الريفية تحت قيادة شارلز السابع ولويس الحادي عشر . وخصص أربعة مجلدات للقرنين السادس عشر والسابع عشر . وحدد مجلدين لعصر النهضة والإصلاح .أما المجلدات الثلاثة الأخيرة فقد خص بها القرن الثامن عشر وحتى قيام الثورة .  

 – جول ميشليه ؛ مقدمة إلى تاريخ فرنسا ، ترجمة فلورا كامش وليونيل جوسمان وأدورد كابلن ، دار نشر الكتاب المفتوح ، كيمبريدج 2013 .[76]

 – أنظر: فيركسن كيلبرت ويلس ؛ الرينسانس في إطارها التاريخي : تفسير همسة قرون ، مطبعة جامعة تورنتو 2006 .[77]

 – ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .  [78]

 – المصدر السابق [79]

 – وحصل الأب الفيلسوف الطبيب لويس بوتين على تدريبه الفلسفي في المدرسة المثالية الألمانية وطور وجهة نظر تاريخية للمسيحية . وبعد جدل[80]

لاهوتي في ستراسبورك ترك ستراسبورك وأسس معهد أخوات القديس لويس . ومن عام 1853 وحتى عام 1863 درس الفلسفة الأخلاقية في السوربون . ومن أهم مؤلفاته القضايا العامة حول الحياة (وهو إطروحته الطبية) وطبعت في ستراسبورك عام 1826 ، وتعليم الفلسفة في فرنسا القرن التاسع عشر ، ستراسبورك 1833 ، وعلم النفس التجريبي ، ستراسبورك 1839 ، والعقل البشري وملكاته (مجلدان) باريس 1859 ، وفلسفة القانون من زاوية مسيحية ، باريس 1860 ، والوعي أو قاعدة الأفعال الإنسانية ، باريس 1861 ، و الدين والحرية ، باريس 1865 ، والتربية في فرنسا القرن التاسع عشر ، باريس 1876 … للتفاصيل أنظر : يوجين ريجني ؛ الأب بوتين ، حياته وأعماله ، باريس 1884 (أون لاين) .

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[81]

 – أنظر : برنارد بيرشلي ؛ ديدرو كابينس ولامارك والسببية السايكو – طبيعية ، منشور في مجلة تاريخ علوم الحياة وفلسفتها ، 2005 المجلد 27 ، [82]

العددان الثالث والرابع ، ص ص 451 – 463 .

 – أنظر ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[83]

 – المصدر السابق .[84]

 – أنظر : كاثرين كاربنتر ؛ بينجامين كنستان والسياسات الدينية ، مجلة تاريخ الأفكار الأوربية ، المجلد 35 ، العدد الرابع 2009 ، ص ص [85]

503 – 509 . ولعل من الكتب الممتازة التي صدرت عن بينجامين كنستان الكتاب الجامعي والذي جاء بعنوان في صحبة كيمبريدج إلى كنستان ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، نيويورك 2009 .

 – أنظر ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .  [86]

 – أنظر للتفاصيل : السير وليم هملتون ؛ مناقشات في الفلسفة والأدب والتربية وإصلاح الجامعة ، دار لونكمان ، لندن 1852 (أون لاين) .[87]

 – أنظر ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[88]

 – أنظر : دبليو كولمان ؛ عالم الحيوان جورجيس كوفييه ، مطبعة جامعة هارفاد 1962 . [89]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[90]

 – أنظر : هيك كيسهولم (الناشر) ؛ ديوكالد ستيورات ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، ط11 ، 1911 .[91]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق . [92]

 – أنظر للتفاصيل : جان نويل جينيني ؛ عقوبة الموت لجريمة تدنيس المقدسات في فرنسا ، دورية التاريخ ، حزيران 2006 ، ص ص 68 –  [93]

72 .

 – أنظر ؛ ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[94]

 – أنظر : مونتسكيو ؛ روح القوانين ، إشراف أنا كوهلر وأخرون ، نصوص كيمبريدج في التاريخ السياسي ، كيمبريدج 1989 (تألف من 808 [95]

صفحة) .  

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق [96]

 – المصدر السابق . [97]

 – المصدر السابق .[98]

 – أنظر للتفاصيل : إفلاطون ؛ جورجياس ، ترجمة دونالد إيزيل ، دار نشر هاشت ، إندينا بولس 1987 .[99]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[100]

 – أنظر للتفاصيل : هيك كيسهولم (الناشر) ؛ فيلكس رافشين مولاين ، الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج 1911 ، ط11 .[101]

 – أنظر : ستيفن فينست ؛ المصدر السابق .[102]

 – للتفاصيل أنظر : بيتر ماكفي ؛ روبسبير : الحياة الثورية ، مطبعة جامعة ييل 2012 . [103]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[104]

 – أنظر للتفاصيل : سيموار درشير ؛ إشكالية الديمقراطية : توفكيل والحداثة ، مطبعة جامعة بيترسبيرك 1968 . ومن النافع أن نقدم عرضاً [105]

عاماً لفصول هذه الرائعة والتي جاءت بالشكل الآتي : 1 – حول المجتمع المدني والسياسي والفرد . 2 – حول الديمقراطية والإشكال الجديدة من الطغيان . 3 – حول العقد الإجتماعي الأمريكي . 4 – حول الأغلية والعامة . 5 – حول العبودية وأمريكا والسود والهنود الأصليين . 6 – سياسة الدمج . 7 – حول علاقة أمريكا وروسيا والقوى العالمية في المستقبل . ولعل من المؤسف القول إن المجلد الأول نشر قبل 180 سنة ، وإن المجلد الثاني نشر قبل 165 سنة وترجم المجلد الأول إلى الإنكليزية هنري ريفي (1813 – 1895) في سنة صدوره أي عام 1835 وكان يومها شاباً . للتفاصيل أنظر : هيك كيسولم ؛ الإنسكلوبيديا البريطانية ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، 1911 ، ط11 . وهذا الكتاب مطلوب أن يقرأه السياسيون الأمريكيون المعاصرون وخصوصاً الجمهوريين ليعرفوا إلى أي إتجاه سفينتهم مبحرة . حقاً لقد قال المفكر السياسي الفرنسي توفكيل كلمة الحق والصدق قبل أكثر من قرن وثانية عقود من الزمن

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[106]

 – أنظر للتفاصيل : بيير لارويسي ؛ إنطوان ديستوت دي تريسي ، منشور في المعجم الكبير لفرنسا القرن التاسع عشر ، المجلد السادس ، ص [107]

609 .

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق ، ص ص 53 – 54 . [108]

 – المصدر السابق ، ص 54 .[109]

 – أنظر : كليرت شاندر ؛ فولني في أمريكا ، مطبعة جامعة هوبكنز 1923 . [110]

 – أنظر : ستيفن فنست ؛ المصدر السابق . [111]

 – أنظر المصدر السابق [112]

 – ولد الفيلسوف الفرنسي ثيودور سايمون جيوفري في الدوب الفرنسية ، وعندما ناهز العاشرة أرسله والده إلى عمه ، فبدأ بدراسة الكلاسيكيات[113]

وإتصل بالفيلسوف الفرنسي فيكتور كوزين ، وهو مناصر للواقعية الحسية الإسكتلندية تأثيراً كبيراً عليه . ومن ثم تم تعيينه بروفسوراً مساعداً للفلسفة في المدارس الفرنسية . ووقع تحت تأثير الفيلسوفين الإسكتلنديين توماس ريد ودوكالد ستيوارت . وفضل النهج التحليلي على شكية ديفيد هيوم . وهذه النزعة التحليلية نزلت عليه من خلال الفيلسوف الألماني عمونئيل كانط . وكتب إطروحته للدكتوراه وفيها تبنى منهجية توماس ريد . وكتب مقدمة لكتاب دوكالد ستيوارت الفلسفة الإخلاقية . وفي عام 1828 ترجم إلى الفرنسية أعمال توماس ريد . وفي المقدمة قيم الأثر النقدي الإسكتلندي على الفلسفة . ومن مؤلفات ثيودور جيوفري ، كتابه الذي حمل عنوان محاضرات في القانون الطبيعي ، الذي نشره عام 1835 وهو واحد من أهم أعماله .. أنظر للتفاصيل : لوكين ليفي بريهل ؛ تاريخ الفلسفة الفرنسية الحديثة ، دار نشر الكورت المفتوح ، ص ص 349 – 357 .

 – نقلاً عن ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق ، ص ص 54 – 55 .[114]

 – المصدر السابق ، ص 55 .[115]

 – أنظر للتفاصيل : ريتشارد فلاكنبيرك وشارلز دراك ؛ تاريخ الفلسفة الحديثة من نيكولاس كوسا وحتى العصر الحاضر (أي حتى عام 1893) [116]

، دار نشر كيسنجر 2004 (تألف من 524 صفحة) ونيكولاس كوسا هو الفيلسوف الألماني الذي عاش ما بين 1401 – 1464 .

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق .[117]

 – أنظر : نيكوس ديفليجو ؛ مونتسكيو وثروة الأمم ، المجلة الكندية للإقتصاد والعلم السياسي ، 1963 ، المجلد 29 ، العدد الأول ، ص ص [118]

1 – 25 .

 – أنظر : روبرت شكلتون ؛ مونتسكيو : سيرة ذاتية نقدية ، مطبعة كليرندون – أكسفورد 1961 .[119]

 – أنظر : مونتسكيو ؛ رسائل فارسية ، ترجمة س . ج . بيتس ، كتب بنجوين 1973 .[120]

 – أنظر :مونتسكيو ؛ إعتبارات حول أسباب عظمة الرومان وإنهيارهم ، ترجمة ديفيد لونثر ، دار نشر هاشت – إنديانانابولس 1999 .[121]

 – أنظر : مونتسكيو ؛ روح القوانين ، ترجمة توماس ناجنت ، دار نشر ماكميلان ، نيويورك 1949 .[122]

 – أنظر : ريك بيرمان ؛ مؤسسات الماسونية الحديثة : المعماريون الكبار- التغيير السياسي والتنوير العلمي 1714 – 1740 ، مطبعة [123]

ساكس الأكاديمية 2012 .  

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق [124]

————————————————————————————————–

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

الفيلسوف الفرنسي الإشتراكي اللاسلطوي بيير جوزيف برودن

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مجلة فلسفية إلكترونية

———————————————————————————-

Pierre Joseph Proudhon

 His Impact on Marx’s Thought and Writings

Dr. MOHAMAD FARHAN, PHILOSOPHER

الفيلسوف الفرنسي الإشتراكي اللاسلطوي

   بيير جوزيف برودن

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

————————————————————————————

  هذه المقالة هي مُستلة من مشروع كتاب جديد يشتغل عليه الأكاديمي الدكتور محمد جلوب الفرحان منذ فترة ليست بالقصيرة ، ويُهديه لكل محبي الفلسفة والباحثين عن الحقيقة في نهارات صيفيةعراقية ،  مسكونة بالحياة والأمل بيوم جديد فيه إنتصار للحق والموضوعية وسلام للجميع وإندحار لكل سياسات الظلام والتفريق للإخوة والعودة إلى العصور الوسطى المظلمة والتي دخلت ذمة التأريخ منذ زمن بعيد … وهيهات تعود بتفكير دجال وسارق خبز الفقراء واليتامى والأرامل والمُتلذذ بسماع عويل الأطفال الجياع …  

تقديم :

  ولد ” بيير جوزيف برودن ” (1809 – 1865) بحدود التسعة سنوات قبل ولادة ” كارل ماركس (1818 – 1883) . وكتب برودن ونشر مؤلفاته الإقتصادية قبل رائعة ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصادي السياسي ” بأقل من ثلاثة عقود (سبع وعشرين سنة) . فمثلاً نشر برودون رائعته الإقتصادية الأولى بالفرنسية ، والتي حملت عنوان ” ماهي الملكية ؟ أو بحث في مبدأ الحق والحكومة ” عام 1840 . بينما تقدمت رائعة ” برودن ” الإقتصادية الثانية على كتاب ” ماركس ” رأس المال … ” بحدود أكثر من عقدين من السنين (إحدى وعشرين سنة) والتي جاءت بعنوان ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة البؤس (الفقر) ” والتي نشرها بالفرنسية عام 1846 . وبالمناسبة إن كارل ماركس متمكن في اللغتين الألمانية وهي لغته الأم والفرنسية وهي لغة برودن الأم والتي كتب فيها (برودن) رائعتيه الإقتصاديتين السابقتين .

  وفي هذا المقال نتطلع إلى تقديم دراسة أكاديمية صرفة لا علاقة لها بالجدل الفكراني المُسيس ، وإنما غرضنا الأكاديمي الوحيد هو إنصاف رجل الإقتصاد الفرنسي الإنراكي والإشتراكي اللاسلطوي (الفوضوي ؟) ” برودن والذي تم تغييب فكره وكتاباته دون وجه حق وإلصقت به يافطة سلبية خصوصاً في اللغة العربية ، وهي ” الفوضوي والطوباوي برودن ” وهو رجل الإقتصاد الواقعي ومؤسس أول بنك عُرف ” ببنك الشعب ” وهو بنك يقدم قروض للطبقة العاملة مع إلغاء تدريجي لأسعار الفائدة . وظهر بنك الشعب إلى النور وبدأ يمارس عمله في 31 آذار 1848 .

 ولكل ذلك ظلت المعرفة بتراث برودن وتفكيره تُقدم من خلال دوائر النقد الإيدولوجية – السياسية التي تروج لصالح ماركس وإنجلز وعلى حساب ريادة برودن الإقتصادية ، وبالتحديد في رائعتيه ” ماهي الملكية ؟ أو بحثُ في مبدأ الحق والحكومة ” و ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة البؤس (الفقر) ” . ورائعة فلسفة البؤس التي كتبها برودن هي التي ألهمت ماركس وحملته على أن يكتب رداً عليها بعنوان ” بؤس الفلسفة ” ونشر القسم الأول منه في حياته وتوفي ولم يُنشر الكتاب كاملاً . ومن ثم بدأ إنجلز بالإعداد لنشرة فرنسية ثانية . إلا إنه هو الآخر مات قبل أن يُكمله . وبعد موته أكملته ونشرته إبنة ماركس لورا (1845 – 1911) [1].

  وبهذا الفعل الثقافي ، نُحرر تفكير برودن الإقتصادي على وجه الخصوص ، ونُنقيه من الأملاح الإيديولوجية الشيوعية التي أضافت له مذاقاً نقدياً ماركسياً ، وهو الإشتراكي اللا ماركسي ، ومن ثم تقديمها بمنطق البحث الأكاديمي المستقل . وهو في المحط الأخير منطق ينتصر لحق القارئ بأن يعرف الحقيقة بحيادية و موضوعية ، وترك الحُكم والتقويم له ، فهو الوحيد الذي يمتلك الحق في الحكم والتقويم ، وبالطبع له الحق في رفض أن يكون هناك وسيطاً ووكيلاً يقوم بدوره النقدي ، لأن في ذلك تجاوز على شخصيته الإنسانية ، كما وفيه تعطيل لفعله الذهني التأملي كما وفيه شطب لشخصيته وإلغاء لحريته .

قراءة في سيرة بيير برودن : بحث في التحولات

  إن القارئ المتمعن والمُدقق في أوراق السيرة الذاتية للفيلسوف والإقتصادي الإشتراكي والإنراكي اللاسلطوي بيير برودن ، يلحظ بيُسر إنه كان شخصية عُصامية ، فهو مثلاً لم

يبدأ تعليمه في مدارس رسمية أو خاصة ، وإنما تلقى تعليمه وهو في سن الثالثة على يد والدته ومن ثم علم نفسه بنفسه . وكان لهذه البدايات من النمط التعليمي ، الأثر في تطوير مسارات التعليم الذاتي والإعتماد على النفس في تطوير نهج التعليمي الشخصي ومن ثم تنمية ميثديولوجيا في التفكير والبحث المستقل . وكل هذا سيتحول إلى سمات تتمتع بها شخصية ” برودن ” كإنسان وسياسي ورجل إقتصاد وفيلسوف لا بالمعنى التقليدي المتداول ، وإنما بالنهج الخاص الذي إنتخبه برودن وأسس عليه مضمار فلسفته التعاونية (والتي تنهض على الإحترام والفهم المتبادل بين الطرفين) .

  ولد بيير برودن في 15 كانون الثاني (جنيوري) عام 1809 وفي أحضان عائلة فرنسية متواضعة من الناحية الإقتصادية ، وكانت العائلة تعيش في أرياف المنطقة الشرقية من فرنسا . وفعلاً فقد كانت ولادة الطفل بيير برودن في أرياف مدينة بيزنسون التاريخية ، والتي توصف بأنها ” المدينة الخضراء ” وإنها ” مدينة الفن والتاريخ ” . وكان والده ” كلود فرنسيس برودن ” يعمل في تخمير البيرة وصناعة البراميل الخشبية لتعبئتها ، وهو في الأصل من قرية شاسانس القريبة من الحدود السويسرية . أما أمه ” كاثرينا سايمونن ” (1774 – 1847) فكانت طباخة وهي من كورديرن . وكان الحاصل من زواج الوالدين ، ولادة خمسة أولاد ، مات منهما إثنان في وقت مبكر . وإتسمت علاقة الأخوة الثلاثة ، وخصوصاً علاقة الأخ الكبير بيير بأخويه الصغيرين ، وهما كل من ” جين ” (1811) و ” كلود ” (1816) بأنها كانت علاقة أخوية حميمة [2].

  ولما بلغ برودن سن السابعة فقد كان يهتم برعاية أبقار العائلة ، وعندما ناهز الفتوة ، فإنه أخذ يصرف معظم وقته في الحانة التي تُديرها الأسرة ، إضافة إلى تقديم المساعدة في أساسيات العمل الزراعي ، واللعب في فضاءات الريف . ولهذا الحال فإن برودن لم يحصل على أي شكل من أشكال التعليم الرسمي في هذه الفترة . وإن كل ما تعلمه هو القراءة ومن خلال مساعدة والدته ، والتي جاهدت على تحفيظه إملاء الكلمات ، وحينها كان برودن إبن ثلاث سنوات فقط . وعندما بلغ العاشرة ، فإن الكتب التي قرأها قد شملت ” الأناجيل ” و ” نشريات الفلك والمناخ والأنواء المحلية ” و ” حكايات إخوة آيامون الأربعة [3]. وحكاية إخوة آيامون تصعد إصولها إلى القرن الثاني عشر ، وهي حكايات شعرية تنسب إلى عدد من الشعراء [4]. وخلاصة هذه الحكاية ، إن إخوة أيامون الأربعة وحصانهم الساحر بايارد ، قادوا ثورة مناهضة للإمبراطور شارلمان (742 أو 747 – 814م) . وحققت هذه الحكاية نجاحات واسعة في أوربا ، ولازال لها صدى في الفلكلور الأوربي [5]. كما وإن هناك حكاية ألمانية لها ، ويبدو إن مصادرها مختلفة [6]. وهناك حكاية إنكليزية تعود إلى القرن الثالث عشر ويظهر إن إصولها مترجمة من الفرنسية . كما إن هناك حكاية إيطالية تصعد إلى القرن الرابع عشر [7].

 والحقيقة إن الفتى بيير برودن ركز إهتمامه وهو طالباً على الأعمال الدينية ، ودخل الكلية الملكية في بيزنسون  وكان إبن أحد عشر سنة وإستمر فيها حتى ناهز الثامنة عشر ونصف من السنين . أما تعليمه الديني فقد تلقاه عن طريقين ” الأول من خلال والدته . والثاني عن طريق حضوره المستمر إلى الكنيسة وبالطبع كان تعليماً دينياً عالياً وذلك لكونه طالباً [8].

  ومن ثم جاهدت أمه ” كاثرينا ” على مساعدته في عام 1820 على الدخول إلى كلية مدينة بيزنسون (وهي في الحقيقة مدرسة ثانوية) . إلا إن عائلة برودن كانت فقيرة الحال بسبب إن ” عمل والده في إنتاج البيرة تعرض إلى الإنهيار والفشل ” [9] ولذلك أصبحت العائلة غير قادرة مالياً على دفع الأجور الدراسية لولدها برودن . ولكن بمساعدة واحد من رؤساء والده السابقين ، تمكنت الأم العصامية من حصولها على منحة دراسية لولدها ، والتي بلغت 120 فرنكاً سنوياً . وبعد ذلك واجهت برودن مشكلة أخرى ، وهي إنها كانت عاجزة مالياً لشراء الكتب (بل وحتى الأحذية) لولدها لحضور الفصول الدراسية . ولهذا الحال كان برودن ” يستعير الكتب المدرسية من الطلاب الأغنياء ، كما كان يستخدم حذاءً خشبياً (القبقاب) ”  ، والتي كانت وراء ذلك مشكلات جديدة ، سببت له ” الأحتقار واللعنات ” من قبل زملائه من الطلاب الأغنياء كما يتذكرها ويصفها . وفعلاً فقد وصف هذه الحالة التي عانى منها في المدرسة ، بمثال شعبي تعلمه من الحياة ، وهو المثال القائل ” الفقر ليس بجريمة وحسب ، بل أسوء من الجريمة [10]. ولعل من النافع الإشارة من الطرف التاريخي الذي نهتم فيه ونحن نقرأ سيرة بيير برودن الذاتية المبكرة ، إلى إنه دخل ” مدرسة الكلية الملكية في بيزنسون عام 1820 وظل فيها حتى عام 1827 ” وهذا يعني إن الفتى برودن دخل المدرسة وهو إبن أحد عشر سنة ، وتخرج منه وهو إبن ثمانية عشر ونصف من السنين [11].

  والحقيقة إن برودن كان إبن هذه الأم العصامية ، فكان هو الأخر عصامياً ويتمتع بإرادة قوية ، حملته على مواجهة تحديات زملائه الطلبة الأغنياء بروح إيجابية ، فحولها إلى طاقة روحية تُزيد من عزيمته ، وتحمله على الإستمرار بقوة في مواكبة برنامج تعليمه . فكانت إستجابته على هذه التحديات ، هو إنه صرف جُل وقت الفراغات بين الدروس في مكتبة المدرسة ، فإنكب يقرأ كل ما إحتوته ويُنقب ويبحث في مؤلفاتها ، ويكتشف موضوعات متنوعة فتحت له أفاقاً جديدة وعوالم مختلفة لم يسبق إن إختبرها من قبل [12].

  ومن الحق القول بأن برودن تابع في المدرسة سلسلة من الدراسات التي شملت الإنسانيات ، ودراسة الخطابة ، واللغات من مثل اللاتينية واليونانية ، والتاريخ وشئ من الفلسفة ، وكلها كانت تُقدم للطلبة مع وجهة نظر دينية للعالم والتي كانت شرطاً في كل المؤسسات التربوية في تلك الفترة التاريخية . أما الكتب التي حصل عليها برودن كجوائز لأدائه المدرسي الممتاز فإنها كانت تعكس الطرف الأيديولوجي الذي تتطلع المدرسة إلى إنجازه خلال العملية التعليمية . وفعلاً فإن برودن حصل على ثلاثة جوائز شملت الإنجيل (القديم) المختصر الذي قام بإنجازه لويومونت ، وعلى جائزتين ضمت كتاب حياة القديسين ، وجائزة واحدة والتي تكونت من كتاب لفنلون وبعنوان الدليل على وجود الله [13].    

  ومن الملاحظ إن دراسات الصبي بيير برودن في المدرسة الثانوية تركز بصورة أساسية على الرياضيات واللغة اللاتينية . وكان مستواه في مادة الرياضيات ضعيفاً فيها وظل يتذكر ذلك في جُل حياته . إلا إنه كان ممتازاً في مضمار اللاتينيات ، ومن ثم أظهر إمكانيات عالية فيها ، بل وأصبح خبيراً فيها ، بل وكان مغرماً بحبها وحتى نهاية حياته . وفعلاً فقد حصد العديد من الجوائز في المسابقات المدرسية . ولعل واحدة منها هي جائزة ” برهان فنلون على وجود الله ” . وبالمناسبة إنه قرأ هذا العمل وكان وراء زعزعة إعتقاده ، وقال بعد قراءتها ” أنا ميتافيزشن ” (من كلمة ميتافيزيقا أي فوق أو وراء الطبيعة) والإعتقاد الديني حسب ” السيد دانيال هالفي ” هو مجرد وهم [14].

  ونحسبُ من المفيد أن نذكر في هذا المقام إلى إن الفتى برودن لم يقطع علاقته بالدين تماماً . فقد لاحظ الباحث بيير هوبمان إلى إن برودن وبالتحديد خلال الفترة الممتدة ما بين عامي 1825 – 1826 قد عاش وإختبر أولى تجاربه الشكية ، وكانت خطواته الأولى في هذا المسار ، إنه هجر الدين موقتاً . ومن ثم جاءت الخطوة الثانية والتي كشفت عن إشكالية في العقيدي الديني ، إنه تحول إلى درب معارضة التوحيد (أو ضد التوحيد) . ومن الملاحظ إن برودن شارك في مسابقة مدرسية حول كتاب فنلون الذي حمل عنوان أدلة على وجود الله . ويبدو إن الكتاب لم يقنع تماماً التلميذ الشاب وخصوصاً عندما أدخل المؤلف مجموعة حجج غير معروفة ضد مثل هذا الإعتقاد . وفعلاً فإن السنتين الأخيريتين من دراسته في الكلية الملكية كانتا سنوات الشك الديني . ولعل التحدي الأول الهم لعقيدته الدينية قد حدث ، وإن الأحداث اللاحقة وقراءاته يتعمق شقة الخلاف يبنه وبين عقيدته [15].

 ولما كان برودن يُعاني كثيراً من الحياة المدرسية بسبب فقر عائلته وفشل صناعة والده ، فقد أخذت حالة من الكآبة تتنامى بدرجات ما مما تركت أثاراً واضحة على شخصه من طرف . وإنها من طرف آخر هزت عقيدته الدينية ، فأخذ تحمسه العقيدي وخصوصاً إرتباطه بالكنيسة  أخذ يضعف يومياً وذلك لإعتقاده بأن الكنيسة تعاني من علل كثيرة تقف على رأسها إحترام كرامة الإنسان . ومن ثم تطور الموقف إلى مفترق طرق ، فقرر قطع علاقته مع الكنيسة ، وهجر طقوسها الدينية . كما ورافق هذا الحال إن الوضع المالي للعائلة بدأ ينتقل من حالة سيئة إلى حال أسوء . ولم ينسى برودن ذلك ففي مناسبة إستلام الجائزة المدرسية لم يحضر واحداً من عائلة برودن ، مما حمل واحداً من المدرسين أن يشغل مكان العائلة . وعندما ذهب برودن إل البيت ، إكتشف بأنه تم سجن والده بسبب فشل صناعة البيرة ، وعدم إمكانيته في دفع الديون  ، وإن والدته واجهت برودن بالبكاء والعويل ” [16]. ولعل هذه الحادثة سيظل لها الأثر القوي في تفكير برودن وسيكون لها حضور في كتاباته الإقتصادية فيما بعد وخصوصاً في رائعتية ؛ ما هي الملكية ؟ وفلسفة البؤس (أو تناقضات النظام الإقتصادي) .  

   ومن المؤثرات التي تعرض لها الفتى برودن في سني حياته المبكرة ، هو إنه عاش وسمع  المفهوم الذي يُطلق على هذه الفترة ، وهي إنها عصر الجمهورية غير الكاملة . ولاحظنا إن والدته إعتادت على النظر إلى الفتى برودن على إنه البطل بعيون والدها تورنسي . والذي (أي والدها) الذي تحدى رجال الإقطاع عندما إعتقد إن نداء العدالة يدعوه إلى القيام بهذه المهمة . بل وإنه من الرموز المهمة من خلفاء آل برودن الذين يُشكلون الجناح اليساريوالذي كان منهم إبن العم ميلشور الذي كان واحداً من الرموز الكبيرة لحركة الثوار في بيزنسون . وهذا إبن العم اليساري هو الذي أصدر القرار المقدس عام 1789 فإنبثقت الحركة الماسونية والتي قادت النادي اليعقوبي في بيزنسون . وكذلك تعرض إلى السجن لأفعال إرهابية . ومن سن مبكر ، حسب رواية بيير برودن ، فإن أقربائه أخبروه بأنه عاش ومات وهو رجل يتحلى بالشجاعة والفروسية ، وبالتحديد في خدمة رؤية أقربائه السياسية وعقائدهم في العدالة الإجتماعية [17]. وبالطبع كل هذه الأثار ظل لها حضور في ذاكرة بيير برودن ، ولها توجيه لتفكيره وأفعاله وخصوصاً الطرف الماسوني الذي سيحافظ عليه بيير برودن في حياته .

 ويذكر الباحث ستيفن فنسنت إلى إنه في حزيران أو تموز من عام 1827 وبسبب ظروف عائلته المالية الصعبة ، تم إجبار برودن على قطع دراسته وبالتحديد قبل حصوله على شهادة البكلوريا وذلك لأن عائلته أصبحت عاجزة تماماً عن تقديم المساعدة له في الإستمرار على الدراسة . ولكل هذه الأسباب تحول إلى مضمار الطباعة ، وهو المجال الذي عمل فيه لعدد من السنين . والسبب هو حبه للكتب وكذلك إجور العامل في الطباعة كانت مرضية يومذاك [18].  

  وكان من متطلبات التخرج من كلية بيزنسون ، أن يصرف الطالب ، مدة من التدريب المهني في مؤسسات العمل ، فكان الميدان الذي حصل فيه برودن على التدريب هو صناعة الطباعة والنشر . وفعلاً فإنه في عام 1827 بدأ التدريب المهني في مطابع النشر في دار بيلفوكس في بيتنت . ومن ثم في نيسان من السنة التالية ، تم نقله إلى مطبعة ودار نشر في مدينة بيزنسون ، وكانت تمتلكها عائلة أحد زملائه من طلبة الكلية ، وهو إنطوان كوثير [19]. ولما كانت مدينة بيزنسون ، هي مركز مهم للفكر الديني في ذلك الوقت ، فمن الطبيعي أن تكون معظم الأعمال التي ينشرها كوثير ، هي الدراسات الكنسية ، والتي هي الدراسات اللاهوتية للكنيسة المسيحية ، والتي تشمل إصول المسيحية ، وعلاقتها بالمسيح ، ودورها في عملية الخلاص ، وأجناس آدابها ، وموضوعات مثل القدر وقيادات الكنيسة [20]. ومن الملاحظ إن برودن خلال فترة عمله ، صرف ساعات طويلة كل يوم ، يقرأ هذا الآدب المسيحي ، ومن ثم بدأ يُثير الكثير من الإسئلة حول عقائده الدينية ، والتي تمسك بها لفترة طويلة . والواقع إن هذه الأسئلة هي التي قادته إلى فصلها النهائي ، وهو رفض المسيحية [21]

  وبعد سنوات من العمل في مطبعة كوثير ، تم ترقية برودن إلى وظيفة مُصحح ، وفعلاً فقد صحح النشرة اللاتينية لكتاب ” حياة القديسيين [22]. ومن ثم تبعها ترقية أخرى ، فأصبح قارئ للنسخ النهائية والمسؤل عن إجازتها . وتحول في عام 1829 من مضمار النظرية الدينية إلى شواطئ القضايا الإشتراكية . وبالمناسبة إن هذه الوظيفة في المطبعة لعبت دوراً بالغ الأهمية في حياته ، فقد قربت بينه وبين الفيلسوف الفرنسي والمفكر الإشتراكي شارل فوريه (1772 – 1837) [23]. فمن الملاحظ إنه خلال هذه الفترة قابل برودن الفيلسوف الإشتراكي فوريه ، والذي جاء عام 1829 إلى المطبعة زائرأ ، ويتطلع من مطبعة كوثير ، نشر كتابه الذي حمل عنوان ” العالم الصناعي والإشتراكي الجديد ” . وفعلاً فإن برودن هو الذي أشرف على طبع كتاب فورييه ، فكانت مناسبة منحته فرصة كافية للحديث مع فورييه حول القضايا الفلسفية والإشتراكية المتنوعة . وبالطبع هذه المناقشات تركت أثراً قوياً على برودن يومها وعلى مجمل حياته عامة [24].

  كما وخلال هذه الفترة ذاتها أقام برودن علاقة صحبة ومن ثم تطورت إلى صداقة حميمة مع الناشر والباحث الأكاديمي الفرنسي الشاب غوستاف فالو (1807 – 1836) وهو متخصص في الفيللوجيا (اللنكوستيك) وكان يعمل أميناً للمكتبة . وجاء ” غوستاف فالو ” من عائلة جُل أبناءها من الصناعيين الأثرياء . ومن طرف برودن فقد ترك إنطباعاً مؤثراً في شخصية ” غوستاف فالو ” وذلك عندما قام برودن بتصحيح واحدة من المخطوطات اللاتينية التي إشتغل عليها ” فالو ” وهي النشرة اللاتينية لكتاب ” حياة القديسيين ” . وكان الحاصل من هذا التأثير ، إن أخذ ” فالو ” يتطلع من طرفه إلى تعميق علاقة الصداقة مع برودن ، ومن ثم ترقيتها إلى مستوى أرفع ، وفعلاً فإن ” غوستاف فالو ” ترك أثر شخصياً على برودن فمثلاً إن ” فالو ” حث برودن على دراسة اللغة العبرية من زاوية فيللوجية ، وهي الدراسة التي تركت علامات مهمة في تفكير برودن وإستمرت حتى وفاته [25]. كما إن الإثنين (أي برودن وفالو) إنخرطا في لقاءات مسائية منتظمة ، يُناقشان فيها إتجاهات الأدب الفرنسي المتنوعة ، وخصوصاً تراث كل من ” مونتين أو مونتاني ” و ” رابليه ” و ” روسو ” و ” فولتير ” و ” ديدرو ” وعدد آخر من المؤلفين الذين لم تتوافر فرصة لبرودن من التعرف عليهم خلال دراساته اللاهوتية [26].

التحول من صناعة الطباعة إلى فضاءات الفلسفة

   يلحظ القارئ لسيرة برودن الذاتية ، إنه في سبتمبر عام 1830 أكمل متطلبات التخرج من كلية بيزنسون وحصل على إجازة طباع منضد . ولم تتيسر فرصة عمل له والسبب إن هذه الفترة شهدت كساداً وبطالة وحالة فقر شديدين . فقرر برودن ركوب موجة المغامرة والسفر حول فرنسا بحثاً عن العمل ، ولم يقف عند جغرافية فرنسا ، بل وشد الرحال إلى سويسرا ، وكان الحاصل من هذه المغامرة ، شئ واحد وهو الفشل في الحصول على فرصة عمل ثابت سواء في مضمار الطباعة وحتى في العمل معلماً في واحدة من المدارس [27].

  ولعل من حُسن حظ برودن ، إن تزامن في هذه الفترة وصول عرض من الباحث الأكاديمي ” غوستاف فالو ” يحثه فيه على قبول مساعدة مالية ولكن بشرط أن يتوجه إلى باريس ويبدأ بدراسة الفلسفة . وفعلاً فإن برودن قبل العرض ، رغم إنه كان في حالة حيرة من أمره ، ولسان حاله سؤال يدوي ومفاده ؛ كيف يتخلى عن عمله ويقطع صلته بمضمار الطباعة [28]. وفعلاً فقد حزم أمره ، وباشر رحلته على الأقدام من بيزنسون وإلى باريس ، والتي وصلها  في آذار ومن جهة منطقة ريو مازرين والتي هي جزء من الحي اللاتيني ، وهو الحي الذي يعيش فيه ” فالو ” في ذلك الوقت .

  وفعلاً فقد بدأ في باريس فصل جديد من حياة برودن ، والشاهد على ذلك إنه ما إن حطت قدماه الحي اللاتيني إلا وإستهل حياته بالإرتباط بدائرة مجموعة من الأكاديميين الذين كانوا يتحلقون حول شخصية الأكاديمي ” فالو ” . وفي هذه الأجواء الجديدة التي عاشها برودن مع هذه الجماعة الأكاديمية ، أخذ شعور يتزايد لديه ، وهو إنه غريب عن هذه الجماعة ، ولم يجد أية أواصر تشده لهم ، بل ولم يشعر على الإطلاق بأي شعور بالإرتياح عندما ينخرط في صفوفهم . ولعل السبب إن هذه الجماعة الأكاديمية من علية القوم ومن الأثرياء الباريسيين . كما إنهم أكثر إنغماساً في المناقشات الأكاديمية الصرفة . فجاء قراره بالإنسحاب من هذه الجماعة ، ومن ثم فضل صرف جُل وقته في الدراسة المستقلة (أي الدراسة بمفرده) . فكان الحاصل من ذلك الشعور بالوحدة وكره الحياة في العاصمة . ومن طرف آخر أخذ يتنامى لديه شعور بالحنين إلى البيت والتفكير بالعودة إلى مدينته بيزنسون [29].

  وخلال مشاعر الغربة والعودة التي كان يعيشها برودن في باريس ، جاء سبب مضاف ملح بمغادرة العاصمة ، وهو إن مرض الكوليرا قد إنتشر في باريس بصورة مُخيفة ، فكان عاملاً قوياً في شد الرحال والعودة إلى البيت . ومن ثم جاءت الأخبار الصاعقة لمشاعر برودن ، والتي تُفيد بأن زميله الأكاديمي ” فالو ” قد تمكن منه المرض ، ولذلك أصبح عاجزاً من الإستمرار في تقديم المساعدة المالية لبرودن على الإطلاق . والواقع إن مغادرة برودن لباريس ، كانت هي المرة الأخيرة التي يرى فيها ” فالو ” فقد مات الرجل في عام 1836 [30]. والحق يمكن القول إن هذه الصداقة بين ” فالو ” و برودن ، هي واحدة من أهم الأحداث في حياة برودن ، والتي حملته على التخلي من مهنة الطباعة وتفضيله دراسة الفلسفة عليها ، وهو خيار لم يندم عليه برودن على الإطلاق رغم إنه سبب له بعض الوقت قلقاً وصعوبات مالية [31]. إلا إن الطرف الإيجابي فيه إنه وضع برودن أمام خيارات البحث الأكاديمي من جديد ، وهو فضاء جديد سيتنفس فيه برودن رياح دافئة قادمة .

  غير إن العودة إلى البيت ، حملت برودن على التفكير من جديد في البحث عن مصدر مالي للعيش وكان بالطبع تفكيره يدور حول مهنته القديمة وهي صناعة الطباعة . وبعد فترة من البحث فشل برودن من الحصول على أية فرصة في مضمار الطباعة . فجاء قراره النهائي ، وهو أن يعد نفسه بصورة تامة في البحث الأكاديمي ، والخطوة الأولى في هذا الطريق ، تقدم بطلب للحصول على منحة دراسية ، تمكنه من الدراسة في أكاديمية بيزنسون . وكان برودن محظوظاً مرة ثانية فقد تم إختياره من بين أعداد من المرشحين ولسببين ؛ الأول لوضعه المالي  المتدني . والثاني هو إنه أدهش أعضاء لجنة الأختيار بالأجماع وخصوصاً في كتاباته والمستوى الثقافي الذي كونه خلال عمله المهني . وهكذا كان طريق العودة من جديد إلى باريس ومن ثم الدراسة في أكاديمية بيزنسون ، وفعلاً فقد وصلها في خريف عام 1838[32].

والحقيقة إن وصول برودن إلى باريس قد فتح له أبواب الإرتزاق لمساعدته على مصاريف الحياة المكلفة في العاصمة ، فبدأ يكتب مقالات ويقوم بنشرها بنشرها في الإنسكلوبيديا الكاثوليكية من طرف . ويعمل من طرف آخر مصححاً في المجلة الملكية . ومن ثم يعدُ نفسه للإنخراط في الدراسة في مشروع المنحة الدراسية . ولعل من المفيد أن نشير هنا إلى إن مقالته التي فازت بالمنحة الدراسية ، كانت بعنوان ” أهمية إحتفلات يوم الآحد ” قد حملت أفكاراً ذات طبيعة إشتراكية معجونة بفكر عقيدي ماسوني [33].  

وبهذا إنتهى فصل من حياة الأكاديمي برودن ، وسيبدأ مضمار جديد ، يُدشن فيه مرحلة آخرى من حياة برودن الأكاديمي والمؤلف .

بيير جوزيف برودن : الأكاديمي الباحث والمؤلف

  إن الطرف الذي نحتفل به ونحن نكتب عن برودن هو إنه أول فيلسوف إنراكي (اللا سلطوي) وهو أول من أسس الفلسفة التعاونية (الميوشولتي) ، وهو فوق كل ذلك الفيلسوف الذي علم نفسه بنفسه وبمساعدة ولادته . وكذلك نحتفل به من طرف إنه كتب ونشر أكثر من ستين كتاباً . وسنقوم هنا بتقديم عرض تاريخي لأهم أعماله وأكثرها تداولاً وشيوعاً وسنلتزم بمنهجية تتطلع إلى عرضها بتسلسل تاريخي :

1- إختبار النحو العام

   إن القارئ المدقق في سيرة برودن الذاتية ، يلحظ إن محاولاته الأولى في الكتابة والبحث والإنشاء تصعد إلى عام 1837 والتي دشن فيها عملية التأليف وكتب فيها مقالته الأولى التي حملت عنوان ” إختبار النحو العام [34] . والذي ألفه بالإعتماد على نفسه دون الإعتماد على مصادر ومرجعيات . وبالمناسبة إنه في عصر برودن ، وفي الفترة التي كتب هذا العمل كان المصدر الأساس والمتداول في عصره ، كان بعنوان ” المبادئ الأولية للغة ” وهو كتاب كان ناراً على علم  كتبه رجل اللاهوت الكاثوليكي الفرنسي ” الدكتور نيكولاس سيلفستر بييجر ” (1718 – 1790) [35]. وربما برودن إطلع عليه إلا إن خطته كانت تسير بإتجاه مغايراً ولذلك صمت عليه ولم يذكره . والحقيقة إن عمل برودن بحد ذاته يكشف عن جرأة ومغامرة عقلية ، رغم النقص الواضح في معرفته الفلسفية . ونحسب إن برودن ربما فيما بعد أطلع على كتاب أخر كتبه ” بييجر ” وكان بعنوان ” إصول الألهة الوثنية [36].  

   والظاهر إن كتابات برودن الأولى فيها نهج مبكر واعد ، وللتذكير ولذكر الشواهد ، فإن هذه المحاولات الكتابية أثارت إعجاب الباحث الأكاديمي ” غوستاف فالو ” وخصوصاً في أبحاثه في مضمار اللاتينيات والتي أدهشته وخصوصاً بعد إن قدم برودن المساعدة للأكاديمي ” فالو ” في المخطوطات اللاتينية التي كان ” فالو ” يشتغل عليها . والواقع إن هذه المساعدة التي قدمها برودن ، هي التي حملت الأكاديمي ” فالو ” على تعميق صداقته ببرودن ، ومن ثم أخذ الإثنان يقضيان جُل وقتهما في المساء في مناقشات قضايا ثقافية وفكرية متنوعة . وكذلك فقد ذكرنا بأن لجنة الأختيار في أكاديمية بيزنسون قد أطلعت على كتاباته وكانت مُعجبة بها وكانت واحد من الأسباب وراء قبوله في الأكاديمية .

2 – من إحتفالات الآحد

   إن البداية المهنية الحقيقة التي أنجزها برودن في مضمار الكتابة كانت في عام 1839 حيث كانت هناك تقاليد أكاديمة في كلية بيزنسون ، وهي عقد منافسات أكاديمية دورية في مضمار البحث وكتابة المقالة وهو تقليد متعارف عليه في أكثر الجامعات الفرنسية يومذاك (وكان عدد من الفلاسفة والمفكرين الكبار قد بدأو مشاورهم في الكتابة خلال مشاركتهم في هذه المنافسات وعلى سبيل المثال وليس الحصر نتذكر منهم جان جاك روسو فقد دخل هذه المنافسات وفاز بواحدة منها …) .

  وفعلاً ففي هذا العام دعت أكاديمية بيزنسون إلى قبول الطلبات في المنافسة التي غطت نفقاتها وتحملت دفع منحتها المالية للفائز السيدة الفرنسية إيملي سورد (وهي صاحبة صالون أدبي تعقده كل ثلاثاء وسبت) وكانت المناسبة ذكرى وفاة زوجها الأكاديمي جين بابتست سورد (1732 – 1817) [37]، وتكونت المنحة التي قدمتها بحدود ألف وخمسمائة فرنك سنوياً ولمدة ثلاث سنوات ، وفضلت السيدة إيملي منحها إلى كاتب شاب تم الإعتراف به ، وبأنه أفضل من يستحق الدراسة والإستمرار عليها . وبالرغم من إن برودن كان يومذاك إبن تسع وعشرين عاماً . فإنه قدم عليها وتم إختياره وفاز بها ، وبدأ الدراسة وكان المشرف عليه المكتبي بييرشارلز ويس (1779 – 1866) [38].

   لقد كان موضوع المسابقة الأكاديمية هذا العام يدور حول ” المنافع الإحتفالية يوم الآحد وعلاقتها بالنظافة ، والأخلاق والعلاقة بين العائلة والمدينة ” . وفعلاً فقد شارك برودن في هذه المسابقة بمقال بعنوان ” من إحتفلات الآحد [39]والحقيقة إن موضوع المقال كان في الأساس ذريعة يُستخدم فيها لمناقشة أفكار فلسفية وسياسية متنوعة . ونلاحظ إن مقال برودن هذا قد حمل بذور أفكاره الثورية المتأخرة ، كما تجد فيها العديد من أفكار برودن في السلطة والأخلاق والملكية . وبالطبع هي الأفكار ذاتها التي سببت إزعاج أعضاء لجنة التحكيم في الأكاديمية . ورغم هذا الحال فإن برودن هو الأول الذي حصد الميدالية البرونزية الوحيدة . وكان برودن فخوراً بهذا الإنجاز وهذه الميدالية ، وشعر بأنها مؤشر على إن كتاباته ” سببت حالة عدم إرتياح للنُخب الأكاديمية [40].

3 – ما هي الملكية ؟ أو بحث في مبدأ الحق والحكومة

   وبعد مرور أقل من سنة واحدة على فوز مقالته ” من إحتفالات الآحد ” وبالتحديد في عام 1840 نشر برودن أول رائعة إقتصادية له ، وكانت بعنوان ” ما هي الملكية ؟ ، أو بحث في مبدأ الحق والحكومة [41]وهو بنظر الأكاديميين من كتب برودن الأولى على الإطلاق ، وبالتحديد في المضمار الإقتصادي والسياسي ، وهو كذلك من الأعمال الرائدة في مفهوم الملكية وعلاقته بالفلسفة الإنراكية (اللاسلطوية والتي تُترجم إلى العربية خطأ بالفوضوية). وفيه أعلن برودن عبارته المشهورة المُدوية ” الملكية سرقة [42]. وسنقوم بالنظر فيه في محور لاحق .

4 – رسالة إلى جيروم أدولف بلانكي

 ومن ثم بعد سنة واحدة (1841) جاء عمل برودن الإقتصادي المهم والذي حمل عنوان ” رسالة إلى أم . بلانكي ” وهي رسالة – بحث تفصيلية وجهها إلى الإقتصادي الفرنسي ” جيروم أدولف بلانكي ” (1798 – 1854) ومس فيها بعمق ومن زوايا مختلفة قضية ” ما هي الملكية ؟ ” [43]. وجيروم بلانكي هو رئيس قسم الإقتصاد السياسي ، كما وله مساهمات مهمة في إقتصاديات العمل ، والتاريخ الإقتصادي وعلى وجه الخصوص في تاريخ الفكر الإقتصادي . وهو واحد من حواري الإقتصادي الفرنسي ” جان بابتست ساي ” (1767 – 1832) ومن أهم مؤلفات البروفسور بلانكي ، رائعته التي حملت عنوان ” تاريخ الإقتصاد السياسي في أوربا ” والذي ظهر أولاً بالفرنسية وفي عام 1837 ، ومن ثم بعد أكثر من أربعة عقود من الزمن ، وبالتحديد في عام 1880 تم تٌرجمة هذه الرائعة ونشرت بالإنكليزية [44]. ونحسب إن الحديث عن البروفسور بلانكي ومن ثم إستاذه الإقتصادي ساي نكون قد مسكنا بمصادر مهمة كان لها الأثر في تكوين ذهنية برودن الإقتصادية من طرف وربما إنتقل من طرف آخر الكثير أو القليل منها إلى رائعتي برودن ” ما هي الملكية ؟ ” و ” نظام التناقضات الإقتصادية أو فلسفة البؤس (أو الفقر) ” .

5 – تحذير إلى رجال الأملاك حول الملكية

  ومن ثم جاءت مقالته التي حملت عنوان ” تحذير إلى المالكين حول الملكية ” والتي نشرها في باريس عام 1841 [45] .

6 – حول اليهود  

  وبعد ذلك نشر برودن مقالة مثيرة للجدل في الوسط الثقافي الفرنسي ، ومن ثم إمتد الجدل حولها إلى دائرة الفكر الأوربي عامة . وهذه المقالة حملت عنوان ” حول اليهود ” وكان تاريخ نشرها عام 1847 وقد وُجدت في كتاب ملاحظات برودن . ولاحظنا بعيون الباحث والمدقق الموضوعي الأكاديمي ، إن الأنظار الفرنسية والأوربية قد إصطفت حولها في معسكرين ؛ الأول يرى إنها رسالة ضد السامية . في حين يستبعد المعسكر الثاني هذه السبة منها ويُحرر ذمة برودن منها [46].

  ومن طرف ماركس فإنه ولد على العقيدي المسيحي ، بعد إن تخلى والده عن العقيدي اليهودي وتحول نحو شواطئ مسيحية غير كاثوليكية . وفعلاً فقد تم تعميد ولده كارل على المذهب اللوثري البروتستاني . وماركس هو الأخر حاله حال برودن ، فكر في المسألة اليهودية ، وحاول أن يُقدم لها حلاً في الشيوعية . وهذه مسألة مجيرة عليه في قوائم مؤلفاته ، بل و منشورة في كتاب حمل عنوان ” حول المسألة اليهودية ” والذي كتبه عام 1943[47] ونشره في باريس عام 1844 ، وتُرجم إلى الإنكليزية ونشر عام 1926 . ومن ثم تم إعادة نشره مع مجموعة مقالات عام 1959 ، وبعنوان ” عالم بلا يهود [48]. وفيه تم إظهار ماركس في مواقف ” معادية للسامية ” برأي بعض الباحثين الأكاديميين الغربيين .

7 – رسالة برودن إلى ماركس  

  وتلتها رسالة بعثها برودن إلى ماركس في 17 مايس عام 1846 ، وهي رد على الرسالة التي أرسلها ماركس إلى برودن . ورغم كونها رسالة مُكثفة إلا إن لها أهميتها في الحوار النقدي بين مدرستين فلسفيتين وإقتصاديتين مختلفتين وعلى الأقل من طرف برودن [49].

8 – تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة البؤس

ومن ثم جاءت رائعة برودن الإقتصادية ، والتي حملت عنوان ” تناقضات النظام الإقتصادي ، أو فلسفة البؤس (الفقر) ” والتي نشرها عام 1846 [50]. وستكون موضوع تأملنا في محور قادم . وبالمناسبة إن ماركس رد عليها في عام 1847 بكتابه الذي حمل عنوان ” بؤس الفلسفة ” وبالتحديد بعد سنة واحدة من نشر كتاب برودن [51]. وشكل كتاب ماركس بداية تاريخية صعبة ، يمكن الحديث عنها في إطار المأزق بين حركتين ؛ حركة إشتراكية الأحرار وحركة الإشتراكية السلطوية ، بين الإنراكية (اللاسلطوية) والماركسية والتي بدأت بعد موت برودن .

9 – حول المشكلة الإجتماعية

   وتلاه مقالة بعنوان ” حول المشكلة الإجتماعية ” عام 1849 .

10 – طبيعة الحكومة وغايتها

وتبعه بحث بعنوان ” طبيعة الحكومة وغايتها ” وهو في الأصل ، الفصل الثالث من كتاب ” إعترافات ثوري ” ، ونشر هذا البحث أولاً في صحيفة ” صوت الشعب ” باريس 1849 ، ومن ثم ترجمها إلى الإنكليزية صمويل ويب [52].

11 – إعترافات الثوري

  والذي نشره عام 1949 .وهي الجزء الأول من أربعة كتب

12 – المفهوم الشامل للثورة في القرن التاسع عشر

  ومن ثم جاء الجزء الثاني من هذه الرباعية ، وهو واحد من أهم أعمال برودن في مضمار نظرية الثورة ، وبعنوان ” المفهوم الشامل للثورة في القرن التاسع عشر ” والذي نشر لأول مرة بالفرنسية عام 1851 ومن ثم تلته الترجمة الأنكليزية بعد أكثر من سبعين عاماً وبالتحديد في عام 1923 والتي قام بها جون بيفرلي روبنسن [53]. وهو عمل واسع تألف من سبعة دراسات كما إقترح لها برودن عنواناً وهي في الحقيقة تتكون من سبعة أجزاء . وستكون لنا وقفة تأمل عند عتبات هذه الرائعة .

13 – الثورة الإشتراكية

 وتلاه الجزء الثالث وكان بعنوان ” الثورة الإشتراكية في مواجهة الإنقلاب ” والذي نشره عام 1851 .

14 – فلسفة التقدم

وهو الجزء الرابع من الكتب التي تعتني بنظرية الثورة . والحق إن قارئ هذا الكتاب يلحظ إنه من أهم الكتب الفلسفية التي كتبها برودن ، وإنه أضعف هذه الكتب الأربعة علاقة بالثورة [54].

15 – دليل المضاربة في أسواق الأسهم

  وجاءت مقالته التي حملت عنوان ” دليل المضاربة في أسواق الأسهم ” والتي نشرها عام 1853 .

16 – العدالة في الثورة والكنيسة

وتلتها عمله الرائع والذي جاء بعنوان ” العدالة في الثورة والكنيسة ” والذي نشره عام 1858 .

17 – الحرب والسلام

  والتي نشرها عام 1861 .   

18 – مبدأ الإتحاد (الفيدريشن)

وكتب بعد ذلك مقالة بعنوان ” مبدأ الإتحاد (الفيدريشن) ” وبالتحديد في عام 1863 .

19 – رسالة إلى العمال في باريس وروان

ومن ثم جاءت رسالة حملت عنوان ” رسالة إلى العمال في باريس وروان ” عام 1864 وترجمها إلى الإنكليزية ميش أبادور [55].

20 – الإمكانية السياسية للطبقة العاملة

وفي عام 1865 نُشرت له مقالة في غاية الأهمية في مضمار الفكر والفلسفة السياسية وبعنوان ” الإمكانية السياسية للطبقة العاملة ” . وهي هذه السنة مات برودن . ونحسب من الحق أن نشارك القارئ بالحقيقة ، وهي إن برودن نشر كل تراثه الفلسفي والإقتصادي على وجه الخصوص ولم ينشر بعد كارل ماركس رائعته الإقتصادية ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” المجلد الأول . فقد نشرها بعد موت برودن بسنتين أي عام 1867 .

21 – أعمال نشرت بعد موت برودن

  وبعد موت برودن ظهرت الأعمال الأتية ؛ نظرية الملكية عام 1866 ، ونظرية الحركة الدستورية عام 1870 ، ومبدأ الفن عام 1875 ، وكتاب المراسلات عام 1875 . وخاتمة المسك هو الإشارة إلى الكتاب الرائع الذي نشرته دار روتليدج عام 2013 وبعنوان ” العدالة ، النظام واللاسلطوية (الإنراكية) : النظرية السياسية العالمية لبيير جوزيف برودن [56].

تعقيب ختامي :

  نحسبُ إن أهمية بيير جوزيف برودن تكمن في إنه فيلسوف كبير من فلاسفة الحركة الإشتراكية اللاسلطوية (اللاماركسية) . إضافة إلى إنه من الطرف التاريخي الذي نوليه إهتمامنا في أبحاثنا ، ولد في ظلال حادثتين تاريخيتين كبيرتين ، وهما الثورة الفرنسية والثورة الصناعية . كما إن ولادته كانت في الريف وفي أحضان عائلة فلاحية فقيرة تُدير حانة للبيرة وتهتم بفلاحة البساتين ورعاية الحيوانات . ومن طرف العائلة فقد حملت ولدها بيير برودن مسؤلية مهنية في إدارة أطراف منها والمشاركة بفعالياتها وهو طفل صغير [57]. وكل هذه الأحوال رسمت له طريقاً في التفكير مختلفاً عن طريقة تفكير كل من ماركس وعضيده إنجلز اللذان ولدا في مجتمع المدن الكبرى وفي أحضان عائلة تنتمي إلى القشرة العليا من الطبقة الوسطى رغم إن أوضاع عائلة إنجلز كانت أفضل حالاً من أوضاع عائلة ماركس ، فقد كان والد إنجلز واحد من رجال الأعمال الألمان  وينتمي إلى طبقة الملاك الصناعيين في ألمانيا كما كان يمتلك حصصاً مالية في مؤسسات صناعية في مدينة مانشستر البريطانية . وكل هذه الأحوال المختلفة في حياة كل من برودن وماركس ومن ثم إنجلز كان لها فعلاً مؤثراً في تحديد مسارات الإختلاف والتنوع ومن ثم التقارب بدرجات ما في توجهاتهم الفلسفية والإقتصادية (الإشتراكية) والإجتماعية والسياسية (النزعة الثورية) .

  ولعل من الملفت للنظر إن برودن هو مؤسس للفلسفة التعاونية ، وهو أول مفكر أطلق على نفسه إصطلاح ” الإنراكي أو اللاسلطوي [58]. ولهذا السبب هو بنظر العديد من الكتاب الأكاديميين وغير الأكاديميين ، هو ” الأب الروحي لحركة الإنراكية أو اللاسلطوية [59]. وبالرغم من تقدير ماركس في لقاءاته الأولى بشخص برودن وكتاباته . إلا إنه بعد إن خاب أمل ماركس في إحتواء برودن وضمه تحت مظلته السياسية . فإنه إنقلب عليه ناقداً وأخذ أدبه السياسي الماركسي المسيس يتحدث عن الفوضوي (اللاسلطوي) برودن ، والإشتراكي الطوباوي (الحالم) برودن .

  وبالطبع هي إصطلاحات ماركس وإنجلز وجماعتهم بعد أن إنفرطت علاقة الرفقة والصداقة بين معسكر اللاماركسي برودن ومعسكر ماركس و إنجلز . وقد فات على حصافة تفكير كل من ماركس وإنجلز ورفاقهم من الوقوع في دائرة التناقض ، والإلتفات الحقيقة المؤلة ، وهو إن التفكير الماركسي برمته حينما يقترب من عتبات المجتمع الشيوعي ، فإنه يصبح مجتمعاً فوضوياً طوباوياً . وإن هذا الحال ينسحب على تفكير ماركس وانجلز ، وهكذا يحق لنا إن نتحدث عن ماركس الفوضوي (اللاسلطوي بلغة برودن) فمن المعلوم للجميع وهذا مجيرُ في كتبهم إن العائلة تتلاشى ومن ثم إن الحكومة والنظام السياسي ينطفئان . وإن المجتمع الشيوعي على هذا الأساس هو مجتمع طوباوي(مجتمع خيالي حالم) .

—————————————————————————————–

المصادر 

 – أنظر : فيرا مورزوفا ؛ مقدمة شارحة لبؤس الفلسفة ، منشور في أعمال ماركس وإنجلز الكاملة ، المجلد السادس ، دار الناشرين العالمية ، [1]

نيويورك 1976 ، ص 672 .

 – أنظر للتفاصيل : جورج وودكوك ؛ بيير جوزيف برودن : حياته وعمله (دراسات في التحرر والتقليد الطوباوي) (بالإنكليزية) ، شركة [2]

سشوكن ، نيويورك 1972 ، ص ص 1 – 3 .

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 5 – 6 .[3]

 – أنظر للتفاصيل : أرين تنجر هولمز ؛ تاريخ الآدب الفرنسي من الإصول وحتى عام 1300 (بالإنكليزية) ، نيويورك 1938 ، ص 94 .[4]

 – أنظر : تالي أرثر ؛ دراسات في النهضة الفرنسية ، دار نشر بيرنز ، نيويورك 1968 ، ص 16 .[5]

 – أنظر الإنسكلوبيديا العالمية الجديدة ، 1905 ، وتحت كلمة ” أيامون ” .[6]

 – للتفاصيل أنظر : بول هارفي (الناشر) ؛ صحبة أكسفورد إلى الأدب الفرنسي (كتاب جماعي) ، مطبعة كالرنيدون 1969 .[7]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ بيير جوزيف برودن وصعود الإشتراكية الجمهورية الفرنسية ، مطبعة جامعة أكسفورد ، نيويورك 1984 ، ص [8]

ص 15 – 16 .

 – دنيس وليم بروجن ؛ برودن ، محاضرة في مدرسة لندن للإقتصاد ، دار نشر هامش هملتون ، ط1 ، لندن 1934 ، ص 12 . [9]

 – المصدر السابق [10]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق ، ص 18 .[11]

 – أنظر : جورج وودكوك ؛ المصدر السابق [12]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق ، ص 16[13]

 – أنظر : دنيس وليم بروجن ؛ المصدر السابق ، ص 12 – 13 [14]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق ، ص ص 22 ه 23 .[15]

 – أنظر : دنيس بروجن ؛ المصدر السابق ، ص 13 [16]

 – أنظر : ستيفن فنسنت ؛ المصدر السابق ، ص 16 .[17]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 23 .[18]

 – جورج وودك ؛ المصدر السابق ، ص 9 . [19]

 – للتفاصيل أنظر : أليستر ماككرات ؛ اللاهوت التاريخي ، مدخل إلى تاريخ الفكر المسيحي (بالإنكليزية) ، دار بلاك ويل للناشرين ، أكسفورد [20]

، 1990 .

 – أنظر : جورج وودكوك ؛ المصدر السابق ، ص ص 11 -12 . [21]

 – أنظر دنيس وليم بروجن ؛ المصدر السابق ، ص 15 [22]

 – للتفاصيل أنظر : جونثان بيشر ؛ شارلز فورييه : الرؤيا وعالمه (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كولومبيا ، براكلي 1986 . [23]

 – أنظر : جورج وودكوك ؛ المصدر السابق ، ص 13 .[24]

 – أنظر : دنيس وليم بروجن ؛ المصدر السابق [25]

 – أنظر : جورج وودكوك ؛ المصدر السابق ، ص ص 14 – 15 . [26]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 15 .[27]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 16 . [28]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 17 .[29]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 18 .[30]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 19 .[31]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 28 – 30 .[32]

 – أنظر : دنيس وليم بروجن ؛ المصدر السابق ، ص 26 .[33]

 – أنظر : بيير جوزيف برودن ؛إختبار النحو العام (بالفرنسية) وتوجد خلاصة مكثفة له جدا جدا بالإنكليزية . وتألف النص الفرنسي من صفحة [34]

واحدة ، وكان بعنوان ” مقالة في النحو ” تكون من فقرتين واحدة كبيرة والأخرى صغيرة . والنص بمجمله تكون من ثلاثين سطراً ومطبوع بحروف صغيرة  (أون لاين) .  

 – أنظر : نيكولاس سيلفستر بييجر ؛ المبادئ الأولية للغة ، بيزنسون 1764 (أون لاين) .[35]

 – أنظر : نيكولاس سيلفستر بييجر ؛ إصول الألهة الوثنية ، باريس 1767 (أون لاين) .[36]

 – للتفاصيل أنظر : إليزابيث بادينر (الناشر) ؛ مراسلات غير منشورة بين مدام سورد وكوندروسيه (1743 – 1794) ، دار نشر فايرد ، [37]

باريس 1988 .

 – أنظر : هيلين ريتشارد ؛ مكتبة بيونسون العامة ، باريس 1995 ، المجلد الرابع ، ص ص 28 – 39 .[38]

 – مطبوعة وموجودة صورة للغلاف بالفرنسية ، وتضم العنوان وإسم برودن ، وشعار أكاديمية بيزنسون ، وسعرها للبيع ” 60 سنتاً ” وتاريخ [39]

صدورها كان عام 1839 (أون لاين) .  

 – أنظر : هيلين ريتشارد ؛ المصدر السابق ، ص ص 39 – 42 . [40]

 – أنظر : صورة الغلاف بالفرنسية وضم العنوان وإسم برودن وكان مكان النشر باريس ، وتاريخ صدوره في 1840 (أون لاين) . هذه شواهد [41]

قدمناها مثلاً والحقيقة هي متوافرة لجميع كتب وأعمال برودن .  

 – أنظر ؛ بيير برودن ؛ ما هي الملكية ؟ أو بحث في مبدأ الحق والحكومة ، ترجمه من الفرنسية إلى الإنكليزية بنجامين توكر ، شركة نشر [42]

هومبولدت 1890 (أون لاين) .

 – بيير برودن ؛ رسالة إلى أم . بلانكي (بالإنكليزية) ، باريس ، 1 أبريل 1841 (أون لاين) . [43]

 – للتفاصيل أنظر : جوزيف سكامبيتر ؛ تاريخ التحليل الإقتصادي (بالإنكليزية) ، إشراف إليزابيث بودي سكامبيتر ، تقديم مارك بيرلمان ، دار[44]

نشر ألين ووين 2006 .  

 – بيير برودن ؛ تحذير إلى رجال الأملاك حول الملكية (بالفرنسية) باريس 1841 (أون لاين) . [45]

 – أنظر : دورية الإشتراكية الغربية ، المجلد 27 ، العدد 212 ، 1960 ، ص ص 5 – 6 .[46]

 – في الحقيقة كتاب ماركس ، هو دراسة نقدية لدراستين تقدم بهما زميل ماركس الهيجلي الشاب برنو باور (1809 – 1882) والأولى كانت بعنوان [47]

المسألة اليهودية ” والتي كتبها عام 1843 . والثانية بعنوان ” إمكانية تحرير اليهود والمسيحيين ” والتي نشرها عام 1843 . للتفاصيل أنظر : 1 – كارل ماركس ؛ حول المسألة اليهودية ، الأعمال الكاملة ، المجلد الثالث ، الناشرون العالميون ، نيويورك 1975 . 2 – برنارد لويس ؛ السامية وضد السامية : بحث في الصراع والتعصب ، شركة نورتن ، نيويورك 1999 ، ص 112 .

أنظر مقال ” ماركس ضد السامية ” منشور في دورية الإشتراكية الغربية ، مصدر سابق ، ص ص 19 – 21 .   – [48]

 – أنظر : بيير برودن ؛ رسالة إلى ماركس ، ليون ، 17 مايس عام 1846 (أون لاين) . [49]

 – أنظر : بيير برودن ؛ تناقضات النظام الإقتصادي ، أو فلسفة البؤس ، [50]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ بؤس الفلسفة ، ترجمة هاري كولش وبمساهمة من فردريك إنجلز ، دار نشر كوسمو 2008 (تألف من 228 صفحة) .[51]

 – أنظر : بيير برودن ؛ طبيعة الحكومة وغايتها ، ترجمها من الفرنسية إلى الإنكليزية صمويل ويب (أون لاين) .[52]

 – أنظر : بيير برودن ؛ المفهوم الشامل للثورة في القرن التاسع عشر (باإنكليزية) ، ترجمة جون بيفرلي روبنسن ، المطبعة الحرة ، لندن [53]

1923 .

 – أنظر : بيير برودن ؛ فلسفة التقدم ، ترجمة شوان وبالبر وجيمس كوهن ، دار الحرية اليسارية ، 2009 .والنص موجود كاملاً (أون لاين)[54]

وتألف من 72 صفحة .

 – أنظر : بيير برودن ؛ رسالة إلى عدد من العمال في باريس وروان ، 1864 وترجمها إلى الإنكليزية ميش أبادور (أون لاين) .[55]

 – أنظر : أليكس ريتشارد ؛ العدالة ، النظام واللاسلطوية : النظرية السياسية لبيير جوزيف برودن (بالإنكليزية) ، دار روتليدج 2013 .[56]

 – للتفاصيل أنظر المصدر السابق ، ص 13 .[57]

 – أنظر : مارك لير : ميخائيل باكونين : الحب الخلاق (سيرة ذاتية) ، دار نشر القصص السبعة 2006 ، ص 211 .[58]

 – أنظر : دانيال كورين ؛ الإنراكية (اللاسلطوية) : من النظرية إلى التطبيق ، مطبعة المراجعة الشهرية 1970 .[59]

———————————————————————————-

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

تلفيق باطل على تاريخ المرأة الفيلسوفة والحركة الفمنستية

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مجلة فلسفية إلكترونية

———————————————————————————-

الترويج إلى ثقافة غير حقيقية

تلفيق باطل على تاريخ المرأة الفيلسوفة والحركة الفمنستية *

نُشر لأول مرة شتاء 2011 وللطلب عليه نُعيد نشره مرة أخرى وتوفيره للقراء

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————–

في مكتبة أوراق فلسفية جديدة

الدكتورة نداء إبراهيم خليل

سكرتيرة التحرير

—————————————————————————–

لاحظنا منذ فترة ليست بالقصيرة:

أولاً- إن موقع الحوار المتمدن قد نشر مقالة متعجلة للكاتب حسين الموسوي القابجي بعنوان ” المرأة التي حملت عنوان الفيلسوفة الوحيدة في تاريخ الفلسفة كله ” العدد 3134 وبتاريخ 2010 / 9 / 24.

ثانياً- أن كاتباً صحفياً سعودياً، يبدو إنه يحمل لقباً أكاديمياً، هو الناقد معجب العدواني والذي عقد حلقة نقاشية بعنوان ” غياب المرأة الفيلسوفة ” ونشرت على موقع الرياض / العدد 14747 وبتاريخ 4 نوفمبر 2009 وهي أقدم من مقالة الحوار المتمدن.

ونحسب إن كلاهما قد لعبا دوراً في الترويج إلى ثقافة غير حقيقية ولا أحب أن أقول باطلة، لأن كليهما لم يقرأ تاريخ الفلسفة الغربية من مصادره التي كتبها الغربيون أو على الأقل المصادر الغربية التي كتبت بواحدة من اللغات الغربية. ولهذا جاءت أرائهم مجانبة للحقيقة وظالمة للمرأة الفيلسوفة وتاريخها الطويل.. ومكتبة أوراق فلسفية ستستمر في رفد الثقافة العربية والقارئ العربية بكل الزاد المعرفي الخاص بتاريخ المرأة الفيلسوفة المتنوع والثري. ونكون في هذا الطرف قد صححنا الخطأ الذي قد يقع فيه بعض الكتاب المتعجلون في دارنا الثقافية العربية على الأقل..

وإذا قبلنا كل ما يصدر من الكاتب الناقد الثاني، فأن عتبانا الكبير الكبير على موقع الحوار المتمدن الذي كنا نؤمن دائماً به، وبكونه صوت الموضوعية والفكر التقدمي. ولاعيب في تكوين عقلية جديدة تعترف بالخطأ وتشكر من أشار إليه وتنشر تصحيحا له. وبخلاف ذلك تضعف مصداقية الحوار ونخسر دعوة إلإحتفال الدائم بكونه متمدن..

تقديم:

هذه قراءة أكاديمية لمشروع تعاوني واعد، صدر باللغة الإنكليزية بعنوان “تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم” (600 ق.م – 500 م) وهو المجلد الأول. وقد أشرفت على نشره، وساهمت في معظم أبحاثه الفيلسوفة النسوية ماري آلين وايث. كما وشاركت ماري وايث في إنجاز هذا المشروع ثلاث زميلات باحثات لها، وهن كل من فيكي لين هربر، بيتريشا زيدلر، وكورتيلا ولفسكيل. وماري تحمل شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة منيسوتا، وبكلوريوس في الفلسفة من جامعة نيويورك (كلية هينتر). من موضوعات إهتمامها:

أولاً – المساهمة النسوية في الفلسفة: من العصر القديم وحتى القرن العشرين

ثانياً – فلسفة السكان الأصليين

ثالثاً – البوذية، الطاوية، الهندوسية، الزرادشتية والإسلام والمدارس الفلسفية غير الغربية.

رابعاً – تاريخ الطب وفلسفة الطب

الكتاب في ميزان التقويم:

نحسب إن هذا المشروع الكتاب، هو واحد من الكتب المهمة في تاريخ الفلسفة الغربية وتاريخ الفلسفة من الزاوية الفمنستية على حد سواء. وعلى الرغم من هذه الأهمية فإن لدينا بعض التحفظات على هذا المشروع. ونبدأ أولاً بعنوان المشروع الكتاب. العنوان: تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم (600 ق.م – 500 م).

إذن العنوان من الشمول، والكاتب أو الأدق الحارث في هذا التاريخ العريض والذي يشمل أحد عشر قرناً، مطلوب منه أن يدرس مساهمة المرأة ومكانتها من خلال رسم صورة شاملة للمدارس والنزعات الفلسفية الواسعة والعميقة التي ظهرت في تاريخ الفلسفة الغربية العتيد. وهذه الأمنية المنهجية غابت من أوراق هذا المشروع المهم، وبدلاً منها كانت خيبة معجونة ببهجة ونحن نقرأ أوراق هذا المشروع، والتي تبرهن في كل صفحة من صفحاتها على الأقل ” إن المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية، ليست ناقصة عقل، بل صاحبة عقل راجح منتج، ولد فلسفة عقلية عالية، وحملت العديد من الشواهد الدالة على علو كعب المنتوج الفلسفي النسوي على الكثير الكثير من أنماط تفكير أندادها الرجال “.

والسؤال: ماذا قدم هذا المشروع الكتاب؟ وما حقيقة المساهمة النسوية الناجزة خلال الحدود الزمنية لهذا المشروع؟ أولاً سنقوم بقراءة مشروع كتاب تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم. ومن ثم سنقدم جوابنا عن السؤال الثاني وبالإعتماد على بحث أستاذي الدكتور محمد جلوب الفرحان، والمعنون: دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية (والمنشور على صفحات موقع الفيلسوف وموقع مجلة أفيروس الإلكترونية، ومن ثم تحول إلى موجة عارمة نشرته العشرات من المواقع الإلكترونية). ومن ثم صدر في عام 2013 فصلاً في كتاب الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة ، وبعنوان الفلسفة والنسوية ، منشورات الإختلاف والضفاف ، الرباط ، ص ص 219 – 240

وجدنا أن عنوان الكتاب من الشمول حيث أشار إلى إنه تاريخ للفيلسوفات في العصر القديم وهذا حق. ولكن أبحاث المشروع ذهبت في إتجاه ضيق بحيث درست في فصول ثلاثة كبرى من المشروع فيلسوفات المدرسة الفيثاغورية فقط. والشاهد على ذلك

الفصل الأول والذي جاء بعنوان ” الفيثاغوريون الآوائل ” والذي كتبته ماري آلين وايث (أنظر: ماري وايث؛ تاريخ الفيلسوفات في العصر القديم ). والفصل الثاني والذي كان بعنوان ” الفيثاغوريون المتأخرون ” وهو القسم الأول، والذي كتبته كلاً من ماري آلين وايث وفيكي لين هربر. والفصل الثالث والذي حمل العنوان ذاته ” الفيثاغوريون المتأخرون ” وكان القسم الثاني، والذي كتب بقلم ماري آلين وايث وفيكي لين هربر.

وإذا قبلنا هذا المشروع على إنه جزء من تاريخ الفيلسوفات اليونانيات، فإن هناك مشكلة كبرى لا نستطيع إن نتسامح فيها من الزاوية التاريخية التي إشتغل عليهاالمشروع وركز عليها العنوان بكلمة ” تاريخ “. وهي تاريخ الفيلسوفات من طرف وتاريخ الفلسفة الغربية من طرف آخر، والمشكلة هو إن تاريخ الفلسفة اليونانية لم يبدأ مع الفيثاغورية وإنما هناك مدرسة فلسفية تقدمت عليها، وإن هناك مدرسة وفلاسفة كانوا معاصريين لفيثاغورس المؤسس.

والشاهد الآخر على هذه المشكلة المنهجية، هو إن الكتاب ضم فصولاً لاحقة درست فيلسوفات ملطيات، كان لهن مكانة متقدمة وأسبق من الفيلسوفات الفيثاغوريات. وعلى هذا الأساس التاريخي لا نجد هناك مبرر من الناحية التاريخية أن نقدم المتأخر على حساب المتقدم والأسبق. ولاحظنا إن هناك عملية إنتقاء للفيلسوفات وتجاهل لدور فيلسوفات أخريات، كان لهن الدور المؤثر في مرحلة التأسيس الفلسفي في تاريخ الفلسفة الغربية. وهناك عملية إنتخاب أخرى قد حدثت لفيلسوفات من المدرسة القورينائية وصولاً إلى هبيشا وفيلسوفات المدرسة الإفلاطونية المحدثة.

لقد رسم الدكتور الفرحان في بحثه الرائد في الثقافة العربية، والمعنون ” دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية ” مكانة المرأة في تاريخ التدوين الفلسفي النسوي ومنذ لحظة الإعلان عن دور للفيلسوفات، وبين دورهن في مختلف المدارس الفلسفية. فمثلاً:

أولاً- فيلسوفة اليونان رقم 1 ” أرستوكلي ” التي عاشت في القرن السادس قبل الميلاد، والتي كانت معلمة للفيلسوف فيثاغوراس (580- 500 ق.م).

ثانياً- فيلسوفة اليونان رقم 2 ” ثيموستوكلي ” والتي عاشت في القرن السادس قبل الميلاد، وهي الأخرى معلمة وأخت فيثاغوراس. وبالمناسبة إن الدكتور الفرحان قد أكمل الفصل الثاني والمعنون ” فيلسوفات البيت الفيثاغوري ” والذي ضم قائمة جديدة تتألف من عشرة فيلسوفات يونانيات، رسمن خطاً نسوياً متميزاً داخل مدرسة فلسفية واحدة، هي المدرسة الفيثاغورية، وهوخط يوازي خط الحركة النسوية في مجراها اليوناني العام (سيظهر في الأول من كانون الثاني على موقعي الفيلسوف ومجلة أفيروس).

ثالثاً- فيلسوفة اليونان رقم 3 ” إسبيشيا الملطية ” (470- 400) وهي رفيقة بريكلس (495- 429) السياسي ورجل الدولة اليوناني الشهير، والتي لعبت دوراً في قراراته..

رابعاً- فيلسوفة اليونان رقم 4 ” أريتا القورينائية ” عاشت وعملت في القرن الرابع قبل الميلاد. وهي بنت الفيلسوف القورينائي أرستبس (435- 356 ق.م).

خامساً- فيلسوفة اليونان رقم 5 ” هبريشا الماروني ” (350- 280 ق.م) وهي فيلسوفة كلبية وزوجة الفيلسوف الكلبي كريتس الطيبي المصري (334- 262 ق.م).

سادساً- فيلسوفة اليونان رقم 6 ” لونتن الأبيقورية ” التي إزدهرت في القرن الرابع قبل الميلاد، وكانت تلميذة ” أبيقور ” (341-270) وهو المؤسس للمدرسة الأبيقورية.

سابعاً- فيلسوفة اليونان رقم 7 شهيدة الفلسفة الأولى ” هبيشا الأسكندرانية ” (ولدت مابين 350 و370 وقتلت 415 م) ورئيسة المدرسة الإفلاطونية المحدثة في عصرها، وهي بنت عالم الرياضيات ” ثيون ” (335- 405 م).

وبعد هذا هو الخط التاريخي العام للفلسفة اليونانية، وهؤلاء هن الفيلسوفات اليونانيات اللائي ينتمين لمدارس فلسفية يونانية متنوعة. (أنظر: محمد جلوب الفرحان: دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية، مصدر سابق ). أما كتاب ماري آلين وايث وأخريات، فعلى الرغم من إن عنوانه ” تاريخ النساء الفيلسوفات “، فكانت حركة التاريخ منسية ولم يتم الإلتزام بها، فهناك محاولات للقفز على التاريخ، وتقديم فيلسوفات، وسحب فيلسوفات من تاريخهن الحقيقي ومن ثم القيام بدراستهن في فصول لاحقة من الكتاب. ولعل الكلمة الأخيرة التي نقولها بحق هذا الكتاب البالغ الأهمية. إنه جاء إنتخابياً، درس مجموعة فيلسوفات وخلال تاريخ طويل إمتد من 600 قبل الميلاد وإلى 500 بعد الميلاد. وفي العد القادم ستكون لنا وقفة عند المجلد الثاني من سلسة كتاب ” تاريخ النساء الفيلسوفات “.

وأخيراً نقول لكاتب المقال على صفحات موقع الحوار المتمدن، والكاتب الصحفي السعودي، ألا يكفي هذه القائمة من الفيلسوفات اليونانيات، من قبول الحقيقة بأنه ” ليست هناك فيلسوفة واحدة ” كما أن الفيلسوفة المرأة ليست مغيبة، وإنما هناك قوائم من أسماء الفيلسوفات النساء اللامعات اللائي لعبن دوراً فاعلاً في تعليم فلاسفة رجال كبار مثل فيثاغوراس مثلاً. ولعل القائمة الثانية التي يحملها مقال الدكتور الفرحان المعنون ” دور المرأة الفيلسوفة في المدرسة الفيثاغورية ” والذي نوهنا إليه في مقدمة المقال شاهد صارخ يرد على التزوير والتلفيق الصادر بحق المرأة الفيلسوفة. وهناك مقال ثالث ورابع وخامس وسلسة طويلة ستقدم قوائم مضافة عن الفيلسوفات النساء.

—————————————————-

* نُشر في مجلة أوراق فلسفية جديدة ، المجلد الأول ، العدد الثاني ، شتاء 2011 .

 

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

كارل ماركس وفردريك إنجلز: الإقتصاد السياسي وهموم آخرى

الفلسفة / حُب الحكمة      الفيلسوف / مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مجلة فلسفية إلكترونية

———————————————————————————-

Karl Marx & Fredrick Engels

Critique of Political Economy and Another Issues 

Dr . MOHAMAD FARHAN, PHILOSOPHER 

كارل ماركس وفردريك إنجلز

   الإقتصاد السياسي وهموم أخرى

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————————————————

تقديم :

  من باب البحث في الطرف التاريخي لكتاب رأس المال ومصادره ، فإننا نتطلع هنا إلى إلقاء الضوء على بعض الحقائق التي لفت ظروف تأليفه ، ومدى علاقته بكتابات العضيد إنجلز في مضمار نقد الإقتصاد السياسي ، والتي تمنح إنجلز السبق في الكتابة والإنشاء ومن ثم النشر على كتابات العضيد ماركس عامة ورائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي خاصة . ولهذا نحسبُ أن البداية الميثديولوجية لمثل هذا المقال ، هو الإشارة إلى الثوابت الإبستمولوجية الآتية :

أولاً – أن كتابات ماركس الأكاديمية الأولى لا علاقة لها بكل من رأس المال ونقد الإقتصاد السياسي على حد سواء . فمثلاً كتب ماركس في سنوات مبكرة من حياته الجامعية ، وبالتحديد عام 1837 وكان عمره تسعة عشر ربيعاً رواية بعنوان ” العقرب وفيليكس ” والتي ظلت من الأعمال غير المنشورة [1]. وحسب رؤية برور ، وهو كاتب سيرة ماركس ، فإن هذه الرواية هي المحاولة الكتابية الأولى ، التي ناقش فيها ماركس مضمار السياسة ، وفيها دخل ” ماركس ” في جدل مع ” هيجل [2]. والحقيقة إن هناك إعتقاداً متداولاً بين الأكاديميين ، وهو إن ” ماركس ” قام بحرق هذه الرواية غير الكاملة مع أعمال مبكرة أخرى له . ولكن من حسن الحظ بقيت مقاطع منها ، وطبعت بالإنكليزية لأول مرة في عام 1975 ، كجزء من المجلد الأول من أعمال ماركس وإنجلز[3].

ثانياً – كتب ماركس مسرحية شعرية ، بعنوان ” الرحالة الألماني ” وكتبها عام 1839 ، وخلال سنواته طالباً في الجامعة ، وأحداثها وقعت في مدينة جبلية إيطالية [4]. ومن ثم كتب العديد من القصائد الشعرية ، والتي أهداها إلى خطيبته ” جيني فون وستغلان ” (1814 – 1881) [5]. وكل هذه الأعمال لم ترى النور في حياة ماركس [6] .

هموم العمل الأكاديمي والتحول نحو شواطئ جنس أدبي مُختلف

ومن ثم تخلى ماركس عن كل ذلك وتابع جنساً وأدباً مختلفاً في الكتابة والإهتمام . وفعلاً فقد توجه نحو دراسة اللغة الإنكليزية والإيطالية ، وتاريخ الفن ، وكان يتطلع إلى ترجمة الكلاسيكيات اللاتينية [7]. وبحكم إرتباط ماركس بحركة الهيجليين الشباب ، فأنه بدأ التعاون مع ” برنو بوار ” وهو واحد من الهيجليين الشباب [8]، حيث إشتركا في طبع ” فلسفة الدين عند هيجل ” والذي صدر عام 1840 . ومن ثم ركز ماركس جهوده الأكاديمية على كتابة إطروحته للدكتوراه ، والتي كانت بعنوان ” الإختلاف بين الفلسفة الديمقريطسية (نسبة إلى الفيلسوف اليوناني ديمقريطس) والفلسفة الأبيقورية (نسبة إلى الفيلسوف اليوناني أبيقور) في الطبيعة ” والتي أكملها عام 1841 [9].

ونحسبُ من النافع الإشارة إلى إن إطروحة ماركس ، كانت موضوع جدل بين الإساتذة الأكاديميين في جامعة برلين ، فقرر ماركس ” إنه من الأفضل ” مناقشتها في جامعة ينا بدلاً من جامعة برلين ، وعلى هذا الأساس قدمها إلى جامعة ينا ، وذلك لكون جامعة ينا تمتلك نفساً أكاديمياً مُتحرراً بدرجات ما . وفعلاً فإن الكلية منحته درجة الدكتوراه في أبريل عام 1841 [10]. كما ولاحظنا إن جماعة الهيجليين الشباب ، قد قربت بين ماركس وبوار وشدتهما إلى تيار الإلحاد في رباط فكري واحد ، وحملتهما على التفكير بإصدار دورية بعنوان ” أرشيفات إلحادية ” ، وفي آذار عام 1841 إستهلا عملهما . إلا إن الدورية لم تنمو ولم يُحالفها النجاح فصرفا النظر عنها ، وتخلا عن فكرة الدورية .

وإضافة إلى هذا الإحباط في العمل الإعلامي ، فإن ماركس وجد طريق العمل الأكاديمي يكاد أن يكون مسدوداً بوجهه على الإطلاق ولأسباب سياسية . فمثلاً ماركس كان ينتمي إلى حركتين لاتسمح لهما الحكومة في العمل الجامعي ، وهما الليبرالية الكلاسيكية وحركة الهيجليين الشباب [11]. وعلى هذا الأساس قرر في عام 1842 الإنتقال إلى مدينة كولونيا الألمانية ، وبدأ عمله الصحفي وأخذ ينشر مقالاته في الصحف الراديكالية ، والتي عبرت عن وجهات نظره المبكرة حول الإشتراكية ، وكان حاصلها تطور إهتمام ” ماركس ” بالإقتصاد . كما إن من الملاحظ على كتاباته في هذه الفترة ، إنها نهضت على منهج نقدي لكل من الحكومات الأوربية اليمينية ، وكذلك لرموز الحركات الليبرالية والإشتراكية [12].

وجذبت مقالات ماركس على وجه الخصوص الرقابة الحكومية على المطبوعات ، فأخذت تدقق في كل عدد من أعداد المجلات . وفعلاً فقد تم نشر مقالاً كان السبب وراء أزمة إعلامية بين الحكومة البروسية والمملكة الروسية . وحقيقة الأمر إن هذا المقال حمل إنتقاداً مكشوفاً للملكية الروسية ، فترتب على ذلك إن تقدم القيصر نيكولاي الأول بطلب بمنعها من الصدور ، وما كان على الحكومة البروسية من خيار إلا الإستجابة لطلب القيصر وصدر قرار حكومي بروسي بمنعها في عام 1443 [13]. وفي ظل هذه الأوضاع قرر ماركس على مستوى حياته الشخصية الزواج من خطيبته جيني في 19 حزيران 1843 وبعد سبع سنوات من خطوبتهما ، تمت المراسيم في الكنيسة البروتستانية في مدينة كرويتسناخ الألمانية [14].  

وبعد ذلك بدأ فصل جديد في حياة ” ماركس ” وتفكيره وجنس كتاباته . وهذا الفصل جاء عندم أصبح ماركس الناشر المشارك في الدورية الألمانية الفرنسية . وفيها إستهل ” ماركس ” تعاونه مع الإشتراكي الألماني آرنولد روج ، وهو من رموز جماعة الهيجليين الشباب ، والذي كان يعيش في باريس ، ويصدر هذه الدورية . وكان هدف ” آرنولد روج ” تجميع الراديكاليين الألمان والفرنسيين سوية في باريس . والحاصل من هذا العمل الجديد ، قرار ماركس بالإنتقال إلى باريس ، والعيش فيها مع زوجته ، ومن ثم أولاً مشاركة السكن مع عائلة ” آرنولد روج ” . وبعد ذلك السكن في شقة مستقلة وخصوصاً بعد ولادة إبنتهما جيني في عام 1844 [15].

وفعلاً فإن ماركس إستهل عمله في الدورية الألمانية الفرنسية ، بنشر مقالين في كل عدد ، وكانت مقالات ” ماركس ” على صورة سلسلة مقالات ، والسلسلة الأولى كانت بعنوان ” مدخل لمساهمة في نقد فلسفة هيجل في الحق [16]. والسلسة الثانية حملت عنوان ” القضية اليهودية [17]. وقدم ” ماركس ” المقالة الأولى من السلسة الأولى والمقالة الأولى من السلسلة الثانية ، وصدر العدد وهو العدد الوحيد وكان ناجحاً نسبياً . إلا إن الحكومات الألمانية منعته وصادرت نسخ مهمة منه . فكان رد فعل آرنولد روج ، برفض التمويل المالي للإعداد القادمة من الدورية . والنتيجة إنفراط عُروة الصداقة بين ماركس وآرنولد روج [18].

بدأ ماركس بُعيد إنهيار الدورية الألمانية الفرنسية ، بالكتابة والنشر في الصحف الراديكالية التي تصدر باللغة الألمانية والتي ليست عليها رقابة . وهي مجموعة صحف ترتبط بتجمع العدالة ، والتي تضم الإشتراكيين الطوباويين وجماعة الشيوعيين المسيحيين وجماعة العمال والفنانين السرية ، وكان شعارهم ” كل البشر إخوة [19]. وحضر ماركس بعض إجتماعاتهم ، غير إنه لم ينتمي إليهم [20]. ولكن بتأثيرهم بدأ ماركس بمراجعة أفكاره ووجهات نظره حول الإشتراكية ، وبالتحديد تمت المراجعة على أساس الأفكار الهيجلية والفيورباخية في المادية الديالكتيكية ، كما وجه في الوقت ذاته نقداً لكل من الليبرالية والإشتراكية الناشطة في القارة الأوربية [21].

إتصالات ماركس وإنجلز الأولى وهموم الإقتصاد السياسي

ومن الصحيح القول إلى أن هناك مراسلات جرت بين العضيد إنجلز وماركس ، إلا أن الأثنين لم يلتقيا وجه لوجه قبل عام 1844 [22]. وهذه قضية جداً مهمة للباحثين الأكاديميين ، لأننا نحسب إنه بعد هذه الفترة حدث تشابك جوهري وتداخل بين منظومة أفكار كلا الفيلسوفين الماركسيين . وهذا التشابك الفكري بقدر ما هو ميزة طبعت تفكير الإثنين ، إلا إننا في الوقت ذاته ، نحسب إن إنجلز كان السباق في معالجة أوضاع الطبقة العاملة التي ستحتل مكانة مرموقة في تفكير الإثنين وماركس على الأخص وتحت إسم البروليتاريا . كما وإن أبحاث ومؤلفات ومقالات إنجلز في مضمار الإقتصاد السياسي كان لها السبق على مباحث العضيد ماركس . وبالطبع إن كتابات وأبحاث إنجلز كونت مصادر ماركس في رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي .

وفعلاً ففي 28 آب من عام 1844 قابل ماركس الإشتراكي الألماني إنجلز في كافيه (مقهى) مركز الشطرنج الأوربي في باريس ، وبدأت صداقتهما طويلة الآمد . وحينها قدم أنجلز للعضيد ماركس كتابه المطبوع حديثاً ، والذي كان بعنوان ” شروط الطبقة العاملة في إنكلترا ” والمنشور في عام 1844 . وأرجو الإنتباه إلى تاريخ كتاب ” إنجلز ” لأنه مهم في معرفة التأثير الذي تركه العضيد ” إنجلز ” على تفكير العضيد ” ماركس ” . ومن ثم أقنع إنجلز ” ماركس ” بدور الطبقة العاملة في الثورة النهائية في التاريخ [23].

وحالاً بدأ ” ماركس ” و ” إنجلز ” بالتعاون في نقد الإفكار الفلسفية ، لصديق ماركس السابق ” برنو بوار ” من جماعة الهيجليين الشباب ، وهذا العمل المشترك طبع بعنوان إقترحه الناشر كما أشرنا أعلاه ، وهو ” العائلة المقدسة ” والذي تم نشره في عام 1845 [24]. وهذا العام جداً مهم وهو عام فاصل بين مرحلتين في تفكير كل من ” ماركس ” و ” إنجلز ” وبعده إختلطت أفكار الأثنين وتشابكت لحمتها بعظمتها كما يقال في المثل الدارج .

ولعل من الأعمال الرائدة ، التي جاءت بعد عملهما المشترك ” العائلة المقدسة ” ، الكتاب المشترك الثاني الذي أنجزه الأثنان ، وهو ” البيان الشيوعي ” والذي صدر في عام 1848 . ومن المعروف أن ” أنجلز ” ساعد ” ماركس ” مادياً ليتفرغ لإنجاز كتابه رأس المال والذي صدر عام 1867 ، وبعد موت ماركس ، قام ” إنجلز ” بمراجعة وإعداد ، المجلد الثاني والمجلد الثالث من رائعة ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” [25]. وكان من خطة ” أنجلز ” تنظيم ملاحظات ” ماركس ” في ” نظريات فائض القيمة ” ونشرها مجلداً رابعاً من رائعة ماركس رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . إلا إن إنجلز مات عام 1895 ولم يُنفذ خطته بنشر هذا المجلد (والذي سينتظر الماركسي كارل كاوتسكي ، وهو صديق ماركس وإنجلز ليصرف خمسة سنوات في إعداده ومن ثم نشره في ثلاثة مجلدات) وهي قصة قرأنا تفاصيلها في مقام آخر . كما وأسهم إنجلز في مضمار إقتصاديات العائلة [26] ، وهو مضمار سيتفرد به إنجلز لوحده .

ومن النافع أن نشير هنا إلى إن النقد الذي مارسه كل من ماركس وإنجلز لأفكار جماعة الهيجليين الشباب في كتاب العائلة المقدسة ، بوعي أو دون وعي فيه كذلك عملية نقد ذاتي لكل من تفكير ماركس وإنجلز في تلك الفترة .  فمن المعروف إن ” ماركس ” كان واقعاً تحت تأثير الهيجليين الشباب ، وخصوصاً كل من ” ماكس ستبنر ” و ” لودفيغ فيورباخ ” . ولكن ما إن جاءت لحظة إنجاز عملهما المشترك ” العائلة المقدسة ” إلا وجاء مصاحباً لها قرار ” ماركس ” و ” إنجلز ” بهجر كل من هيجلية الشباب ، و المادية الفيورباخية كذلك [27]. كما ولاحظنا إنه في باريس بدأ ماركس يُركز دراساته وأبحاثه على نقد الإقتصاد السياسي وخصوصاًعند كل من آدم سميث ، وريكاردو ، وجيمس ميل وهذه قصة قرأناها في مناطق أخرى من هذا البحث .

كتابات ماركس الفلسفية وعلاقتها بالهم الإقتصادي السياسي

والبداية سؤال ميثديولوجي بالغ الأهمية يخص كتابات ماركس الفلسفية وعلاقتها بمشروعه في نقد الإقتصاد السياسي ، وهو المشروع الذي رهن حياته برمتها له ، وبالمقابل وعلى حسابه هجر الفلسفة ومباحثها دون رجعة إلى مضمارها التأملي العتيد ، وسؤلنا ؛ ماهي إنجازات ماركس وكتاباته في مضمار البحث الفلسفي ؟ وما هو المضموم في كتاب ماركس ” بؤس الفلسفة ” وما علاقته بكتاب الفوضوي الفرنسي بيير جوزيف برودن ، الذي حمل عنوان ” فلسفة البؤس ” ؟ ونبدأ بالسؤال الثاني لا بسبب إن له علاقة بمضمار الفلسفة العتيد ، وهذا ما نتمناه ، ولكن كتاب فلسفة البؤس (الفقر) له علاقة بمضمار نقد الإقتصاد السياسي عند ماركس ، وهذه هي الضميمة في كتاب ” بؤس الفلسفة ” .

فعلاً فقد لاحظنا إن ” ماركس ” نشر كتابه المشهور ” بؤس الفلسفة ” عام 1847 ، وكان ماركس يومها في باريس ، وهو بالطبع رد على الحجج الإقتصادية والفلسفية للفوضوي (والأدق اللاسلطوي) برودن . وللحقيقة إن كتاب برودن هو الذي ألهم ماركس على كتابة ” بؤس الفلسفة ” . ولما كان كتاب برودن يعالج الفقر ، وهي قضية إقتصادية محضة وبالطبع تُعاني منها في مقدمة طبقات المجتمع ، الطبقة العاملة ، فإن ماركس دقق في هذه القضية وجادل برودن فيها وفي حججها الفلسفية . ولعل من المفيد أن نُضيف إلى معلومات القارئ الكريم إلى إن عنوان كتاب برودن الكامل جاء بالصيغة الآتية ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر (البؤس) ” .

ونحسُب إن في كتاب برودن طاقة روحية في نقد الرأسمالية وإقتصادها السياسي . ولكن الذي حدث هو توتر ماركسي من هذا الكتاب الرائد في نقد الإقتصاد السياسي . على كل هذه قضية تخص الطرف السياسي من تفكير ماركس . أما الحقيقة الموضوعية فإن في كتاب برودن فلسفة الفقر ما يتعدى ذلك ويُشكل مصدراً من مصادر نقد الإقتصاد السياسي عند ماركس . ولعل الشاهد التاريخي هو تاريخ نشر كتاب برودون ومضمونه . ومن طرف تاريخ النشر ، فإن برودن نشره عام 1847 أي قبل رائعة ماركس بعشرين عاماً . بل وقبل نشرة البيان الشيوعي ، وهو العمل المشترك الثاني مع إنجلز بسنتين .

وحتى إذا عدنا إلى الوراء وإلى نصوص ماركس الأولى في نقد الإقتصاد السياسي ، فإننا نواجه حقيقة أخرى تعمل لصالح برودن ولا تعمل لمصلحة ماركس . فمثلاً نشر ماركس بحثه الأول والذي حمل عنوان ” مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ” في عام 1859 . وهذه الشهادة تقدمها لنا السيرة الذاتية وقوائم مؤلفات ماركس حسب تاريخ صدورها ، فإن هذه النشرة ، تمنح برودن السبق التاريخي على ماركس بحدود إثنتا عشر سنة [28]. وربما غاب هذا المصدر الإقتصادي المعاصر على دائرة تفكير ماركس عندما دشن مباحثه في نقد الإقتصاد السياسي ، أو تجاهله بقصد وهنا ندعو الباحثين الأكاديميين إلى إجراء أبحاث تقارن بين كتاب برودن تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر ” ونصوص ماركس الإقتصادية ، وبالتحديد في مضمار نقد الإقتصاد السياسي ، ومن ثم بيان مقدار وحجم الحاضر والغائب فيها من كتاب برودن ” فلسفة الفقر ” .

وهنا نقدم لأول مرة في تاريخ الثقافة العربية ، عرضاً مُكثفاً لكتاب برودن ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر ” . والذي تكون من مدخل وثمانية فصول ، وجاءت بالشكل الأتي :

أولاً – المدخل وجاء بعنوان ” فرضيات الله ” .

ثانياً – الفصل الأول وكان بعنوان ” حول علم الإقتصاد ” وتألف من محورين :

1 – التناقض بين الحقيقة والصحيح في الإقتصاد الإشتراكي .

2 – نظريات غير صالحة وإنتقادات غير جديرة .

ثالثاً – الفصل الثاني وحمل عنوان ” حول القيمة ” وتكون من ثلاثة محاور :

1 – تناقض القيمة في الإستعمال ، والقيمة في التبادل .

2 – قانون القيمة وتعريف الثروة .

3 – تطبيقات قانون القيم التناسبية .

رابعاً – الفصل الثالث وكان بعنوان ” تقييم الإقتصاد ” – الفترة الأولى – تقسيم العمل ، وناقش فيه برودن ، قضيتيين :

1 – النتائج المعادية لمبدأ تقسيم العمل .

2 – المسكنات (منا : الحلول) المؤقتة ؛ وقدم برودن قائمة مختصرة للذين ساهموا في هذه الحلول وبالطبع رجال الإقتصاد من أمثال بروفسور الإقتصاد الفرنسي ” أم أم بلانكي ” (1798 – 1854) والذي كان حياً ويكتب خلال الفترة التي عاش فيها ماركس في باريس ، و أم . شوفاليه ، ودنوير ، وروسي ، وباسي .

خامساً – الفصل الرابع وحمل عنوان – الفترة الثانية – الألة (أو الميكانيكا) ، وتكون من ثلاثة محاور ، وهي :

1 – حول وظيفة الألة (الماكنة) وعلاقتها بالحرية .

2 – تناقضات الألة – أصل رأس المال والأجور .

3 – التحفظات من الأثر الكارثي للألة .

سادساً – الفصل الخامس ، وكان عنوانه – الفترة الثالثة – التنافس ، والذي ناقش فيه برودن ثلاثة قضايا ، وهي :

1 – ضرورة التنافس .

2 – الأثار المدمرة للتنافس ، وأثرها على الحرية .

3 – معالجات شافية للتنافس .

سابعاً – الفصل السادس – وحمل عنوان – الفترة الرابعة – الإحتكار ، ودرسه برودن في طرفين :

1 – ضرورة الإحتكار .

2 – الكوارث في العمل ، وتشويه الإفكار الناتجة من الإحتكار .

ثامناً – الفصل السابع والذي جاء بعنوان – الفترة الخامسة – البوليس (الشرطة) ، أو نظام الضرائب . وناقشها برودن في محاور ثلاثة ، وهي :

1 – الفكرة التكوينية (التركيبية) للضريبة – نقطة الإفتراق وتطور هذه الفكرة .

2 – تناقض قوانين الضريبة .

3 – النتائج الحتمية المدمرة للضريبة (المؤن ، قانون النفقات ، الشرطة العسكرية والريفية ، براءات الإختراع ، العلامات التجارية .. ألخ) .

تاسعاً – الفصل الثامن والذي جاء بعنوان طويل (بدرجات ما) وهو ” مسؤلية الإنسان ومسؤلية الله ، في ظل قانون التناقض ، أو حل مشكلة العناية الإلهية ” . ودرس هذا لفصل في محورين :

1 – لوم الإنسان (منا : وتحميله مسؤولية) – تفسير إسطورة السقوط (منا : السقوط من الجنة) .

2 – تفسير إسطورة العناية الإلهية – تراجع (منا : نكوص) الله [29].

حضور مصادر رائعة برودن فلسفة البؤس في كتاب رأس المال

نحسبُ إنه من المفيد الإشارة إلى إن برودن وخصوصاً في كتابه تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسقة البؤس (الفقر) . قد أباح لنا بالمصادر التي عبرت إلى ماركس ومن خلاله إلى كتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، وبالتحديد منها كتابات بروفسور الإقتصاد الفرنسي أم . بلانكي (1798 – 1854) والذي كتب مجموعة من الكتب في الإقتصاد والإقتصاد السياسي ، وخصوصاً موسوعته التاريخية في الإقتصاد السياسي ، والتي لا يحق لمن يعرف اللغة الفرنسية (والكلام يشمل كل من إنجلز الذي كتب أولاً في نقد الإقتصاد السياسي ، ومن ثم ماركس الذي بدأ يكتب في مضمار الإقتصاد السياسي ثانياً) من أن يتجاوز كتابات بلانكي الإقتصادية . ومن الثابت إن كتب بلانكي قد جاء ذكرها في رائعة برودن ” فلسفة الفقر ” والتي قرأها ماركس بعمق ومن ثم رد عليها في كتابه ” بؤس الفلسفة ” . وبذلك مكننا ” برودن من الإمساك ببعض مصادر ماركس الفرنسية في الإقتصاد عامة والإقتصاد السياسي خاصة . وهنا نقدم إستشهاداً بمؤلفات بلانكي الإقتصادية :

1 – تاريخ الإقتصاد السياسي في أوربا منذ القديم وحتى اليوم (منا : كان بلانكي يتحدث عام 1837) ومعه ببلوغرافيا والأعمال الكبيرة حول الإقتصاد السياسي (طبع عام 1837) وقد أعيد نشره في طبعات عدة ، مثلاً في عام 1842 ، و 1845 ، و1860 .

2 – تاريخ معرض المنتوجات الصناعية الفرنسية (طبع عام 1827) .

3 – الجزائر : تقرير حول الموقف الإقتصادي في ممتلكاتنا في أفريقيا الشمالية (طبع عام 1840) .

4 – رحلة الفرنسي الشاب في إنكلترا وإسكوتلندا خلال خريف 1823 (طبع عام 1824) .

5 – إزالة غابات الجبال (طبع عام 1846) .

6 – معجم الصناعة والتجارة (مع عدد من المؤلفين) .

وبالطبع إن مصدرنا المعرفي عن البروفسور بلانكي ومساهماته ، هو الإشتراكي اللاسلطوي (الطوباوي) برودن وكتابه ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر ” والذي عارضه ماركس بكتابه المعنون ” فقر أو بؤس الفلسفة “. والحقيقة إن كل هذا الطرف المعرفي وبتفاصيله غائب عن بنية المشروع الإسلامي للإقتصاد ، والمذهب الإقتصادي في الإسلام . حيث لم ترد كلمة واحدة عن كتاب برودن ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر ” فيهما على الإطلاق . وهذا شاهد على إن المشروع والمذهب وقعا تحت تأثير ماركس ورائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ، والتي كانت مصدراً بدرجات ما لكل من المشرع الإسلامي  للإقتصاد والمذهب الإقتصادي في الإسلام . وهنا يمكن القول أن رائعة ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” قد تجاهلت بقصد ووعي ، وأهملت مصدراً معاصراً مهماً في نقد الإقتصاد الإشتراكي وبالطبع الرأسمالي على حد سواء .

ومن المعلوم إن برودن قد عالج في رائعته الإقتصادية ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة البؤس (الفقر) ” الإقتصاد علماً . بينما لم يتناول ماركس الإقتصاد علماً صرفاً مثلما فعل برودن  ، وإنما إقتصاد سياسي (كما إن برودن كتب قبل ماركس بزمن ملحوظ ، وذلك حين عالج الإشتراكية علماً وتحدث عما أسماه العلم الإشتراكي ، رغم إننا نتحفظ على مصطلحات الأثنين ؛ برودن أولاً وماركس ثانياً وبالتحديد في إصطلاح العلم الإشتراكي) . بل وحتى إن نقد ماركس لهذا الإقتصاد (أي الأقتصاد السياسي) جاء من زاوية سياسية ومذهبية وهي الماركسية . وهنا تتضح ضميمة ماركس في التعامل مع الإقتصاد ، ومن ثم ضميمة المتابعة لكل من المشروع الإسلامي للإقتصاد  والمذهب الإقتصادي في الإسلام له ، والتعامل مع الإقتصاد مذهباً وليس علماً كما تناوله برودن .

وإستكمالاً للبحث في مضمار إهتمام ماركس في نقد الإقتصاد السياسي ، والذي سيكون مقدمات تاريخية لرائعته ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي ” . فإننا وجدنا إن ماركس خلال عامي 1857 و1858 كتب مؤلفه الذي حمل عنوان كراوندرايز ” أسس نقد الإقتصاد السياسي ” والذي كتبه قبل رائعته ” رأس المال … ” بحدود عشرة سنوات ،. وعلى هذا الأساس نحسب إن مؤلفه ” أسس نقد الإقتصاد السياسي ” يعدُ أول توسيع علمي لنظريته في الشيوعية ، وهذا المؤلف ضم سبعة مجموعات من مخطوطات كتاب ملاحظاته ، والتي دارت حول ” رأس المال والنقود ” وحججه التي أوجزها في البيان الشيوعي عام 1848 ، والذي صاغ فيه الموضوعات والإطروحات التي هيمنت على رائعته رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي .

ولاحظنا إن ماركس وضع هنا ولأول مرة رؤيته الخاصة بديالكتيك هيجل في مسار ورؤية ماركسية ناضجة ، وخصوصاً في العمل وفائض القيمة والربح . إضافة إلى إنه قدم بصيرة جديدة في موضوع الإغتراب (أي الإغتراب عن العمل) ، فإنه عالج مضمار المكننة ، ومخاطر المجتمع الرأسمالي . ومن هنا تأتي أهمية النظريات التي تناولها ماركس في كتابه أسس نقد الإقتصاد السياسي . وبالتحديد من طرف أهميتها لكتابه رأس المال وفلسفته على وجه العموم ، حيث قدم فيه بصيرة متفردة حول أسس الدولة الشيوعية [30].

تخلي ماركس عن مضمار الفلسفة لصالح نقد الرأسمالية

وجواباً على السؤال الثاني الذي رفعناه أعلاه ، ونحن ندقق في كتابات ماركس الفلسفية التي تخلى عنها لصالح برنامجه السياسي ومن ثم مشروعه في نقد الرأسمالية أو بعنوانه المتداول نقد الإقتصاد السياسي . فنحن نحتفل بكل تراث ماركس ، ولكن الأقرب إلى وريدنا ، وهي كتاباته الفلسفية ، والتي حكم عليها بكونها نوعاً من البؤس ، وهذا عنوان كتابه المشهور  والذي قال عنها بأنها فلسفة تأملية ومن ثم وجه نقده لها ، وبالمقابل كان يتطلع إلى تحويل الفلسفة إلى علم من العلوم حالها حال الكيمياء ، وهذه قضية كونت ما يُسمى بالمشكل العلمي للفلسفة في التراث الماركسي عامة ومشروعه فقر الفلسفة أو بؤسها خاصة [31].

وكتاب بؤس الفلسفة  لم يُنشر في حياة ماركس كاملاً ، إلا إنه نُشر لأول مرة بالألمانية بعد وفاته بسنتين ، وبالتحديد في عام 1885 ، والكتاب أصلاً كُتب بالفرنسية ليكون كتاب مواجهة مع كتاب برودن فلسفة الفقر أو البؤس ، والذي كان متداولاً بالفرنسية وهي لغة برودن . ومن ثم نًشر بالروسية في عام 1886 أي بعد وفاة ماركس بثلاث سنوات . وصدرت نشرته الإنكليزية في لندن عام 1900 وفي مطبعة القرن العشرين ، ومن ثم صدر في الولايات المتحدة الأمريكية وبترجمة أول ماركسي بريطاني ، وهو ” هيري كليش ” (1858 – 1913) [32].

والحقيقة إننا مُحبي الفلسفة وعشاقها نأسف كثيراً على تخلي ماركس عن مضمار الفلسفة العتيد ومن ثم إصدار حُكمه عليها بأنها بؤس أو فقر ، إلا إننا نحتفل بكتاباته الفلسفية بدءاً بإطروحته للدكتوراه ، والتي كانت في الفلسفة اليونانية بطرفيها الهيليني والهيلينستي ، وفي مضمار فلسفتي مدرسة ديمقريطس (الهيلينية) ومدرسة أبيقور (الهيلينستية) وفي موضوع الفلسفة الطبيعية ، والتي أكملها عام 1841 . والتي سكت عنها طويلاً . وإذا كان في قلبه وجع من الجامعات الألمانية ، والحقيقة من الحكومة البروسية الألمانية ، التي فرضت سياساتها على الجامعات ، وبقرار سياسي بغيض سد أبواب الجامعات بوجه الفلاسفة الراديكاليين ، فكان الحاصل هو إنها سدت الطريق بوجه ماركس في العمل الجامعي لأسباب سياسية ، وذلك بحجة كونه من جماعة الهيجليين الشباب ، فكان قدره الوجع والمعاناة والإنتاج الغزير وهو طريق الفلاسفة الحقيقيون .

ومن ثم كتب ماركس واحداً من كتبه المهمة في مضمار الفلسفة ، والذي لم يلقى الأهتمام المطلوب ، ونحسبُ إنه بمنزلة البيان الشيوعي ، وهو كتاب البيان الفلسفي والمدارس التاريخي للقانون ، والذي صدر في عام 1842 أي بعد أكمال إطروحته للدكتوراه بعام واحد [33]. ومن ثم جاء كتابه الذي حمل عنوان نقد فلسفة الحق عند هيجل في عام 1843 [34].

ورغم تخلي ماركس عن الفلسفة ، فإنه لم يتخلى عنها على الإطلاق ، بل ظل يحن إلى البحث الفلسفي ، ويمسه في كل أبحاثه وكتبه بعمق سريع ومركز . فمثلاً في عام 1945 كتب فصلاً موجزاً ، هو في الأصل ملاحظات فلسفية موجزة ، ظهر في كتاب الأيديولوجيا الألمانية ، وهي مجموعة مخطوطات كتبها ماركس وإنجلز في بروكسل ما بين عامي 1845 و1846 ، ولم يعثر إنجلز حينها على ناشر لها ، وظلت بعيدة عن الأضواء حتى تم نشرها عام 1932 [35] أي بعد وفاة ماركس بتسعة وأربعين عاماً . ولاحظنا إن هناك كُتيب ظهر بعنوان ” الإطروحات الستة لفلسفة فيورباخ ” ، وهو من مراجعة ونشر فردريك إنجلز عام 1888 [36].

وقفة أكاديمية عند عتبات أبحاث فردريك إنجلز

أما العضيد إنجلز ، فحاله مختلف عن حال عضيده ماركس ، فإنجلز في واقع الحال لم يكن أكاديمياً على الإطلاق ، حيث إنه لم يكمل الدراسة الثانوية ، بل تركها بسبب الظروف الصعبة التي مرت بها العائلة . وكان إنجلز الولد الأكبر للصناعي الإلماني الثري ” فردريك سنير ” والذي كان يملك ويُدير معملاً للصناعات القطنية . وكان على المذهب الإنجيلي (الأنجليكاني) . وعلى أساس هذا المذهب العقيدي اللوثري البروتستاني أنشأ ولده ” فردريك جنير ” وعلى مبدأ التقوى المسيحية .

إلا أن ظروف الفتى ” فردريك ” عندما بلغ سن الفتوة ، سارت به نحو شواطئ متعارضة وتوجهات والديه ، ولذلك كانت علاقته بهم محكومة بنوع من الشد والتوتر ، والسبب إن الفتى ” إنجلز ” أخذ يُجاهر بعقيدة إلحادية [37]. وفعلاً فإن القارئ لمقاطع من الرسالة التي بعثتها أمه له ، وهو متخفي من ملاحقة الشرطة له في بروكسل (عاصمة المملكة البلجيكية يومذاك) يدرك حجم الألم الذي كان يُعاني منه الوالدان ، حيث تقول الوالدة ” حقيقة لقد تطرفت وذهبت إلى أبعد الحدود ” و ” أتوسل إليك ” أن ” لا تتطرف أبعد من ذلك [38].

ولاحظنا إنه في عمر السابعة عشرة ربيعاً ، وبالتحديد في عام 1838 ترك إنجلز المدرسة الثانوية ، وصرف سنة كاملة في مدينة بريمن الألمانية ، حيث أرسله والده للعمل هناك ” كاتباً في البيت التجاري ” . وكانت تصورات وتوقعات العائلة ، إنه سيتابع خطى والده ، ويكون رجل أعمال . إلا إن نشاطات الفتى الثورية دفعت به إلى مسارات مخيبة لأمال الوالدين [39]. وبينما كان ” إنجلز ” في بريمن ، بدأ يقرأ فلسفة هيجل ، والتي كانت مهيمنة على مناحي الفلسفة الألمانية . وفي سبتمبر 1838 نشر الفتى أنجلز ، أول كتاب له ، وكان قصيدة شعرية بعنوان ” البدوي [40].

وفي قصيدة البدوي روح إستشراقية ، وهي نزعة أدبية عمت الأدب الأوربي عامة والألماني خاصة يومذاك ، وفعلاً فإن في القصيدة مصادر تُدلل على هذه النزعة الإستشراقية (والتي تصعد إلى الشاعر غوتة إستبطاناً ، وشيلر صراحة) والقصيدة إختار لها إنجلز مسرحاً صحراء في مراكش (المغرب) ، والشخصيات ؛ بدوية مراكشية ، وجمال (البعير) ونخيل ، ومن ثم تتحاور الشخصيات البدوية الماركشية أو الأدق تدخل في حوار مع شخصيات أوربية (ألمانية ترتدي ملابس فرنسية) . وتألفت مقاطع قصيدة البدوي في هذه النشرة ، من أربعين بيتاً . وهنا نوفر لأول مرة باللغة العربية ، ترجمة لبعض مقاطع شعرية منتخبة منها ، حيث يقول إنجلز :

” وفي هذه اللحظة أخذت الأجراس تصدح

وحالاً إرتفعت الستارة الحريرية بسرعة

والجميع في حالة خشوع وترقب

وهم يتطلعون إلى إطلالة المساء .

………………………..

(ومن ثم يقول أنجلز)

ويسكن أولاد الصحراء الفخر والحرية

(وأراهم) يتمشون نحونا

فحيونا بتحية وجه لوجه

إلا أن الفخر تلاشى تماماً

وضاعت الحرية دون أثر .

………………………..

وخلال رمال مراكش الساكنة الحارقة

وخلال الوديان حيث أشجار النخيل تتمايل

بل وخلال حدائق الفردوس

………………………..

إذهبوا إلى بيوتكم

أيها الضيوف الغرباء

فإن ملابسكم الصحراوية

لا تنتمي إلى معاطفنا

وصدرياتنا الباريسية

بل ولا تنتمي إلى آدبنا وأغانينا ” [41].

وإضافة إلى كتابة قصيدة البدوي ، فإن الفتى أنجلز إنخرط في العمل الصحفي والأدب [42]. ومن ثم في عمر الثامنة عشر إلتحق بالعمل السياسي الراديكالي [43].

وعندما ناهز إنجلز الحادية والعشرين من العمر ، إلتحق بجيش الدولة البروسية (الألمانية) ، وكان في فرقة المدفعية في برلين . فكانت فرصة في غاية الأهمية في تنمية خياراته العقلية والفكرية . وفعلاً فقد تحول إلى مواظب على حضور المحاضرات في جامعة برلين . ومن خلالها إرتبط بجماعة الهيجليين الشباب . والطرف الأكثر أهمية في حياته في برلين ، إنه بدأ ينشر مقالاته تحت إسم مجهول ، في صحيفة ” راينلاند ” التي كان رئيس تحريرها (أو محررها) كارل ماركس [44]. ومن الملاحظ إن ” أنجلز ” عرض في مقالاته ” أوضاع العمال الفقراء ، وكشف عن شروط حياتهم البائسة في المصانع ” [45]. إلا إن إنجلز لم يلتقي ماركس حتى نوفمبر عام 1842 [46]. و ” إنجلز ” يعترف بصراحة عن عمق الأثر الذي تركته الفلسفة الألمانية على مسارات تفكيره ونموه العقلي وخلال حياته برمتها [47].

مانشستر البريطانية وهموم إنجلز بالطبقة العاملة والإقتصاد السياسي

وفي عام 1842 قرر والدي إنجلز إرساله إلى مانشستر إنكلترا ، وكان يومها ” إنجلز ” إبن الثانية والعشرين ربيعاً ، وذلك للعمل في مكاتب المركز الصناعي في ويستي ، وبالتحديد ليعمل في مكاتب إيرمان وإنجلز (وهي شركة أسسها والده والصناعي ألبرتوز أيرمان في مانشستر عام 1837) وهي متخصصة بصناعة النسيج [48]. وكان الوالد مُقتنع بأن هذا العمل ربما سيحمل ولده إنجلز على إعادة النظر في أفكاره الليبرالية [49]. وزار ” أنجلز ” أثناء طريقه إلى مانشستر مكتب صحيفة ” رينلاند ” وقابل ” ماركس ” لأول مرة . إلا إن الزيارة كانت مُحاطة بجو من البرود . ولذلك لم تُحقق مُقاربة بين الإثنين ، والسبب هو إعتقاد ماركس الخاطئ بأن ” إنجلز لازال مرتبط بجماعة الهيجليين الشاب ، والتي أنشق ماركس حديثاً منها ” [50].

وكانت مدينة مانشستر ، والمركز الصناعي ، وهموم إنجلز في أوضاع الطبقة العاملة ، فرصة مهمة في توفير المعطيات الأولية لأبحاثه المستقبلية ، كما وكان له الآثر في حياته الشخصية . فبعد إن حطت قدماه في مانشستر لأول مرة  ، ويُرجح إنها حدثت في ديسمبر 1942 . ففي أوائل عام 1843 تعرف إنجلز على الإيرلندية ” ماري بيرنر ” (1823 – 1863) وهي عاملة شابة وذات شخصية تتميزبنوع من الحشونة والعنف ، كما كانت تؤمن بآراء راديكالية [51]. وتطورت علاقتهما العاطفية وعاشا سوية كزوجين حتى وفاتها المفاجئ في 7 كانون الثاني من عام 1863 . وبالرغم من الشائع إنهما كانا متزوجين ، فقد كان كلاهما معارضين سياسياً للبرجوازية وتقاليدها في الزواج ولذلك لم يتزوجا على الإطلاق . ولاحظنا إن إنجلز كان ينظر إلى الزواج الأحادي (الزواج من أمرأة واحدة وزوج واحد) على إنه فضيلة . إلا إنه في الوقت ذاته يعتقد بأن الزواج الذي تنظمه الدولة والكنيسة ، هو شكل من أشكال ” الإضطهاد الطبقي ” . ومن المفيد الإشارة إلى إن السيدة بيرنر قد صاحبت إنجلز في جولات في مانشستر وسالفورد ، وبصرته بالمناطق العمالية الأسوء حالاً والتي يحتاج إلى توثيقها في أبحاثه [52].

ولعل المهم هنا ، هو الإشارة إلى أعمال ” إنجلز ” الإقتصادية المبكرة والتي لها علاقة برائعة ” ماركس ” رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي . وبالطبع أعمال ” إنجلز ” التي تقدمت على كتاب ” ماركس ” بأشواط زمنية . فمثلاً كتب ” إنجلز ” أول عمل إقتصادي عام 1843 (أي قبل رأس مال ماركس بأربع وعشرين سنة) وبعنوان له علاقة بعنوان كتاب ” ماركس ” ، وخصوصاً الجزء الثاني من العنوان ، وهو ” موجز نقد الإقتصاد السياسي ” . وبالمناسبة إن ” أنجلز ” أرسل هذا المقال إلى ” ماركس ” وهو في باريس ، فنشره عام 1844 في مجلته هناك . وهذا طرف مهم يحتاج إلى دراسة أكاديمية تقرأ كتاب ” ماركس ” رأس المال : نقد االإقتصاد السياسي ” والذي نُشر لأول مرة عام 1867 ، ومقالة ” أنجلز ” المعنونة ” موجز نقد الإقتصاد السياسي ” . ونحسبُ من الإنصاف أن نُشير إلى أن ” ماركس ” كتب ونشر قبل رأس المال عمله الإقتصادي المعنون ” مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ” وبالتحديد في عام 1859 ، أي بعد عمل ” إنجلز ” بخمسة عشر سنة [53].

والحقيقة إن المسألة لم تنتهي عند هذه الحدود ، ونحن نُنقب عن السبق التاريخي في مباحث الإقتصاد بين العضيدين ؛ إنجلز و ماركس ، عامة ونقد الإقتصاد السياسي خاصة ، فقد وجدنا إن ” ماركس ” بعد إن نشر مقال ” إنجلز ” المعنون ” موجز نقد الإقتصاد السياسي ” والذي أرسله إلى ” ماركس ” في باريس عام 1843 ، ومن ثم نشره في مجلته في عام 1844 ، فإن ” ماركس ” كتب مخطوطة بعنوان ” الإقتصاد والمخطوطات الفلسفية عام 1844 ” وهي إشارة إلى مخطوطات باريس ، وهي في حقيقتها مجموعة ملاحظات كتبها ” ماركس ” ما بين نيسان وآب عام 1844 ، وهو تاريخ يؤشر مرور عام على إرسال ” أنجلز ” لمقالته المعنونة ” موجز نقد الإقتصاد السياسي ” إلى ” ماركس ” في باريس .

ولا نعلم لماذا لم يُنشر ماركس ” الإقتصاد والمخطوطات الفلسفية عام 1844 ” على الإطلاق في حياته (أي ماركس) ؟ ونحن نحسبُ إن الجواب ليس مُسجلاً على ظهر الغيب . وإنما يعودُ إلى أن ” ماركس ”  إستفاد بصورة مكشوفة من مقال ” إنجلز ” ” موجز نقد الإقتصاد السياسي ” . ولعل الشاهد على ذلك إن عمل ” ماركس ” ظل مركوناً وبعيداً عن النشر والتداول ، إلى أن جاء عام 1927 (أي بعد موت ماركس بإربع وأربعين عاماً) ، فقام مجموعة من الباحثين في الإتحاد السوفيتي بنشره . وظهرت فيه مجموعة ملاحظات لكارل ماركس ، وهي ملاحظات مبكرة (أرجو الإنتباه إلى كلمات ملاحظات مبكرة) تحليلية لعلماء الإقتصاد الكلاسيكي من أمثال آدم سميث بصورة رئيسية [54]. ونحسب هذه الملاحظة الماركسية كافية لتحملنا على دعوة الأكاديميين إلى إنجاز دراسة تقويمية لعمل ” ماركس ” المعنون ” الإقتصاد والمخطوطات الفلسفية عام 1844 ” وعلى أساس عمل عضيده ” إنجلز ” المعنون ” موجز نقد الإقتصاد السياسي ” .

والحقيقة إن إنجلز من الطرف التاريخي يُعد الرائد في الكتابة في مضمار عمل الأطفال ، ومن ثم تلته مجموعة مقالات نشرها له ” ماركس ” في باريس ، وبعنوان ” شروط الطبقة العاملة في مانشستر ” ، ومن ثم جمعها ” أنجلز ” ونشرها في رائعته التي حملت عنوان ” شروط الطبقة العاملة في إنكلترا ” والذي كتبه ما بين سبتمبر 1844 وأذار 1945 ، والكتاب طبع في ألمانيا عام 1845 (والأدق 1844 حيث في لقاء إنجلز وماركس الأول في باريس ، أطلع إنجلز عضيده ماركس على كتابه ” شروط الطبقة العاملة في إنكلترا ” والمنشور في عام 1844) [55]. وبالمناسبة أن ” أنجلز ” وصف في هذا الكتاب ” المستقبل المُعتم للرأسمالية والعصر الصناعي ” . والكتاب تُرجم إلى الإنكليزية ، ونُشر عام 1887 . أي بعد وفاة ” ماركس ” بأربعة سنوات فقط [56]. وهذه هي ليست الترجمة الإنكليزية الأولى وإنما سبقتها ترجمة إنكليزية أخرى وتقدمت عليها بحدود سنتين .

ومن ثم قرأ ” ماركس ” كتاب ” إنجلز ” ” شروط الطبقة العاملة في إنكلترا ” وكان مفتوناً به . وفعلاً فقد تبنى ” ماركس ” فكرة ” إنجلز ” القائلة : بضرورة أن تقود الطبقة العاملة الثورة ضد البرجوازية ، وهي التي تقود المجتمع نحو ضفاف الإشتراكية . وفعلاً ففي عام 1885 نشر ” إنجلز ” الطبعة الإنكليزية لهذا الكتاب . والتي قام بترجمتها الأمريكي فلورنس كيلي ، وبتفويض وتقديم فردريك إنجلز ، ومن ثم نشر مرة أخرى في نيويورك عام 1887 ، وفي لندن عام 1891 ، ومن ثم ظهرت له طبعة حديثة [57].

حول ريادة إنجلز في مضمار إقتصاديات العائلة

ولاحظنا إلى أن أنجلز لم يتوقف عن الكتابة بعد وفاة عضيده ماركس ، وبالتحديد في أطراف من الإقتصاد السياسي ، وبصورة خاصة في مضمار إقتصاديات العائلة . ويبدو لنا إن ماركس غادر هذا العالم في عام 1883م ، إلا إنه كان حاضراً في إهتمامات وكتابات العضيد إنجلز . وفعلاً فقد كتب ” إنجلز ” كتابه المعنون ” إصول العائلة ، الملكية الخاصة والدولة ” في عام 1884 أي بعد عام من وفاة ” ماركس ” أو أقل من ذلك .

ولهذا الكتاب قصة لها طرفان ومفادها ، هو إن كتاب ” إصول العائلة ، الملكية الخاصة والدولة ” له علاقة مرجعية بأول مشروع تعاون بين ” إنجلز ” والعضيد ” ماركس ” والذي يصعد إلى الوراء إلى أكثر من أربعة عقود من الزمن . وهو كتاب ” العائلة المقدسة ” والذي رأى النور عام 1844 . وبالرغم من إن عنوان هذا الكتاب لم يكن من إختيار ” ماركس ” أو ” إنجلز ” وإنما من إختيار الناشر ” لونثيل ” ، وهو في حقيقته عنوان نقدي ساخر من الهيجلين الشباب [58]، فإن عنوانه ظل فكرة تُدغدغ تفكير ” إنجلز ” وذلك بما تحمله فكرة العائلة من علاقة بالرأسمالية .

أما الطرف الثاني من القصة ، هو أن كتاب ” إصول العائلة ، الملكية الخاصة والدولة ” هو من الكتب المهمة من الزاوية الإقتصادية وبالتحديد من طرف عمل المرأة والذي له علاقة بنقد الرأسمالية أو نقد الإقتصاد السياسي . حيث فيه إنجلز يدعو إلى إحداث تغيير في التقاليد ، وخصوصاً في نظام الأسرة . وكتبه عندما ناهز الرابعة والستين عاماً ، وهو حينها كان في أعلى درجات نضوجه الفكري . وفيه نظرة تاريخية للعائلة وعلاقتها بالطبقة ، وخضوع المرأة إلى شروط الملكية الخاصة [59]. ومن الطرف التاريخي لاحظنا إن ” أصل العائلة ، والملكية الخاصة والدولة ” هو في الإصل رسالة نهضت على المنهج المادي التاريخي ، وهي بصورة جزئية مؤسسة على ملاحظات ماركس التي سجلها على كتاب الإنثروبولوجي الأمريكي ” لويس هنري مورجن ” (1818 – 1881) والمعنون ” المجتمع القديم [60].

تعقيب ختامي :

ولعل أهمية كتاب عالم الإنثروبولوجيا الأمريكي مورجن ، وكتابه المجتمع القديم ، ومن ثم تأثيره على تفكير كل من ماركس أولاً ومن ثم إنجلز ثانياً ، يحملنا على الإمساك بقوة بمصدر مهم من مصادر نقد الإقتصاد السياسي في كتابات كل من العضيدين ماركس وإنجلز . ولكل هذا نحسب أن كتاب لويس مورجن ” المجتمع القديم ” يُعدُ بنظر العديد من الأكاديميين ، هو واحد من الأعمال الكبيرة الرائدة في مضمار إقتصاديات العائلة .  وفعلاً فإن أنجلز بالإضافة إلى تأثره بكتاب مورجن ” المجتمع القديم ” ، فإنه تابع إطروحة مورجن ، التي أودعها كتابه الذي حمل عنوان ” القرابة والتركيب الإجتماعي ” . كما وإن مورجن هو الأمريكي الوحيد الذي أستشهد بكتاباته كل من ماركس ، وبالطبع إنجلز كذلك ، وتشارلز داروين (1809 – 1882) وسيجموند فرويد (1856 – 1939) [61].  وبالطبع كل هذه التطورات التي تكون الخلفية التاريخية لكتاب رأس المال : نقد الإقتصاد السياسي كانت غائبة عن كل من المشروع الإسلامي للإقتصاد ، والمذهب الإقتصادي في الإسلام .

———————————————————————————————————

الهوامش

 – أنظر : سيجبيرت برور ؛ كارل ماركس والأدب العالمي (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 1978 .[1]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 16 [2]

 – أنظر : ماركس وإنجلز ؛ الأعمال الكاملة ، دار الناشرين العالمية / المجلد الأول (ماركس : 1835 – 1843) ، نيويورك 1975 ، ص ص[3]

616 – 632 .

 – أنظر : ستيفن سوليفان ؛ ماركس في عصر ما بعد الشيوعية (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج 2002 ، ص 173 . [4]

 – أنظر : ماري جبرايل ؛ الحب ورأس المال : كارل وجيني ماركس وولادة الثورة (بالإنكليزية) ، دار نشر لتل براون – نيويورك 2011 .[5]

 – أنظر : ماركس وإنجلز ؛ الأعمال الكاملة (مصدر سابق ) / المجلد الأول ، ص ص 531 – 632 .[6]

 – أنظر : فرنسيس وين ؛ كارل ماركس ، الحياة (بالإنكليزية) ، دار نشر نورتن 2001 ، ص ص 25 – 26 .[7]

 – وهم مجموعة من المفكرين الألمان ، وظهرت مجموعتهم بعد ما يُقارب العقد من السنين من موت الفيلسوف الألماني ” هيجل ” (1770 – [8]

1831) ، وكونوا إتجاهين فكريين ، هيجلي يساري وهيجلي يميني . ومن الأعضاء الرئيسيين ، كل من ” ديفيد ستراوس ” (1808 – 1874) ، و” برنو بوار ” و ” لودفيغ فيورباخ ” (1804 – 1872) و ” إرنولد روج ” ( 1802 – 1880) و ” ماكس شتيرنر ” (1806 – 1856) و” إيجر بوار ” (1820 – 1886) وهو الأخ الإصغر للفيلسوف  ” برنو بوار ” من حلقة الهيجليين الشباب . أما الأعضاء الأصغر سناً من الهيجليين الشباب ، فهم كل من ” كارل ماركس ” و ” فردريك أنجلز ” و ” كونت أوغست سيسزكارسكي ” (1814 – 1894) . للتفاصيل أنظر : لورنس ستيبلفيك ؛ الهيجليون الشباب : أعمال منتخبة (بالإنكليزية) ، كيمبريدج 1983 .

 – أنظر : ماركس وأنجلز ؛ الأعمال الكاملة (مصدر سابق ) ، المجلد الأول ، ص ص 25 – 107 .[9]

 – أنظر : فرنسيس وين ؛ المصدر السابق ، ص 33 .[10]

 – أنظر المصدر السابق [11]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 34 وما بعد[12]

 – أنظر : ديفيد ماكلين ؛ كارل ماركس : سيرة ذاتية (بالإنكليزية) ، دارنشر هامبشير 2006 ، ص ص 50 – 51 .[13]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 61 – 62 .[14]

 – أنظر : فرنسيس وين ؛ المصدر السابق ، ص 62 وما بعد . [15]

 – ماركس وإنجلز ؛ الأعمال الكاملة (مصدر سابق) ، المجلد 3 ، ص 3 .[16]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 146 . [17]

 – أنظر : ديفيد ماكلين ؛ المصدر السابق ، ص 88 وما بعد . [18]

 – أنظر : برنارد موسى ؛ ماركس والثورة الدائمة في فرنسا : الخلفية التاريخية للبيان الشيوعي (بالإنكليزية) ، منشور في : البيان الشيوعي[19]

اليوم ، مطبعة المراجعة الشهرية ، نيويورك 1998 ، ص 10 .

 – أنظر : ديفيد ماكلين ؛ المصدر السابق ، ص ص 79 – 80 .[20]

 – أنظر : فرنسيس وين ؛ المصدر السابق ، ص 95 . [21]

 – أنظر : ب . أن . فيدوسيف وأخرون ؛ كارل ماركس : سيرة ذاتية ، وهو كتاب جماعي ساهم فيه عدد من المؤرخين والكتاب ، وبرئاسة ب .  [22]

أن . فيدوسيف ، والنشرة الإنكليزية التي إعتمدناها نشرة 1989 ، ص 63 .

 – أنظر المصدر السابق ، ص 82 . [23]

 – أنظر : فرنسيس وين ؛ المصدر السابق ، ص ص 85 – 86 . [24]

 – أنظر : ماركس وإنجلز ؛ الأعمال الكاملة (المصدر السابق) .[25]

 – أنظر : ماركس وإنجلز ؛ الأعمال الكاملة (مصدر سابق) ، نظريات فائض القيمة ، دار الناشرين العالمية ، نيويورك 1988 ، المجلدات رقم[26]

30 ، 31 ، 32 .

 – أنظر : أرني تومبسن ؛ المفهوم المادي للتاريخ في كتابات ماركس الشاب ، دارنشر ميلين – نيويورك 2004 . [27]

 – أنظر للمقارنة : بيير جوزيف برودن ؛ نظام التناقضات الإقتصادية أو فلسفة الفقر 1847 / منشور في فايل تاريخ الفكر الإقتصادي – جامعة [28]

ماك ماستر ، كندا ، ترجمه من الفرنسية بنجامين توكار عام 1888 (أون لاين) .

 – كتاب برودن أمامي ، وأنا أخط الجملة الأخيرة من هذا العرض لرائعته : ” تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة الفقر (فلسفة البؤس) ، والكتاب[29]

منشور (أون لاين) بكامله وبللغة الإنكليزية .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ كراوندرايز : أسس نقد الإقتصاد السياسي ، تقديم وترجمة مارتين نيكولاس ، كلاسيكيات بنجوين 1993 .  [30]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ فقر الفلسفة (أو بؤس الفلسفة) : رد على فلسفة الفقر للفرنسي برودن ، تصحيح ماثيو كارمودي 2009 (أون لاين) . [31]

 – أنظر : كارل ماركس ؛ بؤس الفلسفة ، تقديم فردريك أنجلز ، وترجمة هيري كليش ، دار نشر شالز وهوب كيري ، شيكاغو 1910 .[32]

 – أنظر : كتابات ماركس الشاب في الفلسفة والمجتمع ، ترجمها إلى الإنكليزية دي . إيستون وكورت جودت ، شركة دبل دي ، الولايات المتحدة [33]

الأمريكية ، 1997 ، ص 96 – 105 .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ نقد فلسفة الحق عند هيجل ، ترجمها إلى الإنكليزية أنيت جولين وجوزيف أوملي ، مطبعة جامعة كسمبريدج 1970 .[34]

 – أنظر : كارل ماركس وفردريك إنجلز ؛ الإيديولوجيا الألماني : وتشمل على إطروحات فيورباخ ومدخل إلى الإقتصاد السياسي ، نشرة ديفيد [35]

ريزنوف ، معهد ماركس وإنجلز ، موسكو 1932 . وكذلك أنظر : كارل ماركس وإنجلز ؛ الأيديولوجيا الألمانية : النظرية الأدبية (مجموع) ، دار نشر بلاك ويل ، أكسفورد 1998 .

 – أنظر : ليفي كاوربانوف ؛ مقدمة لأعمال ماركس وإنجلز (بالإنكليزية) ، المجلد الخامس : ماركس وإنجلز 1845 – 1847 ، دار الناشرين [36]

العالمية ، نيويورك 1976 .

 – أنظر : ماركس وإنجلز ؛ الأعمال الكاملة (مصدر سابق) ، المجلد 38 ، ص ص 540 وما بعد .[37]

 – أنظر رسالة إليزابيث إنجلز (والدة أنجلز) ، الرقم 6 في الملحق (المصدر السابق) ، ص ص 540 – 541 .[38]

 – أنظر : روبرت توكار ؛ قارئ ماركس وإنجلز (بالإنكليزية) ، دار نشر نورتن 1978 (تألف من 832 صفحة) .[39]

 – أنظر : مراسلات ماركس وإنجلز : من إنجلز إلى ماركس في لندن ، مانشستر قبل 28 مايس 1853 / منشور في الأعمال الكاملة (مصدر[40]

سابق) ، المجلد 39 ، ص 325 .

 – أنظر : إنجلز ؛ قصيدة البدوي ، منشورة في رسائل فردريك أنجلز 1838 ، وجاء عنوانها إلى ” فردريك وويلهلم كوبير ” في بريمن ” ، [41]

وتاريخها في 17 سبتمبر (أون لاين) .

 – أنظر : المصدر السابق ، ملاحظات على المجلد الأول .[42]

 – أنظر : سارة أيرفنج ؛ فردريك إنجلز وماري وليزا برنر / منشور في تاريخ مانشستر الراديكالي ، 2010 (أون لاين) .[43]

 – بدأت صحيفة ” راينلاند ” في عام 1842 ومن ثم أغلقتها الدولة البروسية عام 1843 . ومن ثم في عام 1848 جدد صدورها ” ماركس ” بنجاح[44]

في عام 1848 جريدة لعصبة الشيوعيين ، وظهر تغيير طفيف على إسمها ، فأصبحت ” صحيفة رينلاند الجديدة ” . للتفاصيل أنظر : فرانز ميهرنك ؛ كارل ماركس : قصة حياته ، ترجمة أدورد فيتزجيرلاد ، مطبعة جورج ألن ويون ، لندن 1936 ، ص ص 34 – 35 .

 – أنظر : روبرت توكار ؛ المصدر السابق ، 15 .[45]

 – أنظر : هنريخ جيمكو ؛ فردريك إنجلز : سيرة ذاتية 1972 ، ص 53 . [46]

 – أنظر : فيلادمير لينين ؛ فردريك أنجلز (أون لاين) / ومنشرر في أعمال لينين الكاملة ، موسكو  ، المجلد الثاني ، ص 15 وما بعد .[47]

 – أنظر : أرشيف ماركس وإنجلز الإلكتروني : السيرة الذاتية (بالإنكليزية) أون لاين .[48]

 – أنظر : فيلادمير لينين ؛ المصدر السابق .[49]

 – هنريخ جيمكو ؛ المصدر السابق ، ص ص 53 – 54 . [50]

 – وبعد ذلك عاش إنجلز مع شقيقتها ليزا (1827 – 1878) وتزود منها في 11 سبتمبر 1878 وبالتحديد قبيل وفاتها بساعات قليلة . للتفاصيل[51]

أنظر : سارة أيرفنج ؛ فردريك إنجلز وماري وليزا برنر (مصدر سابق) .

 – أنظر : تيرل كارفير ؛ إنجلز : مدخل مختصر (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة أكسفورد 2003 ، ص ص 71 – 72 . [52]

 – قارن ذلك عند : كارل ماركس ؛ مساهمة في نقد الإقتصاد السياسي ، ترجمه إلى الإنكليزية أس . دبليو رايزنسكي ، دار نشر لورنس [53]

ويشهارت 1971 (تألف من 264 صفحة) .

 – أنظر للتفاصيل : ماركريت فاي ؛ تأثير آدم سميث على نظرية ماركس في الإغتراب (بالإنكليزية) ، مجلة العلم والمجتمع ، صيف 1983 ، [54]

المجلد 47 ، العدد 2 ، ص ص 129 -151 .

 – أنظر : فردريك إنجلز ؛ شروط الطبقة العاملة في إنكلترا (بالإنكليزية) / منشور في مجموعة أعمال ماركس وإنجلز ، دار الناشرين العالمية ، [55]

نيويورك 1975 / المجلد الرابع ، ص ص 295 – 596 .

 – أنظر : روي وايتفيلد ؛ فردريك أنجلز في مانشستر : البحث عن الشبح (بالإنكليزية) ، دار حركة الطبقة العاملة ، 1988 (تألف من 112 [56]

صفحة) .

 – أنظر : فردريك أنجلز ؛ شروط الطبقة العاملة في إنكلترا ، ترجمة وتصحيح ديفيد ماكلين ، سلسلة كلاسيكيات أكسفورد ، مطبعة جامعة [57]

أكسفورد ، 2009 (تألف من 368 صفحة) .

 – أنظر : ماركس وأنجلز ؛ العائلة المقدسة : ضد برنو بوير وجماعتهم ، تقديم فردريك أنجلز ، وكتب أنجلز الفصول الثلاثة الأولى وأجزاء من [58]

الفصل الرابع ، بينما كتب كارل ماركس الفصول الباقية . وهذا الكتاب لم يُترجم إلى الإنكليزية في حياة ماركس وإنجلز ، ومن ثم في عام 1956 ترجمه كل من ريتشارد دوكسن وكليمنت دوتز (موجود أون لاين) وهو كتاب مهم جداً ، وخصوصاً فيه فصل عن المرأة …

 – أنظر : فردريك أنجلز ؛ إصول العائلة ، الملكية الخاصة والدولة (بالإنكليزية) ، تقديم إيفلين ريد ، نشرة دار باثفايندر 1983 . [59]

 – أنظر المصدر السابق [60]

 – أنظر : دانيال نوا موسى ؛ التطور الواعد : حياة وأعمال لويس هنري مورجن (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة ميزوري – كولومبيا 2009 .[61]

——————————————————————————————————–

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,