كارل بوبر وعُقم المنهج التاريخاني

الفلسفة : حُب الحكمة              الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

—————————————————————–

الفيلسوف

مجلة فلسفية إلكترونية شهرية متخصصة

——————————————————————-

كارل بوبر وعُقم المنهج التاريخاني

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

————————————————————————————

تقديم :

  صحيحُ جداً إن الفيلسوف النمساوي – البريطاني كارل بوبر كان في الفترة المبكرة جداً من شبابه ماركسياً . وصحيح كذلك بأن هذه السنوات وما حملته من أفكار وتجارب خاضها بوبر تركت أثاراً عميقة على منظومة تفكيره عامة ، ولم تتمكن الأيام من محوها بل نجحت بدرجات ما في تكييفها وتلوينها ولفها في إطار الفلسفة السياسية عند كارل بوبر . وهذا في واقع الحال كون ما يصحُ أن نطلق عليه العتبة الفلسفية الأولى من تفكير كارل بوبر . فعلاً إن الأطراف التاريخية من سيرته الذاتية ، تتحدث عن إلتحاقه مرة إلى الجمعية الإشتراكية . كما إن الشاب كارل بوبر حسب نفسه في عام 1919 ، ولبضعة أشهر إنه كان شيوعياً . ولهذا صح الخبر المنقول في روايات الأكاديميين الغربيين ، من إن كارل بوبر ” أصبح عارفاً ومعتاداً على تداول وجهة النظر الماركسية في الإقتصاد ، الصراع الطبقي والتاريخ [1].  وهنا نسعى إلى الوقوف عند هذه العتبات الفلسفية المتنوعة وهي بالطبع حسب ما نعتقد كانت  واجهات ملونة لفكرانية كارل بوبر التي تكونت كما بينا أعلاه في أحضان علم النفس (إطروحته للدكتوراه) والتي جسرت الهوة وإختصرتها ومهدت له العبور إلى شواطئ الفلسفة العامرة :

أولاً – عُقم النزعة التاريخية (أو فقر المنهج التاريخاني) . لاحظنا من خلال رصد التطورات التي حدثت على تفكير كارل بوبر وخصوصاً من المنهج التاريخي أو التاريخاني ، هو إن الفتى كارل بوبرخلال بضعة أشهر تحول إلى معاقل الماركسية ومن ثم إقترب من الوريد الشيوعي (أو كاد) وبعدها إنتقل إلى الإشتراكية ، وتلاه الإنقلاب على الشيوعية والماركسية . وفي هذه الأشهر المعدودات كان بوبر مفتوناً بالنظرة الماركسية للإقتصاد ، الصراع الطبقي والتاريخ . ما بعد ذلك حدث الإنقلاب على الماركسية والصراع الطبقي والمنهج التاريخي (ويبدو المنهج التاريخاني الماركسي وحسب) . والذي حدث هو إن كارل بوبر نسى أو تناسى المنهج التاريخي الماركسي (أو المادية التاريخية) ومن ثم أخذ يتحدث عن عقم المنهج التاريخاني عامة بدلاً من التخصيص وفقاً لتجربة فتوته مع الماركسية ، ولذلك كان الأدق أن يتكلم عن فقر المنهج التاريخاني الماركسي . وفعلاً فإن هذا يتناغم مع عنوان رائعة كارل بوبر والتي حملت عنوان عُقم أو بؤس النزعة التاريخانية [2]. وبالطبع إن كارل بوبر إختار العنوان بتأثير كتاب ماركس الذي حمل عنوان عُقم أو بؤس الفلسفة [3]والذي نشره بالفرنسية في باريس وبروكسل سنة 1847 . وهكذا كان قدر الفيلسوف كارل بوبر مكتوباً ومقرراً بحيث أن يظل تحت تأثير كار ماركس ولعل كتاب كارل بوبر عُقم النزعة التاريخانية (الماركسية) يحكي إلى الأبد الأثر الذي تركه ماركس على كارل بوبر وفلسفته بطرفيها السياسي والعلماوي (النزعة العلمية) . وبالمناسبة إن كتاب ماركس بؤس الفلسفة كان رداً على الحجة الإقتصادية والفلسفية التي تقدم بها الفيلسوف الفرنسي اللاسلطوي (الإنراكي) بيير جوزيف برودن (1809 – 1865) ونشره سنة 1846 أي سنة واحدة قبل أن ينشر ماركس كتابه بؤس الفلسفة . وكان عنوان كتاب بيير برودن تناقضات النظام الإقتصادي أو فلسفة البؤس [4].

   ونحسبُ إن هناك تطرفاً قد عاشه كارل بوبر وكابده وبالتحديد في معانقته وإعتقاده بالنزعة التاريخانية الماركسية أو الأدق الشيوعية كما جاء على لسانه . وكذلك في إنقلابه على المنهج التاريخاني الماركسي ومن ثم تمسكه بصورة متطرفة بمنهج النزعة العلماوية (من العلم ليس علماً وإنما نزعة ومذهباً والتي تولدت في تفكيره من نزعته السايكولوجية وهي ضميمة إطروحة كار بوبر للدكتوراه) . والحقيقة إن كتاب كارل بوبر عُقم النزعة التاريخانية أو بؤس المنهج التاريخاني هو كتاب نشره بوبر لأول مرة عام 1957 وكان يسعى من خلاله إلى إقناع القارئ بخطورة وإفلاس فكرة التاريخانية (النزعة أو المنهج التاريخي) . وكان لنشر الكتاب تاريخ . فهو في الأصل بحث كتبه الفيلسوف كارل بوبر وقُرأ عام 1936 . ومن ثم جدده وأضاف إليه ونشره كتاباً سنة 1957 . وأهداه إلى ” ذكرى أعداد لا تُحصى من الرجال والنساء من كل العقائد أو الأمم أو الأجناس والذين شعروا بأنهم كانوا ضحايا العقائد الفاشية والشيوعية وقوانين المصير التاريخي التي لا ترحم ” [5].

  والحقيقة إن هذا الكتاب كان رسالة أو بحث يدور حول المنهج العلمي (أو الطريقة العلمية) في العلوم الإجتماعية [6]. وعلى أساس هذا الفهم فإن كتاب كارل بوبر لايُعدُ عملاً في مضمار العلوم (أو فلسفة العلوم) من فيزياء ورياضيات وإنما كان بحث في فضاء الإنسانيات (العلوم الإجتماعية بحسب لغة كارل بوبر) وهذه قضية نؤكد عليها ونحسب في هذا المقام إن كارل بوبر تجاهل إن قضية المنهج التاريخاني منهج ملائم للإنسانيات أو العلوم الإجتماعية بتسمياته . في حين إن المنهج العلمي طريقة ميثديولوجية مناسبة ومتناغمة مع طبيعة العلوم سواء كانت بحتة أو تطبيقية وهذه قضية بديهية في تاريخ فلسفات العلوم والميثديولوجيات الملازمة لها . ولذلك نُرجح إن هذا الإشكال في تفكير كارل بوبر كان سببه كارل بوبر بشخصه وليس غيره ، وذلك حين إصطنع معيار التكذيب (أو ميزان الكذب) بدلاً من معيار الصدق المنطقي العتيد ، والذي جلبه معه من مضمار إطروحته السايكولوجية في الدكتوراه ومن خلال خروجه على لغة المنطق العتيدة وإصطناعه لمعيار التكذيب وهو في الحقيقة معيار الصدق منذ إن كتب أرسطو مؤلفاته المنطقية وتداولته الأجيال فجاء بوبر وقلب المعايير المنطقية (والحقيقة إن معيار الصدق يتضمن كل ما يتحدث عنه بوبر وهو قيم الكذب كما هو الحال يشمل قيم الصدق وذلك لأن تعريف أرسطو لمعيار الصدق في كتاب العبارة كان واضحاً ويشمل الطرفين (أي قيمتي الصدق والكذب) وهذا ما بيناه في رسالتنا المنطقية والتي حملت عنوان تحليل آرسطو للعلم البرهاني قبل أكثر من أربعين سنة مضت (1975) فأن منطق أرسطو ” هو منطق ثنائي القيمة ، وذلك من حيث إن القضايا التي يعتمدها في نظريته الإستدلالية ، تكون أما صادقة أو كاذبة . وبذلك فقد إهتم بنوع واحد من الأقوال في تحديده ، وهي الأقوال التي تحتمل الصدق أو الكذب [7].)

  وفي كتاب عُقم أو بؤس النزعة التاريخانية حدد كارل بوبر مفهومه الخاص إلى التاريخانية ورأى إنها ” نهج في العلوم الإجتماعية والتي تفترض إن التكهن أو التنبوء التاريخي هو هدف من أهدافها الرئيسة … ” [8]. ومن ثم يتحول كارل بوبر ويحسبُ بأن التاريخانية ليست هي نهج وإنما هي أبعد من ذلك ، حيث هي بخطابه المُجير عليه ” عقيدة مهمة في العلوم الإجتماعية ، والتي في لُبها فعل إكتشاف عن قانون تطور المجتمع ، وذلك من أجل التنبوء بالمستقبل .. ويمكن وصفها بكونها عقيدة تاريخية مركزية [9]. وأدرك بوبر إنه بهذا التحديد لمفهوم التاريخانية قد حبس قلمه في معاقل عقيدية مذهبية من الصعوبة بمكان الخروج عليها ميثديولوجياً وفي الوقت ذاته توفير للقارئ فهم عقلاني (علمي أو طبيعي سميه كما تشاء بإصطلاحات بوبر) ولذلك فضل كارل بوبر الدخول بدلاً عن كل ذلك (في جدل بيزنطي رافض عقيدياً التمييز بين علوم الإنسان وعلوم الطبيعة وإن الخلاف الوحيد مع كارل بوبر هو إنه يعتقد بإن هناك علوم الطبيعة وهي وحدها وفقط وحدها تدرس الإنسان والطبيعة وهذا ما نختلف عليه مع كارل بوبر) والذي حمله إلى الهروب من التحديد الدقيق لمفهوم التاريخانية (ومن ثم إتهامها بالعقم مرة والفقر مرة ثانية والبؤس مرة ثالثة ونحسب إن بوبر هو كائن حر في ذلك والقارئ حر هو الأخر ، وهو الحكم والقاضي في كل ذلك) .  

   ولذلك لاحظنا إن كارل بوبر تحول إلى معاقل التمييز بين ضروب من التاريخانية ، فذهب مميزاً ” بين نوعين رئيسيين من التاريخانية (وبالطبع بالإعتماد على أصحابها أو أتباعها الموالين لها وكان هذا طريق هروب جديد لكارل بوبر وأحسب هنا إن كارل بوبر قد ضاع في الطريق وحاله صعب ميؤس فهو يبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة وفيه بالتأكيد إعتراف بأن بوبر تخلى عن المنهج التاريخاني وعاد ليُعانق المنهج العلماوي (أو الطبيعي) ولنعود لنكمل خطاب بوبر) ؛ الأول أتباع النهج الموالي إلى النزعة الطبيعية ، وهي النزعة التي تُفضل تطبيق الطرق العلمية في العلوم الفيزيائية [10]. و” الثاني نهج يُكافح ضد النزعة الطبيعية ، ويرفض تطبيق طرق العلوم الفيزيائية [11].  

  ومن الملاحظ إن كتاب كارل بوبر عُقم أو بؤس النزعة التاريخانية قد تألف من أربعة أقسام . وكان القسمان الأولان هما في الحقيقة مجرد عرض قام به بوبر لوجهات نظر التاريخانية المؤيدة للنزعة الطبيعية والمعارضة . أما القسمان الأخيريان فضما إنتقادات كارل بوبر لوجهات نظرهم [12]. وخلاصة رأي كارل بوبر (وبالطبع هذا الرأي لا يخلو من إشكال كبير) حيث إنه من الناحية الميثديولوجية نهض على التفريق والتمييز بين النزعة التاريخانية في الماضي (وخصوصاً عند اليونان) والتي مثلها الفيلسوف اليوناني إفلاطون وتمسك بها ، وبين مزاعم الحداثة والتي مثلها عدد من مناصريها في القرن العشرين [13].

إنتقادات كارل بوبر للنزعة التاريخانية

 لاحظنا إن من أهم الإنتقادات التي وجهها كارل بوبر للنزعة التاريخانية ، هي الإنتقادات التي شاعت وإنتشرت بصورة واسعة في الأوساط الأكاديمية خاصة والثقافية على وجه العموم ، هي التي دارت حول فكرة عُقم التنبوء التاريخي والتي في الإمكان توزيعها في ثلاث مجالات ؛ أولاً المشكلات الأساسية مع الفكرة نفسها . ثانياً التناقضات المشتركة في حجج المؤرخين (التاريخانيين) . ثالثاً الأثار العملية السلبية لإنجاز (إنبات) الأفكار التاريخانية . وهنا سنركز على المشكلات الأساسية مع النظرية التاريخانية :

1 – إن وصف المجتمع بمجمله (بصورة شاملة) قضية غير ممكنة (إن لم تكن مستحيلة) . وذلك بسبب القائمة الطويلة (بل والعريضة) من الخصائص ، والتي عملت من هذا الوصف أن يكون لانهائياً (بالطبع يصعب تحديده وحصره وإحصاؤه) . وإذا لم نتمكن (أي فشلنا) من معرفة الحالة الكلية (الشاملة) الراهنة للنوع الإنساني . فإن ما يترتب على ذلك إننا سوف لانعرف مستقبل الإنسانية (النوع البشري) . ولذلك أفاد كارل بوبر وذهب شارحاً ” إذا تطلعنا إلى دراسة شئ (موضوع) ما ، فإننا ملزمون بتحديد جوانب منتخبة منه . وبالمقابل فإنه من الصعب والعسير علينا (بل والمستحيل) ملاحظة ووصف كل جزئية من أجزاء هذا العالم المحيط بنا ، وإن الصعوبة تمتد حتى تشمل مقطع واحد أو قطعة واحدة كاملة من الطبيعة . بل وحتى أصغر قطعة كاملة ، فإن الصعوبة بالتأكيد ستسد طريقنا عند تقديم وصف لها ، وبالتخصيص عندما يكون كل وصف لها هو فعل إنتخابي بالضرورة [14].

2 – إن تاريخ الإنسانية هو حادثة فريدة من نوعها . ولهذا فإن معرفة الماضي لا تُعين (ولا تُسهل) بالضرورة ، لشخص ما من معرفة المستقبل . وعن ذلك قال كارل بوبر ” إن نشوء (أو تطور) الحياة على الأرض ، أو ظهور المجتمع الإنساني ، هما أطراف من عملية تاريخية ذات طبيعة متفردة . وإن وصفها لايعني إنها قانون ، وإنما هي خطاب تاريخ متفرد [15].

  وتكشف دراسة التاريخ عن الإتجاهات (أو النزعات) ، كما وهي لا توافر ضمانات على إن هذه الإتجاهات سوف تستمر . وبمعنى أخر هي ليست بقوانين ، وإنما هي ” بيانات (أو خطابات) تؤكد على وجود إتجاه في ومن ما وفي مكان محدد . وبالطبع فإن هذا الخطاب التاريخي المتفرد ، لا يعني على الإطلاق إنه قانون كلي شامل [16]. وإضافة إلى ذلك ، فإن المؤرخين الذين سيكون لهم إهتمام بتفرد الأحداث الماضية ، ربما سيقولون بأن الأحداث في المستقبل سوف تمتلك التفرد والذي لم تتوافر له معرفة مُقدماً (في البداية) [17].  

3 – إن الفعل الإنساني الفردي ، أو رد فعله هما في الحقيقة (جوهر الإشكال) وذلك من حيث إنه ليس في الإمكان التنبوء بالفعل أو رد الفعل على وجه اليقين . وهذا الحال ذاته يتعلق بالمستقبل . ولهذا فإن الفعل الإنساني هو العنصر غير اليقيني (بمعنى غير مؤكد) في نهاية المطاف . كما هو عنصر مُضلل في الحياة الإجتماعية ، وفي مجمل المؤسسات الإجتماعية . والواقع إن هذا العنصر ليس في الإمكان ضبطه والسيطرة عليه من قبل المؤسسات الإجتماعية بصورة كاملة على الإطلاق (وكان إسبينوزا (1632 – 1677) الشاهد الأول على ذلك) . ومن الملاحظ إن هناك الكثير من المُثابرات التي تطلعت للسيطرة عليه . إلا إنها في المحط الأخير الذي أدى إلى الإستبداد (الطغيان) والذي يحتمل إن السلطة المطلقة للعنصر البشري ، ما هي إلا أهواء (غرائز) لعدد قليل من الرجال أو حتى لواحد منهم (الطاغية) [18].

  ولاحظنا إن شهادة كارل بوبر لم تأتي من داخل العلوم (سواء بحتة أو تطبيقية) وبالتحديد من عينات وأمثلة تنتمي إلى علم الفيزياء والرياضيات مثلاً ، وإنما جاءت الشهادة منتخبة من ميدان علم النفس وذلك لخدمة تطلعات وأغراض كارل بوبر في هذا الإتجاه ، فذهب موضحاً فقال ” إن علم النفس ليس في إمكانه أن يؤدي إلى فهم شامل (كامل أو بما فيه الكفاية) للعنصر البشري ” . وذلك لأن الطبيعة البشرية تختلف إختلافاً كبيراً مع المؤسسات الإجتماعية . وذلك لأن دراستها تفترض فهم هذه المؤسسات الإجتماعية [19].

4 – والقانون الطبيعي (مثل القانون العلمي) أو القانون الإجتماعي ، والذي يُمكننا من إستبعاد (أو إستثناء أحداث معينة) والتي تُساعدنا من تضييق نطاق النتائج المحتملة إلى واحد منها فقط (اي من هذه القوانين) [20]. ويتوضح لنا من نظرية بوبر في العلم بأن الفرضية المُقترحة ، إنه ليس هناك إهتمام بالكيفية التي تم فيها إشتقاق الفرضية . إلا إن المهم هو إخضاع الفرضية إلى مجموعة من الإختبارات الصارمة ، والهدف منها هو دحض الفرضية . أما في حالة عدم توافر إختبارات تؤدي إلى دحض الفرضية ، فإنها تتحول إلى صيغة قانون .

   وفي هذا الحال تبقى الفرضية ببساطة مُجرد فرضية ولم يتم تكذيبها بعد . وبالطريقة ذاتها فإن هناك أمثلة عديدة تتوافر والتي تُؤيد إنها نظريات صحيحة . إلا إنها من طرف أخرعديمة الفائدة ولا تنفع في البرهان على سلامة (صحة) النظرية [21].

5 – إن من المستحيل من الناحية المنطقية معرفة مسار المستقبلي للتاريخ وذلك عندما يعتمد هذا المسار ، في جزء منه ، على النمو المستقبلي للمعرفة العلمية . والسبب بسيط وهو إن هذا النمو مجهول مقدماً [22].

    ولقى كتاب كارل بوبر عُقم أو بؤس النزعة التاريخية الكثير من الترحيب من الأوساط الغربية المناهضة للشيوعية عندما نشره بوبر في عام 1957  وبالمناسبة إننا ذكرنا في أطراف من البحث الحالي إن كارل بوبر كان في نهايات صباه وبداية شبابه شيوعياً للعديد من الشهور . وبالمناسبة إنه حتى في عنوان كتاب كارل بوبر ظلت فيه ذكرى لعنوان رائعة كارل مارس عقم أو بؤس الفلسفة . ومعروف إن التاريخ كان موضوعاً ومنهجاَ متفرداً في الماركسية ..) ولهذا ندعو إلى إنجاز دراسة أكاديمية تقرأ كتاب كارل بوبر بؤس النزعة التاريخانية في ضوء رائعة كارل ماركس بؤس الفلسفة ، فهناك الكثير من الأثر المقلوب بين ” فقر أو بؤس النزعة التاريخانية ” لكارل بوبر وكتاب كارل ماركس “ فقر أو بؤس الفلسفة ” . ومن الشواهد التي تؤيد الأثر المقلوب للشيوعية على كتاب كارل بوبر ، إن أول من أشاد بكتاب بؤس النزعة التاريخانية ، هو الكاتب البريطاني الهنغاري المناهض للشيوعية آرثر كوستلر (1905 – 1983) والذي قال ممجداً كتاب بؤس النزعة التاريخانية ” من المحتمل إنه الكتاب الوحيد الذي طُبع هذه السنة التي سُتُخلد هذا القرن [23]. ومن ثم وصفها المنظر الألماني توم جوردن بالمر (1957 – ) فقال ” بأنها من الأعمال المبدعة [24].

تعقيب ختامي : كارل بوبر وعُقم المنهج التاريخاني بميزان التقويم

  إلا إننا لاحظنا إن هناك من وجه النقد إلى كتاب كارل بوبر والذي حمل عنوان فقر النزعة التاريخانية . وإن من النُقاد من كان معاصراً لبوبر وفي مقدمتهم الفيلسوف الماركسي الجديد (الجيكي) كارل كوسيك (1926 – 2003)[25] والذي جاء نقده في كتابه الذي حمل عنوان جدليات الواقع [26]، وبالتحديد إنتقد كوسيك الفيلسوف كارل بوبر في النص الأتي من الكتاب وأفاد : ” إن كل أنواع المعرفة ، سواء كانت حدسية (بديهية) أو إستدلالية (فيها تتابع للقضايا وتعتمد في صدقها على بعضها البعض ..(ما بين قوسين من تعليق الدكتور محمد الفرحان)) يجب إن تكون بصور مجردة ، وليس في إمكاننا في هذا الحال أن ندرك على الإطلاق البنية الواقعية للحقيقة ذاتها [27]. وأشار كوسيك وهو يتكلم عن كارل بوبر ، فأفاد إلى ” إن كارل بوبر ، هو خصم قيادي معاصر للفلسفة الواقعية الشمولية [28]. ومن ثم بين بأكثر وضوحاً وذهب إلى ” إن الشمولية ليست بمعنية بكل الحقائق . إن الشمولية تعني إن الحقيقة هي تركيب ديالكتيكي شامل سواء كانت حقيقة جزئية (أو مجموعة حقائق أو فئات من الحقائق) والتي في الإمكان إدراكها عقلياً [29]. كما إن ” معرفة وإدراك الحقيقة أو مجموعة من الحقائق ، هي معرفة وإدراك المكان الذي تشغله في بنية الحقيقة الشاملة [30]. وعلى هذا الأساس إعتقد كارل كوسيك إن نظرية كارل بوبر هي جزء مما أسماه ” التفكير الفلسفي العقلاني الذري للحقيقة [31]. ومن ثم أعلن (أي كوسيك) بأن ” الأراء سواء كانت إدراك ومعرفة لكل الحقائق ، أو هي ليست بمؤسسة على فكرة تجريبية عقلانية ، فهي حاصل إدراك ومعرفة جاءت من خلال طريقة التحليل الجمعي . وهذه الفكرة بدورها مؤسسة على الفكرة الذرية للحقيقة ، والتي هي مجموع من الأشياء والعمليات والحقائق [32].

  وفعلاً فإن كوسيك أكد بدرجات عالية على إن كارل بوبر ، ومجموعة من الفلاسفة من أمثال الفيلسوف وعالم الرياضيات السويسري فرديناند غونسث (1890 – 1975) [33]والتي إرتبطت بإسمه دورية الديالكتيكا [34]. والفيلسوف وعالم الإقتصاد البريطاني – النمساوي فردريك أوغست فون هايك (1899 – 1992) [35] وهو المشهور بكتابه الذي حمل عنوان الثورة المضادة للعلم : دراسات حول الإساءة إلى العقل [36]. وكان فهم هذه المجموعة لا يرقى إلى إدراك فعل العملية الديالكتيكية في تشكيل التوتالتية (الأنظمة الشمولية) [37].

———————————————————————————————-

الهوامش

 – ستيفن تورنتن ؛ كارل بوبر ، إنسكلوبيديا الفلسفة ، إشراف أدورد زلتا ، 13 نوفمبر سنة 1997 . [1]

 – أنظر : كارل بوبر ؛ عُقم أو فُقر النزعة التاريخانية ، دار نشر وتليدج ، المملكة المتحدة ، سنة 1994 (وفي الأصل نشر لأول مرة سنة 1957 ،[2]

تكون من 166 صفحة) .

 – أنظر : كارل ماركس ؛ فقر أو بؤس الفلسفة ، منشور في الأعمال الكاملة لماركس ج وإنجلز 1845 – 1848 ، دار الناشرين العالميين ، [3]

نيويورك سنة 1976 .

 – أنظر للتفاصيل : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ بيير جوزيف برودن وتأثيره على تفكير وكتابات ماركس ، دوري الفيلسوف ، 13 مارس ،[4]

سنة 2015 .

 – أنظر : كار بوبر ؛ عُقم أو فقر النزعة التاريخانية (مصدر سابق) ، ملاحظة تاريخية ، من مقدمة الكتاب . [5]

 – ملاخي هكوهين ؛ كارل بوبر ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، كيمبريدج سنة 2002 ، ص 352 . [6]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، دار الحرية للطباعة ، بغداد سنة 1983 ص 162 (وهذا الفصل كان   [7]

بعنوان البناء المنطقي للعلوم البرهانية (المصدر السابق ، ص ص 157 – 179) .

 – كارل بوبر ؛ عُقم أو بؤس النزعة التاريخانية (مصدر سابق) ، ص 3 . [8]

 – المصدر السابق ، ص ص 105 – 106 . [9]

 – المصدر السابق ، ص 2 .[10]

 – المصدر السابق . [11]

 – أنظر : ملاخي هكوهين ؛ كارل بوبر (مصدر سابق) ، ص 355 . [12]

 – أنظر : كارل بوبر ؛ عُقم أو بؤس النزعة التاريخانية (مصدر سابق) ، القسم 33 . [13]

 – أنظر ؛ المصدر السابق ، القسم 23 ، ص 77 . [14]

 – المصدر السابق ، القسم 27 ، ص 108 . [15]

 – المصدر السابق ، القسم 27 ، ص 115 . [16]

 – المصدر السابق ، القسم 30 . [17]

 – المصدر السابق ، القسم 32 ، ص 158 . [18]

 – أنظر المصدر السابق . [19]

 – أنظر المصدر السابق ، القسم 29 . [20]

 – أنظر المصدر السابق . [21]

 – أنظر المصدر السابق ، المقدمة . [22]

 – كان آرثر كوستلر كاتباً روائياً وصحفياً . ولد في بودبست – هنغاريا وفي وقت مبكر ترك مدرسته ورحل إلى النمسا . وأكمل تعليمه في النمسا[23]

وفي عام 1931 إنخرط في صفوف الحزب الشيوعي الألماني وظل حتى تم حله في الفترة الستالينية . وفي عام 1938 إستقال من الحزب الشيوعي . ونشر في عام 1939 روايته التي حملت عنوان المصارعون (وهي جزء من ثلاثية وتحكي ثورة سبارتكوز خلال الإمبراطورية الرومانية) . وفي عام 1940 نشر روايته الثانية وبعنوان ظلام في الظهيرة . وفيها هجوم على الأنظمة الشمولية (الدكتاتورية) وفيها وجه نقداُ إلى الرقم واحد ويقصد جوزيف ستالين (دار نشر ماكميلان سنة 1940 ، تألفت من 254 صفحة) . ومن ثم جاءت الرواية الثالثة من هذه الثلاثية وبعنوان الوصول والرحيل (سنة 1943) . وفي ديسمبر عام 1943 دعاها الروائي الإنكليزي جورج أورويل (1903 – 1950) وبالطبع هو الإسم القلمي للكاتب إريك آرثر بلير ، بأنها ” رواية وصفت الإرهاب النازي بصورة صدمت المشاعر الإنسانية ، ولم تسبقها رواية أخرى (صحيفة أخبار مانشستر المسائية ، 9 ديسمبر سنة 1943 . وأعيد نشرها عند : جورج أورويل : حاولت الإعلان عن الحقيقة (الصدق) ، المجلد 16 من أعمال جورج أورويل ، دار نشر سيكر ويربيرك سنة 2001 (تالف من 524 صفحة) . ولاحظنا إن هناك من أشار إلى إن آرثر كوستلر كان مساجنست (أي كاره للنساء) وكان عدوانياً في علاقاته الجنسية ، بل وإتهمه البعض بالإغتصاب كما زعم المؤرخ الإنكليزي ديفيد ساسراني (1956 – 2015) وهو كاتب لسيرة كوستلر . للتفاصيل أنظر : ديفيد ساسراني ؛ آرثر كوستلر : العقل المتشرد ، ار نشر راندم ، سنة 1998 (تألف من 496 صفحة) .

 – أنظر : توم جوردن بالمر وديفيد بوزا ؛ القارئ الليبرالي : الكلاسيكيات والكتابات المعاصرة ، المطبعة الحرة ، نيويورك سنة 1997 ، ص [24]

430 .  

 – ولد الفيلسوف الماركسي الجديد كارل كوسيك في براغ – الجيك في 26 حزيران سنة 1926 . وتعثر في دراساته الجامعية في كل من براغ [25]

ومسكو . وفي عام 1950 تجرج من جامعة تشارلز في براغ . وعمل رئيس تحرير لمجلة غير رسمية (سرية) وكانت تصدر بعنوان قتال الشباب وأتهم بالخيانة وتعرض للسجن . ومن أشهر أعماله ، رائعته التي حملت عنوان جدليات الواقع : دراسة حول مشكلات الإنسان والعالم ، والذي نشره لأول مرة عام 1963 . وقدم كوسيك في هذا الكتاب بنية تركيبية أصيلة جمعت بين وجهة نظر مارتن هيدجر الظاهراتية وأفكار كارل ماركس . وهذا الكتاب كون مضماراً أخذ يُطلق عليه النقد الحاد للمجتمع الحديث من زاوية يسارية . وشاعت سمعة كوسيك في الأوساط العالمية ، فيلسوفاً قائداً لما يُسمى بالماركسية الإنسانية . وخلال ربيع براغ سنة 1968 تحول كوسيك إلى صوت قيادي للإشتراكية الديمقراطية . وبقي عاطلاً عن العمل حتى سنة 1990 ، ومن ثم عاد مع مجموعة من قيادي حركة اليسار وتحول معهم إلى ناقد إشتراكي يساري في أوربا الوسطى  .  وخلال ذلك تحول كتابه جدليات الواقع إلى واحد من الأعمال الفكرية الملهمة في الأدب الماركسي (وخصوصاً في تيار الماركسية الغربية) . ومن أهم مؤلفاته الأولى   الديمقراطيون الجيك الجذريون ، براغ سنة 1958 ، ومن ثم تلاه كتابه ديالكتيك أو جدليات الواقع ، وتبعت ذلك مؤلفات أخرى من مثل : الجانب الأخلاقي ، فرانكفورت سنة 1968 (وأعيد نشره عام 1970) ، إزمة لاتوستر ، روما سنة 1969 ، (وجاءت نشرة برشلونة سنة 1971) ، كتاب إعتبارات قديمة ، براغ سنة 1997 . والمقالة الأخيرة ، براغ سنة 2004 . للتفاصيل أنظر : مارتين غي  ؛ الماركسية والشمولية : مغامرات المفهوم من لوكاش وحتى هابرمس ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، سنة 1984 (وتألف من 576 صفحة وكتاب في غاية الأهمية حيث فيه فصول عن جورج لوكاش ، ص ص 81 – 128  وفصل عن كورسيك بعنوان التاريخانية الثورية ، ص ص 128 – 150 وفصل عن غرامشي ، ص ص 150 – 174 ،  وفصول أخرى عن الوجودية ، ص ص 331 – 361 ، وهابرمس ، ص ص 462 – 509 وتحديات ما بعد البنيوية ص ص 510 – وما بعد . ولعل من الفصول الأكثر أهمية هو الفصل الأول والذي حمل عنوان خطاب ما قبل الشمولية ، ص ص 21 – 80 .  

 – أنظر : كارل كوسيك ؛ جدليات الواقع : دراساة حول مشكلات الإنسان والعالم ، ترجمة كارل كوفندا وجيمس شميت ، دراسات بوسطن في   [26]

فلسفة العلم ، دار نشر سبرنغر ، المجلد 52 ، سنة 1976 (تألف من 158 صفحة) .

 – كارل كوسيك ؛ المصدر السابق ، ص 18 . [27]

 – المصدر السابق ، ص 23 . [28]

 – المصدر السابق ، ص ص 18 – 19 . [29]

 – المصدر السابق ، ص 23 . [30]

 – المصدر السابق ، ص 24 . [31]

 – المصدر السابق ، ص 23 . [32]

 – فرديناند غونسث وهو الفيلسوف وعالم الرياضيات السويسري . وكان الثامن من بين تسعة أطفال في عائلته . وبدأ يحضر دروسه في ثانوية [33]

سان إمير ومن ثم درس في ثانوية لاشو دوفن (سويسرا) قرب الحدود مع فرنسا . وصرف هناك مرحلة نضوجه العلمي . وتعرض في صباه إلى فقدان البصر . إلا إنه إستمر في مواصلة دروسه ومن ثم تخرج من جامعة زرويخ وبالتحديد من قسم الرياضيات والفيزياء . وحصل في عام 1915 على درجة أكاديمية لبداية التعليم الجامعي والبحث . ومن عام 1919 وحتى عام 1929 درس الرياضيات في جامعة برلين . وتم تعيينه في جامعة زرويخ وللفترة من 1929 وحتى 1960 وذلك لتعليم تحليل أسس الهندسة وفلسفة العلم . وكان إهتمامه المبكر هو العلاقة بين العلم والفلسفة . ودخل في جدل مع عدد من رجال الرياضيات وبالتحديد حول إزمة الأسس . وسمعة فرديناند غونسث شاعت كفيلسوف للعلوم . وفي عام 1926 نشر واحد من أكبر أعماله وكان بعنوان أسس الرياضيات وعرض فيه وجهات نظره الميثديولوجية . ومن كتبه الأخرى : 1 – الهندسة ومشكلة المكان (1945 – 1955) . 2 – مشكة الزمن (1964) . 3 – (1975) . إضافة إلى إنه نشر أكثر من ألفين صفحة مقالات في مجلات علمية متنوعة . أنظر : فرديناند غونسث ؛ أسس الرياضيات – في الهندسة الإقليدية والنسبية العامة والحدسية ، سنة 1926 ، وكذلك نشرة إلبرت بلانشرد ، باريس سنة 1974 .

 – دورية الديالكتيك وهي مجلة علمية أسسها فرديناند غونسث سنة 1947 وبالإشتراك مع الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار (1884 – 1962)  [34]

وعالم الرياضيات السويسري بول إسحق برنيز (1888 – 1977) وهي مجلة عالمية لفلسفة المعرفة والتي عُرفت بإسم ديالكتيكا . وهي فصلية وتُطبع في سويسرا . وتُركز على الفلسفة التحليلية وعلم المنطق . وتُصدرها الجمعية الأوربية للفلسفة التحليلية . وتطبعها دار نشر بلاكويل . إنظر كذلك : كارل كوسيك ؛ المصدر السابق ، ص 22 .

 – الفيلسوف وعالم الإقتصاد البريطاني – النمساوي فردريك أوغست فون هايك ، وهو قريب الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . وكانت أم هايك وإثنين [35]

من أخوات فيتجنشتاين يلعبون سوية . وهايك من المدافعين عن الليبرالية الكلاسيكية . وفاز بجائزة نوبل للإقتصاد سنة 1974 وبالتحديد في نظريته المالية . وصرف معظم حياته الأكاديمية في كلية لندن للإقتصاد ، وجامعة شيكاغو وجامعة فرايبورغ (المانيا) . وكان يتطلع إلى كتابة السيرة الذاتية للفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . وفعلاً فإنه بدأ يجمع المواد الأولية . وبعد ذلك فإنه ساعد عدد من كتاب سيرة فيتجنشتاين . وحصل هيك على الدكتوراه في القانون والعلم السياسي . وفي جامعة شيكاغو درس فلسفة العلم لعدد مرموق من الطلبة . ومن ثم نشر رسائل جون ستيوارت ميل . وكتب هايك سنة 1931 نقداً على رسالة عالم الإقتصاد الإنكليزي جون مينارد كينز (1883 – 1946) والتي كانت بعنوان رسالة في المال سنة 1930 . من أهم مؤلفات فردريك هايك : 1 – النظرية المالية والدورة التجارية ، سنة 1929 . 2 – الأسعار والإنتاج ، سنة 1931 . 3 – الأرباح ، الفوائد والإستثمار : ومقالات أخرى حول نظرية التقلبات الصناعية ، سنة 1939 . 4 – الطريق إلى العبودية ، سنة 1944 . 5 – الفردية والنظام االإقتصادي ، سنة 1948 . 6 – تحولات المثل العليا للحرية الإقتصادية ، سنة 1951 . 7 – دستور الحرية ، مطبعة جامعة شيكاغو ، سنة 1960 (تألف من 576 صفحة) . 8 – القانون ، التشريع والحرية (ثلاثة مجلدات) : المجلد الأول – القواعد والنظام ، سنة 1973 (كتب غوغل ، 15 إكتوبر ، سنة 1978) . المجلد الثاني – المجلد الثاني – الزواج والعدالة الإجتماعية ، سنة 1976 (كتب غوغول ، 15 إكتوبر ، سنة 1978) . المجلد الثالث – النظام السياسي لحرية الشعب ، سنة 1979 (15 مارس ، سنة 1981) . 9 – الغرور القاتل : من أخطاء الإشتراكية ، سنة 1988 . ومؤلف هذا الكتاب تحت جدل ونزاع بين الأكاديميين . والكتاب طُبع من كتابات الناشر وليم ويرن بارتلي الثالث (1934 – 1990) وهو فيلسوف أمريكي ومتخصص في فلسفة القرن العشرين ، اللغة والمنطق وحلقة فينا . أنظر : ألين بينستاين : البحث : الغرور القاتل ، دورية ليبرتي ، المجلد 19 ، العدد الثالث ، مارس ، سنة 2005 .  

 – كتب فردريك أوغست فون هايك رائعته التي حملت عنوان الثورة المضادة للعلم : دراسات حول الإساءة إلى العقل (دار نشر الحرية ، سنة  [36]

1952 وتألف من 415 صفحة) . وناقش هيك فيه مشكلة النزعة العلمية (ساينستيزم) في العلوم الإجتماعية . وخصوصاً في محاولة الباحثين تطبيقهم للمثديولوجيا وزعمهم الموضوعية بالتأكيد واليقين . وبالطبع إن هذه المحاولات تتطلع إلى إلغاء العامل الإنساني من الدراسة . وذلك في محاولة تسعى إلى فهم الفعل الإنساني . وقسم هايك هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام . وإشتغل الأول على مقالة هايك التي حملت عنوان ” الساينتزم أي النزعة العلمية ودراسة المجتمع ” . والثاني حلل عقيدة المنظر السياسي والإقتصادي الفرنسي هنري سان سيمون (1760 – 1825) والذي لعب تفكيره دوراً جوهرياً في التأكيد على السياسة والإقتصاد وعلم الإجتماع وفلسفة العلم . ولذلك فإن سان سيمون صاغ جوهرياً أسس الساينتزم وحركة المعارضة الصامتة لتأكيداتها . وهايك رفع هذا العنوان إلى كتابه الثورة المضادة للعلم . وبالطبع كل ذلك نزل إليه من سان سيمون . والثالث فحص هايك أوغست كومت (1798 – 1857) وجورج فردريك هيغل (1770 – 1831) وبالتحديد في مضمار فلسفة التاريخ . ولاحظ هايك بأن العلوم حاولت إزالة العنصر الإنساني وذلك من أجل الوصول إلى الموضوعية والسيطرة على النتائج . أنظر : فردريك هياك ؛ الثورة المضادة للعلم : دراسات حول الإساءة إلى العقل (مصدر سابق) .

 – كوسيك ؛ المصدر السابق ، ص ص 23 – 24 . [37]

————————————————————————————–

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , ,

الفيلسوفة البريطانية الفيتجنشتاينية إليزابيث إنسكومب

الفلسفة : حُب الحكمة                      الفيسوف : مُحب الحكمة 

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

———————————————————————————————————

الفيلسوف

مجلة فلسفية إلكترونية

———————————————————————————————————

الفلاسفة الفيتجنشتاينيون والفيجنشتاينيون الجدد

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

————————————————————————————————–

تقديم  

  إحتضن أفكار الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين في وقت مبكر عدد من طلابه في كلية الثالوث في جامعة كيميريدج ومن أمثال ديفيد هيوم بينسنت والذي هام في حبه وأرائه كما أشرنا إلى ذلك سابقاً . وإذا كانت هذه بداية مبكرة للإهتمام بفيتجنشتاين وفلسفته وكان بالطبع إهتمام إختلطت فيه اللحظات الواعية (وغير الواعية) بأهمية فلسفة فيتجنشتاين في مضمار الفلسفة الغربية المعاصرة . ولاحظنا إنه مع جيل جديد من طلاب فيتجنشتاين ، بدأت ملامح حركة فلسفية جديدة ، أخذت تتشكل بصورة أكثر وعياً وإنضباطاً . مما حق للباحثين أن يطلقوا عليهم جماعة الفلاسفة الفيتجنشتاييون . والواقع هم مجموعة من طلاب فيتجنشتاين . وبعد ذلك سيولد جيل جديد من طلابهم (ربما بعض منهم لم يرى فيتجنشتاين ولم يسمع له محاضرة) من إختاروا أن يحملوا مشاعل حركة متجذرة في الأصول الفلسفية الفيتجنشتاينية إلا إنها ذات أملاح فلسفية وألوان فلسفية جديدة (ربما نزلت من الألمانيين جوتلوب فريجة ورودلف كرناب مثلاً وليس حصراً) والتي بالطبع منحت تفسيراتهم مذاقاً وربما لوناً فلسفياً جديداً وأخذ يُطلق عليهم عنوان الفيتجنشتاينيون الجدد وعلى حركتهم عنوان التفسير الفيتجنشتايني الجديد . والحقيقة هم مجموعة من طلاب الفلاسفة الفيتجنشتاينيون أي جيل جديد من الفلاسفة الفيتجنشتاينيون الذين لم تتوافر لهم فرصة الدراسة المباشرة على يد المعلم الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين وإنما درسوا تراثه وعلى يد طلابه المقربين من الجيل الأول . ولعل من أهم الفلاسفة الفيجنشتاينيون وأكثرهم شهرة :

1

الفيلسوفة الفيتجنشتاينية إليزابيث إنسكومب

    وإسمها الكامل جيرترود إليزابيث مارجريت إنسكومب (1919 – 2001) وهي فيلسوفة بريطانية تنتمي إلى مدرسة الفلسفة التحليلية . وهي زوجة الفيلسوف الفيتجنشتاينى بيتر كيج (وكان حينها البروفسور بيتر كيج يعمل في قسم الفلسفة – جامعة ليدز وكان يومها صاحب القلم يكتب إطروحته للدكتوراه في قسم الفلسفة ذاته وللعام الدراسي 1990 / 1991) . وكانت الفيلسوفة إنسكومب تلميذة الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين وأصبحت فيما بعد تُمسك بسلطة معرفية على مجمل أعماله ونصوصه . كما ونشرت إنسكومب وترجمت العديد من الكتب والتي نهضت على كتابات فيتجنشتاين . وتتقدمها رائعته التي حملت عنوان أبحاث فلسفية .

  ولدت الفيلسوفة إليزابيث إنسكومب في 18 أذار سنة 1919 ، وفي أحضان عائلة تتكون من الأم جيرترود إليزابيث إنسكومب والوالد ألين ويلز إنسكومب . وكانت ولادة الفيلسوفة إنسكومب في ليمارك – إيرلندا . ويومها كان يعمل والدها ضابطاً وخلال حرب الإستقلال الإيرلندية . وتخرجت من مدرسة ثانوية سيدينهام وبالتحديد عام 1937 . ومن ثم ذهبت إلى دراسة الكلاسيكيات (التاريخ القديم والفلسفة) في كلية سانت هيو – جامعة أكسفورد . وتخرجت الأولى في عام 1941 .

  وسببت إنسكومب جدلاً واسعاً وذلك عندما إعترضت إعلامياً وبصورة شعبية على دخول بريطانيا في الحرب العالمية الثانية . ويومها كان والدها مُحارباً كما وكان واحداً من إخوتها يخدم في القوات العسكرية البريطانية خلال الحرب . وفي عام 1941 تزوجت من الفيلسوف الفيتجينشتايني بيتر كيج (وكلاهما أي مارجريت إنسكومب وزوجها بيتر كيج تحولا إلى العقيدي الكاثوليكي . ويحسبُ الدكتور محمد الفرحان إن الفلسفة نجحت في هز قناعاتهما الدينية ومن ثم عقلنتها فحدث التحول العقيدي إلا إن كل الأمال خابت عندما أعلانا عن تحولهما نحو ضفاف الكاثوليكية ، وهما الفيلسوفان الفيتجنشتايين (ويتسائل الفرحان : هل ما فعله الفيلسوفان كل من إنسكومب وكيج هو مجرد تقليد طفولي لفعل عائلة فيتجنشتاين وذلك عندما إختارت الكاثوليكية دين عقيدي جديد لعائلة أل فيتجنشتاين ؟ إن سؤال الفرحان يمتلك سلطة معرفية قوية مسنودة بتاريخ تحولات العقيدي في عائلة أل فيتجنشتاين . إلا إنه من طرف الفيلسوفة إنسكومب وزوجها الفيلسوف كيج هو حالة نكوص معرفي وفلسفي . وكان فعلاً تراجعاً فلسفياً بل والحقيقة فشل فلسفي ما بعده من فشل وهزيمة حيث إنتحر العقلاني تطوعاً وإختياراً على مذبح اللاعقلاني . إنه مظهر من مظاهر محنة الفلسفة ومحنة الفلاسفة .) . وكان الحاصل من زواج الفيلسوفيين ؛ إنسكومب وكيج ولادة ثلاثة أولاد وأربعة بنات [1].

    وبعد التخرج من جامعة أكسفورد حصلت على زمالة دراسية إنضمت فيها لإكمال دراساتها العليا (البوستكراد) في كلية نيونهام – جامعة كيمبريدج وللفترة من عام 1942 وحتى عام 1945 . وكان هدفها من ذلك ، حضور محاضرات لودفيغ فيتجنشتاين . ومن ثم أخذت درجات إهتمامها بفلسفة فيتجنشتاين تتصاعد ، وخصوصاً بعد قراءتها إلى إطروحة فيتجنشتاين للدكتوراه والتي حملت عنواناً لاتينياً تركتاتس لوجيكو – فيلوسوفيكوس ، وبالعربية رسالة منطقية فلسفية وحينها كانت إليزابيث إنسكومب مجرد طالبة في الدراسات الأولية . وزعمت إنها بعد إن فتحت هذا الكتاب – الإطروحة والذي كان من نشرة دار بلاكويل ، وبالتحديد قراءة المقطع الذي حمل الرقم (5.53) . أدركت فكرة ضرورة الدراسة مع فيتجنشتاين .

  ومن ثم تحولت إليزابيث مارجريت إنسكومب إلى طالبة متحمسة ، وكانت تشعر بأن طريقة فيتجنشتاين هي طريقة (ثربيوتك) علاجية ساعدت على تحريرها من المشكلات الفلسفية التي كانت تعترضها من طرف . ومكنتها من طرف أخر من إدراك عجز الطرق التي تدربت عليها في نطاق الفلسفة التقليدية . ولذلك كتبت إنسكومب وأفادت ” لفترة سنوات ، فإنني غالباً ما أحدق بتركيز على الأشياء . وأردد مع نفسي وأقول ” إن كل ما أراه ، هو مجرد حُزمة . والسؤال ؛ ماذا أرى في الحقيقة ؟ وكيف يمكنني القول ” بأنني أرى هناك شيئاً ، هو أكثر من فُسحة صفراء ؟ ” . أنا على الدوام أكره الظاهراتية (الفينومنولوجيزم) . وهنا شعرت بإنني وقعت في فخها (أي فخ الظاهراتية) . والذي حدث إنني أصبحت لا أستطيع أن أبصر طريقي ، بل وحتى أنني غير قادرة على تحرير نفسي من شرك (الظاهراتية).

  ورغم هذه الحال ، فإنني لا أستطيع الإعتقاد بها (أي بالظاهراتية) . وحينها لم أكن منتبهة للصعوبات التي تلُفها . وبالطبع هي الأشياء ذاتها التي وجد رسل (أي الفيلسوف برتراند رسل) الخطأ فيها على سبيل المثال . ولعل الجانب الأكثر قوة ، هو إن العصب المركزي ظل حياً وتصاعدت معه درجات الألم . وكل هذا حدث فقط في دروس فيتجنشتاين عام 1944 ، حيث رأيت إن العصب كان منتزعاً ، وإن الفكرة المركزية التي حصلت عليها ، هي تعريف ” الأصفر ” . وأقول مثلاً بأن هذا الوجود ، هو مجرد عرض يشبه الهجوم الفعال ” [2].

  ولاحظنا إنه بعد نهاية زمالة إليزابيث إنسكومب في جامعة كيمبريدج ، فإنها حصلت على زمالة دراسية ثانية من كلية سومر فيل – جامعة أكسفورد . وإستمرت هذه الزمالة الدراسية للسنة الأكاديمية لعام 1946 – 1947 . إلا إنها ظلت تُسافر إلى جامعة كيمبريدج ، مرة واحدة في الأسبوع وذلك للقاء بتلميذها الباحث وصفي أحمد حجاب (ولد في 18 أبريل 1919 – وتوفي 16 سبتمبر 2004) [3].

  وكانت خلال هذه الفترة تعمل معيدة مع الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، وبالتحديد في مضمار فلسفة الدين . ومن ثم تحولت لتصبح واحدة من أفضل طلاب فيتجنشتاين ، بل ومن أصدقائه المقربين [4]. وكان فيتجنشتاين ودوداً وعطوفاً عليها ، وينسب لها عنوان أو لقب ” الرجل الشيخ ” والذي فيه إستثناء . ونحسب هذا العنوان له دلالاته الكثيرة وذلك لأن المعروف عن فيتجنشتاين ” بأنه على وجه العموم لا يحب النساء الأكاديميات ” . كما وكان مطمئناً من إليزابيث إنسكومب بدرجات عالية ، وخصوصاً إنها كانت مستوعبة بصورة عالية لوجهات نظره . والشاهد على ذلك ، إنه إختارها مترجمة لرائعته التي حملت عنوان أبحاث فلسفية . بل وحتى قبل أن تتعلم اللغة الألمانية . ولهذا السبب رتب فترة مكوثه في فينا وذلك لضبط لغتها الألمانية .

  فعلاً لقد كرست الفيلسوفة الفيتجنشتاينية إليزابيث إنسكومب معظم وقتها ومن ثم أعمالها الأكاديمية إلى معلمها الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . ولعل الأكاديمي والقارئ على حد سواء يلحظان إن أعمال إنسكومب توزعت بين الترجمات ، الإشراف على النشر والتحرير ، ومن ثم وضع شروح على أعمال فيتجنشتاين . والشواهد كثيرة على ذلك منها المدخل الذي كتبته عام 1921 والذي كان بعنوان رسالة منطقية فلسفية ، والذي ظهر عام 1959 أي بعد موت فيتجنشتاين بثمان سنوات . وكان لهذا المدخل الذي كتبته إنسكومب أهمية ، حيث إنه جلب الإنتباه إلى أهمية أعمال الفيلسوف وعالم المنطق الألماني جوتلوب فريجة إلى تفكير فيتجنشتاين ، وخصوصاً أسس تفكيره ، وتحديداً هجوم فيتجنشتاين على التفسيرات الوضعية لأعماله .

  كما إن الفيلسوفة إنسكومب هي المترجمة المشاركة لرائعته الثانية والتي حملت عنوان أبحاث فلسفية . والحقيقة إنها تعاونت مع زميلها الفيلسوف الفيتجنشتايني ريش رايس . وظلت ترجمتها لكتاب أبحاث فلسفية موديلاً وإستاندراً في دوائر التفكير المعاصر ولحد الآن . ومن ثم قامت بالإشتراك بالإعداد والإشراف على نشر العديد من المجلدات والتي ضمت مختارات من نصوص فيتجنشتاين والتي ضمتها مخطوطاته العديدة والتي حملت عنوان كُتب الملاحظات . وكذلك لاحظنا إن الفيلسوفة إليزابيث إنسكومب قد ركزت بعض من وقتها إلى ترجمة بعض من هذه الكتب من الألمانية إلى الإنكليزية . ولعل الشاهد على ذلك كتاب فيتجنشتاين الذي حمل عنوان ملاحظات على أسس الرياضيات والذي صدر عام 1956 [5].

  وفي عام 1978 حصلت الفيلسوفة الفيتجنشتاينية مارجريت إنسكومب على جائزة الصليب النمساوية لتكريم العلم والفن من الدرجة الأولى وذلك لأعمالها التي أنجزتها عن الفيلسوف فيتجنشتاين [6]. ونسعى في النهاية إن نُكمل هذه الصورة التي رسمناها عن الفيلسوفة الفيتجنشتاينية مارجريت إنسكومب ، فنقدم عرضاَ لأبحاثها ومؤلفاتها عامة ، ومن ثم كتبها التي خصصتها حول معلمها الفيلسوف فيتجنشتاين . وبالصورة الآتية :

1 – النية أو العزم (1957) وهي بحد ذاتها رائعة فلسفية . وهذه الرائعة تألفت من ثلاثة مجلدات وجاءت بالشكل الأتي :

 الأول كان بعنوان من بارمنيدس وحتى فيتجنشتاين [7].

والثاني حمل عنوان الميتافيزيقا وفلسفة العقل [8].

والثالث جاء بعنوان الأخلاق ، الدين والسياسة [9].

2- فلسفة الأخلاق الحديثة (1958) [10].

3 – مدخل إلى تركتاتوس فيتجنشتاين (1959) [11].  

4 – الحياة الإنسانية ، العقل والأخلاق (2008) [12].

5 – ثلاثة فلاسفة : أرسطو ، الأكويني وفريجة (1961) [13].

6 – من إفلاطون وحتى فيتجنشتاين (2011) [14].

7 – الإيمان على أسس صلدة (2008) [15].

8 – السببية والجبرية (الحتمية) (1971) [16].

9 – الزمن ، البدايات والأسباب (1975) [17].

10 – المنطق ، الصدق والمعنى (2015) [18].    

  وبالرغم من تحفظنا على تحول الفيلسوفة مارجريت إنسكومب إلى الكاثوليكية (وتحول زوجها بيتر كيج معها وهو بروفسور الفلسفة وعلم المنطق ولهم الحرية في خيارهما) . ولنا رأي في هذا التحول ، حيث يبدو لنا إن مُقدماته تصعد إلى الفترة التي عادت فيها إلى القديس توما الإكويني وكتابتها مقالتها الرائعة التي حملت عنوان فلسفة الأخلاق الحديثة هو المقدمة (أور ربما النتيجة) من تحول الفيلسوفة إنسكومب إلى معاقل الكاثوليكية (وهي الدين الذي صاغ أطرافه الفقهية اللاهوتية القديس توما الإكويني . كما هو دين فيتجنشتاين الذي فتح عينيه عليه بعد تحول عائلته إليه (أي إلى الكاثوليكية) . والسؤال ؛ هل كل ذلك حدث بفعل صدفة ؟ إننا لا نؤمن بتحولات الصدفة وخصوصاً في صفوف الفلاسفة وإصطفافهم الفلسفي ). ونحن نعرف والقارئ المتابع لتاريخ صدور نصوص الفيلسوفة مارجريت إنسكومب ، يعرف كذلك إنه قبل صدور رائعتها فلسفة الأخلاق الحديثة ، نشرت رائعتها النية أو العزم (ثلاثة مجلدات) والتي نُرجح إنها كتبتهما في أجواء تفكيرها الإحتجاجي على جامعة أكسفورد التي كانت تسعى إلى منح الرئيس الأمريكي الثالث والثلاثين هاري ترومان (1884 – 1972) تكريما جامعياً وشهادة جماعية ، وهو الذي أصدر قراره سئ الصيت في قصف هيروشيما ونيكازاكي بالقنابل الذرية (في أوغست 1945) .

   ولكل هذا فإننا وكل مُحبي السلام نحتفل بها فيلسوفة إنسانية دافعت بشرف عن إنسانيتها وثابرت بكل ما لديها من قوة وأفعال لأيقاف قرار جامعة أكسفورد من تكريم السفاك وقاتل الأطفال والنساء والشيوخ من اليابانيين . وإن فشلت فقد سجلت موقفاً تاريخياً راقياً مقابل موقف العقول الأكاديمية الإنكليزية التي وافقت على تكريم الرئيس الأمريكي الديمقراطي هاري ترومان ، والذي ذهب متعجلاً ليخط إسمه في قوائم القتلة والمجرمين . وأخيراً فإننا نحتفل بالفيلسوفة الفيتجنشتاينية إيزابيل أو إليزابيث مارجريت إنسكومب في إنها واحدة من أهم الفيلسوفات في كل العصور في تاريخ الفلسفة العتيد . وكذلك لكونها كرست الكثير من وقتها والكثير من كتاباتها إلى أستاذها الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين .

————————————————————————————————-

الهوامش

 – أنظر : ” الفيلسوفة البريطانية مارجريت إنسكومب : توفيت بعمر الحادية والثمانين ” ، صحيفة نيويورك تايمز ، 13 كانون الثاني سنة  [1]

2001 .

 – راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص 497 . [2]

 – كل ما نعرفه عن وصفي أحمد حجاب ، ورد في هامش من مقال عن الفيلسوفة مارجريت إنسكومب . وجاء فيه ” مات وصفي أحمد حجاب في [3]

فيلادلفيا – امريكا عن عمر الخامسة والثمانين وبعد فترة مرض قصيرة ” . وله كتابين صدرا من جامعة فلوريدا ؛ سلسلة تقدم الهندسة :  الأول طبع عام 1956 . والثاني طُبع عام 1957 . 

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص ص 497[4]

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ ملاحظات حول أسس الرياضيات ، ترجمة مارجريت إنسكومب ، إشراف فون رايت وإنسكومب وريش ريس ، [5]

دار نشر بيسل بلاكويل ، أكسفورد سنة 1953 .  

 – أنظر : رد على سؤال البرلمان (بالإلمانية) ، 23 أبريل سنة 2012 ، ص 521 . [6]

 – أنظر : مارجريت إنسكومب ؛ من بارمنيدس وحتى فيتجنشتاين ، المجلد الأول : مجموعة أبحاث فلسفية ، شركة نشر ويلي – بلاكويل [7]

، سنة 1991 (تألف من 156 صفحة) .

 – أنظر : مارجريت إنسكومب ؛ الميتافيزيقا وفلسفة العقل (مجموعة أبحاث فلسفية) ، مطبعة جامعة منسوتا ، سنة 1981 (تألف من [8]

239 صفحة) .  

 – أنظر : مارجريت إنسكومب ؛ الأخلاق ، الدين والسياسة (مجموعة أبحاث فلسفية) ، شركة نشر ويلي – بلاكويل ، سنة 1991 ،[9]

(تألف من 176 صفحة) .

 – أنظر : مارجريت إنسكومب ؛ فلسفة الأخلاق الحديثة ، دورية الفلسفة ، المجلد رقم 33 ، العدد 124 . [10]

 – أنظر : مارجريت إنسكومب ؛ مدخل إلى تراكتتس فيتجنشتاين (بالعربية مدخل إلى رسالة منطقية – فلسفية) ، موضوعات في فلسفة [11]

فيتجنشتاين ، سلسلة دراسات فيتجنشتاين ، شركة نشر سانت أوغسطين ، سنة 2001 (تألف من 179 صفحة) .

 – أنظر : مارجريت إنسكومب ؛ الحياة الإنسانية ، العقل والأخلاق : مقالات إنسكمب (سلسلة سانت إندروز في الفلسفة والموضوعات العامة) [12]

، إشراف وتحرير ماري كيج ولوك كورملي ، المطبعة الأكاديمية ، سنة 2008 (تأف من 273 صفحة) .

 – أنظر : مارجريت إنسكومب وبيتر كيج ؛ ثلاثة فلاسفة : أرسطو ، الإكويني وفريجة ، مطبعة جامعة كورنيل ، سنة 1961 (تألف من [13]

162 صفحة) .

 – أنظر : مارجريت إنسكومب : من إفلاطون وحتى فيتجنشتاين : مقالات مارجريت إنسكمب ، سلسلة دراسات سانت إندورز في الفلسفة[14]

والموضوعات العامة ، إشراف ماري كيج ولوك كورملي ، المطبعة الأكاديمية ، سنة 2011 (تألف من 250 صفحة) .  

 – أنظر : مارجريت إنسكومب : الإيمان على أسس صلدة : مقالات حول الدين ، الفلسفة والأخلاق ، دراسات في الدين ، الفلسفة والأخلاق [15]

، سلسلة في الفلسفة والموضوعات العامة ، إشراف ماري كيج ولوك كورملي ، المطبعة الأكاديمية ، سنة 2008 (تألف من 273) .

 – أنظر : مارجريت إنسكومب ؛ السببية والجبرية (الحتمية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 1971 (تألف من 32 صفحة) . [16]

 – أنظر : مارجريت إنسكومب : الزمن ، البدايات والأسباب ، مطبعة جامعة أكسفورد (لأجل الأكاديمية البريطانية) ، شباط 1975 (تألف [17]

من عشرين صفحة) .

 – أنظر : مارجريت إنسكومب ؛ المنطق ، الصدق والمعنى : كتابات مارجريت إنسكمب ، إشراف وتحرير ماري كيج ولوك كورملي ، دار[18]

المطبعة الأكاديمية ، ط1 نوفمبر سنة 2015 .

——————————————————————————————————–

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , ,

الثلاثي جون راجمان ، شومسكي وفوكو

 

الفلسفة : حُب الحكمة      الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة  

——————————————————————-

الفيلسوف

مجلة إلكترونية

———————————————————————————–

The CHOMSKY – FOUCAULT debate

ON HUMAN NATURE
Dr. MOHAMAD FARHAN PHILOSOPHER

شومسكي وفوكو : مناظرة حول الطبيعة الإنسانية

مع مرجعية إلى إصول نظرياتهم الفلسفية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————

حق ودرس تربوي لتعليم الأجيال الجديدة

   نشرنا في الفصيلة / العددان الثالث والرابع من مجلة أوراق فلسفية جديدة وبتاريخ إكتوبر سنة 2014 ، الفصلان الأول والثاني من كتابنا (شومسكي وفوكو : مناظرة حول الطبيعة الإنسانية) وقبل أن تصدر الترجمة العربية لهذا الكتاب – المناظرة . والحقيقة إن نشرتنا عرفت بالكتاب الذي هو في الأصل مناظرة بين شومسكي وفوكو . كما وعرفت بشومسكي وفوكو وبالتحديد بأطراف من حياتهما وخصوصاً الفكرية وبعض من مؤلفاتهما المشهورة . وبينا إن فصول الكتاب ضمت فصولاً ليست في الأصل أطراف من هذه المناظرة وإنما تم ضمها في فترة لاحقة ونُشرت مع فصول المناظرة .

   والواقع إن مثابرتنا تقدمت على الترجمة العربية لهذا الكتاب بحدود زمنية ملحوظة (وهي على الأقل سنتين . ويحق للمتابع الأكاديمي أن يقارن بين تاريخ نشرتنا للفصل الأول والثاني من كتابنا شومسكي وفوكو : مناظرة حول الطبيعة الإنسانية ، وتاريخ صدور الترجمة العربية . وهذا حق لايزعل ويغضب منه كل حكيم وصاحب فكر حصيف . وهنا نقف ونتساءل ؛ هل ذكر السيد المترجم جهودنا في تعريف الأنظار العربية بهذا الكتاب وبفصوله الأول والثاني ؟ ونحسبُ أن فعل المترجم في الطبعة الأولى فهذا إنصاف لنا وللقارئ ودليل على عدالة المترجم وإن فاته ذلك فنتأمل منه أن يشير إلى ذلك في الطبعة الثانية وهذا حق وفيه الكثير من الإنصاف وفيه كذلك درس تربوي نُعلم الجيل الجديد نهج تربوي ينهض على الإعتراف بالحق من أي مكان جاء ونذكر بفضل السابقين على اللاحقين وفي ذلك رضاء الله ورحمة للعالمين ..) . وهذا الفصل أي الثالث وستليه الفصول الرابع والخامس والسادس والسابع .. فإنها تنتمي إلى تاريخ نشرتنا للفصل الأول والذي كان بعنوان نعوم شومسكي: مؤشرات من سيرته وتكوينه الفكري . والفصل الثاني والذي جاء بعنوان ميشيل فوكو : ملامح من حياته وتطور ذهنيته . ونعود مرة أخرى إلى مخطوطة كتابنا وننشر الفصل الثالث عن هذه الرائعة المناظرة – الكتاب والذي حمل عنوان الثلاثي جون راجمان ، شومسكي وفوكو . ونعدُ الأكاديمي والقارئ العربي بنشر فصول كتابنا بالتتابع لأن هذا الكتاب ليس ترجمة وإنما كد فكري يرقى إلى جهد الرباعي : شومسكي وفوكو ، راجمان (وبالطبع المفكر الهولندي فونز إليدرز) . وسيليه الفصل الرابع والذي كان بعنوان دواعي المناظرة الفكرية وحلقاتها وإشكالية اللغة . ومن ثم  تلاه لفصل الخامس والذي حمل عنوان حوار اللنكوستيكا الفرنسية واللنكوستيكا الأمريكية : رونات وشومسكي . وتبعه الفصل السادس والذي إقترحنا له عنواناً دالاً وهو الحوار الإيطالي مع ميشيل فوكو . وإنتهى الكتاب بالفصل السابع والذي كان بعنوان فوكو ونقد العقل السياسي . وكان مسك الختام تعقيب ختامي أجملنا فيه تقويمنا النقدي لهذا الكتاب الرائعة مع قائمة مصادر تم تداولها وإعتمادها في إنشاء متنه ..

—————————————————————————-

الفصل الثالث

 الثلاثي جون راجمان ، شومسكي وفوكو

   شكل التصدير الذي كتبه البروفسور ” جون راجمان ” (ولد في 25 حزيران من عام 1946) قاعدة المثلث الفلسفي لكتاب ” حوار شومسكي وفوكو حول الطبيعة الإنسانية ” [1] . و ” راجمان ” هو فيلسوف تناول في أعماله مجالات متنوعة ، ومنها ما يخصُ تاريخ الفن ، والعمارة وفلسفة القارة (أوربا) . وهو إبن عالم الكومبيوتر البولندي – الأمريكي ” جين الإكسندر راجمان ” (1911 – 1989) . والبروفسور راجمان هو مدير الفن الحديث في قسم تاريخ الفن والأثار في جامعة كولومبيا . ودرس قبل ذلك في جامعة برنستون ، و معهد ماسيشيوتس للتنكنولوجيا ، وكلية الفلسفة العالمية في باريس . وبالمناسبة إن البروفسور راجمان حاصل على درجة البكلوريوس من جامعة ييل ، والدكتوراه من جامعة كولومبيا .

  من أهم مؤلفاته :

1 – ميشيل فوكو : حرية الفلسفة [2] .

2 – المعمار الأمريكي ” ريتشارد سيرا ” (ولد2 نوفمبر 1939) (بالإشتراك مع مجموعة مؤلفين [3] .

3 – الحقيقة وإيروس (إله الحب) : فوكو ، لاكن وسؤال الأخلاق [4] .

4 – أحداث فلسفية : مقالات الثمانينات [5] .

5 – الفلسفة ما بعد التحليلية (بالإشتراك في الإشراف على هذا المجلد مع كونرل ويست) [6] .

6 – سؤال حول الهوية [7] .

7 – المباني (في العمارة والنقد) [8] .

8 – إرتباطات دولوز (منا : هو الفيلسوف الفرنسي المعاصر كيل دولوز) [9] .

9 – الفلسفة الفرنسية منذ عام 1945 : المشكلات ، المفاهيم والتجديدات (وبالإشتراك في الإشراف مع الفيلسوف إتيان بليبار ) [10] .

  وهنا سنقوم بمراجعة الأفكار التي أدلى بها الفيلسوف ” جون راجمان ” وهو يقدم كل من ” نعوم شومسكي ” و ” ميشيل فوكو ” في هذا المدخل والذي كتبه خصيصاً للمناظرات التي جرت بين الأثنين . ولهذا نحسبُ هذا المدخل مهم جداً من حيث إنه معبرأ وجسراً يؤدي إلى ” شواطئ فلسفية وميثدولوجية مختلفة والتي تصل أحياناً ما إلى حد التقاطع ” . ومن هنا نظن إن مهمة الفيلسوف ” جون راجمان ” ليست بالوظيفة السهلة . صحيح إنها سهلة له وهو يُقدم ” ميشيل فوكو ” وذلك لأن رجمان قد عرف ” فوكو ” من خلال أبحاثه ومشاريعه الكتابية التي إشتغل عليها في الفترة التي تتجاوز العشرين عاماً ، وبالتحديد ما بين تأليف كتابه المعنون ” ميشيل فوكو : حرية الفلسفة ” والذي صدر في عام 1985 [11] والكتاب موضوع دراستنا والمعنون ” نعوم شومسكي وميشيل فوكو : جدل حول الطبيعة الإنسانية ” والذي رأى النور عام 2006 . وبالطبع في الكتاب الأخير تم تكليف الفيلسوف ” جون راجمان” بكتابة تقديم لهذا الكتاب – المناظرة [12] .

  إضافة إلى ذلك فإن جون راجمان لم يقف عند هذا السقف الزمني من البحث في تفكير ” ميشيل فوكو ”  ، بل ظل ” فوكو ” موضوع إهتمام دائم والشاهد على ذلك جاء من خلال إنشغال دوائر التفكير الغربي بالفلسفة الفرنسية المعاصرة وبالتحديد في فترة ما بعد عام 1945 . ومن ثم تكليف ” راجمان وزميليه ” إيتيان بليبار ” و ” أنا بويمان ” بالإشراف على كتاب جماعي ، والذي ظهر بعنوان ” الفلسفة الفرنسية منذ عام 1945 : المشكلات ، المفاهيم والتجديدات ، والتفكير الفرنسي ما بعد الحرب ” والذي نُشر عام 2011 [13] . وبالطبع هناك ترجمة لمختارات من نصوص الفلاسفة ، ومنها كتابات ” ميشيل فوكو ” .

  إلا إن مهمة ” جون راجمان ” كما بدت لنا في أول وهلة مختلفة وليست بالسهلة مع ” نعوم شومسكي ” . والحقيقة إن راجمان كان محظوظاً مع الإثنين ، فمثلما أنجز مهمته بنجاح عال مع ميشيل فوكو وذلك من خلال تمكنه من اللغتين الفرنسية والإنكليزية ومن ثم البحث في تفكير ” فوكو ” والذي إمتد ما يُقارب الأكثر من ثلاثة عقود من الزمن والذي تتوج بكتابات متفردة . فإن علاقته بنعوم شومسكي هي الأخرى إتسمت بطابعها المتفرد كذلك . فقد جاء راجمان إلى أمريكا ودرس في جامعات أمريكية مرموقة وأصبح واحداً من المتخصصين في إتجاهات التفكير الأمريكي الفلسفي والعام على حد سواء . وهذا الحال مكنه من أن يعرف بقرب مكانة وإسهامات المفكر الأمريكي ” نعوم شومسكي ” في التفكير الغربي بصورة عامة والفكر الأمريكي بصورة خاصة . وهذا الحال من طرف شومسكي رشحه ليكون كاتباً للمدخل في المناظرات التي جرت بين شومسكي وميشيل فوكو [14].

مدخل جون راجمان : شومسكي وفوكو والطبيعة الإنسانية

  يُشكل التصدير الذي كتبه البروفسور ” جون راجمان ” لكتاب المناظرة بين ” شومسكي ” و” فوكو ” بما يشبه المقدمة التي هدفت إلى تجسير ” مناطق الإتصال واللاإتصال ” بين تفكير ” شومسكي ” و ” فوكو ” وعلى الأقل في أطراف اللنكوستيك وفلسفة اللغة والطبيعة الإنسانية . ووضع في متناول القارئ بعض الحقائق المهمة والتي ليس لدينا إختلاف أو تعارض معه ، وإن كنا نتطلع إلى النظر إليها من زاوية فلسفية خالصة .

  إلا إن الرجل من البداية قد حسم أمره وتردد في إدخالها في مضمار ” التفكير الفلسفي العام ” . ولهذا ذهب بصراحة إلى إنه ” لا شومسكي ولا فوكو ، هما في حقيقة الأمر فيلسوفان بالمعنى الأكاديمي الضيق ” [15] . وهذا صحيح إلى حد ما إذا نظرنا إلى برنامج التدريب الأكاديمي الأول الذي تلقاه رجل اللنكوستيك ” شومسكي ” . فقد بدأ دراسته الأكاديمية في جامعة بنسلفانيا ، وكان حينها مدفوعاً بقوة نحو ” دراسة اللغة العربية أكاديمياً ” وفعلاً فقد كان الطالب الوحيد في الفصل الدراسي وهذا الأمر أشرنا إليه أعلاه . ومن البداية إرتبط تفكير ومنهج ” شومسكي ” بإثنين من الرموز الفلسفية ؛ الأول عالم اللنكوستيك زليخ هاريس والذي تشرب ” شومسكي ” فكره في مضماري اللنكوستيك وفلسفة اللغة . والثاني عالم اللنكوستيك السويسري فرديناند دي سوسور .

  كما إن ” شومسكي ” وبتأثير شيخه الأستاذ زيلخ هاريس كتب تحت إشرافه أطروحته التي حملت عنوان ” النحو التحويلي ” وهي تمس جوهر ” التحليل المنطقي للغة ” وهو موضوع فلسفي عتيد . وفعلاً فقد لاحظنا إن ” شومسكي ” بذكاء عال أدرك المضمون الفلسفي لموضوع إطروحته وتشابكها بعلم المنطق ، فقام بتغيير عنوانها ونشرها بعنوان جديد يربطها بصورة عضوية بعلم المنطق ومن ثم الفلسفة ، فكان عنوانها الجديد ” البنية (التركيب) المنطقية للنظرية اللنكوستيكية ” [16] .  إضافة إلى كل ذلك ، فإن ما يشدُ تفكير وأبحاث ” شومسكي ” إلى مضمار الفلسفة العتيد ، هو إنه إمتلك منهجاً شمولياً متنوعاً ، منهجاً إنفتح به على أجناس متنوعة من علوم الفلسفة . حيث كان عالم اللنكوستيك ، والسنتاكس ، وهو فوق هذا وذاك  متخصص في المعرفيات ” الأبستمولوجيا ” ، وهو ” رمز كبير من رموز الفلسفة التحليلية ” [17] . ولعل من كتب ” شومسكي ” الفلسفية التي نحتفل بها ، رائعته التي تحمل عنوان ” اللنكوستيك الديكارتي : فصل في تاريخ الفكر العقلاني ” [18]

  أما الفيلسوف ” ميشيل فوكو ” فإنه يُشارك ” نعوم شومسكي ” في همه الفلسفي العقلاني العام ، ويتقارب من مضماره في بعض إهتماماته الأبستمولوجية وفلسفة اللغة ، وبالتحديد من مثل ” حفريات المعرفة (الأبستمولوجيا) وخطاب اللغة ” وكتابه المعنون ” الكلمات والأشياء ” . و” فوكو ” كما هو معروف تخرج من ” مدرسة الأساتذة العليا ” حيث في فضاءاتها الأكاديمية تم صياغة شخصيته الفلسفية . وفيها إرتبط بعدد من الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين من أمثال ” لويس ألتوسير ” و ” جاك دريدا ” و” بيير بورديو ” . كما وإن عنوان إطروحته الثانية شاهد على إرتباطه الجوهري بالفلسفة ومباحثها العتيدة ، وبالتحديد من طرف الفيلسوف الألماني ” عمانوئيل كانط ” والتي حملت عنوان ” مدخل إلى إنثروبولوجيا كانط ” . إضافة إلى كتابه المعنون ” علم الجمال ، الميثدولوجيا والأبستمولوجيا ” [19] .

  وبعد تردد الفيلسوف ” جون راجمان ” من إطلاق إصطلاح ” الفيلسوف ” بحدوده الأكاديمية الضيقة على كل من ” شومسكي ” و “فوكو ” ، عاد فأشار إلى إن ” كلاً منهما طور مشروعاً أصيلاً عالياً في دراسة اللغة ” ولعل الحاصل من ذلك إنهما لعبا دوراً مؤثراً في الحياة الفكرية والسياسية على حد سواء [20] .

  ولاحظ رجمان إن عام 1971 يُشكل علامة تاريخية في مسيرة كل من ” شومسكي ” و ” فوكو ” فقد رسمت طريق تحول في مسيرتهما الفكرية وأعمالهما ، وبالتحديد تحولاً من اللغة  إلى مضمار السياسة . وحسب خطاب ” راجمان ” الذي كتبه عام 2006 والذي تفصله عن المناظرة فترة زمنية تمتد أقل من عقدين من الزمن يومذاك ، هي بتقديره لازالت حية ، فأفاد ” إن أحداث عام 1968 لم يخبو ويضعف تأثيرها ، فقد كونت مناخاً جديداً ، وأدخلت تقسيمات جديدة ، وفاعلين جدد في الميزان العالمي ، والتي تتخطى كل الأنظمة السياسية والإقتصادية من براغ وحتى براكلي ، وباريس ومدينة مكسيكو وأسيا . بل وحتى التقسيمات الفكرية في مناظرات إليدرز .. ولعل السؤال هو كيف يتأثر المفكرون بمثل هذه الأحداث وهم يعيشون ويعملون ، بل ويتحاورون مع بعضهم البعض في مناطق جغرافية مختلفة ؟ وما هي النماذج التي ستثير أنواعا جديدة من الأسئلة ، وطرق جديدة لفرضها ، وبالطبع تنبثق هي الأخرى من الحركات السياسية في مناطق جغرافية مختلفة ؟ في حين بالمقابل إن النماذج الماركسية تصبح غير كافية مما تحمل البعض إلى التفكير بنماذج يمكن إستنباطها من حركة التنوير الكلاسيكية أو من نماذج أخرى من مثل حركة التمرد السلمية أو الديمقراطية المشاركة ؟

  ويرى ” راجمان ” إن كل ذلك حدث في حركتين متخالفتين ؛ واحدة متجهة إلى الوراء . والثانية تتحرك إلى الأمام ، وبإستخدام جهازين لغويين مختلفين (اللغة الإنكليزية والفرنسية) وأمام عيون المشاهدين الهولندين الذين يتابعون المناظرة من خلال عدسة التلفزيون الهولندي . وفعلاً فقد كانت لحظات تميزت بطعم خاص ، خصوصاً في مراحل التحول وتبادل الإسئلة من مضمار ” اللغة والخلق ” وإلى معاقل ” السلطة والسياسة ” . ومن ثم ظهر لنا إن الجدل حول الطبيعة الإنسانية ، قد إنتهى عند عتبات ” بلورة ” أو صياغة الإختلافات في المشروع برمته ، بل وعلى الواجهتين ؛ اللنكوستيك عند شومسكي مرة ، والفلسفي والسياسي عند فوكو مرة أخرى ، وبالطبع يعكس الإختلافات بين بلديهما ؛ أمريكا وفرنسا [21].

 ويتساءل ” راجمان ” وهو يتأمل في الدور الذي لعبه كل من ” شومسكي ” و” فوكو ” في مضمار ” السياسة ” ؛ هل إن دراسة اللغة (والأدق فلسفة اللغة) أو الخطاب ، هي التي هيأت الرجلين ليلعبا دوراً سياسياً جديداً ؟ وهذا السؤال هو الذي دفع ” راجمان ” إلى إن يتساءل مرة أخرى ؛ هل إن العلاقة بين اللنكوستيك والسياسة أو بين علاقة السلطة في تحليل الخطاب ، هي جوهر المناظرة ؟ وبالطبع إن ترجمة السؤال كشفت عن الإختلافات بين الإثنين ، حيث إن كل واحد منهما حاول ترجمة السؤال بحدوده الخاصة . فمثلاً ترجمها ” شومسكي ” بحدود لنكوستيكية كلية وربطها بالعدالة والمعايير الأخلاقية الإنسانية . بينما حافظ ” فوكو ” عليها من طرف إنها ” حالة من القيود التاريخية والمادية والتي لها علاقة بممارسة السلطة “[22].

  ويكشف ” راجمان ” عن محاولة الطرفين في خلق ” أرضية مشتركة ” وتبادل إشارات تدلل على التراضي والقبول ، إلا إنها كانت فترات متقطعة ولم تستمر . وسرعان ما إنبثقت الإختلافات من جديد وسجلت مؤشراً عاماً هيمن على عملية تبادل الأفكار ، وإنتهت المناظرة دون التوصل إلى أية حلول . إلا إن القضية لم تنتهي بنهاية المناظرة ، بل إن كل من ” شومسكي ” و ” فوكو ” ولفترة عقد من السنين تلت المناظرة ، حاولا الإستمرار في فحص والتدقيق في العلاقة بين اللنكوستيك و السياسة واللغة و السلطة . كما واشار إلى إن كلاهما أكدا بصورة متزايدة على الدور الذي يلعبه المفكرون في المضمار السياسي [23].

  ومن ثم تحول ” راجمان ” ليُفصل في المناظرة ويلقي الضوء على مكونات الكتاب التي فيها إضافات على المناظرة . وذهب إلى إن هذا المجلد هو متابعة للمناظرة ، مع تقديم كشف بالإضافات . وفعلاً فقد أشار إلى إن كل من ” شومسكي ” و ” فوكو ” حاولا في عام 1976 (أي بعد المناظرة بخمس سنوات) من التوضيح والتوسيع في وجهات نظرهما (أنظر الفصول 2 – 4) وهذه تشمل الفصلين الثاني والثالث من الكتاب ، وهما فصل السياسة وفصل فلسفة اللغة اللذان كونا مادة الحوار الذي أدارته عالمة اللنكوستيك الفرنسية ” متسو رونات ” مع ” نعوم شومسكي ” في عام 1976  . والفصل الرابع وكان بعنوان ” الحقيقة (الصدق) والسلطة ” والذي قدمه ” ميشيل فوكو ” وهي إجابة على مجموعة أسئلة ، والسؤال الأخير الذي عُرض عليه قدم الإجابة عنه كتابة . أما الفصل الخامس من هذا الكتاب فهو في الأصل ” محاضرة قدمها ” فوكو ” في جامعة ستانفورد عام 1978 ، أي بعد سبع سنوات تقريباً من المناظرة التي جرت بينه وبين ” نعوم شومسكي ” . في حين كان الفصل السادس في الحقيقة كلمة مختصرة ، والتي ظهرت لأول مرة في صحيفة ” التحرير ” الفرنسية وبالتحديد في العام 1984 أي بعد ثلاثة عشر سنة من المناظرة ، كما وإنها نُشرت بعد موت ” فوكو ” بفترة قصيرة . ويقترح ” راجمان ” على قراءة هذه النصوص (الفصول من الثاني وحتى السادس) على إنها نتائج للمناظرة ، كما وإنها إهتمام مستمر لموضوعات مناظرة عام 1971 . وفيها كشف لردود أفعال ” شومسكي ” و ” فوكو ” وإمكانياتهما المبكرة ، كما وتقدم شاهداً على حجم التوسيع الذي قام به كل منهما وبالتحديد كشف طبيعة التحول من مرحلة ” التخصص والبحث ” إلى مرحلة ” النشاطات السياسية ” ومخاطبة جمهور عريض ، وهي تشهد على مقدار الجهود التي بذلاها لملأ الفراغات الفكرية التي لم يتمكنا من إنجازها خلال المناظرة [24].

  وفيما يخص المقابلات التي أجرتها عالمة اللنكوستيك الفرنسية ” متسو رينات ” مع ” شومسكي ” في مضماري ” السياسة ” و ” فلسفة اللغة ” (الفصلين 2 و3 من الكتاب الحالي) فقد كانت مقابلات تم فيها مزج بين اللغتين الإنكليزية و الفرنسية . وهذه المقابلات كما سبق إن ذكرنا إنها جرت في باريس عام 1976 . وقد تم نشرها في الأصل في فرنسا وبعنوان ” حوارات متسو رونات ” وكانت ” رونات ” تسأل بالفرنسية ، و ” شومسكي ” يُجيب ويعلق بالإنكليزية . وقد تم تسجيل الحوار وخصوصاً من طرف ” شومسكي ” ومن ثم تم ترجمته إلى الفرنسية . ومن المفيد الإشارة إلى إن نشرته الإنكليزية كانت في عام 1979 وبعنوان ” اللغة والمسؤلية ” [25]. ومن ثم أعاد نشره ” شومسكي ” في كتابه المشترك مع متسو رونات” وبعنوان  ” حول اللغة ” [26].

  والحقيقة إن ” شومسكي ” في كتاب ” حول اللغة ” قام بإجراء تعديلات عديدة في نشرته للحوار الذي أجرته معه عالمة اللنكوستيك الفرنسية ” رونات ” ، تعديلات شملت الإسلوب وتغييرات جوهرية مست أطراف أخرى من الحوار . ورغم هذا الحال فإن النص ظل محافظاً على ” بنيته الإساسية الأصل ” . ويبدو إن ” شومسكي ” أدرك صعوبة الترجمة الفرنسية لملاحظاته ، ولذلك فضل في النشرة الإنكليزية أن يجري بعض التوسيعات بغرض تعديل الرؤية الفرنسية . والنتيجة إن ” شومسكي ” عمل مع المترجم من أجل تقديم ” شرح واضح لمفهومه حول اللنكوستيك والقضايا المتعلقة به ” [27] .

  أما الحوار الثاني والذي ظهر الفصل الثالث في كتاب ” مناظرة بين شومسكي وفوكو حول الطبيعة الإنسانية ” وبعنوان ” فلسفة اللغة ” [28]. فإن ” شومسكي ” إستحضر فيه مناظرته مع ” فوكو ” عام 1971 والتي أعلن فيه ” شومسكي ” بصراحة وقال مُفيداً ” أنا لا أعتقد إن الفلسفة الماركسية (وبمختلف نزعاتها) قد عرضت مساهمة جوهرية للأسئلة التي ناقشناها ” [29]. ويذهب ” راجمان ” في ” مدخله ” إلى إنه في ” سنوات التدخل والإعتراض ، غالباً ما تُناقش قضايا السياسة واللغة ” . وفعلاً فإن ” متسو رونات ” كانت قريبة من تلك الأجواء ، فطرحت على ” شومسكي ” العديد من الإسئلة حول تلك التطورات . وبالتحديد من مثل ” لغة الأنظمة الإستبدادية ” كما عرضها الفيلسوف والروائي الفرنسي المعاصر ” جان بيير فاي ” (ولد عام 1925م) [30] في كتابه الذي جاء بعنوان ” مدخل إلى لغة الأنظمة الإستبدادية ” . ونحسب إن هذا الكتاب هو واحد من الدراسات البالغة الأهمية في تحليل ” اللغة التي تتداولها الأنظمة الأستبدادية ” والمهم هو إن  ” جان فاي ” أوضح بصراحة هو  ” كيف إن هذه الأنظمة تتعامل بسوء مع اللغة ” وخصوصاً ” في عرض أيديولوجياتها ” [31].

  كما وذكرت ” رونات ” الأستاذ ” شومسكي ” بتحليلات عالم اللنكوستيك الأمريكي ” وليم لابوف ” (ولد عام 1927) للغة الإنكليزية والتي لم تستند إلى معايير تقنية [32]. غير إن عالم اللنكوستيك ” لابوف ” والذي يُعاصر ” شومسكي ” ولازال حياً ، يختلف في مضماره اللنكوستيكي ، فهو يبحث في اللنكوستيك من زاوية سوسيولوجية [33]. وفي كل حالة من هذه الحالات التي ذكرتها ” رونات ” ، فإن ” شومسكي ” يدافع عن برنامجه في ” الكليات الفطرية ” وإشارة إلى دراسة ” لابوف ” عن الإنكليزية السوداء (إنكليزية الأمريكان من إصول أفريقية) ، فقال ” أنا لا أرى بأي طريقة إن دراسة لهجات الجيتو (الجماعات ذات المستوى الإجتماعي والإقتصادي الفقير تُشكل مجموعة بحد ذاتها) تختلف عن دراسة اللهجات عند الأكاديميين ، وبالتحديد من زاوية لنكوستيكية خالصة ” [34]. ولعل من الأمور الجديرة بالإهتمام إن ” شومسكي ” يعترف بأنه ” لايوجد فرد واحد ” وواحد على الإطلاق يتكلم اللغة جيداً بمعايير اللغة ، كما هو الحال في ” اللغات القومية والطبيعية التي يدرسها علماء اللنكوستيك ” ، والتي هي ” مجردات متجانسة ، وموديلات مثالية بالرغم من شروط الدراسة القومية للغة ” [35].

  والموقف الأخير (أي شروط الدراسة القومية للغة) ، هو الذي سار عليه ” الفيلسوف الفرنسي المعاصر ” جيل دولوز ” . وفي إطار هذا الفهم ذهب ” دولوز ” إلى إن ” اللغة الإنكليزية السوداء ، هي مختلفة عن لغة الأكاديميين ” ، وبالطبع تضمن هذا الموقف بعداً سياساً في إستعمال اللغة . إضافة إلى إن فيه توجيه و ” عناصر براجماتية ” والتي لايمكن تخفيضها .. مقارنة بالمجردات العقلية المتميزة عند ” شومسكي ” [36].

  والسؤال الذي يطرح نفسه هنا : ” كيف إن هذه الأفكار التي تصعد إلى المناظرة الهولندية المبكرة ، قادت إلى الإختلاف وعدم الإتفاق مع ” ميشيل فوكو ” ؟ الواقع إن المناقشة بينهما ركزت في طرف منها على السؤال عن ” الفعل الإبداعي الخلاق ” . وفعلاً فإن ” شومسكي ” كان مسكوناً بحالة من الإندهاش والتعجب من خلال مراقبته ” الجمل اللانهائية الممكنة ” التي يُكونها الطفل وهو ” يتعلم خلقها في مضمار اللغة الطبيعية ” والتي تُعرض عليه أو عليها (وفقاً لجنس الطفل ذكراً أو أنثى) . ويجادل ” شومسكي ” ويذهب إلى إن الدليل اللفظي الواقعي في حالة تعرض الطفل عليه ، فيها عملية إكتساب لمثل هذه ” الإبداعية الخلاقة ” [37] والتي لا يُمكن إستنباطها من الشواهد اللفظية التي يتعرض لها الطفل ، وكما إفترض ” سكينر ” [38] خطأُ .

  ويحسب ” راجمان ” إن ” القابلية الفكرية ” كما يظهر لها علاقة قريبة بسؤال الفيلسوف الفرنسي ” رينيه ديكارت ” والتي تتعلق بالأفكار الفطرية . وبصورة مغايرة فإن ” ميشيل فوكو ” كان مندهشاً إلى حد التعجب من الحقيقة التي تكشف بأن ” العديد من عمليات التلفظ ” هي ” ” إبداعية وخلق إعتيادي ” ، وهي تساعدنا وبحدود ما على إنجازها في صيغ من الكلام (المنطوق أو المكتوب) . وإنها تندرج في صورة ” نماذج ملحوظة ” لها علاقة بالزمان والمكان .

  وكما يظهر حسب فهم البروفسور ” جون راجمان ” إن ” فوكو ” كان مولعاً بصورة ملفتة للنظر بمقولة ” إن الأشياء تحكي أو تتحدث (إلينا) ” ، وكان دائماً يتصور بأن هناك ” قواعد ” و ” توجيهات ” حول ما قيل بأن هناك معطيات ” زمانية ” و ” مكانية ” . وإن هذه القواعد لا تحكم الأشياء التي نتكلم عنها فقط . بل وإنها تحكم الأدوار التي تقوم بها هذه الأشياء ، وتحكم كذلك مكانة هذه الأشياء التي نتكلم عنها . ويُجادل ” فوكو ” ويذهب إلى إن مثل هذه ” التوجيهات التاريخية ” في مضمار ” الكلام أو التلفظ ” لا يمكن شرحها من خلال ” التراكيب الفطرية ” للغة في عقول المتعلمين ، ولا من خلال ” مقررات مسبقة فطرية ” ، ولا من خلال ” فطرية ولا متعلمة مكتسبة ” . وبدلاً من كل ذلك فهي ” شروط ” و ” ضوابط ” للإستخدام الفعلي ” أو هي نوع من ” التدريب ” لعقولنا عبر سلسلة من ” التدريبات ” المادية والمؤسساتية [39] .

  ورأى ” راجمان ” وهو يتحدث بشكل خاص عن ” فوكو ” بأننا نستطيع أن نتحدث عن ” اللغة ” بحد ذاتها ، وكذلك عن السُبل المُحددة ، والتي تتحول فيها اللغة إلى ” موضوع عقلي ” لدراسة فترات زمنية مختلفة . والشاهد على ذلك عندما نُحول إهتمامنا من ” مجموعة اللغات التاريخية ” إلى ” البنيات أو التراكيب اللغوية ” . والسؤال عن ” الأفكار ” في الفلسفة الكلاسيكية يحتاج إلى فرض طريق آخر . وهنا ” فوكو ” عرض على ” شومسكي ” الملاحظة التي ترى إن ” العقل عند ديكارت ” هو ليس في الحقيقة ” إبداعي (أو خلاق) ” ، وإنما هو ” عقل نوراني (يشعُ) بالدليل ” [40] .

  ويُجادل ” راجمان ” فيذهب إلى إنه اليوم لا تتوافر ” قواعد مقبولة ” لمثل هذه التوجيهات ” المجهولة ” في ” الأشياء التي تتحدث ” مقارنة من أي شئ من مثل ” النحو التوليدي ” لأي ” لغة طبيعية ” بل وذلك يشمل اللغة الإنكليزية كذلك . ولكن تبقى وجهات النظر مختلفة حول مفهوم ” الإبداع أو الخلق ” ، وتظل وتمكث مجرد مقترحات فلسفية . وفي حالة ” ميشيل فوكو ” فإنها تنتهي إلى مشكلة خاصة ، والتي تتخذ صيغة سؤال ، هو ؛ كيف تنهض إذن الطرق الجديد للكلام (الخطاب) ؟ وما هي الفرضيات المسبقة والسياسات لمثل هذه ” الإبداعية ” والتي هي بالطبع ليست بصيغ إعتيادية لخطابنا ؟ [41] .

   ومن ثم ركز ” راجمان ” على نقاط الخلاف بين ” شومسكي ” و” فوكو ” ، فرفع السؤال القائل ” كيف إن الخلافات بين المفكرين ساهمت في مشكلة العلاقة بين دراسة اللغة و السياسة ؟ ونحسب من النافع أن نشير إلى إن ” راجمان ” في هذه القضية عاد إلى الحوار الذي جرى بين ” شومسكي ” وعالمة اللنكوستيك الفرنسية ” متسو رونات ” ، والذي أعلن فيه بصراحة ” بأن معرفته التخصصية في مضمار اللنكوستيك ” لم يكن لها تأثير مباشر على القضايا الإجتماعية والسياسية ، وسوف ” لن يكن لها تأثير ” في المستقبل القادم . ومن ثم قال بأكثر وضوح ” بأننا لسنا بحاجة إلى الخبرة التخصصية ، وذلك لأن أي شخص يمكن أن ينخرط في التحليل السياسي بشرط أن يكون صاحب عقل منفتح ، ويمتلك إرادة قادرة على تأسيس الحقائق بالإعتماد على المعلومات والمعارف المتوافرة . وإن كل ذلك نحتاج إليه بالمعنى الديكارتي العام .. ” [42] .

  ويرى ” راجمان ” وهو يُراجع العلاقة بين مضمار ” اللنكوستيك ” ومضمار ” السياسة ” إلى إن هناك إمكانية علاقة ما بين ” كونية اللغة و العدالة العالمية ” . إلا إنه سرعان ما يعلن عن تقويم لها ، فيذهب إلى إنها من الموضوعات ” العويصة (الغامضة) ” ، والتي لا تبدو لها تأثير في ” الفرضيات الديمقراطية للفكر النقدي ” . ولذلك تحول هذا النهج الذي يمتلك معنى مقبولاً في أوساط عريضة إلى نوع من التنافس ، خصوصاً من طرف وجهة نظر ” شومسكي ” المتفائلة بدور ” التكنولوجيا في نشر المعلومات ، والتي عرضها في وقت مبكر من مناظرته مع فوكو ” والتي وفقاً لشومسكي تتضمن معلومات مناسبة (منا : معلومات ومعارف ذات صلة بالموضوع) ، وفهم مناسب (منا : فهم ذات صلة بالموضوع) في الإمكان توفيره للجميع بصورة سريعة .

  كما وإن الطبيعة  الكونية للنكوستيك من طرف آخرتوفر لكل واحداً منا ” إبداعية عادية ” ومن حيث كوننا كائنات حرة ، تُباشر نوعاً من التدريب خلال ” الدراسة ذات المعنى العام ” ومن ثم تنقُلها للجميع عن طريق الإعلام المتقدم . ولكل هذا أصبح ” شومسكي ” معروفاً بصورة جيدة في فرنسا ” بفضل كتاباته السياسية والتي بزت أعماله في مضمار اللنكوستيك . وهذا ما يتناغم مع المراجعة الحالية للعلاقة بين اللنكوستيك والسياسة ” [43] .

  أما ” ميشيل فوكو ” فحسب منظور ” راجمان ” إنه قد تابع مساراً مختلفاً في السبعينات ، فمثلاً إنه قيم ما حدث في عام 1968 بصورة مختلفة للمتداول والشائع يومذاك بين أبناء جيله من المفكرين والأكاديميين ، فهو لم يعتقد ببساطة إنها كانت ” كارثة في الجامعة ” وحسب ، بل هي ” كارثة في المعرفة ” ، وبصورة خاصة ” المعرفة بين المختصين الأكاديميين ” والمتعلقة ” بالأسئلة الجديدة التي أثارتها الأحداث التي سببت الأزمة ” . وهذا الحال يحملنا على الدعوة إلى حاجتنا إلى ” صورة جديدة من المفكرين ” ، و” طرق جديدة من الخطاب ” نتحدث بها عن الأشياء ، كما ونحتاج إلى ” طرق جديدة ننظر من خلالها إلى الأشياء ” ، وأن يكون التركيز على ” أسئلة الحقيقة (الصدق) والسلطة ” [44] .

  ولعل الشاهد على ذلك تحمله نصوص المقابلات التي أجراها ” فوكو ” في إيطاليا مع كل من الإيطاليين ؛ البروفسور ألساندرو فونتانا (1939 – 2013) ، وهو المشرف على نشرة مجلدات محاضرات ميشيل فوكو ، والذي نشر مناقشاته مع ” فوكو ” إضافة إلى مقابلتين مع ” فوكو ” في عام 1976 وبالمشاركة مع الإيطالي البروفسور باسكويل باسكويني [45](ولد عام 1948) والذي درس الفيلولوجيا الكلاسيكية والفلسفة والنظرية السياسية في جامعة نابولي والسوربون – باريس . وله كتاب متميز عن الكاتب السياسي الفرنسي إمانويل جوزيف سييس (1748 – 1836) [46] . ومن مؤلفات البروفسور ” باسكويني ” ؛ مستقبل إسرائيل 2005 ، والسلطة : من زاوية العلوم الأبستولوجية والإجتماعية 2006 وعدد كبير من المقالات في التاريخ ونظرية الدولة والدستور في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا وإيطاليا .

  وبالمناسبة إن المقابلتين التي قام بها كل من ” فونتانا ” و ” باسكويني ” مع ” فوكو ” كونا الفصل الرابع من الكتاب الحالي ” مناظرة بين شومسكي وفوكو حول الطبيعة الإنسانية ” [47] . وهو فصل لاعلاقة له بطرف مهم من كتاب ” المناظرة ..” ونعني به الفيلسوف ” شومسكي ” . كما إن هذ الفصل لاعلاقة له بالمناطرة الهولندية التي حدثت في عام 1971 ، بل وجاءت بعدها بخمس سنوات من تاريخ ” المناظرة .. ” ولم تحدث في هولندا ، ولم تحدث في باريس (مثلما حدث لحوار عالمة اللنكوستيك الفرنسية ” متسو رونات ” مع عالم اللنكوستيك الأمريكي  ” شومسكي “) وإنما حدثت في إيطاليا في عام 1976 [48] . وهذا الحال يكشف عن إشكال جديد في جوهر كتاب ” مناظرة بين شومسكي وفوكو حول الطبيعة الإنسانية “.

  وهي بالطبع حسب تقدير البروفسور ” راجمان ” ليست بالمحاولة البسيطة بالنسبة للمفكر – الفيلسوف ” ميشيل فوكو ” والذي سعى إلى إلقاء ضوء على ” صراعات جديدة ” ومن خلال تداول إصطلاحات (أو حدود) من مثل ” الحقيقة ” و ” السلطة ” . وفيما يتعلق بالمقابلة التي جرت في فرنسا [49]، فإن من الملاحظ على ” فوكو ” إنه عرض تمييزاً بين ما هو  ” خاص ” من المفكرين ، وما هو ” كوني (شمولي عام) ” من المفكرين وهو تمييز تقليدي متداول شمل كل من ” فولتير ” (1694 – 1778) [50] و ” زولا ” (1840 – 1902) [51] و ” سارتر ” (1905 – 1980) [52] ، وهو بالطبع تقليد يُعول على ” القيم العليا ” من مثل ” الضمير أو الوعي الأخلاقي ” للمجتمع  .

  ومن ثم تحول ” راجمان ” إلى شاهد من التفكير الخاص فأشار إلى عالم الفيزياء النظرية ” يوليوس روبرت أوينهايمر ” (1904 – 1967) وهو واحد من الذين يُطلق عليهم ” أب القنبلة الذرية ” [53]. والذي كان يعيش حالة قلق من التفكير بواقع نتائج المعرفة التي ساهم بتطويرها . وهي مثال حي دال على النشاط والفاعلية الفكرية الخاصة . وهناك تشابه بين نشاط ” أوينهايمر ” ونشاط ” ميشيل فوكو ” وذلك حين حاول الأخير إلى وضع التفكير الخاص في مضمار التطبيق ، والتي بدأت مع صياغة المعلومات عن ظروف السجون في فرنسا ، والتي قام بها في شباط عام 1971 ، وبالتحديد قُبيل مناظرته مع شومسكي . وهي بالتأكيد عملية تجميع للمعلومات ، غير إنها تختلف على الإطلاق من عمل مجموعة الماوية (أي الماويون الفرنسيون) [54] وبالطبع نسبة إلى الرئيس الصيني ” ماو تسي تونغ ” (1893 – 1976) [55]. كما وتختلف كذلك من عمل الأقسام الأكاديمية يومذاك . والحقيقة إن جمع المعلومات حول ظروف السجون ليست بعملية ميسرة خصوصاً من طرف التحقيق والعمل الإعلامي الذي يسعى إلى نشرها في وسائل الإعلام الجماهيرية .

  وفعلاً فإن ” ميشيل فوكو ” سلك طريقه الخاص وقام بعملية تحليل عميق أو قل تشخيص ، وهو جزء من مشروع كبير وذلك سعياً لإصطناع طرق جديدة من التفكير حول مراجعة النشاطات في داخل السجون ، والتي سيطورها ” فوكو ” بصورة أكثر عمقاً في عام 1975 في كتابه المعنون ” الضبط والعقاب ” . وهي ليست بحالة بسيطة ومجرد جمع معلومات يمكن تداولها ونقلها لأي شخص بوضوح وسهولة من خلال وسائل الإعلام [56] .

  وحسب رأي البروفسور ” راجمان ” إن القضية بالنسبة للفيلسوف ” فوكو ” هي أقل من التحول من اللاهوت الماركسي نحو شواطئ الديكارتية بالمعنى المتداول الشائع ، وإنما هو أبعد من ذلك بكثير ، تتمثل في إختراع أو فبركة (تأليف) نوع جديد من الربط بين السياسة و الحقيقة (الصدق) . ومن أجل الكلام عن ” الحقيقة ” وقول الصدق يحتاج المرء إلى تطوير موديل (إنموذج) و تطبيق (خطة عمل) هذا من طرف . كما ويحتاج إلى التخلي عما يُسمى ” بالدليل الذاتي ” الذي يحكم عاداتنا و طرق حديثنا ورؤيتنا للأشياء . وعلى أساس ” الدليل الذاتي ” مثلاً ، فإن السجون التي شيدناها هي وسائل للإصلاح أو ببساطة لتعزيز القانون .

  والواضح إن الهدف من تحليل ” فوكو ” للخطاب ، هو أبعد من صناعة المعلومات وجعلها متوافرة للجمهور . وإنما هي محاولة سعت إلى القطع والتوقف ، والنظر إلى مشكلة العالم ، دون الإستسلام إلى عاداتنا في التفكير ، ومحاولة إقتراح بدائل أخرى تأتي نتيجة مناقشات عامة … وفعلاً ففي المناظرة مع شومسكي ، تم مناقشة كل أوجه حركة العصيان المدني ، ليس في حركة مارتن لوثر كنج جينير (1929 – 1968) [57] ، بل وكذلك حركة غاندي (1869 – 1948) [58] والتي يمكن وضعها في هذا الإطار من الفهم . وبالتحديدً يمكن النظر إليها كقوة للكلام عن الصدق (أو الحقيقة) في عالم مُتخم بالمشكلات ، والتي سيُسلم بها مُسلمات في عالمي القانون والعدالة . وبالطبع هذا الحال يوفر بمنظور ” راجمان ” بدائل تتخطى بحد ذاتها حركة الحقوق المدنية [59]

  وبينما كان ” شومسكي ” يُجري حواره في عام 1976 مع عالمة اللنكوستيك الشابة الفرنسية ” متسو رونات ” (طيب الله ثراها) في فرنسا (باريس) . فإن ” ميشيل فوكو ” من طرفه كان مشغولاً بمجموعة من الأفكار ، والتي عكسها في أمريكا لاحقاً في عدد من محاضراته في جامعة ستانفورد (والتي كونت الفصل الخامس من كتاب مناظرة بين شومسكي وفوكو) [60] ، ومن ثم طبعت فيما بعد بالإنكليزية بعنوان ” محاضرات عام 1975 – 1976 ” وهي  المحاضرات ذاتها التي عرضها في فصل دراسي في كلية دي فرانس ، والتي حملت عنواناً أكثر تخصصاً ، وهو ” واجب الدفاع عن المجتمع ” . وفي هذه المحاضرات بالتحديد قدم ” فوكو ” أفكاره الجديدة . وفعلاً فإنه كان مشغولاً بولع عال بالأسئلة التي تدور حول قضايا من مثل ” الآمن و السكان ” و ” الرعاية الإجتماعية و الحرب ” وفي إطار ” العقلانية السياسية ” التي تفرضها الحكومة (الحكومة الفرنسية يومذاك) ويتداولها الخبراء و أصحاب الخبرة ، وتحت يافطة ” الدليل البين بذاته (البديهي والذي لا يحتاج إلى دليل آخر) ” . وبالمناسبة إن ” ميشيل فوكو ” يطلق عليه إصطلاح ” البايو- بور أي السلطة البايولوجية ” وفي مُقابلة مُتغايرة مع إصطلاح ” سوفرن بور أي السلطة السيادية ” [61].  

  وهذا حسب رؤية ” جون راجمان ” يُشكل طبيعة هذه ” العقلانية السياسية ” والنتائج المترتبة عليها ، والتي كانت موضوع محاضرات ” ميشيل فوكو ” في جامعة ستانفورد وحينها قدمها لجمهور من المستمعين في كليفورنيا ، وفيها قرار مضمونه إنه لا رجعة إلى محاضرات فرنسا ، والتي تحول منها صوب شواطئ سياسية إمتزجت بتُربتها أملاح و ” عناصر إنراكية (منا = مجتمعات تحكم نفسها ذاتياً أي لا سلطوية ” [62] ومن ثم كافح من أجل الدفاع عنها . ومن النافع أن نشير إلى إن ” فوكو ” في نزعته ” اللاسلطوية ” يُعانق تفكير ” شومسكي ” الذي كتب كثيراً عن ” الفلسفة اللاسلطوية (والتي يُطلق عليها إصطلاحاً سلبياً وهي الفوضوية) [63] . وبالطبع في التفكير الفرنسي تصعد إلى أبعد من كتابات شومسكي ، فهي تُعانق أفكار فيلسوف الإنراكية الفرنسية بيير جوزيف برودن (1809 – 1865) والذي كان معاصراً وصديقاً إلى كارل ماركس (1818 – 1883) خلال إقامة ماركس في باريس ومن ثم إختلف ماركس وعضيده فردريك أنجلز (1820 – 1895) مع جوزيف برودن . وفجأة تحول برودن وتفكيره بمنطق ماركس وإنجلز إلى خصم و ” شبح تهديد ” إلى ماركس والماركسية [64]

   كما وبالطبع في النزعة اللاسلطوية (أو الإنراكية سواء عند برودن أو عند شومسكي) عناصر صراعية [65] ليس في الإمكان تخفيضها أو التقليل منها في السياسة . وفعلاً فإن فوكو إستثمرها ووظفها بسبب عدم توافر معرفة مسبقة بها ، وهذا الأمر حدث كذلك مع الموديلات (النماذج) الإشتراكية المبكرة في صورة المجتمع العادل أو المجتمع الكريم والتي سجلت حضوراً في الوعي العام هذا من طرف . ومن طرف آخر إن الأحداث غير المتوقعة تخلق دائماً فينا الدافع لنُعيد التفكير في عاداتنا السياسية ، ومن ثم أدخل فوكو طرق جديدة في التفكير والرؤية (النظر) . والتي إشترطت الأصالة والخلق (الإبداع) في طرق الخطاب . والحاصل من كل ذلك إثارة السؤال عن السياسة وعن أشكال العقلانية السياسية والأسس التي تنهض عليها [66].

  ونحسب من النافع أن نشير ” برواية راجمان ” إلى إن مشكلة السلطة التي إمتدت إلى دائرة التساؤل عن مفهوم العدل والعدالة ، والتي رفعها ” شومسكي ” في نهاية تبادل الأفكار مع ” فوكو ” بطريقة تحملنا على تلمس نوعاً من الإمكانية السياسية في مؤسسات العدالة وفي خطابات العدالة ، والأفكار التي تدور حول فكرة العدل بحد ذاتها . وحقيقة هناك كانت مشكلة عميقة هي التي حملت ” فوكو ” إلى الإهتمام بها . وفعلاً فقد عمل بجد في مضمارها ، وبالتعاون مع البروفسور والسياسي الفرنسي روبرت بادنتر (ولد عام 1928) (وبالتحديد في دراسة واقع السجون الفرنسية وإثارة السؤال حول بشاعة الحكم بالإعدام …) . ومن ثم أصبح ” روبرت بادنتر ” فيما بعد وزيراً للعدل في فرنسا . وتركز هدف ” فوكو ” على إعادت النظر في ” الخطاب العدلي (القضائي) ” و ” الممارسات الفقهية ” و ” النظام المعرفي الشامل ” والتطبيقات المصاحبة له ، وتشخيص المشكلات والعمل على تغييرها .

  وفي ضوء هذا المناخ الذي أثار السؤال حول الحقوق ، فإنه من اللازم أن يُفهم بطريق الحقوق المدنية ، والتي تم إشتقاقها بإسلوب ثوري من الإشكالية التي لفت الإرستقراطية . وكان الحاصل من ذلك إنبثاق الحقوق الإجتماعية من معرفة بالشروط الإجتماعية وبالتحديد شروط العمل وحالة الصراع المرتبطة بهما . وفي النهاية فإن طبيعة هذه الحقوق وضمانها قد تم صياغتها على أسس سياسية و تطبيقات حقيقية (صادقة) مرتبطة بهما . كما إن القوى الجديدة قد أظهرت تحدياً لها ، كما إن ” فوكو ” وبمشاركة القوى الجديدة تحدوا ودخلوا في مجابهة مع أوربا ما بعد الحرب ، وبالتحديد دولة ” الحرب – الرفاهية ” وكل أنماط التفكير السياسي المتصلة بها ، وكل أشكال المعرفة والخبرات التي كانت على شكل بديهيات .. وإن هذا التحدي تطلب طرقاً جديدة من التفكير ، بل و تطلب خلق نزعة إبداعية في التفكير . ولعل ملاحظات ” فوكو ” عام 1984 حول حقوق الإنسان و المساعدات الإنسانية (وهي ورقة واحدة وأربعة أسطر والتي كونها الفصل السادس) التي فرضتها دولة ” البايو – بولتيك ” تتساوق مع هذا التوجه السياسي ، وترتبط بصورة كبيرة بالسؤال الذي يتعلق بالمواطنة العالمية ، وإن على الجميع أن يواجه المحنة وأن يعمل بجد في مواجهتا [67] .

 إلا إن موت ” فوكو ” في نهاية العام ، حرم الدوائر الأكاديمية على وجه الخصوص ودوائر الثقافة الإنسانية على وجه العموم من إستمرار دوره في المناقشة ، وحسب ما نتصوره ، هو كسوف لشمس من شموس الفلسفة المعاصرة قُبيل أوانها بكثير كثير .. وإن عزاءنا الوحيد هو إن ” ميشيل فوكو ” ترك خلفه وللأنسانية تُراثاً متنوعاً سيظل موضوع دراسة للأجيال الفلسفية القادمة ، وتجربة إنفتاح على دوائر التفكير الأوربي وبالتحديد هولندا وإيطاليا وبولندا وألمانيا .. كما وإنها إنفتحت على دوائر الفكر الفلسفي الأمريكي سواء من خلال المناظرة مع واحد من أعمدة الفكر اللنكوستيكي والسياسي الأمريكي ونعني فيلسوف اللغة ” نعوم شومسكي ” تحديداً ، ومن خلال الزيارات والإستضافات الجامعية الأمريكية له وبالتخصيص ستانفورد حصراً .

———————————————————————————

الهوامش

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 1 – 18 من التصدير .[1]

 – أنظر : جون راجمان ؛ ميشيل فوكو : حرية الفلسفة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كولومبيا ، نيويورك 1985 (يتألف من 131 صفحة فقط) .[2]

 – أنظر : جون راجمان وأخرون ؛ المعمار الأمريكي ” ريتشارد سيرا” (بالإنكليزية) ، الناشر متحف الفن الحديث 2007 (تألف من 419 صفحة)[3]

وكتب ” جون راجمان الفصل المعنون ” سيرا والتفكير المجرد ، ص ص 61 – 76

 – أنظر : جون راجمان ؛ الحقيقة وإيروس : فوكو ، لاكن وسؤال الأخلاق (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة مشيغان 1991 (وتألف الكتاب من 155 [4]

صفحة) . وجاك لاكن (1901 – 1981) هو عالم التحليل النفسي الفرنسي ، والذي يُعد من علماء النفس الأكثر جدلاً منذ عصر سيجموند فرويد . ولاكن ترك أثراً على الحركة الثقافية التي تُعرف بما بعد البنيوية والنظرية النقدية والنظرية الأدبية والفلسفة الفرنسية في القرن العشرين . للتفاصيل أنظر : شين هومر ؛ جاك لاكن (بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج – لندن 2005 .  

 – أنظر : جون راجمان ؛ أحداث فلسفية : مقالات الثمانينات (بالإنكليزية) ، مجلة الفلسفة التأملية ، مطبعة جامعة ولاية بنسلفانيا 1992 ، المجلد 6 [5]

. / العدد 3  ص ص 250 – 255

 – أنظر : جون راجمان وكونرل ويست (الإشراف) ؛ الفلسفة ما بعد التحليلية  (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كولومبيا ، نيويورك  1985 (وتألف [6]

المجلد من 275 صفحة) .

 – جون راجمان (إشراف كتاب جماعي) ؛ سؤال حول الهوية (بالإنكليزية) ، مطبعة السايكولوجيا 1995 (وتألف من 295 صفحة) .[7]

 – جون راجمان ؛ المباني (وهو في العمارة والنقد) (بالإنكليزية) ، مطبعة معهد ماسشيوست للتكنولوجيا 1998 ( وتألف من 143 صفحة) .[8]

 – جون راجمان ؛ إرتباطات دولوز (بالإنكليزية) ، مطبعة معهد ماسشيوست للتكنولوجيا 2000 (ويتألف من 175 صفحة) .[9]

و” كيل دولوز ” هو الفيلسوف الفرنسي المعاصر (1925 – 1995) ومن أهم مؤلفاته ، مجلدان ؛ الأول كان بعنوان ” الرأسمالية والشيزوفرينيا (إنفصام الشخصية) : ضد أوديب (1972) . والثاني كان بعنوان : آلاف الهضاب : الرأسمالية والشيزوفرينيا (1980) وكتبهما بالإشتراك مع عالم التحليل النفسي ” بيير فيلكس كوتري ” (1930 – 1992) . كما إن من أعمال ” كيل دولوز ” الرائعة رسالته الميتافيزيقية ، والتي حملت عنوان ” الإختلاف والتكرار ” (1998) وهي في الحقيقة أساس إطروحته للدكتوراه الثانية ، والتي ترجمها إلى الإنكليزية بول باتون عام 1994 . وهذا الكتاب وكتابه المعنون ” منطق الحس ” دفعا بالفيلسوف ” ميشيل فوكو ” إلى التصريح ” بأنه في يوما ما ، ربما في هذا العصر سيطلق عليه بعصر الدولوزية (نسبة إلى الفيلسوف كيل دولوز) ” … للتفاصيل أنظر : دانيال سميث وجون بورتيف ؛ كيل دولوز (بالإنكليزية) ، إنسكلوبيديا ستانفورد للفلسفة / مايس 2008 (أون لاين) .   

 – أنظر : جون راجمان وإيتيان بليبار (وأنا بويمان) (الإشراف) ؛ الفلسفة الفرنسية منذ عام 1945 : المشكلات ، المفاهيم والتجديدات ، والتفكير    [10]

الفرنسي ما بعد الحرب ، سلسلة المطبعة الجديدة للفكر الفرنسي ما بعد الحرب (مع ترجمة نصوص مختارة قام بها ” أرثر كولدمار) ، 2011  

 – أنظر : جون راجمان ؛ ميشيل فوكو : حرية الفلسفة (مصدر سابق) [11]

 – أنظر : نعوم شومسكي وميشيل فوكو : جدل حول الطبيعة الإنسانية / التقديم بقلم جون راجمان (مصدر سابق) [12]

 – أنظر : جون راجمان وأخرون (الإشراف) : الفلسفة الفرنسية … (مصدر سابق)[13]

 – للتفاصيل أنظر المدخل الذي كتبه راجمان لكتاب : نعوم شومسكي وميشيل فوكو : جدل حول الطبيعة الإنسانية (مصدر سابق) ، ص ص 7 – 18[14]

– الفيلسوف البروفسور جون راجمان ؛ التصدير (بالإنكليزية) ، منشور في كتاب ” مناظرة بين شومسكي وفوكو حول الطبيعة الإنسانية ” (مصدر [15]

سابق) ، ص 7 .

 – أنظر المحور المعنون من هذا البحث ” تأمل في بعض مصادر تفكير وكتابات شومسكي ” .[16]

 – أنظر الهامش رقم 16 من هذا البحث . [17]

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ اللنكوستيك الديكارتي : فصل في تاريخ الفكر العقلاني (مصدر سابق) .[18]

 – أنظر المحور المعنون من هذا البحث ” ميشيل فوكو والبيئة الأكاديمية لتفكيره ومؤلفاته ” . [19]

 – جون راجمان ؛ التصدير (مصدر سابق) .[20]

 – أنطر : جون راجمان ؛ المصدر السابق ، ص 8 [21]

 – المصدر السابق [22]

 – المصدر السابق[23]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 9 [24]

 – نعوم شومسكي ومتسو رونات ؛ اللغة والمسؤلية (مصدر سابق) .[25]

 – نعوم شومسكي ومتسو رونات ” حول اللغة ، المطبعة الجديدة – نيويورك 1998  .[26]

 – أنظر : راجمان ؛ المصدر السابق[27]

 – نعوم شومسكي ؛ فلسفة اللغة ، منشور في نعوم شومسكي وميشيل فوكو ؛ (مصدر سابق) ، ص ص 117 – 139 [28]

 – راجمان ؛ المصدر السابق ، ص ص 9 – 10 من التصدير .[29]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 10 [30]

 – أنظر : جان بيير فاي ، مدخل إلى لغة الأنظمة الإستبدادية (بالفرنسية) ، نشرة هيرمان 1995 .[31]

 – أنظر : راجمان ؛ المصدر السابق [32]

 – أنظر : مريم مايروف ونعومي ناجي (المشرفان) ؛ الحياة الإجتماعية في اللغة ، نشرة جون بنجامين 2008 ، ص 21[33]

وكتب ” لابوف ” إطروحته للدكتوراه في عام 1964 وتحت إشراف عالم اللنكوستيك البولندي – الأمريكي ” يوريل رينريش (1926 – 1967) .

 

 – شومسكي ورينات ؛ حول اللغة (مصدر سابق) ، ص ص 53 – 54 . وكذلك راجمان ؛ المصدر السابق، ص 10 .[34]

 – أنظر : راجمان ؛ المصدر السابق [35]

– المصدر السابق [36]

 – المصدر السابق ، ص 11 [37]

 – للتفصيل عن عالم النفس ” بورهوس فردريك سكينر ” أنظر : ريتشارد إيفنس ؛ ب . ف . سكينر : الرجل وأفكاره ، دار داوتن – نيويورك [38]

1968 .

 – أنظر : راجمان ؛ المصدر السابق [39]

– المصدر السابق [40]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 12 [41]

 – أنظر المصدر السابق [42]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 12 – 13 [43]

 – أنظر المصدر السابق ، ص 13 [44]

 – المصدر السابق [45]

 – للتفاصيل أنظر : برونسلو بازكو ؛ العقد الإجتماعي الفرنسي : سييس ورسو (بالإنكليزية) ، مجلة التاريخ الحديث 1988 . [46]

 – أنظر : شومسكي وفوكو ؛ المصدر السابق ، الفصل الرابع والمعنون ” الحقيقة والسلطة عند فوكو ” ، ص ص 140 – 171 [47]

 – أنظر : جون راجمان ؛ المصدر السابق [48]

 – مقابلات حدثت في باريس بحدود 29 نوفمبر و5 ديسمبر عام 1976 [49]

 – للتفاصيل عن ” فولتير ” أنظر : إيرا واديا ؛ دراسات حول فولتير (بالإنكليزية) ، دار نشر رسل ورسل – نيويورك 1967 .[50]

 – أنظر للتفاصيل عن ” أميل زولا ” : فردريك براون ؛ زولا : حياة (بالإنكليزية) ، دار نشر دوكلس وماكنتاير 1995 (تكون من 888 صفحة) .[51]

 – للتفاصيل عن ” سارتر ” أنظر : رونلاد هايمان ؛ سارتر : سيرة ذاتية (بالإنكليزية) ، دار نشر كارول وكرق – نيويورك 1987 . [52]

 – أنظر لكثير من المعلومات عنه : كي بيرد ومارتين شيرون ؛ برومثيوس الأمريكي : إنتصار ومآساة روبرت أوينهايمر (سيرة ذاتية) بالإنكليزية[53]

، دار نشر الفريد كونبف – نيويورك 2005 .

 – نسبة إلى الرئيس الصيني ” ماو ” ، ومن ثم تأسس الحزب الشيوعي الماوي  . وهنا الحديث عن مجموعة الماوية وهي حركة سياسية فرنسية   [54]

والتي رافقها تأسيس الحزب الشيوعي الماوي الفرنسي . وكان ” ميشيل فوكو ” وربما ” سارتر ” و ” سيمون دو بافوار ” لهم إرتباطات . إلا إن ” فوكو ” أخذ يقلل من إرتباطه بها . للتفاصيل أنظر : دوكلس كرين ؛ مراجعة للرياح القادمة من الشرق : المفكرون الفرنسيون ، الماوية وعصر الستينات (بالإنكليزية) أون لاين ، وكذلك : ريتشارد ولون ؛ الثورة غير الناجزة ، مطبعة جامعة برنستون ، ص 391 .

 – للتفاصيل أنظر : روس تيرل ؛ ماو : سيرة ذاتية (بالإنكليزية) ، دار نشر سيمون وشاستر 1980 .[55]

 – أنطر : جون راجمان ؛ المصدر السابق ، ص ص 13 – 14 [56]

 –  أنظر : جيمس واشنطن ؛ إنجيل الأمل : كتابات وخطابات مارتن لوثر كنج جنير (بالإنكليزية) ، دار نشر هاربر كولينز 1991 .[57]

 – أنظر : جين شارب ؛ غاندي الستراتيجي السياسي : مع مقالات في الأخلاق والسياسة (بالإنكليزية) ، دار نشر سيرجينت 1979 .[58]

 – أنظر : جون راجمان ؛ المصدر السابق ، ص 14 [59]

– أنظر : شومسكي وفوكو ؛ مناظرة حول الطبيعة الإنسانية (مصدر سابق) ، الفصل الخامس والمعنون ” نحو نقد العقل السياسي (1978) ” [60]

ص ص 172 – 210

 – أنظر : جون راجمان ؛ مسدر سابق ، ص 14 – 15 [61]

 – للتفاصيل عن النزعة الإنراكية (اللا سلطوية) أنظر : بول ماكلوهيلن ؛ الإنراكية (اللاسلطوية) والسلطة : مدخل فلسفي إلى النزعة اللاسلطوية[62]

الكلاسيكية (بالإنكليزية) ، دار أشكيت 2007 . وترتبط النزعة الإنراكية بالثوري الروسي ” ميخائيل باكونين ” (1814 – 1876) والذي عارض الهدف الماركسي في دكتاتورية الطبقة العاملة … أنظر : بول ماكلوهيلن ؛ ميخائيل باكونين : الأسس الفلسفية لنوعته الإنراكية (اللاسلطوية) (بالإنكليزية) ، دار لكورا – نيويورك 2002 .

 – أنظر : نعوم شومسكي ؛ حول الفوضوية (اللاسلطوية) ومقالات أخرى (مصدر سابق) .[63]

 – للتفاصيل أنظر : 1 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف الفرنسي الإشتراكي بيير جوزيف برودن ، دورية الفيلسوف الإلكترونية ، [64]

13 مارس سنة 2015 . 2 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف الإشتراكي الفرنسي اللاسلطوي بيير جوزيف برودن : والدراسة في أكاديمية بيزنسون ، الفصيلة (8) مجلة أوراق فلسفية جديدة ، مايس – حزيران سنة 2015 . 3 – الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الإنراكية والفيدرالية : دراسة في فكر بيير برودن الفلسفي والسياسي ، دورية الفيلسوف الإلكترونية ، 15 مايو سنة 2015 .

 – بالطبع ” ميشيل فوكو ” تحول نحو النظرية الصراعية النقدية ، للتفاصيل أنظر : ميشيل فوكو ؛ محاضرات في كلية دي فرانس (بالإنكليزية)[65]

دار نشر بيسدور – نيويورك 2003 . والنزعة الصراعية (الإكنويزم) جاء إشتقاقها من اليونانية ، وهي تُقابل بالإنكليزية لفظة ” ستركل ” والتي تعني بالعربية ” الصراع ” . وهي نظرية سياسية تؤكد على الأوجه الإيجابية لأشكال الصراع السياسي . وعلى أساس هذا الفهم ، فإن المفكرين الصراعيين يركزون جدلهم بصورة خاصة حول الديمقراطية . أنظر : شانتيل مويفا ؛ المفارقات الديمقراطية (بالإنكليزية) ، دار نشر فيرسو – نيويورك 2000 (وتكون من 192 صفحة) . وتقليدياً تُنسب النزعة الصراعية إلى الصراعية التعددية . والصراعية تُعارض المفهوم الماركسي المعروف بالمادية والتفسير المادي للتاريخ . ومن المفكرين الصراعيين في القرن العشرين كل من البلجيكية شانتيل مويفا (ولدت عام 1943) والأرجنتيني أرنستو لاكلائو (1935 – 2014) وجاءوا في الأصل من بيئات ماركسية وحركات إشتراكية في منتصف القرن العشرين . للتفاصيل أنظر : أرنستو لاكلائو وشانتيل مويفا ؛ الهيمنة والستراتيجية الإشتراكية : نحو سياسة ديمقراطية راديكالية (بالإنكليزية) ، دار نشر فيرسو – نيويورك 1985 (تكون من 197 صفحة) . 

 – أنظر : جون راجمان ؛ المصدر السابق ، ص 15 [66]

 – المصدر السابق ، ص ص 15 – 16 [67]

——————————————————————————

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

الأوجه المتنوعة لرواية مناظرة لودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر

الفلسفة : حُب الحكمة        الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة


الفيلسوف

مجلة إلكترونية

————————————————————-

الأوجه المتنوعة

لرواية مناظرة فيتجنشتاين والفيلسوف كارل بوبر

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً ورئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

———————————————-ِ———————————————

تقديم :

  صحيح جداً إن الفيلسوف فيتجنشتاين إلتقى في جامعة كيمبريدج بالفيلسوف الشاب كارل بوبر والقادم إلى كيمبريدج لألقاء محاضرة في عام 1946 وكان رئيس الجلسة فيتجنشتاين وكان من بين الحضور والشاهد على تفاصيل ما حدث شيخ الفلاسفة برتراند رسل وحشد كبير من طلاب فيتجنشتاين الذين سيحتجون بغضب ويتظاهرون ضد مانشره كارل بوبر في ميمواره الذي كون زوبعة عارمة يومذاك وعاش أطرافها عدد من الفلاسفة الفيتجنشتاينيون ومنهم على سبيل المثال أستاذنا البريطاني في جامعة ليدز وعالم المنطق الكبير بيتر كيج والذي قاد يومذاك الإعتراضات الغاضبة (سواء في الأعلام أو التظاهر) على الفيلسوف كارل بوبر .

مؤشرات عن حياة الفيلسوف كارل بوبر : من زاوية فيتجنشتاين

   خُلاصة حكاية السؤال الذي أثاره كل من جون إيدانو وديفيد إديمونز في كتابهما المشترك والذي ركز على المناظرة التي حدثت بين الفيلسوفين كل من الفيلسوف الكبير فيتجنشتاين والفيلسوف الشاب (يومذاك) كارل بوبر ، والتي إستهلها السؤال ؛ متى قابل لودفيغ فيتجنشتاين كارل بوبر ؟ بالطبع هذا سؤال يتكون من سؤالين أثارهما الباحثان جون إيدانو وديفيد إيدمونز . أما السؤال الثاني فقد جاء بالصيغة الآتية : هل فعلاً هدد الفيلسوف المعلم فيتجنشتاين (وهو الأكبر بثلاثة عشرة سنة) الفيلسوف الشاب بوبر (يوم المناظرة) ببطاقة البوكر الحمراء الساخنة في جامعة كيمبريدج (وبالتحديد قبل ما يُقارب السبعين سنة مضت) ؟ والتي وصفها الباحثان كل من إيدانو وإيدمونز ” بأنها حقيقة ” وكانت ” نقطة تحول وخط فاصل في فلسفة القرن العشرين ” . ومن ثم تعاون الإثنان أي إيدانو وإيدمونز في كتابهما المشترك والذي يدور حول حكاية بوكر فيتجنشتاين ، والذي حمل عنوان : بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة (المناظرة) لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة [1]. وكان حاصل هذه المحاججة ، مواجهة فكرية عنيفة بين الفيلسوف الكبير فيتجنشتاين والفيلسوف الشاب كارل بوبر .

ولعل من الإنصاف أن نُعرف بالفيلسوف كارل بوبر بعد إن فصل بحثنا الحالي بصورة وافية بالفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين . ولد الفيلسوف النمساوي البريطاني كارل ريموند بوبر (1902 – 1994) في 28 تموز في مدينة فينا (النمسا) مثله مثل فيتجنشتاين . ولاحظنا إن هناك نقاط تشابه في حياة الفيلسوفين فمثلاً إن كلا الفيلسوفيين ينتميان إلى عائلتين يهوديتين وإن عائلتهيما تخليتا عن عقيدتهما اليهودية وتحولا إلى المسيحية ؛ إلا إن عائلة فيتجنشتاين إعتنقت الكاثوليكية قبل ولادته وتم تعميده على الطريقة الكاثوليكية ، أما  عائلة كارل بوبر فقد إعتنقت قبل ولادته اللوثرية [2].  كما سيُلاحظ القارئ إضافة إلى ذلك فإن هناك إختلاف في التكوين الفلسفي بين الفيلسوفين إضافة إلى حضور الماركسية المبكر في تفكير وحياة كارل بوبر ومن ثم تنكره لها وقطعه لكل علاقة بها لاحقاً . ويبدو إن هذه الرواية يدعمها ويُفسرها منطق التحولات التي حدثت في حياة كارل بوبر والتي نقلته إلى منازل عاجية عالية حيث أصبح من ” علية القوم ” وذلك خلال حصوله على لقب ” السير كارل بوبر ” .

ويبدو إنه بعد المناظرة التي جرت بين بوبر وبين فيتجنشتاين والذي لايشكُ أحد على الأطلاق في  إن عائلة فيتجنشتاين كانت ثاني أغنى عائلة في العالم بالطبع بعد عائلة روتشيلد ، إن أخذ كارل بوبر يتحدث كثيراً (ويكتب كثيراً) بأنه جاء من عائلة من ” أعالي الطبقة الوسطى ” . وأرجو أن لا ينسى القارئ ذكاء وعبقرية فيتجنشتاين المتفردة في كل حسابات الإختلاف والتنوع والإنتاج الفلسفي والمنطقي مع تعادل فيتجنشتاين في الإهتمام في الرياضيات وفلسفة العلم وعودة كارل بوبر إلى الإستقرائية الكلاسيكية تقويماً ونقداً [3]. وتحول بوبر إلى مبدأ التكذيب التجريبي[4] بدلاً من معيار الصدق الذي إعتاد علماء المنطق على تداوله . بينما تفرد فيتجنشتاين بالإستدلالية والمنطق الرياضي . ويتشابه الفيلسوفان في إنهما كتابا إطروحتهما للدكتوراه بالإلمانية ومن ثم تحولا إلى العالم الإنكلوسكسوني وتمكنا من اللغة الإنكليزية وأخذا يُدرسان و يكتبان بها وكان فيتجنشتاين بروفسوراً في الفلسفة في جامعة كيمبريدج وعمل بوبر بروفسوراً في الفلسفة لاحقاً وبعد مغادرته فينا مُجبراً بعد صعود النازية . وهنا نسجل ملاحظتنا على الفارق الكبير في التكوين والتدريب الفلسفي بين الأثنين . فمثلاً إن البروفسور كارل بوبر كتب إطروحته للدكتوراه في علم النفس (وليس في الفلسفة) فقد كانت بعنوان سؤال المنهج في علم النفس المعرفي . بينما كتب لودفيغ فيتجنشتاين إطروحته للدكتوراه بعنوان  رسالة منطقية فلسفية وتحت إشراف الفيلسوف البريطاني برتراند رسل . ولهذا السبب ظل بوبر يسبح في شواطئ الفلسفة ومن ثم ثابر بجد على القيام بمحاولات فلسفية فيها إختبار للسباحة في فضاءات الفلسفة العميقة .ونحسبُ إن الشهادة الوحيدة على ذلك تُقدمها كتابات فيلسوف العلم النمساوي – البريطاني كارل بوبر الفلسفية المتنوعة …

ولد السير كارل ريموند بوبر في فينا يوم كانت النمسا جزء من الإمبراطورية النمساوية الهنغارية . وكان كلا والديه على الديانة اليهودية . إلا إن عائلته تحولت في عقيدتها الدينية إلى اللوثرية (مسيحية – بروتستانتية)[5] قبل أن يولد الطفل كارل بوبر [6]. ومن ثم أكملت له عائلته مراسيم التعميد على المذهب اللوثري[7]. وكان هذا جزء من عملية الإندماج الثقافي وليس هو شكل من أشكال التعصب الديني [8].

 وكان والد الطفل كارل يعمل محامياً وإسمه الكامل سيمون سايموند كارل بوبر ، وفي الأصل جاء سيمون من بوهيميا (بولندا) ومن ثم حصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة فينا . أما والدة الطفل كارل فهي السيدة جيني شيف وإصولها القومية تعود إلى سليشين أو سليشيا (قومية تنتشر في ألمانيا ، بولندا والجيك وسلوفاكيا ..) وأجدادها هنغاريون . وبعد إن أسس الوالد سيمون والوالدة جيني الركائز الأساسية لحياتهما العائلية والمهنية ، بدأوا في الصعود وترقية مكانتهم الإجتماعية في فينا . فمثلاً الوالد سيمون أصبح شريكاً في أكبر مؤسسة قانونية والتي كان يديرها شريكه رجل القانون المعروف هير غرابيل ، وبعد موت هير غرابيل سنة 1898 إشترى ملكية الشركة كاملة سيمون بوبر . ولاحظنا إن المصادر التي تحدثت عن كل من هير غرابيل وسيمون بوبر قد خلطت في إسمهما الوسط ، فأضافت إليهما سوية إسم رايموند . ونحسب إن هناك إحتمالين ؛ الأول إن رايموند هو الإسم الوسط لرجل القانون هير غرابيل . الثاني إن تحريفاً حدث في إسم الوسط لوالد الفيلسوف والذي كان سايموند فأصبح رايموند ومن ثم إنتقل هذا الإسم إلى كارل [9]. كما ولاحظنا إن ملاكي حاييم هكوهين قد أضافت رايموند إسماً أولاً لرجل القانون هير غرابيل [10].  والشاهد التاريخي على هذا التحريف في الأسماء الوسطى ، هو إن الفيلسوف كارل بوبر شارك دون وعي منه في تعزيز هذا التحريف . فمثلاً كارل في سيرته الذاتية ، أضاف خطأ الإسم الأول كارل لرجل القانون هير غرابيل [11].

وكان كارل بوبر مثل والده مُحباً للكتب وبالمناسبة إن والده كان يقتني ما بين إثنتا عشر ألف – أربعة عشر ألف مجلداً في مكتبته الشخصية . وكانت هذه الكتب تتوزع في إهتمامات الوالد في مجالات الفلسفة والكلاسيكيات والقضايا السياسية والإجتماعية . وإن كارل ورث من والده المكتبة إضافة إلى ذوقه الثقافي وإهتمامه بالكتب . ووصف كارل فيما بعد هذا الجو الثقافي بعبارات دقيقة ، فأفاد ” إن الإهتمام بالكتب كان إسلوب حياتي ومفردة من مفردات تربيتي ” [12].

ترك الفتى كارل بوبر المدرسة في عمر السادسة عشر ، وذهب إلى جامعة فينا وأخذ يحضر محاضرات في الرياضيات ، الفيزياء ، الفلسفة ، علم النفس وتاريخ الموسيقى وذلك بإعتباره طالباً زائراً . وفي عام 1919 أصبح مهتماً بالماركسية وتلاها حالاً إنتماؤه إلى رابطة الطلبة الإشتراكيون [13]. ومن ثم سجل عضواً فاعلاً في تنظيمات حزب العمال الديمقراطي النمساوي ويومها قد تبنى الحزب الأيديولوجيا الماركسية بصورة كاملة [14]. وبعد معركة الشوارع في هورغسا (فينا) في 15 حزيران سنة 1919 ، وخصوصاً عندما أطلقت الشرطة النار على ثمانية من رفاقه المسالمين ، خاب أمله بما رأى بأم عينه ، وما أطلق عليه الوهم العلمي للمادية التاريخية لماركس . فجاء قراره بالتخلي عن أيديولوجيتها . إلا إنه ظل مدافعاً عن الليبرالية الإشتراكية طول حياته .

وعمل في بناء الشوارع لفترة قصيرة من الزمن . إلا إنه لم يتمكن من التكيف مع هذا النمط من العمل الصعب ، فكان قراره بالعود إلى صفوف جامعة فينا طالباً زائراً ، ومن ثم بدأ التدريب على العمل صانع مكاتب منضدية . وفي هذا الوقت كان يُفكر في إنجاز مشروعه الحالم والذي يتمثل بفتح مؤسسة لرعاية الأطفال وكان يُفكر يومها بأن هذا المشروع قد ينتفع من تفكيره في صناعة المكاتب والأثاث . وبعد ذلك تحول صوب أخر فبدأ العمل متطوعاً في الخدمة في واحدة من عيادات الأطفال للطبيب والسايكولوجي النمساوي ألفرد أدلر (1870 – 1937) [15]. وفي عام 1922 حاول كارل بوبر أن يعدُ نفسه إلى إمتحان خارجي للحصول على شهادة الثانوية ، وهو بالطبع مسار تربوي ثان للتعليم . وأخيرأ تمكن من الإلتحاق بجامعة فينا طالباً إعتيادياً . وفعلاً فقد أكمل في العام 1924 الإمتحان والمتطلبات الأكاديمية وذلك ليكون معلماً في المدرسة الإبتدائية .

وخلال هذه الفترة باشر العمل في نادي الرعاية بعد أوقات المدرسة ، خصوصاً في مساعدة الأطفال الذين يُعانون من ” عوق إجتماعي ” . كما ذهب في عام 1925 للعمل في معهد تربوي جديد . إلا إنه واكب على الإستمرار جامعة فينا على دراسة الفلسفة وعلم النفس . ومن ثم تطورت علاقته الغرامية مع جوزفين أنا هينغر (1906 – 1985) وعقد خطوبته عليها والتي إنتهت فيما بعد بالزواج منها . وفي عام 1928 حصل على درجة الدكتوراه في علم النفس وكانت تحت إشراف عالم النفس واللنكوستيكا كارل لودفيغ بوهلر (1879 – 1963)[16] والتي حملت عنوان سؤال المنهج في علم النفس المعرفي [17].

وفي عام 1929 حصل على تفويض رسمي على تدريس الرياضيات والفيزياء في المدارس المتوسطة . وفعلاً باشر التعليم وخلالها تزوج من خطيبته جوزفين وبالتحديد في سنة 1930 . وأخذت تتصاعد المخاوف من صعود النازية والتي صاحبتها بروبكاندا نازية عُرفت باللغة الألمانية إنشلوس وحرفياً تعني بضم النمسا إلى ألمانيا (والذي جاءت ترجمته في أذار سنة 1938) وبهدف تكوين ألمانيا العظمى [18]. وإستغل كارل بوبر هذه الظروف للتركيز على الكتابة والبحث ، وخصوصاً في المساءات والليالي والتي إستثمرها بصورة جدية وذلك بهدف إكمال تأليف كتابه الأول والذي كان بعنوان مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة . ويومها كان يُفكر بضرورة نشر كتاب واحد (وواحد فقط) وذلك من أجل الحصول على فرصة عمل أكاديمية في بلد يتوافر فيه الآمان لأشخاص من إصول يهودية من أمثاله . إلا إن قدر نشر هذا الكتاب الذي تألف من مجلدين ، لم يكن قدراً يحمل توقعات سارة ومن ثم فتح باب الفرج إلى كارل بوبر على الإطلاق ، والسبب إن مجمل الإستجابات كانت سلبية بل ولم ترد دار نشر واحدة على نشر كتابه بحاله هذا . ويبدو إن هناك ملاحظات من الناشرين والتي إشترطت أولاً تكثيف مادة الكتاب بصورته التي قدمها للنشر أول مرة . وثانياً طالب خبراء دور النشر من كارل بوبر أن يُضيف مواد جديدة شرط النظر من جديد في إمكانية نشره . وفعلاً فقد عمل كارل بوبر كل ذلك وظهر الكتاب بعنوان جديد ، ونحن هنا نتحدث عن لغة كارل بوبر الأم وهي الألمانية ومن ثم قام كارل بوبر بإعادة كتابته باللغة ألإنكليزية فكان بعنوان منطق الإكتشاف العلمي[19] وصدر من دار نشر روتليدج سنة 1959 [20]. والحقيقة هذا عنوان مختصر . والعنوان التفصيلي هو منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث . وظهر بعنوان الترجمة العربية منطق البحث العلمي [21] . وهنا لا أقول شيئاً أو أشكك في دقة الترجمة العربية لعنوان كتاب فيلسوف العلم كارل بوبر . وإنما أترك القارئ يُقارن ويُدقق في الحقائق وهي واضحة مثل الشمس إذ هو يتحدث عن ” منطق الإكتشاف العلمي ” . ونحسب إن كارل بوبر قد ساهم بنفسه في هذا التشويش وبالتحديد بين حدود ” منطق الإكتشاف العلمي ” وبين حدود ” منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث ” . وهذه مشكلة لنجوستيكية ليست بقليلة وهي القضية التي دار حولها الجدل الغاضب بين الفيلسوفين لودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر في جامعة كيمبريدج في ” 25 إكتوبر سنة 1946 ” [22]. وهي بالطبع مشكلة فلسفية كبيرة . ولذلك نشعر (كباحث متممرس في البحث المنطقي لفترة أكثر من أربعين سنة) بأن ” منطق البحث العلمي ” العنوان العربي ليس بترجمة مرادفة وليس فيها تعادل لنجوستيكي مع عناوين كتاب كارل بوبر : ” منطق الإكتشاف العلمي ” أو ” منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث ” على الأقل من زاوية فلسفة اللغة الفيتجنشتاينية . و نظن إنه من زاوية لنجوستيكية فيتجنشتاينية إن هناك فارقاً وليس تعادلاً بين حدود كل من ” الإكتشاف ” و ” البحث ” كذلك . وبعد إن مرت الأيام عاد كارل بوبر إلى أوراق كتابه القديم مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة ونشره بسهولة بعد إن أصبح مشهوراً وذاع صيته بلقب السيد الفيلسوف بالعربية أو السير الفيلسوف بالإنكليزية ، فصدرت له نشرة بالألمانية سنة 1979 وهو حي يُرزق وتلته ترجمة إنكليزية متأخرة بعد وفاته وبالتحديد سنة 2008 [23].

وفي كتاب منطق الإكتشاف العلمي أو منطق البحث : حول إبستمولوجيا العلم الطبيعي الحديث والذي صدر بالإلمانية لأول مرة عام 1934 ، إنتقد فيه كارل بوبر النزعة النفسية ، الطبيعية ، الإستقرائية والوضعية المنطقية . وكان الحاصل من كل ذلك صياغة نظريته التي حملت عنوان التكذيب . ونحن نعلم إن أرسطو كان من أوائل علماء المنطق الذين فكروا في تكوين ” كراترين أو معيار للصدق والكذب ” وذلك بهدف التمييز بين ” القضية الصادقة ” و ” القضية الكاذبة ” . وهذا المعيار أطلق عليه إصطلاحاً ” معيار الصدق ” وهو معيار للتمييز بين ” الصدق والكذب ” . وبدلاً من أن يُطلق عليه للدلالة على الشمول ، تم إنتخابه ألة وأصطلح عليه ” معيار الصدق [24].

وبالمناسبة إن حاصل مناقشة كارل بوبر للإستقرائية والوضعية المنطقية (وبالطبع النزعة السايكولوجية والطبيعية) إن وضع في الخطوط الأمامية نظريته التي عُرفت بنظرية (ونفضل تداول معيار) التكذيب ، وهي نوع من كراترين (أي مقياس = معيار) أو علم ترسيم الحدود وذلك بهدف التمييز بين ما هو علمي وما هو غير علمي . وتلت ذلك إنه حصل على إجازة دون راتب خلال 1935 – 1936 ورحل إلى المملكة المتحدة  للدراسة  باحثاً زائراً (وهي الرحلة التي سببت له إعتقال وصعوبات مع النظام النازي يومذاك )[25] .  والحقيقة إن وراء هذه الرحلة قصة ، حيث إن الفيلسوف الإنكليزي الفريد سيريل يوينغ (1899 – 1973)[26] كان المسؤول عن هذه الرحلة وذلك من خلال توجيهه الدعوة إلى كارل بوبر بزيارة جامعة كيمبريدج في سنة 1936 . وبالمناسبة إن الفريد سيريل يوينغ كان واحداً من النقاد البارزين إلى الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين [27].

وفي عام 1937 حصل كارل بوبر على وظيفة أكاديمية مكنته من الهجرة إلى نيوزيلندا (أستراليا) وأصبح محاضراً في الفلسفة في الكلية الجامعية في كانتربيري (جامعة نيوزيلندا – كرايستشرش) . وهناك كتب كارل بوبر كتابه (في مضمار الفلسفة السياسية) المشهور المجتمع المفتوح وأعدائه . وفي مدينة ديندن (نيوزيلندا) قابل بروفسور الفيزيولوجيا جون كارو إيكلس (1903 – 1997) وهو مثل كارل بوبر من إصول نمساوية ومن فينا ، وأصبحا صديقان حميمان لفترة طويلة من حياتهما . وفي عام 1946 وبعد الحرب العالمية الثانية ، تحول كارل بوبر إلى بريطانيا وحصل على وظيفة باحث أكاديمي في علم المنطق والطريقة العلمية في كلية لندن للإقتصاد . وبعد ثلاث سنوات وبالتحديد في 1949 تم ترقيته إلى درجة بروفسور في علم المنطق والطريقة العلمية في جامعة لندن . وخلال الفترة 1958 – 1959 أصبح رئيس الجمعية الأرسطية [28].

ومن ثم تقاعد عن العمل الأكاديمي سنة 1969 . إلا إنه ظل نشطاً في الحياة العقلية والبحث . وفي عام 1985 عاد إلى النمسا (بالطبع فينا) وذلك لأن زوجته كانت مريضة ، ورغبت أن تكون محاطة بأقربائها خلال الأشهر الأخيرة من حياتها . وفعلاً فقد توفيت في نوفمبر من هذه السنة . وكان كارل بوبر في هذه الفترة يتطلع للعمل مديراً لفرع الفلسفة في معهد لودفيغ بولتزمان [29]. إلا إن المعهد فشل في تعيينه ، فقرر في سنة 1986 العودة إلى المملكة المتحدة ، وأستقر في كينلي (وهي مقاطعة في جنوب لندن) [30]. وعاش فيها حتى إنطفأت حياته في 17 سبتمبر سنة 1994 وكان في الثانية والتسعين من عمره . وتنفيذاً لوصيته فقد تم نقل ” رماد رفاته ” إلى مدينة فينا ودُفن بقرب قبر زوجته جوزفين [31]. وبسبب ظروف الحرب في بواكير زواجهما فإن كل من كارل وجوزفين قرارا ” عدم إنجاب الأطفال ” . وظل بوبر مُحافظاً على وعده ، وربما قد يكون برأي البعض ” كان قراراً جباناً . إلا إنه بطريقة ما كان قراراً صحيحاً [32].

بوكر فيتجنشتاين : قصة المناظرة بين لودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر

هذه أشياء من سيرة فيلسوف العلم كارل بوبر الذي جاء من لندن إلى جامعة كيمبريدج ليُقدم بحثه – المحاضرة بعنوان هل توجد هناك مشكلات فلسفية ؟ [33]ويومها كان كارل بوبر ” قد عُين حديثاً مُحاضراً في علم المنطق والطريقة العلمية في كلية لندن للإقتصاد ” . وكانت مناسبة فلسفية مشهودة وذلك لأنها شهدت مواجهة فلسفية عاصفة بين الفيلسوفيين ؛ فيتجنشتاين وبوبر وبحضور شيخ الفلاسفة برتراند رسل والذي كان يومها يحمل من الإنطباعات الفلسفية الجيدة عن كلا الفيلسوفين . والحقيقة إن هذه المناسبة الفلسفية المتفردة في تاريخ الفلسفة (وخصوصاً في القرن العشرين) قد تم تغطيتها وتوثيقها بصورة عالية ومن مختلف الزوايا وخصوصاً في الكتاب المشترك الذي ألفه كل من ديفيد إديمونز وجون إيدانو والذي حمل عنوان بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة [34]. حدثت هذه المواجهة في مساء يوم الجمعة (25 إكتوبر سنة 1946 وفي نادي العلم الأخلاقي – كلية كنك التابعة إلى جامعة كيمبريدج) . وهذه المحاضرة كانت جزء من نشاطات جماعة المناقشة الإسبوعية والتي تتألف من عدد من فلاسفة وطلاب جامعة كيمبريدج . وفعلاً فإن أعضاء هذه الجماعة تجمعوا كعادتهم في كلية كنك الساعة ” الثامنة والنصف مساءً ” وفي غرف بناية غيبز – الرقم 3 [35].

   والواقع إن الكاتبين الإنكليزيين إيدانو وإديمونز قد نشرا في صحيفة الغارديان مقالاً مشتركاً قبل مقالهما في الغارديان والذي كان بعنوان (بوكر فيتجنشتاين : كتاب جائزة الغارديان ..) وبالتحديد بأكثر من سبعة أشهر وجاء بعنوان ” متى قابل لودفيغ كارل ؟ ” وفيه تساءل الكاتبان ” هل فعلاً إن لودفيغ فيتجنشتاين هدد كارل بوبر بكارت البوكر ” الحار الأحمر ” في كلية كنك ، جامعة كيمبريدج قبل خمس وخمسين سنة مضت (منا = من تاريخ نشر المقال في الغارديان) ؟ [36]” .

ونحسبُ إن أهمية محاضرة كارل بوبر تاريخياً وفلسفياً ، هي إنها أول مناسبة في التاريخ المعاصر يشهدها ويُشارك فيها (فاعلاً وشاهداً) ثلاثة فلاسفة كبار من القرن العشرين . وبالطبع هم كل من ( برتراند رسل ولودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر) . ولعل من الحقائق التي أكد عليها كل من الكاتبين إيدانو وإديمونز :

أولاً – إن فينجنشتاين هو من ” أكثر فلاسفة عصره تألقاً وشهرة [37] .

ثانياً – كان كارل بوبر يومها مُحاضر في علم المنطق والطريقة العلمية ، وتم تعيينه حديثاً (أي 1946) في كلية لندن للإقتصاد .

ثالثاً – نشر كارل بوبر وقتها كتابين ؛ الأول المجتمع المفتوح و أعدائه . والثاني كتاب نقدي للأنظمة الشمولية . وبالطبع نشرهما حديثاً في بريطانيا . وأهميتهما إن كلا الكتابين جذبا إليهما أنظار نخبة من المعجبين من بينهم الفيلسوف البريطاني برتراند رسل [38](منا = وهو واحد من الفلاسفة الثلاثة الذين حضروا مناظرة فيتجنشتاين بوبر) .

رابعاً – إنه لأول مرة في التاريخ يجتمع ثلاثة فلاسفة كبار سوية (وبالطبع هم رسل ، فيتجنشتاين وبوبر) . وحتى هذا اليوم (أذار سنة 2001) ” لا واحد يوافق على ؛ ماذا حدث فعلاً ؟ [39] .

إلا إن الواضح هو إن تراشقاً متبادلاً حاداً وعنيفاً  قد وقع بين كارل بوبر ولودفيغ فيتجنشتاين . وإن الثابت هو إن مادة هذا التراشق بين الفيلسوفين ” دارت حول الطبيعة الأساسية للفلسفة “. ومن ثم حالاً تحولت هذه اللحظات إلى مادة للكتابة والإنشاء . وتبعتها حركة واسعة لمعرفة فعلاً ؛ ما حدث بين الفيلسوفين ؟ وما موقف كل من الفيلسوف الكبير رسل والذي كان شاهداً على كل التفاصيل ؟ . ونحسب إن صمت الفلاسفة الثلاثة ساهم بدوره في نسج العديد من الروايات الملفقة لأغراض الإعلام الصحفي . وكان حاصلها تحول هذه المناسبة الفلسفية إلى مادة ” إسطورة فلسفية ” في القرن العشرين [40].

ويبدو إن الرواية المبكرة لأحداث هذه المناسبة الفلسفية ، هو إن كارل بوبر و لودفيغ فيتجنشتاين دخلا في صراع على القضية – السؤال ؛ من منهما سيتمكن الهيمنة ويفرض سلطته على أوراق البوكر الحارة الحمراء ؟[41] ولنبدأ بحثنا في هذا الطرف برواية كارل بوبر ، ومصدرها كتابه الذي حمل عنوان ” بحث لاينتهي : السيرة الذاتية العقلية [42]، والذي نشره في عام 1974 وبالتحديد بعد موت فيتجنشتاين بأكثر من عشرين سنة (وبالضبط بعد ثلاث وعشرين سنة من موته) [43]. وفي هذا الكتاب صاغ بوبر سلسلة من المشكلات والتي أطلق عليها ” المشكلات الفلسفية الحقيقية [44]. وهي المشكلات التي أهملها وتجاهلها فيتجنشتاين بصورة مطلقة حسب رواية كارل بوبر التي نشرها في كتابه هذا ويومها كان فيتجنشتاين قد غادر العالم قبل ثلاث وعشرين عاماً (فكان بوبر هو المدعي والحاكم لوحده وحكمه هو المسموع والمهيمن ولا صوت للفقيد فيتجنشتاين ولا يسمعه أحد (خصوصاً من الشهود الذين حضروا المناظرة – المحاضرة وبالطبع برتراند رسل مات وغاب عن الحياة) ويقول له : كلا كارل بوبر هذا ليس عدلاً فقد ظلمت الرجل مرتين !) .

وعلى أساس هذه السلسة من المشكلات الفلسفية ، قام كارل بوبر بوصف فيتجنشتاين بعبارته المشهورة ” كان يلعب بعصبية (مشدود ومتوتر) بأوراق لعبة البوكر (القمار)[45] ” . بينما صور جون إيدانو وديفيد إديمونز حال بوبر في هذه المواجهة مثل حال قائد الأوركسترا والذي يستعمل العصا بدلاً من ورق البوكر وذلك للتدليل على دوره القيادي في التشديد على إيقاعاته الموسيقية . إلا إنه عندما جاء السؤال حول مكانة الأخلاق ، فإن فيتجنشتاين تحدى كارل بوبر وطالبه بتقديم مثال على القاعدة الأخلاقية . فقال ” ردي : كلا ، ولا لتهديد المحاضرين الزائرين ” . ويبدو إن هذا الكلام أوصل فيتجنشتاين إلى درجات الغليان العالية ، والتي حملته على رمي أوراق البوكر على الأرض ومن ثم إندفع خارجاً من القاعة وهو في حالة ثورة وتلفه ما يشبه عاصفة من الغضب [46].

وهذه الدقائق العشرة أو ما يُقاربها ، هي التي حدثت في إكتوبر سنة 1946 والتي لا تزال تُثير الكثير من الخلاف المرير . وفوق كل ذلك فإن المرء يستطيع أن يجادل مادام ظل حياً ، ويتساءل : هل كان كارل بوبر كذاباً فيما زعم ، وما نشره حول الإجتماع الذي حدث بينه وبين فيتجنشتاين ؟ وإذا كذب بوبر وإخترع في روايته الكثير أو القليل . فالحقيقة لا يتوافر أي دليل على إنه قام بتزيين وتجميل للحقائق . إلا إن الباحث لاحظ إن هناك إهتماماً واضحاً لدى بوبر بإثنين من تطلعاته الطامحة المركزية في الحياة وهما ؛ الأول – إنه كان يتطلع بتحقيق هزيمة على المستوى النظري لإسلوب الفلسفة اللنكوستيكية في القرن العشرين (ونحسبُ هذا هدف عام فيه رؤية نقدية شاملة وبالطبع فلسفة فيتجنشتاين جزء منه) . الثاني – إنجاز مشروع إنتصار على المستوى الشخصي على فيتجنشتاين (الذي وصفه بوبر) بالساحر الذي دقق في مسيرته المهنية ولاحقها (مثلما يُلاحق المحقق في الشرطة في أوراق المتهم) [47].

شكوك أكاديمية حول مصداقية رواية كارل بوبر

لاحظ الباحث إن الباحثين البريطانيين كل من جون إيدانو وديفيد إديمونز قد أثار الشكوك حول درجات مصداقية رواية كارل بوبر والتي كتبها بعد موت فيتجنشتاين بأكثر من ثلاث وعشرين سنة ووفاة الفيلسوف البريطاني برتراند رسل الذي كان شاهداً عدلاً لتفاصيل ما حدث كما وإن غضب طلاب فيتجنشتاين ومنهم عالم المنطق البريطاني بيتر كيج الذي قاد مظاهرات غاضبة ضد إدعاءات كارل بوبر والتي غطتها يومذاك الصحف والإعلام البريطاني كل ذلك طرف مما حمل البحث مستمر لمعرفة ما حدث حقيقة بين الفيلسوفيين ومعرفة حجم الإختراع والتلفيق في رواية كارل بوبر . وفعلا فقد تنكب الباحثون وإتصلوا بعدد ممن حضر المناظرة بين فيتجنشتاين وكارل بوبر وتم توثيقها ولعل كتاب بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة .. مثابرة تطلعت إلى معرفة الحقيقة وتوزيع الحقوق ..

ولذلك علق الباحثان ديفيد إديمونز وجون إيدانو على رواية كارل بوبر ، وأثارا الكثير من الشك حولها وخصوصاً من زاوية القارئ الموضوعي المستقل والذي هدفه الوحيد والوحيد فقط ، هو معرفة حقيقة ما حدث بين فيتجنشتاين وبوبر في مساءات 25 إكتوبر سنة 1946 . ويبدو من وجهة نظر الباحثين البريطانيين (إديمونز وإيدانو)  إن المواجهة العنيفة بين فيتجنشتاين وبوبر ” غير محتملة وليست مقبولة ” وذلك لأسباب منها ؛ إن كلاهما ” كانا يهوديان ومن أبناء مدينة فينا “. ومنها قدما وهي بيئة حضارية مشتركة (وبالطبع بيئة بدأت تتفكك وتتحلل) . ورغم إن فيتجنشتاين كان الأكبر سناً من بوبر (حيث فتجنشتاين أكبر من بوبر بثلاثة عشرة سنة) فإنهما يشتركان في حالة ” الإنبهار الحضاري للسنوات الأخيرة من أجواء الإمبراطورية النمساوية الهنغارية “. كما يشتركان ” بالخسارة الكبيرة ” التي ولدتها الحرب العالمية الأولى وما حملته من تأثيرات على حياتهما . وكانا يتطلعان مثل كل أبناء جيلهما نحو قيام ” جمهورية حديثة على أنقاض الملكية ” . كما وعاشا مع عوائلهما سوية ” محنة الوجود أو العدم مع هتلر والنازية ” . وكان لهما إهتمام بإصولهما اليهودية (رغم تحول عائلتيهما إلى المسيحية قبل ولادتهما) وولعهما بالموسيقى وإرتباطهما بالحركات الثقافية اليسارية (المتطرفة) . وتدرب فيتجنشتاين وبوبر ليكونا معلمان . ولهما إرتباطات بالينابيع الرائدة الأولى ” للوضعية المنطقية ، وحلقة فينا . وكان لفيتجنشتاين وبوبر الكثير الكثير من قنوات الإتصال المشتركة الممكنة ” . وإن هذا المشترك يدعو التساؤل ؛ كيف كل هذا المشترك ، ولم يلتقيا ويتقابلا من قبل ؟ “[48] .

صحيح جداً إنه في حياة فيتجنشتاين بدأ مجموعة من طلبته (وخصوصاً إليزابيث إنسكومب ومن ثم زوجها عالم المنطق البريطاني بيتر كيج ..) يهتمون بفلسفة فيتجنشاين فتكونت بدايات تشكل حركة فلسفية ستُعرف بالفيتجنشتاينية أو الفلاسفة الفيتجنشتاينيون (ومن ثم جاء جيل جديد من الأكاديميين الشباب فكونو حركة فلسفية عُرفت بالفيتجنشتاينية الجديدة أو الفلاسفة الفيتجنشتاينيون الجدد) [49]. كما وتحلق عدد من الطلبة حول كارل بوبر وشكلوا حركة فلسفية أطلقوا عليها البوبورية (من أسم كارل بوبر) . والحق يُقال إن الحركة الفيتجنشتاينية بطرفيها كونت حركة فلسفية عارمة مقارنة بحركة البوبرية .

وإستكمالاً لأطراف البحث عن حقيقة رواية كارل بوبر لما حدث بينه وبين لودفيغ فيتجنشتاين . فإننا لاحظنا إنه بعد موت كارل بوبر بثلاث سنوات تم طبع ميموار كارل بوبر (سيرة ذاتية عقلية ) وفيه نُشرت رواية بوبر لما حدث في إجتماع كيمبريدج في 25 إكتوبر من سنة 1946 . وبالطبع صدر الكتاب من دار نشر محترمة ، وهي الأكاديمية البريطانية . إلا إن نشر هذه الرواية سبب عاصفة مدوية رافقتها إحتجاجات جماهيرية على المؤلف الرئيس البروفسور جون واتكنز (1924 – 1999) وبالطبع واتكنز كان من تلاميذ كارل بوبر ومن ثم وريثه على رئاسة القسم بعد تقاعد بوبر [50].

وصاحبت هذه العاصفة من الإعتراضات تبادل رسائل على صفحات التايمز (وتم تخصيص صفحات إضافية في الصفحة الأدبية) . وساهم المؤيدون لفيتجنشتاين في الإجتماعات والنقاش وفيها أعلن بيتر كيج (وهو وزوجته الفيلسوفة الفيتجنشاينية إليزابيث إنسكومب من تلاميذ فيتجنشتاين) الإعتراض على ما فعله كارل بوبر . وقال الفيلسوف وعالم المنطق بيتر كيج ” إن تفسير كارل بوبر للإجتماع بفيتجنشتاين هو كذبة من البداية وحتى النهاية [51].

تعقيب ختامي : سوء الفهم وخلط الأوراق

ولاحظنا إن هناك طرفاً من حديث منقول بين فيتجنشتاين وأستاذه برتراند رسل في داخل قاعة المحاضرة في كلية كنك ولذلك رغبنا أن نُشارك به القارئ وفيه أشعاع على الغموض الذي يلف هذه المناسبة الفلسفية التاريخية . وهو في الحقيقة مشهد فيه الفيلسوف برتراند رسل وقد سمع صوت يقول ” شئ ما ربما أزعج فيتجنشتاين ” . وتدخل رسل فكان مشهداً فيه رسل وفيتجنشتاين واقفين قرب موقد نار للتدفئة ، وفيتجنشتاين بيده أوراق لعبة البوكر . وقال فيتجنشتاين إلى رسل ” إنك دائماُ تُسئ فهمي ، رسل ! أنت دائماً تُسئ فهمي ” . ومن ثم رد رسل على فيتجنشتاين : ” إنك أنت الذي يخلط الأشياء ، فيتجنشتاين ! أنت دائماً تخلط الأوراق وتعمل منها ..[52] إن هذا الإشعاع بكلمات رسل وفيتجنشتاين تُضيف حساً وجواً سحرياً سرياً على أجواء هذا الأجتماع الفلسفي التاريخي المتفرد الذي جمع ثلاثة فلاسفة في غرفة محاضرات واحدة مع جمهور من فلاسفة وطلاب جامعة كيمبريدج وبالتحديد أعضاء نادي العلوم الإخلاقية .

ونحسبُ إن ما قاله الفيلسوف وعالم المنطق البريطاني بيتر كيج : ” إن تفسير كارل بوبر للإجتماع بفيتجنشتاين هو كذبة من البداية وحتى النهاية ” ، لم يُسهم في حل مشكلة ؛ ماذا حدث بين الفيلسوفين فيتجنشتاين وبوبر ؟ . وإنما هو مجرد محاولة للدفاع من فيلسوف فيتجنشتايني ، نعني بيتر كيج الذي أحب هو وزوجته الفيلسوفة إليزابيث إنسكومب ، الفيلسوف فيتجنشتاين ومن ثم قادوا وهو حي (وبعد وفاته) حركة فلسفية فيتجنشتاينية عارمة في القرن العشرين وإمتدت أثارها إلى أمريكا فتشكلت حركة جديدة هي الحركة الفلسفية الفيتجنشتاينية الجديدة .

—————————————————————

الهوامش

 – أنظر : جون إيدانا وديفيد إديمونز ؛ بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة (مصدر سابق) . [1]

 – أدعو القارئ إلى مراجعة الحياة الشخصية لكل من فيتجنشتاين وكارل بوبر . [2]

 – رفض كارل بوبر وجهات نظر الإستقرائية حول الطريقة العلمية وفضل بدلاً منها مأسماه التكذيب التجريبي . ويعتقد بأن النظرية في [3]

العلوم التجريبية ليس في الإمكان إقامة البرهان عليها إطلاقاً . ولكن في الإمكان تكذيبها بمعنى التدقيق والتمحيص فيها من خلال تجارب حاسمة . وهنا إستخدم مثاله المشهور البطة السوداء لإثبات كذبها . أنظر : كارل بوبر ؛ منطق الإكتشاف العلمي ، دار نشر روتليدج ، سنة 2005 ، ص ص 47 – 50 . وسنعود إلى فيلسوف العلم كارل بوبر في الأيام القادمات ونُقدم دراسة شاملة عنه .

 – أنظر : كارل بوبر ” معنيان للتكذيب ” بالألمانية ، منشور عند هيلمت سيفرت وجيرارد رادنتزكي ؛ إنسكلوبيديا فلسفة العلم ، دار نشر رينوث [4]

، ميونخ سنة 1992 ، ص ص 82 – 85 .

 – إن لاهوت اللوثرية يرتبط برجل اللاهوت والمصلح الديني ومترجم الأنجيل إلى الألمانية مارتن لوثر (1483 – 1546) وبذلك وفره للحشود من[5]

المؤمنين بعد إن كان إحتكاراً بيد رجال الدين ومتوافر لهم بطبعاته اللاتينية .. للتفاصيل أنظر : دونالد ماككيم ؛ صُحبة كيمبريدج إلى مارتن لوثر ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، نيويورك سنة 2003 .

 – أنظر : ملاكي حاييم هكوهين ؛ كارل بوبر ، سنوات التكوين 1902 – 1945 : السياسة والفلسفة في فينا ما بين الحربين ، مطبعة جامعة [6]

كيمبريدج ، سنة 2001 ، الصفحات 10 ، 23 .

 – أنظر : كارل بوبر : سيرة تفصيلية لكارل بوبر ، قُدمت في كونغرس كنيسة المسيح ، نيوزيلندا خلال 12 – 14 سنة 2002 (أون لاين) . [7]

 – أنظر : براين ماغي ؛ قصة الفلسفة ، دار نشر دي وكي ، نيويورك سنة 2001 . [8]

 – أنظر : ملاكي حاييم هكوهين ؛ المصدر السابق . [9]

 – أنظر المصدر السابق . [10]

 – أنظر : كارل بوبر ؛ بحث دائم : سيرة ذاتية ، دار نشر روتليدج ، سنة 1976 ، ص 6 . [11]

 – أنظر : راي مونك وفردريك رافائيل (إشراف) ؛ الفلاسفة الكبار : من سقراط وحتى ألين ترننغ ، دار نشر فينكس ، لندن ، ص 447 . وكذلك  [12]

: ستيفن نورنتن ؛ كارل بوبر ، موسوعة ستانفورد للفلسفة ، إشراف أدورد زلتا ، سنة 2015 .

 – ستيفن تورنتن ؛ المصدر السابق . [13]

 – أنظر المصدر السابق . [14]

 – ألفرد أدلر هو طبيب وسايكوثربيست نمساوي ومؤسس مدرسة علم النفس الفردي . وتعاون مع سيجموند فرويد وجماعة من زملاء فرويد .[15]

وأدلر هو واحد من المؤسسين لحركة التحليل النفسي وعضو في جمعية التحليل النفسي في فينا . صحيح إن فرويد كان الشخصية الوحيدة هناك . إلا إن أدلر كان الرمز الكبير الذي إنفصل من حركة التحليل النفسي وأسس مدرسة مستقلة للعلاج النفسي ونظرية الشخصية . وأدلر من أوائل علماء النفس الذين جادلوا في أهمية الفيمنستية والمحللة النفسية المرأة . كما أكد أدلر على أهمية مشاعر الدونية وإعترف بأن عقدة الدونية تلعب دوراً أساسياً في تطور الشخصية . وأدلر يرى إن البشر هم أفراد ولذلك أطلق على علم النفس عنوان علم النفس الفردي . من أهم مؤلفاته : النظرية والتطبيق في علم النفس الفردي (1927) ، فهم الطبيعة البشرية (1927) ، إنموذج الحياة (1930) ، ماذا تعني الحياة لك ؟ (1931) .. للتفاصيل أنظر : أش . أورغلر ؛ الفرد أدلر ؛ الرجل وعمله : إنتصار على عقدة الدونية ، دار نشر ليفرايت ، نيويورك سنة 1963 .

 – كارل لودفيغ بوهلر وهو مشهور بعمله في مضمار علم نفس الغشتلتي . وإن زوجته شارلوت بوهلر (1893 – 1974) هي عالمة نفس كذلك .[16]

ولد بوهلر في قرية مغاشيم التي تقع في الجنوب الغربي من ألمانيا . وفي عام 1899 بدأ الدراسة في كلية الطب وفي جامعة فرايبورك وحصل على الدكتوراه عام 1903 . وعمل مساعداً وإستمر في الدراسة للحصول على درجة أكاديمية ثانية في علم النفس وتخرج سنة 1904 . وفي عام 1906 عمل بروفسوراً مساعداً في جامعة فرايبورك ن ومن ثم مساعداً للبروفسور إسوالد كولب (1862 – 1915) وهو الذي أشرف على إطروحته للدكتوراه . وفعلاً ففي عام 1907 أكمل إطروحته الثانية وللتأهيل الأكاديمي في علم النفس وكانت بعنوان حقائق ومشكلات علم نفس عمليات التفكير . وتحولت الإطروحة إلى نص أساس في كلية علم النفس – جامعة فورسبورغ . ومن ثم إندلع جدل عدائي وتصاعدت درجات الكراهية بينه وبين عالم النفس المشهور ويلهلم فونت (1832 – 1920) والذي يُعتبر مؤسس علم النفس الحديث . وفي عام 1918 أصبح بوهلر بروفسوراً للفلسفة والتربية . ومن ثم تحول هو وزوجته إلى فينا وعمل كلاهما بروفسوراً هناك . وبالمناسبة إن زوجته شارلوت هي تلميذة أدموند هوسرل (1859 – 1938) . وفي عام 1940 إتهمه النازيون بالهروب إلى لندن وتم إعتقاله لفترة قصيرة  . ومن ثم هاجر إلى الولايات المتحدة وعمل بروفسورا في جامعة منسوتا . للتفاصيل أنظر : أش . بولغر ؛ كارل بوهلر : 1879 – 1963 ، المجلة الأمريكية لعلم النفس ، ديسمبر سنة 1964 ، ص ص 674 – 678 .

 – أنظر : توماس ستارم ؛ بوهلر وبوبر : الثربيست الكانطيين للإزمة في علم النفس ، منشور في دراسات في تاريخ وفلسفة العلوم البايولوجية [17]

والبايولوجية – الطبية ، العدد 43 ، سنة 2012 ، ص ص 462 – 472 .

 – أنظر : ألفرد لوا ؛ حركة الأنشولس سنة 1918 – 1938 في الكتابات التاريخية الحديثة : القومية الألمانية والوطنية النمساوية ، دورية [18]

مراجعات الكندية في القومية ، سنة 1976 ، ص ص 212 – 225 .

 – أنظر : كارل بوبر ؛ منطق الإكتشاف العلمي ، دار نشر موهير زيبك – ألمانيا ، سنة 1934 . [19]

 – أنظر : كارل بوبر ؛ منطق الإكتشاف العلمي ، دار نشر روتليدج ، سنة 1959 (روتليدج سنة 2002 تألف من 513 صفحة) . [20]

 – أنظر : كار بوبر ؛ منطق البحث العلمي ، ترجمة الدكتور محمد البغدادي ، مكتبة طريق العلم ، سنة 2015 . [21]

 – أنظر : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ بوكر فيتجنشتاين : قصة المحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة (مصدر سابق) . [22]

الإجتماع هو جزء من نشاطات نادي العلم الأخلاقي – جامعة كيمبريدج (جماعة المناقشة : فلاسفة الجامعة وطلاب الجامعة) وحدث في كلية كنك الساعة الثامنة والنصف مساءً وفي قاعة بناية جينز ، الرقم 3 أش . أنظر المصدر السابق .

 – أنظر : كارل بوبر ؛ مشكلتان أساسيتان في نظرية المعرفة (إشراف وتحرير) ترويلس يغرز هانسن ، دار نشر روتليدج ، سنة 2011 (تألف[23]

من 544 صفحة) .

 – أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل أرسطو للعلم البرهاني ، دار الحرية للطباعة (وزارة الثقافة والإعلام) ، بغداد سنة 1983 ، القسم الثاني ،  [24]

الفصل السادس والذي كان بعنوان البناء المنطقي للعلوم البرهانية ، وخصوصاً 4 – معيار الصدق الإستدلالي . 5 – شروط الإستدلال الصحيح . 6 – البناء البديهي للعلوم . ص ص 159 – 179 . وهي رسالة ماجستير كتبها صاحب القلم تحت إشراف عالم المنطق العراقي البروفسور الدكتور ياسين خليل عبد الله (تم مناقشتها في أواسط تموز سنة 1976 أي قبل أكثر من أربعين سنة مضت) . وكانت مناقشتها نوعاً من الإحتفال الفلسفي بالطالب والإستاذ المشرف وأعضاء لجنة المناقشة .

 – أنظر : ديفيد إيدمونز وجون إيدانو ؛ المصدر السابق ، ص 67 . [25]

 – الفيلسوف الفريد سيريل يوينغ هو الناقد المتعاطف مع المثالية . درس في جامعة أكسفورد وحصل على درجة محاضر في جون لوك . ومن ثم[26]

ربح الجائزة الخضراء في الفلسفة الأخلاقية . ودرس أربعة سنوات في سوانزي وويلز . وفي عام 1931 أصبح محاضراً في العلم الأخلاقي في كيمبريدج ، وتلاها مدرساً للعلم الأخلاقي سنة 1954 . وتفرغ للبحث في كلية اليسوع – جامعة كيمبريدج . ولعل أهميته في تاريخ الفلسفة ، هو إنه إعتقد بأن دراسة تاريخ الفلسفة مهم جداً في العمل الفلسفي . كما إنه لفت الإنتباه إلى أهمية الفيلسوف الألماني عمانوئيل كانط . والشاهد على ذلك مؤلفاته عن كانط . وهو مدافع عنيد عن الميتافيزيقا التقليدية ومعارض للحركات التي جاءت بعد الأخلاق الحديثة . كما يرتبط بإسمه مفهوم المثالية التحليلية وهو رائد في فلسفة الدين في القرن العشرين . وكان رئيس الجمعية الأرسطية وللفترة 1941 – 1942 ومن ثم في عام 1941 باحثاً زميلاً في الأكاديمية البريطانية . من أهم مؤلفاته : معالجة كانط للسببية (لندن 1924) ، شرح مختصر لكتاب كانط نقد العقل الخالص (لندن 1938) ، أخلاقية العقوبة (لندن 1929) . المثالية : بحث نقدي ( نيويورك 1936) . أسئلة الفلسفة الأساسية (روتليدج ، لندن سنة 1951) . الفلسفة اللا  لنجوستيكية (جورج ألين وأنوين سنة 1968) والتقليد المثالي : من براكلي وحتى بلانشرد (كتاب جماعي بإشراف الفريد يوينغ) ، لندن 1968 .

 – أنظر : ديفيد إيدمونز وجون ؛  المصدر السابق . [27]

 – أنظر : ديفيد ميلر ؛ السير كارل ريموند بوبر 28 تموز 1902 – 17 سبتمبر 1994، ميموار السير الذاتية لزملاء الجمعية الملكية ، العدد 43   [28]

سنة 1997 ، ص ص 310 – 369 .

 – لودفيغ أدورد بولتزمان (1844 – 1906) وهو عالم الفيزياء وفيلسوف العلم النمساوي . ولد في فينا وكان والده موظف ضرائب . وجده تحول [29]

من برلين إلى فينا وكان صانع ساعات . وتلقى تعليمه الأولي من معلم خاص في بيت والديه . وأكمل بولتزمان تعليمه الثانوي في مدينة لينتس والتي تقع في النمسا العليا . وعندما كان في عمر الخامسة عشرة مات والده . في عام 1863 بدأ بولتزمان بدراسة الفيزياء في جامعة فينا وكان من أساتذته كل من عالم الفيزياء والكيمياء يوهان جوزيف لوشميت (1821 – 1895) ، وعالم الرياضيات والفيزياء جوزيف ستيفان (1835 – 1893( وعالم الرياضيات والفيزياء الألماني أندريس فون أتينكسهاوزن (1796 – 1878) . وحصل بولتزمان على درجة الدكتوراه سنة 1866 وكانت في مضمار النظرية الحركية للغازات وتحت إشراف جوزيف ستيفان . ومن ثم عمل مساعداً إلى أستاذه جوزيف ستيفان . للتفاصيل أنظر : جون بلاكمور (إشراف) ؛ لودفيغ بولتزمان ، العبقري المُشكل والفيلسوف ، دورية سينثيسز (التركيب) ، المجلد التاسع عشر ، سنة 1999 ، ص ص 1 – 232 . وكذلك : ستيفن براش (الإشراف) ؛ بولتزمان : محاضرات حول نظرية الغازات ، مطبعة جامعة كليفورنيا ، براكلي سنة 1964 .

 – أنظر : ديفيد ميلر ؛السير كارل ريموند بوبر ، (مصدر سابق) . [30]

 – أنظر المصدر السابق . [31]

 – أنظر : أدورد زيرن ؛ كارل بوبر حول الله : المقابلة المفقودة ، دورية الشاك ، العدد السادس ، سنة 1998 ، 2 . [32]

 – أنظر : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ بوكر فيتجنشتاين : قصة المُحاججة لفترة عشرة دقائق بين إثنين من كبار الفلاسفة (مصدر سابق) . [33]

وأنظر كذلك : ديفيد إديمونز وجون إيدانو ؛ بوكر فيتجنشتاين : كتاب جائزة الغارديان لسنة 2001 (صحيفة الغارديان في الأربعاء ، 21 نوفمبر سنة 2001) .

 – أنظر : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ بوكر فيتجنشتاين .. (مصدر سابق) . [34]

 – أنظر : ديفيد إديمونز وجون إيدانو ؛ بوكر فيتجنشتاين : كتاب جائزة الغارديان (مصدر سابق) . [35]

 – أنظر : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ متى قابل لودفيغ كارل .. ، صحيفة الغارديان ، السبت 31 أذار سنة 2001 . [36]

 – المصدر السابق . [37]

 – المصدر السابق . [38]

 – المصدر السابق . [39]

 – المصدر السابق . [40]

 – المصدر السابق .[41]

 – أنظر : كارل بوبر ؛ بحث لاينتهي : السيرة الذاتية العقلية ، دار نشر روتليدج ، لندن سنة 1976 (تألف من 315 صفحة) . [42]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فيلسوف العلم النمساوي – البريطاني كارل بوبر (1902 – 1994) ، بحث تحت الإنجاز وسيصدر [43]

في أعداد قادمة من مجلة الفصيلة / أوراق فلسفية جديدة .

 – أنظر : كارل بوبر ؛ بحث لاينتهي : السيرة الذاتية العقلية (مصدر سابق) . [44]

 – جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ متى قابل لودفيغ كارل .. (مصدر سابق) . [45]

 – أنظر المصدر السابق . [46]

 – أنظر المصدر السابق . [47]

 – المصدر السابق . [48]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفلاسفة الفيتجنشتاينيون والفيتجنشتاينيون الجدد ، القسم الثاني من كتاب بعنوان لودفيغ [49]

فيتجنشتاين والفلاسفة الفيتجنشتاينيون بعده ، قيد الإنجاز .

 – جون وليم نفيل واتكنز وهو بروفسور في كلية الإقتصاد – جامعة لندن من سنة 1966 وحتى تقاعده سنة 1989 . وهو مؤيد لحركة [50]

العقلانية النقدية . حضر في بداية تعليمه الأكاديمي محاضرات كارل بوبر في المنطق والطريقة العلمية . من أهم ماكتبه عن كارل بوبر : 1 – ” كارل ريموند بوبر 1902 – 1994 ” ، دورية الأكاديمية البريطانية ، العدد 94 ، سنة 1996 ، ص ص 645 – 685 . 2 – ” وحدة تفكير بوبر ” ، منشور فصلاً في : بول سشيلب (الإشراف) ؛ فلسفة كارل بوبر ، المجلد الأول ، شركة نشر الكورت المفتوح ، سنة 1974 ، ص ص 371 – 412 .

 – أنظر التفاصيل عند : جون إيدانو وديفيد إديمونز ؛ هل قابل لودفيغ كارل .. (مصدر سابق) . [51]

 – المصدر السابق . [52]

—————————————————————–

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

رائعة لودفيغ فيتجنشتاين : تركتاتوس أو رسالة منطقية – فلسفية

الفلسفة : حُب الحكمة        الفيلسوف : مُحب الحكمة

الفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

——————————————————

مجلة فلسفية إلكترونية

—————————————————————–

رائعة لودفيغ فيتجنشتاين

تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس

رسالة منطقية – فلسفية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

—————————————————————————————-

تقديم :

   ترك الفيلسوف وعالم المنطق البريطاني – النمساوي لودفيغ فيتجنشتاين (1889 – 1951) خلفه عدداً ضخماً من المخطوطات والتي يومها راجعها ونقحها بقلمه ومن ثم قدم المجلد الأول منها للنشر وبعنوان أبحاث فلسفية وكان ذلك سنة 1946 . إلا إنه تردد ومن ثم سحبه أخيراً من المطبعة ولم يُفكر في نشره على الإطلاق . وبعد وفاته قام إثنان من طلابه وحوارييه وهما كل من الفيلسوفة الفيتجنشتانية إيلزابيث إنسكومب (1919 – 2001) والفيلسوف الفيتجنشتاني ريش رايس (1905 – 1989)[1] بنشره في عام 1953 و بالعنوان ذاته وبالإعتماد على التوجيهات التي تركها فيتجنشتاين لهم . ومنذ ذلك التاريخ حصل فيتجنشتاين على الإعتراف بأن أعماله الفلسفية والمنطقية ، هي واحدة من أهم الأعمال في مضمار الفلسفة في القرن العشرين [2]. أما قصة رائعته الأولى والتي حملت عنوان تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس فلها رواية أخرى وإن هذا البحث سيشتغل عليها .

  ولاحظنا إن أستاذ فيتجنشتاين الفيلسوف البريطاني الكبير برتراند رسل (1872 – 1970) قد راجع ودقق في تركتاتوس فيتجنشتاين منذ إن قدمها الأخير إطروحة دكتوراه له إلى جامعة كيمبريدج . ولهذا كان برتراند رسل من المُعجبين به ، فوصفه بعبارات دقيقة وقال ” إن فيتجنشتاين كان الإنموذج الكامل الذي لم أعرف مثله شبيهاً على الإطلاق ، فقد كان عبقرياً في إطار التقليد الفلسفي ، وكان الأكثر إدراكاً ، وتمتع بعاطفة وعمقاً شديدين ، كما وكانت له هيمنة وسطوة واضحتين [3].

الملحمة الكاملة لرائعة فيتجنشتاين : رسالة منطقية – فلسفية

  وصل فيتجنشتاين بعد مشوار من البحث المُكثف إلى الشعور بأنه لا يتوافر له جواب شاف على أسئلته الفلسفية الأساسية بالرغم من كونه مُحاط بالعديد من الفلاسفة الأكاديميين الكبار . ولهذا قرر في عام 1913 الإنسحاب والعودة إلى قرية سكولدن في النرويج وإختار حياة الإعتزال والتفرغ للبحث الفلسفي فيها ، وكان يومها قد أجر الطابق الثاني من بيت معروض للسكن ، وصرف فصل الشتاء هناك . وفيما بعد رأى إن العيش في هذا البيت هو فرصة بالغة الأهمية في حياته الفكرية ، بل وكانت فترة من أكثر الفترات إنتاجاً في حياته . وبالطبع كتب في هذا البيت عمله الذي حمل عنوان ملاحظات حول المنطق والذي كون مقدمة لرائعته التي حملت عنواناً لاتينياً وهو تركتاتوس [4]وبالعربية يعني الرسالة

   ومن ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وشغلته فترة من الزمن وعطلت همته من أكمال هذه الرائعة المنطقية – الفلسفية . وفعلاً فقد صرف في الحرب ردحاً من الوقت حيث إنخرط  فيها متطوعاً ، وتلتها فترة إنصرف خلالها في القتال في جبهات متنوعة مثل جبهة الحدود الروسية والجبهة الإيطالية وكان حصاده الحصول على العديد من ميداليات الشجاعة ، ومن ثم أعقبتها فترة الأسر والسجن في معسكرات أسرى الحرب . وهذه قصة تحتاج إلى بحث خاص لتناولها وإن كان للأحداث التي عاشها الكثير الكثير من الأثار العميقة على شخصية الفيلسوف فيتجنشتاين والتي لم تتمكن الأيام من دمل جروحها النازفة وعلى الخصوص جروحها النفسية التي ظلت تنزف على الدوام . ولعل الطرف المهم من هذه القصة هو إن فيتجنشتاين قد حصل في صيف عام 1918 على إجازة وذهب للعيش مع عائلته في فينا . والحقيقة إن فيتجنشتاين عاش مع عائلته في واحد من بيوت أل فيتجنشتاين الصيفية في منطقة نيوليدك . ووصل إلى هناك في آب (أوغسطس) سنة 1918 . وإنكب على كتابة رائعته التي حملت عنوان تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس أو رسالة منطقية – فلسفية . ومن ثم أكملها هناك وهذا الكتاب هو الوحيد الني نشره فيتجنشتاين في حياته (إضافة إلى قاموس صغير للإطفال)[5] .

  ولاحظنا إن هدف كتاب تركتاتوس المُعلن كان وراء إشكال ميثديولوجي لازم هذه الرائعة ومنذ أن نشرها بالألمانية أولاً ومن ثم إن هذا الإشكال إنتقل مع ترجمتها إلى الإنكليزية ثانياً . ولعل السبب وراء هذا الإشكال المنهجي ، هو إن الفيلسوف الشاب فيتجنشتاين يومها ، أي في الفترة المبكرة من تأليف الكتاب ، قد صاغ له هدف واسع وعريض بحيث لا يتناغم هارمونياً وإمكانية وطبيعة وحدود المعرفة العلمية أو لنقل المعرفة الإنسانية ومن الثابث إن فيتجنشاين إختلف مع أعضاء حلقة فينا حول حدود المعرفة العلمية وتطلع إلى أن يكون صاحب رؤيا تقترب من رؤيا الأنبياء والعرافين كما بين رودلف كرناب وهذا أمر مُجير على فيتجنشتاين [6]. وذلك لإن فيتجنشتاين تطلع فيه إلى معرفة وإستكشاف العلاقة بين اللغة والحقيقة وذلك لبيان حدود وإمكانيات العلم . وهنا نحسب من الضروري أن نشير إلى إن فيلسوف اللغة البريطاني جورج أدورد مور (1873 – 1958) والذي كان بمقام أستاذ فيتجنشتاين (حيث كان واحد من الممتحنين لأطروحة فيتجنشتاين للدكتوراه ) هو الذي إقترح أصلاً عنواناً لاتينياً وهو تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس وقد إستلهمه الفيلسوف مور من رائعة الفيلسوف باروخ إسبينوزا (1632 – 1677) والذي حمل عنوان تركتاتوس ثيولوجيكو – بولتيكيوس  [7].

   كما ورأينا إن تاريخ إهتمام فيتجنشتاين بتأليف كتابه تركتاتوس يصعد إلى الفترة التي كتب فيها ملاحظاته الأولى حول تركتاتوس . ويومها كان فيتجنشتاين جندياً في قوات الجيش النمساوي والتي كانت تخوض معارك عنيفة في الحرب العالمية الأولى .  وبعد الإنتهاء من كتابته سلمها فيتجنشتاين إلى دار نشر يهودا وسيكل وكانت يومها تحمل عنواناً مُختلفاً وطويلاً إلى حد ما وجاء بالصيغة الآتية : ” القضية ، الجملة ، العبارة ، المجموعة [8].

  وبعد فترة أبلغت دار نشر ” يهودا وسيكل ” فيتجنشتاين ، وبالتحديد في 25 إكتوبر بقرارهما الذي ينص ” على عدم حصول موافقة خبراء دار نشر يهودا وسيكل على نشر كتاب تركتاتوس ” . وكانت النتيجة الخيبة من ثم عودة فيتجنشتاين إلى الجيش في الحامية الإيطالية . وتلاها خيبة أعمق وهي هزيمة الجيش النمساوي والتي كان من نتائجها السلبية إعتقال فيتجنشتاين من قبل قوات التحالف وأخذه أسير حرب فصرف ثمانية أشهر في معسكر إعتقال أسرى الحرب . وبعد إطلاق سراحه من الأسر تنقل في العمل في وظائف متنوعة . وفي ظل هذه الأجواء النفسية الصعبة إتخذ قراراً بتوزيع كل ممتلكاته التي ورثها من والده . وفعلاً فقد قام في البداية بتوزيع بعض المساعدات المالية على عدد من الأفراد المجهولين . ومن ثم وزع أمولاً على الفنانيين والكتاب النمساويين من بينهم كل من الروائي والشاعر البوهيمي – النمساوي راينر ماريا ريلكه (1875 – 1926) [9]، والشاعر النمساوي (المأسوف على شبابه) جورج تراكل (1887 – 1914) [10]. ومن ثم قسم كل ماورث من أموال (وبالطبع كانت كبيرة وأرجو أن لا تنسى بأن لودفيغ فيتجنشتاين كان يومها يُعد واحد من أكبر أثرياء أوربا) على إخوته وأخواته وإستثنى منها إخته مارجريت وألح على حرمانها وعدم مشاركتها في الإشراف على إدارة ممتلكاته بعد موته . وبالرغم من إن عائلته قد لاحظت إن ولدها لودفيغ فيتجنشتاين كان مريضاً فإنها رضخت لإرادته وقبلت وصيته دون مناقشة أو تحفظ [11].

  وإختار فيتجنشتاين حياة العزلة وفضل حياة العيش في الريف النمساوي . وخلال هذه الفترة طُبع كتابه رسالة منطقيةفلسفية . ولاحظنا إن طبعته الأولى بالطبع كانت بالألمانية وكان ذلك في عام 1921 . والحقيقة إن هذه النشرة طُبعت في مجلة عالم الكيمياء الروسي – الألماني ويلهلم أوسترالد (1853 – 1932) [12]. وكان الحاصل من هذه النشرة ، هو إن فيتجنشتاين عاش حياة خيبة وكآبة والسبب هو إنه لم يكن مُبتهجاً وسعيداً بهذه النشرة . وفعلاً فقد أطلق عليها عنواناً دالاً على خيبة أمله وخصوصاً من دور النشر ، فأسماها ” طبعة القراصنة ” . ومن ثم جاءت صور من الإنفراج الموقت وذلك حين وافق الفيلسوف برتراند رسل على كتابة مدخلاً لها وذلك ليُبين فيه أهمية الكتاب . وهذا هو التبرير الوحيد المقبول على إعادة نشرها من جديد . كما وإن هذا المدخل ساهم في حل مشكلة عدم الفهم الذي يلُفها من طرف . والطرف الثاني هو إن الكاتب فيتجنشتاين إسم غير معروف في عالم الفلسفة (يومذاك) [13].

   ولم ينفع هذا الإنفراج الموقت والذي تمثل بقبول برتراند رسل بكتابة مدخل لرائعته تركتاتوس ، بل تحول هذا المدخل إلى كابوس يُلاحق فيتجنشاين ليل نهار . والذي حدث هو إن الفيلسوف الأستاذ برتراند رسل قال في المدخل الذي كتبه لهذه النشرة ما لا يُرضي تلميذه لودفيغ فيتجنشتاين ، فكان الحاصل من ذلك رد نقدي متوتر وغاضب من التلميذ فيتجنشتاين على الأستاذ رسل . والسبب إن فيتجنشتاين لم يكن سعيداً من المساعدة التي قدمها برتراند رسل في كتابة المدخل إلى رائعة تركتاتوس . والحاصل من ذلك إن تصاعدت درجات غضب فيتجنشتاين حتى وصلت إلى حد ” إنه فقد إيمانه بالفيلسوف رسل ، ووجد إنه كان سطحياً ، وإن فلسفته ميكانيكية . وإنه أصلاً لم يفهم كتاب رسالة منطقية فلسفية [14].

   وتلت رواية النشرة الألمانية لكتاب تركتاتوس ، سيناريو النشرة الإنكليزية لرائعة فيتجنشتاين والتي حملت عنوان تركتاتوس أو رسالة منطقية فلسفية . وفعلاً فقد قام بالتحضير لها كل من الفيلسوف وعالم الرياضيات الإنكليزي فرانك رامزي (1903 – 1930) والذي كان يومها ” يافعاً في عمر السادسة عشرة أو السابعة عشرة ” [15]والتي جاءت في الأصل بتكليف من قبل الفيلسوف وعالم اللنكوستيكا الإنكليزي تشارلز غي أوغدن (1889 – 1957) [16]والذي ساعد بدوره في الترجمة لكتاب تركتاتوس وبالطبع إن الترجمة كانت من الألمانية إلى الإنكليزية . والحقيقة إن العنوان تركتاتوس أي العنوان اللاتيني كان عنواناً فيه إشتراك كما قلنا مع عنوان الفيلسوف إسبينوزا الأصلي تركتاتوس ثيولوجيكا بوليتوكس باللاتينية وبالعربية رسالة لاهوتية سياسية [17].

  وفي البداية واجهت نشرة النسخة الإنكليزية لكتاب رسالة منطقية فلسفية ، صعوبات في إيجاد الناشر المناسب وذلك بسبب إلحاح فيتجنشتاين على نشر الكتاب دون المدخل الذي كتبه برتراند رسل بسبب إن المدخل إلى النشرة الألمانية الذي كتبه رسل لم يُرضي تطلعات فيتجنشتاين . ولهذا السبب لاحظنا مثلاً إن مطبعة جامعة كيمبريدج قد إعتذرت من نشره . وأخيراً وبالتحديد في عام 1922 تم الوصول إلى إتفاق مع فيتجنشتاين ودار نشر بول كاغان وبشرط أن تقوم دار بول كاغان بنشره بطبعة ثنائية (ألمانية – إنكليزية) ومع المدخل الذي كتبه برتراند رسل والترجمة الإنكليزية التي قام بها رامزي أوغدن [18].

  وبعد هذا الإتفاق أيد فيتجنشتاين هذه الترجمة بالرغم من إن هناك إشكالاً لازال يلفها ومن زوايا عديدة منها إن إنكليزية فيتجنشتاين ” كانت فقيرة يومذاك ” . وإن المترجم رامزي كان شاباً صغيراً (في عمر المراهقة) وكان قد تعلم الألمانية حديثاً . ولهذه الأسباب فإنه بعد نشرها ظل الفلاسفة والأكاديميون منهم على وجه الخصوص يُفضلون عليها لاحقاً وكذلك ينصحون طلابهم على تداول ترجمة سنة 1961 والتي أنجزها كل من ديفيد بيرز (1921 – 2009) [19]وبراين ماكغيوننيس (1927 – ) [20] والتي جاءت بعد ترجمة رامزي – أوغدن بتسع وثلاثين سنة . كما إن رامزي وهو المترجم الرئيس قد مات قبل إثنتين وثلاثين سنة وإن فيتجنشتاين هو الأخر قد مرت على وفاته أكثر من عشر سنوات (وكذلك لم نسمع شيئاً حول الترجمة الجديدة وبالتخصيص من قبل إيليزابيث إنسكومب وريش رايس وهم وكلاء فيتجنشاين الشرعيون على نشر تراثه) . ونحسب إن هذا الصمت لم يشتغل لفترة من الزمن لصالح نشرة رامزي – أوغدن وحمل نوعاً من التبرير والقبول لترجمة ديفيد بيرز وبراين ماكغيوننيس .

   إلا إننا لاحظنا إن هناك عدداً من الأكاديميين الغربيين لم يقتنعوا بالمبرر الذي حمل كل من ديفيد بيرز وبراين ماكغيوننيس على إعادة ترجمة رسالة منطقية – فلسفية من جديد . ولعل الشاهد على ذلك البحث الذي كتبه جون نيلسون والذي جاء بعنوان ” هل إن ترجمة ماكغيوننيس وبيرز لتركتاتوس فيتجنشتاين (أي رسالة منطقية – فلسفية) هي حقيقة كانت الأعلى من ترجمة أوغدن ورامزي ؟ [21]. وللقارئ العربي نبين الحقائق التي لفت نشر وترجمة رائعة فيتجنشتاين التي حملت عنوان رسالة منطقية – فلسفية :

1 – نشرها لودفيغ فيتجنشتاين أولاً بالألمانية سنة 1921 .

2 – ظهرت نشرة ترجمة رامزي – أوغدن سنة 1922 .

3 – بعد تسع وثلاثين سنة ظهرت نشرة ترجمة بيرز وماكغيوننيس سنة 1961 .

4 – ومن ثم بعد ثمانية وثمانين سنة أعادت جامعة ماسشيوست نشر النصوص الثالثة جنباً إلى جنب في 4 سبتمبر سنة 2010 . وهي مثابرة أكاديمية علمية عادلة توزع فيها الحقوق للجميع وفيال بالطبع إنتصار وإنصاف إلى الترجمة الأنكليزية الأولى والتي قام بها بصورة رئيسية الفيلسوف الشاب فرانك رامزي .

  إن هدف تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) هو الكشف عن العلاقة بين اللغة والعالم . و” ماذا يمكن القول حول هذه العلاقة ؟ ” ، ” وماذا في الإمكان أن نكشف ونبين ؟ ” . وجادل فيتجينشتاين وذهب إلى ” إن اللغة تتألف من تراكيب منطقية ” . و” هذه التراكيب هي الحدود التي تُساعدنا على تحديد المعنى ” . ولهذا فإن ” حدود اللغة ” حسب رؤية فيتجنشتاين ، هي ” حدود الفلسفة ” . ولاحظ فيتجنشتاين ” إن الكثير من محاولات الفلسفة هي مجرد مثابرات تهدف إلى حملنا على قول ما لايمكن قوله ” . والسؤال الأساس من منظور فيتجنشتاين ؛ ” ماذا نستطيع أن نقول ؟ (بالطبع الجواب) هو ما نقوله بصورة واضحة ” . ويُجادل فيتجنشتاين ويذهب إلى إن كل شئ بعد ذلك ، هو تحديد ما له علاقة ” بالدين ، الأخلاق ، علم الجمال ، التصوف ، وهي بالطبع مجالات ليس في الإمكان مُناقشتها ” . وهي حقول بحد ذاتها ” فارغة من المعنى ” أو كما قال فيتجنشتاين صراحة : إنها ” هراء .. هراء ” أو ” مجرد كلام الحمقى ” . وإن ” كل قضية تدور حول هذه الحقول يجب أن تكون هكذا[22].

  والحقيقة إن قارئ كتاب فيتجنشتاين يلحظ بوضوح إن فيتجنشتاين تحدث في مقدمة كتاب تركتاتوس عن مهمة كتابه وذهب إلى إن هذا الكتاب يرسم بصراحة ” حدوداً للتفكير ” أو  كما عقب صراحة وقال إن من الأفضل هو ” أن لا تُفكر ” . وبدلاً من ذلك فإن الطريق المفتوح أمامنا ، هو ” التعبير عن الأفكار ” . وإن رسم الحدود للتفكير يستلزم أن يكون على وجهين من هذه الحدود  ؛ الأول ” هو أن نكون قادرين على التفكير ” . والثاني هو ” إن ليس لدينا قدرة على التفكير إطلاقاً[23]

  تألف كتاب رسالة منطقية – فلسفية من خمس وسبعين صفحة فقط . وفيه إعتذار أو ما يشبه الإعتذار حيث يقول فيتجنشتاين عنه ” أنا أسف بصورة فظيعة (هكذا كتب فيتجنشتاين) على ضغط الكتاب بهذه الصورة ، وإذا شأت وعصرتني مثل الليمون ، فسوف لا تحصل على شئ أكثر من ذلك ” . وفعلاً فقد أخبر فيتجنشتاين عالم اللنكوستيكا البريطاني تشارلز غي أوغدن بطريقته في تأليف كتاب تركتاتوس وعرض له سبعة قضايا (1 – 7) وهي (1 ، 1.1 ، 11 .1 .. وبالصورة التي جاءت في النص الذي كتبه فيتجنشتاين بيراعه .) [24] :

1 – العالم هو كل شئ . وهذه هي الحالة [25].

2 – ما هي الحالة ، الحقيقة ، وهي وجود الحقائق الذرية .

3 – الصورة المنطقية للحقائق ، هي الفكرة (أو الفكر) .

4 – الفكر (أو الفكرة) هي القضية (ذات الدلالة) .

5 – القضايا هي دالات الصدق ، وهي قضايا أولية .

6 – الصورة العامة لدالة الصدق هي

                                                                                        P, E, N (E)] .

7 – عندما لا نستطيع أن نتكلم ، فيجب أن نلتزم الصمت .  

    تداولت النشرات الإنكليزية التي إعتنت بالكتابة عن الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين هذا الفورم الإنكليزي (أي الصيغة المنطقية) للتعبير عن الدالة المنطقية (دالة الصدق) وحاولنا من طرفنا (أي الدكتور محمد الفرحان) أن نقدم رسماً تقريبياً لدالة الصدق ” . إلا إن هذه الصورة يعُوزها التطابق التام للرسم الإنكليزي لها (وإن آلة الطابعة المتوافرة لدينا لا تُساعدنا على إنجاز ذلك) . والرسم الدقيق يحتاج إلى التوضيح الآتي : وهو أن تكون الفتحة باللغة العربية  مثل ” – ” فوق كل من الحرف ” بي ” بالإنكليزية وكل من الحرف ” إي ” بالإنكليزية ، وبالطبع ستكون واحدة  من الفتحة ” – ” فوق ” إي ” مابين قوسين .

إهتمام فلاسفة الغرب برائعة فيتجنشتاين

تركتاتوس أو رسالة منطقية – فلسفية  

   تحولت تركتاتوس فيتجنشتاين إلى موضوع مناقشة طويلة وعريضة بين الفلاسفة الغربيين يومذاك (الربع الأول من القرن العشرين) . وكان الحاصل من ذلك تزايد الإهتمام برسالة منطقية – فلسفية وبالطبع تصاعدت معها درجات شيوع سمعة فيتجنشتاين في مضمار الفلسفة ومن ثم شهرته عالمياً . وبالمناسبة إن هذه المناقشات إمتدت فشملت مجموعة من الفلاسفة والعلماء عامة وعلماء الرياضيات خاصة . وهذه المجموعة كونت تجمعاً فلسفية في مدينة فينا النمساوية وعُرفت في تاريخ الفلسفة الغربية بحلقة فينا [26]. وكرست حلقة فينا حينها مناقشات خاصة لكتاب فيتجنشتاين تركتاتوس أو رسالة منطقية فلسفية . وعلى هذا الأساس تحولت هذه الرائعة إلى موضوع إلهام فلسفي ولهذا السبب إحتضنها فلاسفة حلقة فينا وتم تقديم قراءات خاصة لها في جلساتهم [27].

   ونحسب من النافع أن نشير هنا إلى الدور الذي لعبه الفيلسوف الشاب فرانك رامزي في الترويج لرائعة فيتجنشتاين ، فبالرغم من إن فرانك رامزي كان واحد من المترجمين لرائعة فيتجنشتاين تركتاتوس من الألمانية إلى الإنكليزية . إلا إن علاقته بفجتشتاين لم تقف عند ذلك ، فقد كان رامزي يتطلع إلى التأثير على فيتجنشتاين وحمله على العودة إلى جامعة كيمبريدج . ولهذا الهدف قام رامزي بزيارة فيتجنشتاين (وكان حينها في فينا) في 17 سبتمبر سنة 1923 .  ولكن الزيارة هذه المرة جاءت لأمر أخر له علاقة بكتاب تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) . وفعلاً فقد ناقش رامزي وفيتجنشتاين كتاب تركتاتوس وإتفقا على أن يقوم رامزي بكتابة مراجعة له في مجلة العقل [28].

    ومع تصاعد الإهتمام برائعة فيتجنشتاين تركتاتوس وخصوصاً بعد إهتمام حلقة فينا وتكريس قراءات عنها في إجتماعاتها ، فقد لاحظنا إنه صاحب قراءات حلقة فينا لكتاب فيتجنشتاين ، إعتقاد شعبي عام فيه تأكيد على إن فيتجنشتاين كان عضواً من أعضاء حلقة فينا . وهذا الأمر في الحقيقة لا يُعبر عن واقع الحال وهو موقف يعوزه الكثير من الصدق حيث إن فيتجنشتاين لم يكن عضواً من أعضاء حلقة فينا وإنما كان يحضر بعض نشاطاتها . كما ومن الصحيح إن كتابه تركتاتوس كان موضوع نقاشاتها وجلساتها. إلا إن هذا لايعني على الإطلاق إنه كان عضوا فيها . وإن إهتمام حلقة فينا بكتابه تركتاتوس وتركيزها عليه وتخصيص قراءات عنه ليس بدليل قاطع على إن فيتجنشتاين كان عضوا من أعضاءها العاملين . بل كل ما في الأمر إنه كان مجرد إهتمام من قبل حلقة فينا بهذه الرائعة والتي كانت بالنسبة لهم موضوع إلهام وحسب .

  ولعل الشهادة الحقيقية عن هذه القضية هو ما كتبه الفيلسوف الألماني إسوالد هانفلك (1926 – 2005) (وهو أستاذ الفلسفة في الجامعة المفتوحة في بريطانيا منذ 1970 وحتى وفاته عام 2005 [29]) والذي قال فيها بصراحة عن حقيقة عضوية فيتجنشتاين بحلقة فينا وعلاقته بها ، فأفاد : ” إن فيتجنشتاين لم يكن على الإطلاق عضواً من أعضاء الحلقة . وإن كان في فينا خلال فترة نشاطاتها  . ولكن الصحيح هو إنه كان لفيتجنشتاين تأثير على تفكير حلقة فينا ، وكان تأثيره على الأقل مثل تأثير كل عضو من أعضاءها [30]. وفعلاً فمنذ عام 1926 كانت لفيتجنشتاين مشاركات مع أعضاء حلقة فينا في المناقشات . وظهر من خلال هذه المناقشات ، دليل واضح على إن فيتجينشتاين يؤمن بإتجاهات مختلفة نحو الفلسفة من إتجاهاتهم ، وهم الذين إستلهموا عمله الذي حمل عنوان تركتاتوس (رسالة منطقية – فلسفية) . والشاهد على ذلك ، إنه خلال إجتماعات حلقة فينا ، فإن فيتجنشتاين عبر عن عدم الإتفاق مع جماعة فينا وخصوصاً فيما أسماه فيتجنشتاين ” سوء قراءتهم لعمله ” . وكان الحاصل من عدم الأتفاق ، هو إن فيتجنشتاين ” أدار كرسيه بحيث كان وجهه نحو الجدار وظهره إليهم ومن ثم بدأ يقرأ مقاطع شعرية للشاعر الهندي روبندرونات طاغور (1861 – 1941) بصوت جهوري عال ” (وهذا دليل على إن فيتجنشتاين تجاهلهم بطريقة كوميدية فيها الكثير من الدلالات العدائية المعلنة لهم ومن ثم الخلاف والتقاطع معهم) .

   ومن ثم جاءت الفصول الأخيرة لعلاقة فيتجنشتاين بأعضاء حلقة فينا ، فقرر فيتجنشتاين  قطع علاقته بهم وإزالة كل جسور الإتصال ما بينه وبينهم . ولم يلتقي بأعضاء حلقة فينا بصورة منتظمة كما كان في السابق [31]. إلا إنه لفترة قصيرة جداً ظل على إتصال ببعض منهم وخصوصاً بكل من موريتس شيليك (1882 – 1936) ، رودلف كرناب (1891 – 1970) وفردريك وايزمان (1896 – 1959) . ومن ثم لاحظنا إنه قام بقطع علاقته حتى بهذه الجماعة الصغيرة من أعضاء حلقة فينا ، وخصوصاً بعد إن إتهم فيتجنشتاين رودلف كرناب بأنه تداول بعض من أفكاره دون أن يطلب من فيتجنشتاين السماح له بتداولها [32]. ومسكُ الكلام إشارة إلى إن كتاب فيتجنشتاين تركتاتوس كان مصدر إلهام لعالم السيمانطيقا الأمريكي – البولندي ألفريد كروزبسكي (1879 – 1950) والذي إعترف صراحة بأنه كان موضوع إلهام ومصدر وحي فكري له وخصوصاً أثناء تأليف كتابه – الرائعة والذي حمل عنوان العلم والصحة العقلية : مدخل إلى الأنظمة اللا أرسطية والسيمانطيقا العامة [33].

تعقيب ختامي :

    نحسبُ إنه من النافع العودة إلى الفيلسوف وعالم السنتاكس الألماني – الأمريكي رودلف كرناب والذي يُعد قطباً كبيراً من أقطاب حلقة فينا ومدافع متحمس عن الوضعية المنطقية [34]. وبالتحديد نعود إلى سيرته الذاتية والتي فيها يصف فيتجنشتاين ” بأنه مفكر كبير وملهم عظيم ” . ومن ثم علق كرناب وفصل أكثر في نقاط الإختلاف بين فيتجنشتاين وموريتس شيلك ورودلف كرناب وأعضاء حلقة فينا ، فقال بصراحة ” إن هناك ما يُدهشنا بشكل مُثير ، هو الإختلاف بين إتجاه فيتجنشتاين نحو المشكلات الفلسفية وبين إتجاه موريتس شيلك (مؤسس حلقة فينا) وموقفي (أي موقف رودلف كرناب) . الحقيقة إن موقفنا تجاه المشكلات الفلسفية ليس بمختلف عن مواقف العلماء نحو مشكلاتهم ” . أما بالنسبة إلى فيتجنشتاين :

   ” فإن وجهة نظره ، وإتجاهاته نحو الناس والمشكلات ، بل وحتى المشكلات النظرية ، فإنها تشبه كثيراً مواقف الفنانين المبدعين منه من مواقف العلماء . وهذا يحمل المرء على القول على الأغلب ، إن موقفه كان يشبه إلى حد ما مواقف الأنبياء والعرافة . كما وإن فيتجنشتاين صرف من الوقت الكثير وبذل من الجهد الشاق ، فجاءت إجاباته على صورة عبارات بينات شاخصة أمامنا ، وكأنها قطعة من الفن الخلاق الجديد أو الوحي الإلهي … وإن الإنطباع الذي تركه فينا ، هو ما يشبه البصيرة التي نزلت إليه من خلال الإلهام الإلهي . ولذلك فهو لا يُساعدنا على الشعور بتوافر أي شرح عقلاني رصين له أو إن كل تحليل له سيكون فيه نوع من التدنيس [35]

  وأخيراً فإن فيتجنشتاين ورائعته تركتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس جذبت إهتمام السينما والمخرجين السينمائيين . فمثلاً في عام 1992 عمل المخرج الهنغاري بيتر فوركج (ولد سنة 1950) فيلماً سينمائياً قصيراً بعنوان تركتاتوس فيتجنشتاين وفيه صور مقاطع من هذه الرائعة الفلسفية المعاصرة ، وخلال ذلك نشر نوع من الإشعاع على مؤلفات فيتجنشتاين الأخرى . وتألف هذا الفليم من سبع حلقات صغيرة عرضت كل واحدة منها قضية من القضايا السبعة المشهورة التي عالجها فيتجنشتاين في كتابه تركتاتوس أو رسالة منطقية – فلسفية [36]. ومن هذا الطرف ساهمت السينما بالترويج الجماهيري عن الفيلسوف فيتجنشتاين وتثقيف المشاهد بموضوعات منطقية – فلسفية والتي درسها في رائعته الفلسفية تركتاتوس لوجيكو – فيلوسوفيكوس والتي تُعد كما قلنا واحدة من الروائع الفلسفية في القرن العشرين  .

—————————————————–

الهوامش

 – وبالطبع هما اللذان كلفهما لودفيغ فيتجنشتاين بكفالة قانونية قبل موته بالإشراف على نشر تراثه . أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ لودفيغ[1]

فيتجنشتاين والفلاسفة الفيتجنشتانيون بعده (كتاب مخطوط) ستنشر منه أطراف في أعداد قادمة من مجلة أوراق فلسفية جديدة وعلى موقع الفيلسوف ، مجلة فلسفية إلكترونية . كما إن النية متوافرة على نشره ورقياً .

 – أنظر للتفاصيل : دوكلس لكي ؛ ماهي الكلاسيكيات الحديثة ؟ إستفتاء باروخ حول الفلسفة العظيمة في القرن العشرين (بالإنكليزية) / منشور  [2]

في مجلة الفورم الفلسفي ، المجلد 30 ، العدد 4 ، ديسمبر 1999 ، ص ص 329 – 346 . وهذا الإستفتاء شمل على عينة تكونت من 400 أستاذ متخصص في الفلسفة والذين كان يعملون في الجامعات الأمريكية وكليات الفلسفة ، وإحتل فيتجنشتاين المرتبة الأولى .

 – أنظر : براين ماككينس ؛ فيتجنشتاين : الحياة : لودفيغ الشاب (1889 – 1921) (مصدر سابق) ، ص 118 . وأنظر كذلك : الدكتور محمد  [3]

جلوب الفرحان ؛ في صحبة الفلاسفة : لودفيغ جوزيف فيتجنشتاين ، الفيلسوف (مجلة فلسفية إلكترونية) ، 14 كانون الثاني ، سنة 2016 .

 – أنظر : جون جوزيف أوكونر وإدموند روبرتسن ؛ لودفيغ جوزيف يوهان فيتجنشتاين ، إكتوبر سنة 2003 (أون لاين) . [4]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ لودفيغ فيتجنشتاين والفلاسفة الفيتجنشتانيون بعده (مصدر سابق) . [5]

 – أنظر مناقشات أعضاء حلقة فينا وخصوصاً رودلف كرناب إنموذجاً . [6]

 – أنظر : باروخ إسبينوزا ؛ تركتاتوس ثيولوجيكو – بولتيكيوس ، إشراف وتقديم أر . أش . أم . ألويس ، ترجمها إلى الإنكليزية [7]

أي . أش . كوست ، دار نشر ج . بيل وولده ، لندن سنة 1883 .

 – أنظر : وليم ويرين بارتلي ؛ فيتجنشتاين ، دار نشر الكورت المفتوح ، سنة 1994 ، ص ص 33 وما بعد . [8]

 – أنظر : كارين ليدر وروبرت فايلن (الإشراف) ؛ صحبة كيمبريدج إلى راينر ريلكه ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2010[9]

ولد الشاعر والروائي البوهيمي – النمساوي راينر ماريا ريلكه في عاصمة بوهيميا براغ . ومن ثم صرف حياته المبكرة فيها وبالتحديد خلال الفترة من 1875 وحتى 1896 (واليوم هي جزء من جمهورية الجيك). وكان يحب السفر والترحال فصرف الفترة من 1902 وحتى 1910 في باريس . وعاش للفترة من 1919 وحتى 1926 في سويسرا . أهم مؤلفاته ؛ كتاب الساعات (1905 وهو مجموعة قصائد) ، كتب الملاحظات (1910) ، سوناتات (قصائد) إلى أورفيوس (1922) وتألفت من 55 قصيدة والسونتية تتألف من 14 بيتاً من الشعر . ومن رواياته الناجون الأربعة عشر (1918) ، مسحة على الوجه (1912) وطبعت الكثير من الأعمال والروايات بعد موته . أنظر للتفاصيل : صحبة كيمبريدج إلى راينر ريلكه (مصدر سابق) .

 – هو الكاتب والشاعر النمساوي جورج تراكل والذي يُعد واحد من أهم التعبيريين النمساويين . والمشهور بقصيدته الأخيرة قبل موته والتي حملت [10]

عنوان جروديك والتي تدور حول مأسي الحرب العالمية الأولى . وكتبها بعد هزيمة النمسا في الحرب العالمية الأولى . وكان الشاعر تراكل صيدلاني ويوم كتبها كان يعمل في مستشفى الأمراض النفسية . وكان يتألم عند سماعه بكاء وصراخ الجرحى من ألامهم . ولعدم تحمله كل ذلك تناول جرعة من الكوكايين (قصداً أو صدفة) . ومات وعمره سبعة وعشرين ربيعاً فقط . إنها مأساة من مأسي الحروب . أنظر للتفاصيل : فرانسيس مايكل شارب ؛ قراءة في شعر جورج تراكل ، مطبعة جامعة كورنيل ، سنة 1981 .  

 – أنظر : وليم ويرين بارتلي ؛ المصدر السابق ، ص ص 33 – 39 . [11]

 – وهو عالم الكيماء الفيزيائية ويلهلم أوسترالد ، والحائز على جائزة نوبل للكيمياء في عام 1909 . وإضافة إلى ذلك هو واحد من المؤسسين [12]

لحقل الكيمياء الفيزيائية . وحاصل على درجة الدكتوراه سنة 1878 وتحت إشراف عالم الكيمياء كارل شميت (1822 – 1894) . وفي عام 1887 تحول إلى لايبزك وعمل هناك بقية عمره . وبالمناسبة كان أوسترالد ملحداً وطلب دفنه في بيته ومن ثم نُقل رُفاته فيما بعد إلى المقبرة . أنظر : أف . إي . إنتون ؛ ويلهلم أوسترالد ، مجلة التربية الكيميائية ، العدد 25 ، سنة 1948 ، ص ص 1 – 2 .  

 – للتفاصيل عن المدخل ، أنظر : برتراند رسل ؛ المدخل إلى رسالة منطقية فلسفية ، مايس سنة 1922 (أون لاين) . [13]

 – أنظر : ديفيد إيدمونز وجون أيدانا ؛ بوكر فيتجنشتاين (مصدرسابق) ، ص 35 الهامش . [14]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ الفيلسوف وعالم المنطق الرياضي الإنكليزي فرانك رامزي ، مجلة الفيلسوف (مجلة فلسفية إلكترونية) [15]

، 14 شباط سنة 2016 .  

 – أنظر للتفاصيل عن الفيلسوف وعالم اللنكوستيكا تشارلز آوغدن : ميموار عام ، دار كتب إليك ، لندن سنة 1977 (تألف من 224 صفحة) . [16]

  – أنظر : إسبينوزا ؛ رسالة لاهوتية سياسية ، نشر وتقديم أر . أم . أليوس ، ترجمة أي . أش . غوست ، دار نشر ج . بيل وأولاده ، لندن  [17]

سنة 1883 .

 – أنظر : لودفيغ فيتجنشتاين ؛ تركتاتوس والتعليم ، أرشيف فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج ، 4 سبتمبر 2010 . [18]

 – ديفيد بيرز هو الفيلسوف البريطاني الذي إشتهر بعمله الذي حمل عنوان لودفيغ فيتجنشتاين (1970) ، مطبعة الفايكنك . وكتابه الذي جاء [19]

بعنوان السجن الكاذب : دراسة في تطور فلسفة فيتجنشتاين (مجلدان) 1987 / 1988 مطبعة جامعة أكسفورد .

 – أنظر : روجر وايت ؛ كتاب فيتجنشتاين رسالة منطقية فلسفية (تراكتتس ..) ، جماعة كوانتم للنشر العالمية ، سنة 2006 ، ص 145 . [20]

 – جون نيلسون ؛ هل ترجمة ماكغوننيس وبيرز لتركتاتوس فيتجنشتاين كانت حقيقة الأعلى من ترجمة رامزي وأوغدن ؟ ، مجلة أبحاث فلسفية ، [21]

المجلد رقم 22 ، العدد الثاني  ، أبريل سنة 1999 ، ص ص 165 – 175 .

 – أنظر : أي . س . غريلينك ؛ فيتجنشتاين : مدخل قصير جدا ، مطبعة جامعة أكسفورد ، ص 16 الهامش (الكتاب تألف من 160 صفحة) . [22]

 – لودفيغ فيتجنشتاين ؛ رسالة منطقية – فلسفية ، ترجمة فرانك رامزي وتشارلز أوغدن (مصدر سابق) ، المقدمة . [23]

 – للمزيد حول تعليق تشارلز غي أوغدن ، أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص 207 . [24]

 – إعتمدنا في ترجمة هذه القضايا السبعة على ترجمة تشارلز أوغدن وفرانك رامزي . [25]

 – حلقة فينا أو حلقة فينا للتجريبية المنطقية وهي تتألف من مجموعة من الفلاسفة والعلماء ، والذين جاءوا من حقول العلوم الطبيعية  [26]

والإجتماعية ، علم المنطق ، والرياضيات . وكانوا يلتقون في إجتماعات منتظمة وخلال الفترة من 1924 وحتى 1936 وفي رحاب جامعة فينا . وكان يرأسها الفيلسوف وعالم الفيزياء الألماني مورتيز شيليك (1882 – 1936) وهو المؤسس والأب الروحي للوضعية المنطقية وحلقة فينا . وكان يزورها كل من فرانك رامزي ولودفيغ فيتجنشتاين وكارل بوبر . وكانت تُدعى لفترة بحلقة شيليك .. أنظر للتفاصيل : فردريك ستدلير ؛ حلقة فينا ، دراسات في إصولها ، تطورها ، وتأثير التجريبية المنطقية ، ترجمة س . نيلسون ، ج. غلوب وأس . شميت ، دار نشر سبرنغر ، نيويورك ، سنة 2001 (تألف من 984 صفحة) .  

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) ، ص ص 212 ، 214 – 216 ، 220 – 221 . [27]

 – أنظر المصدر السابق . [28]

  – ومن أهم مؤلفات إسوالد هانفلك : كتابه الأول والذي كان بعنوان الوضعية المنطقية (دار نشر بلاكويل ، سنة 1981) وكتابه عن فيتجينشتاين  [29]

الذي حمل عنوان فلسفة فيتجنشتاين في المرحلة الأخيرة ( دار نشر ماكميلان ، سنة 1989) . وللتفاصيل عن إسوالد هانفليك أنظر : هانز جوهانا غلوك ؛ وفاة الفيلسوف الألماني إسوالد هانفلك ، صحيفة الغارديان ، 29 شباط سنة 2005 .

 – أنظر : إسوالد هانفليك ؛ قراءات أساسية في الوضعية المنطقية ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد ، سنة 1981 ، ص 3 . [30]

 – والحقيقة إنه بعد زيارة فيتجنشتاين إلى حلقتهم في فينا ، إنتهى ساخطاً على فلسفتهم وخصوصاً في تمييزهم بين القضايا التجريبية والتي يمكن [31]

التحقق منها تجريبياً وبين القضايا التي لا تكون تجريبية والتي تشمل قضايا الميتافيزيقا واللاهوت ، والتي تكون بمنظارهم قضايا لا معنى لها . ولذلك غضب فيتجنشتاين على فلسفتهم الوضعية المنطقية . ولهذا جاء رد فعله بتغيير وضع كرسيه وأدار ظهره إليهم وأخذ يقرأ الشعر بصوت عالي خلال إجتماعاتهم . ومرة ثانية أساءوا فهمه ومن ثم شرح لهم ، وذهب مبيناً بان القناعات الأخلاقية والقيم والأفكار الميتافيزيقية التي صنفوها ” قضايا لا معنى له ” و ” لا قيمة لها ” . في الحقيقة هي من ” القضايا والإعتبارات الأكثر أهمية في الحياة ” . أنظر للتفاصيل : حدود العلم – حدود العلماء ، 7 سبتمبر سنة 2012 (أون لاين) .

 – أنظر : ياكو هانتيكو (عالم منطق فينلندي) ؛ حول فيتجنشتاين دار نشر ودزورث ، سنة 2000 ، ص 55 . وفيه تضمين لأتهامات فيتجنشتاين [32]

ورد مطبوع من قبل كرناب .

 – أنظر : ألفريد كروزبسكي ؛ العلم والصحة العقلية : مدخل إلى الأنظمة اللا أرسطية والسيمانطيقا العامة ، مع مقدمة بقلم روبرت بولا ، نشرة[33]

معهد السيمانطيقا العامة ، ط 5 ، سنة 1995 (تألف من 806 صفحات) .

 – للتفاصيل عن الفيلسوف رودلف كرناب أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ رودلف كرناب : فيلسوف العلم وعالم المنطق المعاصر ، مجلة [34]

أوراق فلسفية جديدة ، المجلد الثالث ، العدد السادس ، ربيع سنة 2012 .

 – رودلف كرناب ؛ السيرة الذاتية ، منشور عند : بول آرثر شليب (الاشراف) ؛ فلسفة رودلف كرناب ، مكتبة الفلاسفة الأحياء ، شركة نشر [35]

الكورت المفتوح ، سنة 1963 ، المجلد 11 ، ص ص 25 – 27 .

 – أنظر : تركتاتوس فيتجنشتاين ، فيلم من إخراج بيتر فوركج (على فيميو) سنة 1992 . [36]

———————————————————————–

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

لودفيغ فيتجنشتاين والأثار المبكرة للفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر

 

الفلسفة : حُب الحكمة              الفيلسوف : مُحب الحكمة

الفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

————————————————————-

مجلة فلسفية إلكترونية

———————————————————————-

لودفيغ فيتجنشتاين

والأثار المبكرة للفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاٌ / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

——————————————————————————– 

تقديم :

   بينما كان الفتى لودفيغ فيتجنشتاين طالباً في مدرسة ريلشول وقع تحت تأثير الفيلسوف الشاب النمساوي أوتو واينينغر (1880 – 1903) وخصوصاً كتابه الذي حمل عنوان الجنس والشخصية والذي صدر من المطبعة عام 1903 [1]. وبعد فترة قليلة من نشر كتابه ، إنتحر الفيلسوف الشاب واينينغر عن طريق إطلاق النار على نفسه [2]. ولعل السؤال ؛ من هو هذا الفيلسوف الشاب أوتو واينينغر ؟ وما أهمية كتابه ؟ وما هي الأثار التي تركها على الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ؟ وخصوصاً إن فيتجنشتاين قرأ هذا الكتاب وهو إبن أربعة عشر ربيعاً وظل يتذكره في فترات مختلفة من حياته . وهذا دليل على عمق الأثار التي تركها الفيلسوف واينيغر وكتابه على فيتجنشتاين . والواقع إن كتاب الجنس والشخصية مس أطرافاً بالغة الأهمية من حياة لودفيغ فيتجنشتاين وهذا الأمر ستبينه الصفحات اللاحقة . صحيح إن الأثار التي تركها الفيلسوف أوتو واينينغر لم تبدو للقارئ على إن لها أثر فلسفي مباشر . إلا إن لها في الحقيقة أثر فلسفي غير مباشر . وذلك لأنه مس الطرف الجنسي من حياة الفيلسوف فيتجنشتاين .

تأملات في حياة الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر

  ولد الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر في فينا عام 1880 ، وكان إبن صائغ يهودي ويُدعى ليوبولد واينينغر . أما أم الفيلسوف أوتو واينينغر فكانت تُدعى أدلهايد . وبعد إلتحاق الفتى أوتو واينينغر بالمدرسة الإبتدائية ، ومن ثم الثانوية تخرج في تموز عام 1898 . وتلا ذلك إن سجل في جامعة فينا ، وبالتحديد في إكتوبر من السنة ذاتها (أي عام 1898) . ودرس في الجامعة الفلسفة وعلم النفس . إلا إنه إضافة إلى ذلك حضر بعض الفصول الدراسية في العلوم الطبيعية والطب . وتعلم واينينغر العديد من اللغات من مثل اليونانية ، اللاتينية ، الفرنسية والإنكليزية في وقت مبكر . ومن ثم تعلم في وقت لاحق الأسبانية والإيطالية . وكانت لديه معرفة بلغات أوربية أخرى .

  وفي خريف عام 1901 بدأ البحث عن ناشر لكتابه الذي حمل عنوان إيروس والنفس . وفي عام 1902 قدمه إطروحة للدكتوراه إلى كل من البروفسور فردريك جودي (1849 – 1914) والبروفسور لورنز مولينر (1848 – 1911) . ومن ثم قابل سيجموند فرويد (1856 – 1939) وعرض عليه كتاب ” إيروس والنفس ” . إلا إن الحاصل من هذه المقابلة إن فرويد خيب آماله حيث لم ينصحه بنشر النص (ويبدو لي إن السبب ، وهذا رأيي الشخصي ، إن فرويد يومذاك كان يشتغل على موضوع مشابه وهذا ما تدلل عليه عناوين موضوعات فرويد التي جاءت بعد ذلك والتي حملت عناوين قريبة من ذلك ..) . وفي هذه الأثناء قبل أساتذة واينيغر في جامعة فينا أطروحته للدكتوراه . وفعلاً فقد حصل على درجة الدكتوراه في تموز عام 1902 [3].

  وبعد ذلك تخلى الفيلسوف الشاب أوتو واينينغر عن العقيدي العبري (اليهودي) وإعتنق البروتستانتية وكان فخوراً ومتحمساً لعقيدته الجديدة (وإنه شعر بسلام ودرجات من الأمان) ولكن يبدو إنه لا آمان ولاملاذ مؤكد في هذا العالم الفاني والذي تعصف به المتغيرات من كل الأطراف . وفعلاً فقد كان سعيداً بعد تخرجه وسعيداً أكثر في تحوله إلى ضفاف البروتستانتية الدافئة (كما يُعبر عنها) ، فقام برحلة إستجمام وترويح تنقل فيها خلال بعض الأقطار الأوربية . وإكتملت أجواء سعادته بحضور بعض العروض الموسيقية للموسيقار ريتشارد فاغنر (1813 – 1883)[4] وخصوصاً أوبرا بارسيفال والتي تركت فيه أنطباعات عميقة .

   ومن ثم ذهب إلى درسدن ، وكوبنهاكن وأسولو . وشاهد لأول مرة عروض دراما التحرير للكاتب المسرحي النرويجي هنريك أبسن (1828 – 1906) [5]. إلا إنه في أثناء عودته إلى فينا ، أخذ يُعاني من أعراض كآبة شديدة . وبدأت تتكون في ذهنه أوهام كان حاصلها قراره بإنهاء حياته . وبعد مناقشة طويلة مع صديقه الحميم آرثر جربر (تتوافر لدينا شهادة موجودة أون لاين) [6] ، قرر القيام بمحاولته بنفسه على مساعدة واينينغر وحمله على التخلي عن فكرته في إنهاء حياته . وطلب أرثر منه بدلاً من الذهاب (إلى المستشفى النفسي مثلاً) الذهاب معه لتناول العشاء والحديث وقضاء فترة من الزمن بعيداً من التفكير في الموت . وفعلاً فقد ذهبا سوية هناك ولم يأكل واينينغر سوى (لقمة واحدة) . ورغم تقديرنا لكل ما قام به الصديق أرثر . إلا إن الصحيح الذا كان عليه أن يفعله ، هو أن يطلب الصديق أرثر مساعدة من متخصصين في علم النفس والإرشاد النفسي وأن يأخذ تهديد وأعراض صديقه واينينغر محمل الجد . وأن يترك واينيغر بيد المتخصصين وليس بيد الأقدار وإسلوب النصيحة والفرضيات .. وذلك لسبب بسيط وهو إن صديقه وايننينغر مريض جدا جدا وحالته خطيرة . ومثل هذا سيحدث  لعائلة لودفيغ فيتجنشاين ولعل حالات أخوته الثلاثة الذين ماتو إنتحاراُ شاهد على ذلك حيث توافر لهم المال الكثير والجاه العريض ولكن لم يتوافر لهم فرصة مختص نفسي يتفهم مشكلاتهم ويضع لهم خطة قصيرة الأمد وطويلة الأمد بحيث تنقذهم من الموت القادم .. وما ينطبق على أبناء آل فيتجنشتاين ينطبق على حالة الصديق الفيلسوف أوتو واينينغر .

   وفعلاً ففي حزيران عام 1903 وبعد أشهر من العمل المكثف ، فإن كتاب واينينغر الذي حمل عنوان الجنس والشخصية : بحث أساسي (وبالطبع هو محاولة جديدة في النظر إلى العلاقات الجنسية) ، طُبع في دار نشر في فينا (وهي دار نشر برومولير المحدودة) . والكتاب ضم إطروحة الدكتوراه إضافة إلى ثلاثة فصول حيوية جديدة ، وهي الفصول الآتية : الثاني عشر والذي حمل عنوان طبيعة المرأة وعلاقتها بالكون . والفصل الثالث عشر والذي جاء بعنوان اليهودية . والفصل الرابع عشر والذي كان بعنوان النساء والإنسانية .

   صحيح إن الكتاب لم يطاله النقد السلبي ولهذا السبب لم يخلق هالة كبيرة متوقعة حوله . إلا إن المؤلف واينينغر تعرض إلى هجوم شديد وقاس قام به البروفسور المشهور بول يوليوس موبيوس (1856 – 1907) [7]، وهو بروفسور في جامعة لايبزك والمؤلف لكتاب بعنوان حول النقص الفسيولوجي عند المرأة ، والذي فيه أتهم واينينغر بالغش والإستحواذ . فكان الحاصل من ذلك خيبة أمل كبيرة وعوارض كآبة شديدة . فترك فينا وتوجه نحو إيطاليا . وعاد بعدها إلى فينا وقرر صرف أيامه الخمسة الأخيرة مع والديه .

    ومن ثم في 3 إكتوبر أجر غرفة في بيت شوارزسبانيرتزغ 15 وهو المكان الذي مات فيه الموسيقار لودفيغ فون بيتهوفن (1770 – 1827) . وأخبر واينينغر صاحبة البيت ، بأنه لا يحب أن يزعجه أحد في الصباح . وإن لديه هذا الليل خطة للعمل وبعد أكماله سيلوذ إلى فراش النوم متأخراً . وكتب في هذه الليلة رسالتين ؛ واحدة وجهها إلى أبيه . أما الأخرى فكانت لأخيه ريتشارد . وفي الرسالتين أخبرهما بأنه سيقوم بإطلاق النار على نفسه .

  وفي 4 إكتوبر وُجد واينينغر قد أطلق النار على قلبه . ومات في المستشفى العام في فينا وكانت الساعة العاشرة والنصف صباحاً . ودُفن في مقبرة البروتستانت في فينا . وكتب والده كلمات الرثاء بموته . وهذه ترجمة لها : هذه الصخرة تحدد مكان البقاء لهذا الشاب ، التي لم تجد روحه راحة على هذه الأرض . وعندما إطلع على وحي روحه ، وإنه سوف لن يكون من الأحياء على الإطلاق . فإن رحلته إنتهت إلى مكان الموت في مستشفى فينا الكبير . وهناك إنطفأ وجوده المادي .

  وهكذا كان عام 1903 عام النجاح والإزدهار وكان في الوقت ذاته عام المأساة والإنطفاء . ففي هذا العام نشر الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر كتابه الأول والذي ضم إطروحته للدكتوراه وثلاثة فصول جديدة . وهذا الكتاب كان بعنوان الجنس والشخصية : بحث أساسي . كما إنه في هذا العام إتهمه البروفسور بول يوليوس موبيوس بالغش والإستحواذ ، فكان حاصلها إنتحار الفيلسوف واينينغر وهو بعمر الثالثة والعشرين . واليوم يُنظر إلى الفيلسوف واينينغر على إنه فيلسوف ميسوجني (معادي للمرأة) ومعادي للسامية [8](وهو السامي القح قبل أن يتحول إلى البروتستانتية) . إلا إن هذا لا معنى له أمام حالة واينينغر الذي كان عبقرياً عظيماً بمنظار كل من الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين والكاتب السويدي أوغست سترندبيرك (1849 – 1912)[9] .

وقفة تأمل عند عتبات رائعة واينينغر (الجنس والشخصية)

    والمهم هو أن نقف عند عتبات رائعة أوتو واينينغر (الجنس والشخصية : بحث أساسي) ؛ ونتأمل في بعض أطرافها ؟ وكيف إستقبلها الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين وإحتفل بها ؟ في الواقع لاحظنا إن الفيلسوف النمساوي أوتو واينيغر قد جادل في رائعته الجنس والشخصية ، وذهب إلى إن كل الناس ” ما هم إلا مكونات ممزوجة من خصائص (جواهر) ذكورية وإنثوية ” . ومن ثم دعم مُثابرته بوجهة نظر علمية . فرأى إن المظهر الذكوري يتمثل بالنشاط ، الإنتاج ، والوعي الأخلاقي والمنطقي . بينما يحسبُ إن المظهر الإنثوي يتمظهر في السلبي ، العطالة (بمعنى غير منتج ” هكذا قال واينينغر”) [10]، ويفتقد إلى الشعور الأخلاقي والمنطقي [11].  

  ويستمر واينينغر في جدله ويذهب إلى إن ” التحرير الممكن الوحيد يكون من خلال المرأة المسترجلة . ومن ثم عدد أمثلة وشواهد ، وذكر ” من مثل بعض النساء المثليات (الليزبين) . ولإن مثل هذه الحياة الإنثوية تكون حياة مستهلكة بالعمل الجنسي ” . وتحدث عن حالتين تحكمان الحياة الإنثوية المستهلكة ، الأولى مستهلكة من جهة الفعل ، وهي من مثل ” العهر والمومسات ” . أو من جهة الإنتاج ” كما هي الحال عندما تكون المرأة أماً للولادة والإنجاب[12].

  ويتحول واينينغر نحو طرف أخر من عمل المرأة ويقارنه بعمل الرجل . وهذه المرة إختار مثالاً ذات طبيعة خاصة . فالعمل الذي تعمل فيه المرأة ، هو ” وسيطة في الزواج ” . ويرى واينينغر إن مثل هذا العمل الذي تقوم به المرأة ، هو إنها تكون مقام الرجل أو إن عملها هو عمل ذكوري . حيث فيه الكثير من أفعال الذكاء ، والتخلي عن الجنس لصالح الحب المجرد أو المطلق ، والذي يتماثل في حب الله الذي يجده في ذاته [13].

   ولعل الجزء الأكثر أهمية من كتاب الفيلسوف أوتو واينينغر الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية ، هو الجزء الذي بحث فيه في طبيعة العبقرية . وبالطبع فيه الكثير (برأي الدكتور محمد الفرحان) من النقد الشديد القاسي للشخصية اليهودية بقلم يهودي وسامي (ونقصد الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر) . ونحسب إن هذا النقد هو الذي حمل بعض النقاد إلى إتهام أوتو واينينغر (وهو اليهودي السامي) بمعاداة السامية (وهي تشبه في الإسلام حجة معاوية بقميص عثمان) . وعلى كل فإننا نحسبها قضية سياسية في طرفيها الديني والأيديولوجي (ونذكر القارئ الكريم إلى إن أوتو واينينغر هو اليهودي والسامي قبل عام 1902 . وهي حقيقة بديهية . ولكن عندما تخلى واينينغر عن اليهودية وإعتنق البروتستانتية ، تبدل مركز الكون وأصبح  مايقوله واينينغر بجرة قلم ضد السامية) إنها محنة التفكير الحر في بيئات التفكير العقائدي المنغلق على الذات والتي تُقاتل بصلابة ودموية  من أجل التعجيل في تحويل تفكيرها وحجره في خانة من خانات الماضي وذمة التاريخ .

  والحقيقة إن الفيلسوف النمساوي واينينغر يُجادل ويذهب إلى إنه لا يوجد شخص ما ” يمتلك عبقرية في الرياضيات أو عبقرية في الموسيقى . وإنما توجد عبقرية كلية في كل من يوجد . وإن هذه العبقرية من المحتمل أن تكون حاضرة في كل البشر وفي بعض من الدرجات ” [14]. والمشكلة التي أثارها واينينغر وأزعجت العشيرة والإخوان بسبب إنه خصص فصل من رائعته الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية ، لتحليل الشخصية اليهودية . وفي الأمس (أي ما قبل عام 1902) لم يكن مشكلاً أو هدفاً ” فهو اليهودي القح والسامي القح ” . إلا إنه مابعد عام 1902 تحول عقيدياً إلى ضفاف المسيحية البروتستانتية . فإنقلبت موازين ونواميس الكون ومن ثم دارت الدنيا . وهكذا كان قدر العبقري واينينغر إن يعيش هذه المحنة وأن يدفع ثمنها غالياً ، وهو الفداء والموت إختياراً (الإنتحار) .

     إن جوهر المشكلة هو إن واينينغر قام في طرف من رائعته بتحليل ” الشخصية اليهودية التوراتية ” ورأى إنها شخصية إنثوية . وعلى هذا الأساس إعتقد ” إن اليهودي هو شخصية لادينية بصورة عميقة ، ولا يمتلك شخصية (نفس) فردية [15]حقيقية ، وفارغة من معاني الخير والشر . وبالمقابل فإن المسيحية تُوصف (هكذا قال أوتو واينينغر) ” إنها تعبير عال للعقيدي العالي ” . في حين ” إن اليهودية (هكذا قال واينينغر وعلى ذمته) كما شائع عنها هي نوع من الجبن المتطرف ” . وبالطبع واينينغر يستهجن تعفن العصور الحديثة . ويعزو الكثير من ذلك إلى التأثير الذي تركته النزعة الإنثوية (الفيمنن) والتي هي عنده مرادفة (على ذمة واينينغر) لشخصية اليهودي . والحقيقة إنه في حساب واينينغر ” إن كل واحد من البشر يُظهر بعض الخصائص الإنثوية ، والتي يُسميها خصائص يهودية [16].

  كما إن إنتحار واينينغر في واحد من بيوتات فينا ، وبالطبع هو البيت الذي مات فيه الموسيقار بيتهوفن والذي كان واحداً من عباقرة عصره ، صنع من إنتحاره قضية مشهورة ، كما وكان الحاصل منها حالات عديدة من الإنتحارات اللاحقة ، وكل هذه الظروف كانت السبب الذي خلق مناخاً ثقافياً أصبح أكثر إهتماماً بكتاب أوتو واينينغر الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية . ولذلك جاء إهتمام الكاتب السويدي أوغست سترندبيرك والذي كتب العديد من المراجعات المثيرة ، والتي جاءت تقترح حلول ممكنة لأصعب المشاكل الإجتماعية ، وهي مشكلة المرأة [17].

تعقيب ختامي :

    لاحظ عدد من الأكاديميين الغربيين والمهتمين بتفكير الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين إلى إن الفيلسوف النمساوي الشاب أوتو واينينغر قد ترك أثاراً قوية على تفكير فيتجنشتاين وفي وقت مبكر . ولذلك لم تتمكن الأيام من محوها بل ظل يتذكرها على الدوام ، والأكثر من ذلك إنه بعث برسائل إلى بعض من زملائه الفلاسفة البريطانيين يُشاركهم بالإعتراف بسلطتها المعرفية عليه . وتعود ذكرى قراءة فيتجنشتاين الأولى لكتاب أوتو واينينغر والمعنون الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية إلى مرحلة الصبا والتي حينها كان طالباً في المدرسة الأكاديمية في ريلشول لينز وكان عمره أربعة عشرة ربيعاً . وفعلاً فإن هذا الكتاب ترك إنطباعات عميقة على شخصية الفيلسوف فيتجنشتاين . وبعد ذلك سجله كواحد من الكتب التي تركت تأثيراً عليه ، ومن ثم نصح العديد من أصدقائه على قراءته [18] .

  والواقع إن فيتجنشتاين حمل إعجاباً كبيراً لكثير من الأفكار التي أدلى بها الفيلسوف أوتو واينينغر رغم إنه لا يتفق معه في عدد من أفكاره الأساسية وموقفه منها . ولهذا لاحظنا إن فيتجنشتاين كتب إلى زميله الفيلسوف البريطاني جورج أدورد مور (1873 – 1958) وأستاذه كذلك فقد كان جورج مور والفيلسوف برتراند رسل (1872 – 1970) من أعضاء مناقشة إطروحته للدكتوراه والتي كانت بعنوانها اللاتيني تركتاتوس لوجيكيو – فيلوسوفكيوس (وبالعربية : رسالة منطقية – فلسفية) . فقال فيتجنشتاين في وصف أفكار الفيلسوف أوتو واينينغر ؛ ” إنه ليس من الضروري ، أو من الممكن الموافقة معه . ولكن العظمة تكمن في إننا نختلف معه وإن من أعظم أخطائه إنها كانت عظيمة ” [19].

    ونحسبُ في ختام حديثنا عن أثر الفيلسوف النمساوي الشاب أوتو واينينغر على الفيلسوف لودفيغ فيتجنشتاين ، أن نشير إلى إن واينينغر جادل وذهب إلى إن المفاهيم من مثل الذكر والإنثى هي توجد مجرد مُثل إفلاطونية . وإن اليهود يميلون إلى تجسيد الإنثوية الإفلاطونية . ولما كان الرجال حسب رأي واينينغر هم أساساً عقلانيون . وإن النساء بالمقابل يعملن فقط على مستوى عواطفهن وأعضائهن الجنسية . فاليهود حسب جدل واينينغر متشابهون ، وهم مشبعون بالإنوثة . ولايتوافر لديهم الإحساس بما هو صحيح وخطأ كما وليس لديهم نفس . وإن على الرجل أن يختار بين طرفه الذكوري وطرفه الإنثوي ، بين وعيه وبين لاوعيه ، بين الحب الإفلاطوني والطرف الجنسي . والحب والرغبة الجنسية في حالة تناقض . وإن الحب بين المرأة والرجل محكوم عليه بالبؤس أو الفجور . وإن الحياة الوحيدة التي تستحق العيش هي الحياة الروحية . وإذا رغبت أن تعيش إمرأة أو يهودي ، فإن ذلك يعني إنه ليس لك الحق أن تعيش على الإطلاق . والخيار أن تكون عبقرياً أو الموت . والفيلسوف الشاب أوتو واينينغر إختار الموت وفعلاً نجح في تنفيذ الإنتحار وذلك بإطلاق النار على قلبه في عام 1903 وبعد فترة قصيرة من طبع كتابه الأول الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية [20](الذي ضم إطروحته للدكتوراه وثلاثة فصول جديدة) .

   وبعد العديد من السنوات قام البروفسور لودفيغ فيتجنشتاين في جامعة كيمبريدج بتوزيع نسخ عديدة من كتاب واينينغر على مجموعة من زملائه الأكاديميين والذين كانوا في حيرة ويفكرون على الدوام بأفكار واينينغر ، وقال لهم فيتجنشتاين ” إن حجج واينينغر كانت خاطئة . لكن ذلك هو الطريق الذي كانت فيه خاطئة . إلا إنه حقاً كان طريقاً مثيراً للإعجاب [21]

————————————————————————–

الهوامش

هذا المقال طرف من بحث واسع تفصيلي بعنوان لودفيغ فيتجنشتاين والفلاسفة الفيتجنشتانيون بعده -*

 – أنظر : أوتو واينينغر ؛ الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية ، ترجمة لادسلويس لوب ، مطبعة جامعة إنديانا ، سنة[1]

2005 (تألف من 437 صفحة) . والكتاب طُبع بلغته الألمانية لستة طبعات متوالية .

 – أنظر : راي مونك ؛ المصدر السابق ، خلاصة للصفحات 19 – 26 . [2]

 – أنظر : زنبوتا شانديك ؛ أوتا واينينغر : الجنس ، العلم والذات في إمبراطورية فينا ، مطبعة جامعة شيكاغو ، سنة 2000 ، ص [3]

163 .

 – ريتشارد فاغنر هو شخصية متعددة المواهب ، فهو مؤلف ألماني وموسيقي ومخرج مسرحي وقائد موسيقي للعديد من الأوبريتات . وينظر له [4]

على إنه كاتب ثوري في عالم الأوبرا . وهو رائد في مضمار العمل الشامل في الفن . وكتب العديد من المقالات خلال الفترة ما بين عام 1849 وحتى عام 1952 . ويُوصف بعض الأحيان بأنه أشر بداية جديدة في الموسيقى الحديثة . وفي سنواته الأخيرة عاش في المنفى وفي حالة فقر مدقع ولم يتمكن من تسديد ديونه . إضافة إلى إنه واجه تهم في معاداته للسامية . وكان الفيلسوف نيتشه من أصدقائه المقربين وخصوصاً خلال السبعينيات من القرن التاسع عشر . ونيتشه يصف فاغنر بانه ولادة للعصر الديونسي الجديد في الثقافة الأوربية . إلا إن نيتشه كان غير مقتنع بما يعمله فاغنر في مرحلته الأخيرة . للتفاصيل أنظر : 1 – نيتشه : ولادة التراجيديا وحالة فاغنر ، دار نشر راندم ، سنة 1967 . 2 – ديفيد كونوي ؛ اليهود في الموسيقى : مدخل إلى المهنة من عصر التنوير وحتى ريتشارد فاغنر ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 2012 .

 – هنريك أبسن هو أكبر كاتب مسرح نرويجي في القرن التاسع عشر . وهو إضافة إلى ذلك مخرج مسرحي وشاعر . وغالباً ما يُطلق عليه لقب [5]

أب المسرح الواقعي ” وهو واحد من مؤسسي الحداثة في المسرح . وكذلك هو من أشهر كتاب الدراما في العالم بعد شكسبير . وتُعد مسرحيته بيت الدمية ، من أشهر المسرحيات التي إنجازها في القرن العشرين . ولذلك إحتل أبسن مكانة مرموقة بين كتاب المسرح الأوربيين . ومسرحه وفقاً لعدد من النقاد إحتوى على عناصر سريالية قوية . ويصف ريتشارد هورنبي أبسن ، فيقول ” إنه كان شاعر دراما وصاحب رؤية عميقة . وإنه الأحسن منذ عصر شكسبير ” . وترك أبسن أثاراً على عدد من الكتاب من مثل برنارد شو ، أوسكار وايلد ، أرثر ميلر ، جيمس جويس . وتم ترشيح أبسن إلى جاشزة نوبل للأداب خلال السنوات 1902 ، 1903 ، 1904 . للتفاصيل أنظر : توريل موي ؛ هنريك أبسن وولادة الحداثة : الفن ، المسرح والفلسفة  ، مطبعة جامعة أكسفورد ، سنة 2006 .  

 – أنظر : أرثر جربر ؛ شهادة إلى واينينغر (أون لاين) . يقول أرثر ” إن واينينغر إعترف لي بأنه كان عازماً على قتل نفسه . إلا إنه رفض أن [6]

يُقدم لي أي سبب ” . وجاءت خاتمة الشهادة . يقول أرثر ” ما عانيناه خلال هذه الليلة ، إنني أستطيع أن أتذكره برعب . وإنه شئ غير قادر على وصفه ” . أرثر جربر : شهادة إلى واينينغر (مصدر سابق) .

 – بول يوليوس موبيوس هو عالم الأعصاب الألماني ، والذي ولد في لايبزك . وقبل أن يدرس الطب ، درس الفلسفة واللاهوت وفي كل من  [7]

جامعة لايبزك ، جامعة ينا وجامعة ماربورك . وبعد إن حصل على الدكتوراه في الطب عام 1876 أ أصبح رئيس الأطباء الجراحين في الجيش . وعاد إلى جامعة لايبزك بعد تركه الجيش . وبدأ مشروعه في مضمار فيزيولوجيا الأعصاب . وأهم كتاباته التي نحتفل بها ، كتابه الذي حمل عنوان دراسات سايكوباثولوجية ، والذي درس فيه عينات والتي ضمت كل من الشاعر الألماني غوتة والفلاسفة كل من روسو وشوبنهور ونيتشه . ومن مساهماته الأخرى دراسته النفسية وأبحاثه في الأمراض العقلية وخصوصاً الهستريا . وفرويد يذكره ويقول عنه ” إن موبيوس هو واحد من أباء العلاج النفسي ” . وموبيوس بنظر رواد الحركة الفيمنستية ، هو ضد الحركة الفيمنستية وخصوصاً برأي الفيمنست الألمانية مريانا هيدويغ دوم (1831 – 1919) . وجاء الرد على موبيوس ما كتبته أودا أولبيرك في عام 1903 وبعنوان النساء والعقلانية . وكذلك ردت الفيمنست جوانا إلبرسيكرجن (1864 – 1943) حيث قالت في 1902 ” عندما يعبر الأكاديميون الرجال عن أرائهم التي تتعلق بالنساء ، فإنهم يكونون أكثر رجولة ، ويتخلون عن إستدلالاتهم العلمية الإنسانية ” . كما إن موبيوس حاول في كتاب أخر دعم إطروحاته ، وكشف عن سوء فهم لتشريح المخ وفيزيولوجيا المخ . ولعل كتابه الذي جاء بعنوان حول فيزيولوجيا البلاهة عند النساء (وهو عنوان عدائي) والذي طُبع ثمانية طبعات . وفيه نشر رسائل بعثها إليه القراء من النساء والرجال والذين أعربوا عن معارضتهم للكتاب . وهذه الرسائل أكثر من نصف الكتاب . وبالمناسبة إن مسرحية جاءت بعنوان واينينغرز وكتبها المؤلف المسرحي جوشوا سوبول (1939 – ) والذي أظهر موبيوس واحد من أتباع الفيلسوف النمساوي أوتو واينينغر . أنظر : 1 – أش . ستينبيرك ؛ بول يوليوس موبيوس ؛ حول عيد ميلاده المئة والخمسين ، مجلة طب الأمراض العصبية (بالألمانية) ، المجلد 75 ، العدد الأول ، كانون الثاني سنة 2004 ، ص ص 97 – 100 .

 – أنظر : نانسي هراوتز وهيام بربارا (المشرفان) ؛ اليهود والجندر : إستجابة إلى أوتو واينينغر ، مطبعة جامعة تامبل ، فيلادليفيا ، سنة 1885 . [8]

ففي الصفحات 223 – 224 ينظر إلى أوتو واينينغر ماسوجني ووإن تفكيره يندرج في إطار الأيديولوجيات المعادية للسامية . وفي الصفحة 91 يُعيد تقويمه أي في إعتباره واينينغر ماسوجني وكونه كاره للذات اليهودية .

 – أوغست سترندبيرك هو ” أب الأدب السويدي الحديث ” . وهو في الأصل كاتب مسرحي ، روائي وشاعر . إضافة إلى إنه كاتب مقالات [9]

ورسام . وإشتهر بخبرته الشخصية وعمله المهني الذي إمتد لفترة طوت أربعة عقود . وخلال حياته كتب أكثر من ستين مسرحية ، وأكثر من ثلاثين عملاً روائياً ، كما وكتب السير والأعمال التاريخية والتحليل الثقافي والسياسي . . ومشهور عنه بأنه إختبر مجالات واسعة من التقنيات والأغراض الدرامية والتي شملت التراجيديا الطبيعية والمسرحيات التاريخية والتقنيات الدرامية السريالية . وعلى هذا الأساس يُعد ” أب الأدب السويدي الحديث ” . وإن عمله الذي حمل عنوان الغرفة الحمراء (1879) هو ” أول رواية سويدية حديثة ” . ومع الأسف مات مبكراً وبالتحديد في 14 مايس سنة 1912 وعمره ثلاثة وستين فقط . ومات بعد تمثيل عمله المسرحي الأول في الولايات المتحدة الأمريكية والذي حمل عنوان الأب ، والذي تم إخراجه في 9 نيسان عام 1912 (وعلى مسرح براكلي – نيويورك) . وقام بترجمته إلى الإنكليزية كل من أديث أولند وورنر أولند سنة 1912 . للتفاصيل أنظر :

1 – بريتا مورتسن وبراين دارنز ؛ ستريندبيرك : مدخل إلى حياته وعمله ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، سنة 1965 . 2 – أفريت سبرنكشورن ؛ ستريندبيرك : كاتب دراما ، مطبعة جامعة ييل ، سنة 1982 .

 – ونعتقد إن الحركة الفيمنستية على الحق في غضبها على الفيلسوف أوتو واينينغر وإتهامه بأنه ضد الحركة الفيمنستية (كما قدم الدكتور [10]

محمد الفرحان شواهد على ذلك ومن خلال مناقشة أراء عالم الأعصاب الألماني بول يوليوس موبيوس الذي أصبح من المؤكد بدرجات هو المصدر الذي إستحوذ على معلوماته منه (كما إتهمه الدكتور موبيوس . وربما هي التي حملت الفيلسوف الشاب أوتو واينينغر على الإنتحار) . أنظر الهامش رقم 74 من هذا البحث لتفاصيل أكثر) .  

 – أوتو واينينغر ؛ الجنس والشخصية : بحث في المبادئ الأساسية (مصدر سابق) ، ص 131 . [11]

 – المصدر السابق ، ص 188 . [12]

 – المصدر السابق ، ص 148 . [13]

 – المصدر السابق ، ص 98 . [14]

 – والفردية هي [15]

 – أوتو واينينغر ؛ المصدر السابق ، ص 264 . [16]

 – أوتو واينينغر ؛ رسالة إلى الكاتب والناشر الألماني أميل شيرينغ (1873- 1951) ، سنة 1903 . [17]

 – أنظر : راي مونك ؛ لودفيغ فيتجنشتاين : واجب العبقري (مصدر سابق) . [18]

 – المصدر السابق . [19]

 – للتفاصيل أنظر ؛ راي مونك ؛ المصدر السابق ، ص ص 19 – 26 . [20]

 – مارتين كوهين ؛ حكايات فلسفية : وجود التاريخ البديل .. القصة الحقيقية للفلسفة ، دار نشر ويلي – بلاكويل ، سنة 2008 ، ص [21]

216 (والكتاب تألف من 296 صفحة) .

———————————————————–

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , , , , ,

تأمل في واقع الحركة الفلسفية الوايتهيدية والوايتهيديين

الفلسفة : حُب الحكمة     الفيلسوف : مُحب الحكمة

الفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

مجلة فلسفية إلكترونية


في تجديد ذكرى الفيلسوف وعالم المنطق العراقي

الدكتور ياسين خليل عبد الله

——————————————————————

تأمل في واقع الحركة الوايتهيدية

والوايتهيديين

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

——————————————————————————–

تقديم :

  لاحظنا إن التراث الفلسفي الذي تركه الفيلسوف الإنكليزي – الأمريكي الفريد نورث وايتهيد كان موضوع إهتمام مبكر في دوائر التفكير الرياضي والمنطقي والفلسفي على حد سواء . إلا إن هذا الإهتمام ليس بمجمله إيجابي ، وإنما فيه نقد وتقويم وخصوصاً من طرف رجال لاهوت الكنيسة وحيث لم يمر زمن طويل على وفاته حتى تحول هذا الإهتمام إلى موجة فكرية عارمة . وهنا نسعى إلى تقديم دراسة تقويمية لجوانب متنوعة من هذه الموجة التي يمكن أن نطلق عليها بالحركة الوايتهيدية والفلاسفة الوايتهيديون ورجال اللاهوت الوايتهيديون . وفعلاً فإن عدداً من الفلاسفة الأكاديميون قد أعلنوا في مشاريعهم الرياضية والمنطقية والفلسفية وكذلك في علم كلامهم أو فكرهم اللاهوتي عن إنتمائهم المُعلن وبصورة واضحة إلى مدرسة الفيلسوف الفريد نورث وايتهيد .

النزعة الوايتهدية في كتابات برتراند رسل وأورمان كواين

  صحيحُ كل الصحة إن كل من الفيلسوف وعالم المنطق الإنكليزي برتراند رسل كان واحد من طلاب الفريد نورث وايتهيد يوم كان الأخير بروفسوراً في كلية الثالوث في جامعة كيمبريدج وكان برتراند رسل طالباً فيها  ، بل وكتب رسل إطروحته للدكتوراه تحت إشراف وايتهيد [1]. كما وإن الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق الأمريكي ويلارد أورمان كواين (1908 – 2000) كان واحداً من طلاب وايتهيد خلال إستقراره في جامعة هارفارد ومن ثم أشرف وايتهيد على إطروحة كواين للدكتوراه والتي كانت في مضمار المنطق الرياضي ونظرية المجموعات [2]

  وكان كلاهما (أي رسل وكواين) إنموذجان لقيادة نزعتين فلسفيتين ومنطقيتين معاصرتين واللتين ملئتا النصف الأخير من القرن العشرين . ونحسب من الصحيح أن نبدأ بفيلسوف الرياضيات وعالم المنطق برتراند رسل وهو الأكبر ونتبعها بوقفة عند عتبات نصوص فيلسوف الرياضات والمنطق أورمان كواين وهو الأصغر سناً من رسل . صحيح إن رسل حاله حال وايتهيد كان مهتماً بالرياضيات والمنطق الرياضي إلا إن الطرف الفلسفي في كتاباته واضح ومكشوف وخصوصاً في كتاباته ونصوصه الأولى وخلال عمله مع وايتهيد وبالتحديد في كلية الثالوث في جامعة كيمبريدج وبالتخصيص عند إشتراك وايتهيد وتلميذه السابق والزميل من ثم في كلية الثالوث في جامعة كيمبريدج في كتابة رائعتهما التي حملت عنوان البرنسبيا ماثماتيكا أو مبادئ الرياضيات والتي ظهرت بثلاثة مجلدات وللفترة ما بين 1910 – 1913والحقيقة إن وايتهيد في توزيع العمل بينه وبين رسل كان مدركاً إن مهمة رسل ستكون في معظمها التركيز على الأطراف الفلسفية في حين إن وايتهيد تخصص بالرياضيات ولذلك كانت حصته في التأليف على الرياضيات ومنطقها وهذا ما سارا عليه الطرفان في تأليف البرنسبيا ماثماتيكا [3].

  كتب برتراند رسل العديد من المؤلفات في مضمار الرياضيات والمنطق الرياضي وفلسفة الرياضيات والتي تشده إلى مباحث وايتهيد مما تحمل الباحث الأكاديمي على شد رسل ومؤلفاته إلى المضمار الذي عمل وكتب فيه أستاذه الفريد وايتهيد كما وهذه المؤلفات تشد كواين إليهما حيث يكونان مثلث رياضي منطقي فلسفي متعدد الواجهات بحيث تجد في كل واجهة من واجهات المثلث فيها حضور لكل من المعلم وايتهيد ومساهمة التلميذ رسل ومتابعة كواين المبدعة . نحن نعلم بأن كتابات رسل الأولى لم تكن في مضمار الرياضيات والمنطق وفلسفة الرياضيات . وإنما كانت في السياسة وهذا موضوع لا علاقة له ببحثنا . ولكن من أجل البحث نقول إن كتاب رسل الأول كان بعنوان  الديمقراطية الإشتراكية الألمانية والذي نشره عام 1896 [4]. وكان يومها مهتماً بالسياسة والنظرية الإشتراكية .

  ومن ثم تحول رسل إلى مضمار الرياضيات ويبدو لنا إن هذا حدث بتأثير أستاذه وايتهيد والتي تتوجت لاحقاً بتعاون وايتهيد ورسل في تأليف رائعتهما التي حملت عنوان برنسبيا ماثماتكيا (في ثلاثة مجلدات) . والحقيقة إن البداية كانت قبل ذلك (أرجو أن لاتنسى بأن رسل هو تلميذ وايتهيد) فقد كتب رسل بكثافة غير إعتيادي في الرياضيات وعلم المنطق وصدرت له العديد من المؤلفات نذكر منها شواهداً . ونحسب هنا إنه من اللازم أن نذكر بأن تفكير الوايتهيدي برتراند رسل بدأ يعمل ويصيغ النزعة المنطقية للرياضيات أو بمعنى أخر محاولة رد أسس الرياضيات إلى أسس منطقية أو رد أسس الرياضيات وأسس علم المنطق إلى أسس مشتركة وهي المحاولة الوايتهيدية التي رهن رسل جُل حياته لها .

  إن مؤلفات رسل في الرياضات والمنطق الرياضي بدأت قبل إشتراكه في كتابة برنسبيا ماثماتكيا مع أستاذه وايتهيد وبالتحديد قبل ثلاثة عشر سنة من تأليف برنسبيا ماثماتكيا ، وفعلاً فقد نشر كتاب بعنوان مقالة في أسس الهندسة [5]. وتلاه عدد من الكتب منها كتاب في علم المنطق الرياضي وفلسفة الرياضيات وجاء بعنوان ؛ شرح نقدي لفلسفة لايبنتز [6]، وبعد ثلاث سنوات ظهر له كتاب بعنوان مبادئ الرياضيات [7]. وبالطبع نشر في عام 1903 كتاب آخر وحمل عنوان عبادة الرجل الحر ومقالات آخرى [8]. وهذا الكتاب لاعلاقة له بالرياضيات وعلم المنطق أو فلسفة الرياضيات . وتلاه مقاله الرائع في علم المنطق وفلسفة اللغة والذي حمل عنوان حول الدلالة [9]والذي نشره في المجلة الفلسفية المشهورة العقل وبالتحديد في عام 1905 . وأدخل رسل في هذا المقال أوصاف محددة وأخرى غير محددة ، كما وتداول صياغات وصفية لما يُعرف بمضمار الأسماء العامة .. وفي العشرينات من القرن العشرين علق عالم الرياضيات الإنكليزي الشاب فرانك رامزي على مقال رسل ، ووصفه بأنه بحد ذاته ” بردايم أوف فيلوسوفي وبالعربية يعني إنموذج أو موديل للفلسفة [10].

  ومن ثم في عام 1910 نشر رسل كتابه الذي حمل عنوان مقالات فلسفية [11]وكان ذلك قبل أن ينشر المجلد الأول من رائعته المشتركة مع وايتهيد والتي كانت بعنوان برنسبيا ماثماتيكا [12]. وتبعتها المجلدات ، الثاني عام 1912 [13]والمجلد الثالث عام 1913 [14]. وفي معية نشر المجلد الثاني من رائعته برنسبيا ماثماتكيا ، نشر كذلك في العام 1912 كتابه الذي حمل عنوان مشكلات الفلسفة [15]. وبعد ست سنوات من نشر المجلد الثالث من كتاب برنسبيا ماثماتكيا ، نشر رسل رائعة أخرى في مضمار فلسفة الرياضيات وكانت بعنوان المدخل إلى الفلسفة الرياضية [16]. وقبلها بسنتين مس علم المنطق في كتابه الذي نشره عام 1917 والذي كان بعنوان التصوف وعلم المنطق ومقالات آخرى [17]. ونشر في عام 1931 رائعته التي حملت عنوان وجهة نظر علمية [18]. ومن ثم عاد في عام 1935 ونشر كتابه المهم وبعنوان الدين والعلم [19].

   ولاحظنا إنه نشر الكثير من المؤلفات بعد ذلك إلا إنه لم يمس الرياضيات والمنطق حتى جاء عام 1940 ، فنشر كتابه الذي حمل عنوان بحث في المعنى والصدق [20]. وبعد ستة عشرة سنة عاد رسل وبحث في علم المنطق والمعرفة ، وكان ذلك في كتابه الذي حمل عنوان علم المنطق والمعرفة : مقالات 1901 – 1950 [21] . وفي عام 1959 نشر رائعته التي حملت عنوان تطوري الفلسفي [22]. وفيه لخص عقائده الفلسفية وكيف تغيرت خلال حياته . وفي هذا الكتاب قدم تفسيراً لتطوره الفلسفي . وفعلاً فقد أخبرنا إن الفترة الهيجلية من تفكيره تمثلت في ملاحظاته غير المنشورة ، والتي دارت حول الفلسفة الهيجلية في العلم . كما إنه أشار إلى الثورتين التي حدثت في بنية تفكيره الفلسفي ؛ الأولى هجرانه للمثالية . والثانية تبنيه للمنطق الرياضي الذي أسسه عالم الرياضيات الإيطالي جوزييه بيانو (1858 – 1922) [23] وهو مؤسس علم المنطق الرياضي ونظرية المجموعات . وفيه فصل عن الأثار التي تركها تلميذه لودفيغ فيتجنشتاين (1889 – 1951) ودقق رسل فيما يتطلب قبوله وما ينبغي رفضه من عمل الفيلسوف فيتجنشتاين [24]. وكان فيتجنشتاين تلميذاً لبرتراند رسل حيث ناقش رسل أطروحته للدكتوراه والتي كانت بعنوان رسالة منطقية فلسفية [25].

  ولاحظنا إنه من الكتب التي كتبها برتراند رسل في المرحلة الأخيرة من حياته ، والتي فيها أملاح وايتهيدية ، كتابه الذي حمل عنوان حول فلسفة العلم [26]. كما وينتمي إلى هذه المرحلة من تفكير رسل ، كتابه الذي فيه حضور واضح ومعلن لمتابعة إهتمام الفيلسوف الأستاذ وايتهيد في النظرية النسبية كما بينا في أطراف من القسم الأول ، كتاب رسل الذي حمل عنوان ألفباء النسبية [27]. والحقيقة إننا لاحظنا إلى إن نشرة هذا الكتاب تصعد إلى فترة مبكرة من تفكير برتراند رسل حيث نشره لأول مرة عام 1925 [28] ومن ثم أعيد نشره مرة ثانية وبالتحديد بعد أكثر من أربعة عقود من الزمن . 

  أما النزعة الوايتهدية الثانية في الرياضيات والمنطق الرياضي ، فنلحظها بوضوح في مشروع تلميذ وايتهيد ، عالم الرياضيات والمنطق الرياضي الأمريكي أورمان كواين . والمشهور بين أحبته والمقربين منه بإسم فان فقط . ولاحظنا إن فان ولد في أحضان عائلة تتكون من الأب المهندس كلود روبرت كواين ، والأم هريت فان أورمان وكانت معلمة مدرسة . وكان فان هو الطفل الأصغر سناً في العائلة ، وغلبت على إهتماماته يومذاك العلوم وكل ما له علاقة بالعلم بصورة رئيسة . إلا إنه ومنذ فتوته أظهر ميلاً وولعاً بالإسئلة الفلسفية ومن مثل الجنة والنار والتي كانت كثيراً ما تُثير قلقه ويومها كان عمره تسع سنوات فقط . وتوافق إن أهداه أخيه الأكبر وليم ، كتاب الفيلسوف الأمريكي وليم جيمس والذي حمل عنوان البراجماتية وكان ذلك قبل أن يتخرج من المدرسة . والحقيقة إن كتاب البراجماتية لعب دوراً سحرياً في حياة فان كواين .

  وبعد تخرجه من المدرسة ، درس كواين في كلية أوبرلين – أوبرلين / ولاية أوهايو (كما ودرس فيها أخوه الأكبر وليم كذلك) . ويومها إن تلميذ زميل إقترح عليه ، قراءة أعمال الفيلسوف برتراند رسل للإنتفاع منها . وفعلاً قرأ عمل رسل ووايتهيد الذي حمل عنوان برنسبيا ماثماتكيا . وبسرعة إقتنع كواين وقرر دراسة الرياضيات تخصص أول ودراسة الفلسفة تخصص ثان [29]

  ووفقاً لما كتبه الفيلسوف كواين في سيرته الذاتية والتي حملت عنوان زمن حياتي ، فقد حصل على درجة البكلوريوس في الرياضيات من كلية أوبرين سنة 1930 . ومن ثم حصل في عام 1932 على شهادة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفارد . وكان المشرف على إطروحته للدكتوراه الفيلسوف الفريد نورث وايتهيد . وموضوع إطروحته دار حول رائعة وايتهيد ورسل برنسبيا ماثماتكيا والتي كانت بعنوان منطق التتابع (التسلسل) في برنسبيا ماثماتكيا [30].

  والحقيقة إن وايتهيد هو الذي عرف كواين على برتراند رسل وذلك من خلال زيارة الأخير إلى جامعة هارفارد مُحاضراً زائراً . ومنذ ذلك الوقت بدأ كواين بالمراسلة مع برتراند رسل . وخلال هذه الفترة وصف كواين مشاعره وتطلعاته بعد حصوله على شهادة الدكتوراه ، فقال : ” في عام 1932 حصلت على شهادة الدكتوراه ومن ثم تزوجت زوجتي الأولى . وبدأت بالسفر خلال فترة الزمالة – الدراسة ، والتي شملت فينا والتي قابلت فيها فيليب فرانك ، مورتيز شيلك وأعضاء آخرين من حلقة فينا للوضعيين المنطقيين . وقابلت الفيلسوف البريطاني الفريد آير وكورت غودل ” . كما وصرف كواين ستة أسابيع في وارشو مع تارسكي وقبل أن يذهب إلى براغ ويدرس تحت إشراف رودلف كرناب وهكذا أصبح كواين حسب تعبيره ” حواري من حواريي كرناب ” وإكتشف كواين إن كرناب كان ناراً عقلية متدفقة ، وهو معلم حي وليس بكتاب ميت [31].

هذه بعض أشياء من سيرة عالم المنطق الرياضي والفيلسوف فان كواين ، وبالطبع فيها أشياء كثيرة وخصوصاً عن التحولات التي أحدثها كتاب وايتهيد ورسل المشهور برنسبيا ماثماتكيا . وهنا نحاول أكمال رسم صورة كواين رجل الرياضيات وعالم المنطق ، فنقف عند عتبات مؤلفاته وأبحاثه التي حملت الكثير من توجهات الأستاذ وايتهيد وتلميذه برتراند رسل ، ونبدأ بالإشارة إلى إنه بعد عودة كواين إلى جامعة هارفارد من رحلته إلى أوربا وإتصاله بعلماء المنطق وفلاسفة الوضعية المنطقية ، وبالتحديد عام 1933 حصل على وظيفة زميل باحث ومن ثم نشر أول كتاب له وكان بعنوان نظام اللوجستيقا [32]. وهو في الحقيقة نشرة جديد (وبالطبع فيها مراجعة وتنقيح) لإطروحته في الدكتوراه .

   ومنذ ذلك الوقت فإن أبحاث كواين كانت تدور حول المنطق بصورة رئيسة مع دافع فلسفي يلفها . ومن الأبحاث البالغة الأهمية التي نشرها وتنتمي إلى هذه المرحلة ، بحثه الذي حمل عنوان أسس المنطق الرياضي والذي نشره في المجلة الرياضية الأمريكية ، سنة 1937 . وفي هذا البحث إصطنع كواين نظرية المجموعات . إلا إن الذي يُؤاخذ عليه ، هو إنه لم يعرض موديلاً للنظرية . كما إنه لم يُبرهن على تساوق وإنسجام النظام . غير إن الطرف الإيجابي من هذا البحث ، هو إن فان كواين قد عُينً تدريسياً ضمن كادر هارفارد التدريسي ، وأصبح منذ عام 1936 محاضراً للفلسفة . وفي ظل هذه الأجواء كتب كواين مُعلناً عن المرحلة الجديدة من عمله المهني ، فأفاد : ” برأي إن ما أفرحني بل وأبهجني أكثر هو ليس الغاية الرياضية وإنما الغاية الفلسفية . وللتوضيح وليس للدفاع وتقديم البرهان ، هو إنني أخذت أدرس في كل من قسم الرياضيات وقسم الفلسفة على حد سواء . بل ولعل الأكثر بهجة ، هو تعييني في قسم الفلسفة . فأخذت أدرس المنطق الرياضي ونظرية المجموعات وكذلك تدريس فصلاً دراسياً عاماً في المنطق في قسم الفلسفة . وكانت جامعة هارفارد جيدة وعادلة معي حيث إنها سمحت لي أن أدرس وفق إهتمامي ورغبتي . والشاهد على ذلك إنني أخذت أدرس فصلاً في الفلسفة وعلى أساس إختياراتي وأن تتضمن عرضاً لأفكاري الخاصة …” [33].

  وكان عام 1940 من الأعوام الأكثر إثارة وإهتماماً للفيلسوف فان كواين في جامعة هارفارد حيث زارها كل من عالمي المنطق الرياضي كرناب وتارسكي (بالطبع زاراها أستاذين زائريين) ، فكانت فرصة ذهبية حيث إلتقى الثلاثة ” كل من كواين وكرناب وتارسكي ” وإشتراكا في مناظرة حول الوضعية المنطقية وكانت من الأحداث الفلسفية البالغة الأهمية في تاريخ جامعة هارفارد في نهايات النصف الأول من القرن العشرين . وبالرغم من إن كواين كان صديقاً مقرباً من كرناب ، فقد إنخرط في مناقشة إتخذت وجهات نظر مختلفة وحول العديد من القضايا الفلسفية ولذلل تحولت إلى شكل مناقشات وتحديات حادة ، منحتها نشاطاً وحيوية .

  ومن ثم إندلعت الحرب العالمية الثانية ، فصرف كواين أربعة سنوات في القوات البحرية ، كما إنه إنفصل من زوجته الأولى ومن ثم تزوج مرة ثانية وكان حاصل هذا الزواج ولد وبنت . وكان إبنه دوكلص هو الذي كتب كلمة تأبينه بعد وفاة والده الفيلسوف كواين [34].

   وكان كواين خلال الفترة ما بين 1953 – 1954 بروفسوراً زائراً في جامعة أكسفورد ، وفي هذه الفترة نشر رائعته التي حملت عنوان من وجهة نظر منطقية : تسع مقالات منطقية – فلسفية [35]. وهي في الواقع مجموعة مقالات نشرها في أوقات مبكرة من حياته الفكرية والفلسفية . فمثلاً واحدة منها (وهي المقالة الثانية) كانت بعنوان عقيدتان للتجريبية [36] والتي نشرها لأول مرة في دورية وبالتحديد في عام 1951 . ويومها لعبت هذه المقالة دوراً مهماً في ذيوع سمعة كواين في الأوساط الأكاديمية ومن ثم تقديمه ” فيلسوفاً قيادياً [37]. ولعل من النافع أن نشير إلى إن أعمال عالم المنطق الأمريكي فان كواين في المنطق الرياضي والمنطق الرمزي ، إنها قدمت خدمة بالغة الأهمية للغات العلمية (وبالتأكيد منها لغة الكومبيوتر) . وهنا نقف ونستشهد بما قاله كواين بتواضع العلماء ، فأفاد مُعلقاً : ” أنا لم أعمل في مضمار الكومبيوتر ، بالرغم من أن واحدة من نتاشج أعمالي الصغيرة في المنطق الرياضي تحولت إلى أداة لنظرية الكومبيوتر ، مبدأ كواين – ماكلوسكي [38]. والذي يتناسب ونهاية السلسة ، أو المتوازية وإذا ما حاولت تبسيط للخطوات المنطقية الرياضية ، فإنك ستبسط في كتابة نصوصك . وأنا توصلت إلى ذلك ليس من خلال الإهتمام بالكومبيوتر ، وإنما من خلال العملية البيداغوجية (أي التعليمية) وهي الطريق الحريري لتقديم تعاليم المنطق الرياضي [39].

   وفعلاً فقد سبق إن ذكرنا بأن كواين نشر رائعته التي حملت عنوان عقيدتان للتجريبية وبالتحديد عام 1951 وفي دورية مراجعة فلسفية وقبل أن يُعيد نشرها في كتابه من وجهة نظر منطقية [40]. وفيها هاجم كواين التمييز بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية وبالمقابل دافع عن النظرية السيمانطيقية (الدلالية) الكلية الشاملة .  والسيمانطيقية الكلية هي نظرية في فلسفة اللغة ، ترى إن أي طرف من اللغة ، سواء كان حداً أو جملة كاملة ، يمكن أن يُفهم خلال علاقاته بجزء (أو مقطع) أكبر من اللغة [41]. ومن ثم ثار جدل حول ” الجزء أو المقطع الأكبر ” من اللغة ، كما تبعه تساؤلات عن درجة الإنسجام في مثل هذه الرؤية . ودارت في السنوات الراهنة مناقشات ومناظرات حول السيمانطيقية الكلية وكان الحاصل منها ، الحقيقة القائلة ” إن السيمانطيقية الكلية هي ليست شكل واحد ، وإنما هناك أشكال عديدة من السيمانطيقية الكلية ” . ولم تبق هذه المناقشات في دوائر المهتمين بالسيمانطيقا ، وإنما إنتقلت إلى مضمار الفلسفة المعاصرة ، بل ولاحظنا إنها شغلت مكانة مركزية في مباحثها ، وبالتحديد السؤال حول ” الهوليزم أو الكلية ” ومدى الإنسجام في إطار اللغة بصورة شاملة [42].

 كما ولاحظنا إن هجوم كواين على التمييز بين القضايا التحليلية والقضايا التركيبية ، قد أعاد إنتاجه في كتاب له ظهر بعد عشرة سنوات من نشرة بحثه المشهور عقيدتان للتجريبية وبالتحديد في كتابه الذي حمل عنوان الكلمة والموضوع والذي ظهر عام 1961 [43]. وفيه أكد كواين على نزعته الطبيعية وعلى عقيدته التي تذهب إلى إن على الفلسفة أن تكون جزء من العلم الطبيعي (أو أن تسيربهديه) . وجادل كواين بإتجاه تفضيل وجعل الأبستمولوجيا شكل من أشكال الأبستمولوجيا الطبيعية . ولذلك عاضد النزعة الفيزيائية على حساب الظاهراتية كما وطور مفهوم سلوكي لفهم معنى الجملة . وهذا الأمر حمل الأكاديميين الغربيين على الحديث عنه في إطار اللنكوستيكا السلوكية [44].

  ونحسب من النافع إن نختتم حديثنا عن الفيلسوف ورجل الرياضيات وعالم المنطق فان أورمان كواين بالوقفة عند عتبات جريدة أعماله وأبحاثه ومن ثم الإشارة إلى طلابه الذين تابعوا أفكاره وفلسفته ومن خلاله تسرب الكثير (أو ربما القليل) من أفكار وفلسفته أستاذه الفريد نورث وايتهيد ، فإنتقلت الأملاح الوايتهيدية إلى إهتمامهم وكونت طعماً وايتهيدياً لكتاباتهم والتي يشعر به الأكاديمي المتابع سواء في إختيار المضمار أو الميثديولوجيا التحليلية .. وسنبدأ بأبحاث كواين ونُلحقها بمؤلفاته وننتهي بالتعريف بطلابه ومساهماتهم :

أولاً – أبحاث كواين الأكاديمية :

1 – التسلسل (التتابع) قاعدة لعلم الحساب [45] .

2 – حول ماهو هناك [46] .

3 – عقيدتان للتجريبية [47] .

4 – الأسوار المنطقية وإتجاهات المنطق[48] القضوي [49].

5 – الأبستمولوجيا الطبيعية أو تطبيع الأبستمولوجيا [50].

6 – الحقيقة بالإتفاق [51]

ثانياً – مؤلفات كواين :

1 – نظام [52]اللوجستيقا [53].

2 – المنطق الأولي (أو الإبتدائي) [54].

3 – طرق علم المنطق [55].

4 – المنطق الرياضي (أو منطق الرياضيات) [56].

5 – من وجهة نظر منطقية [57].

6 – الكلمة والموضوع [58].

7 – أبحاث منطقية مختارة [59].

8 – جذور الإستنتاج (الإستدلال) [60]. وجاءت ولادة هذا الكتاب من محاضرات كواين الثلاثة التي قدمها في ثلاثة أيام متتالية في الجمعية الفلسفية الأمريكية والتي عُرفت بمحاضرات كاروس [61].

9 – شبكة (ويب) الإعتقاد [62]. وتكون من عشرة فصول [63] . وجاءت الفصول بالشكل الأتي : 1 – المدخل [64]. 2 – الإعتقاد وتغيير الإعتقاد [65] . 3 – الملاحظة [66]. 4 – الدليل الذاتي [67]. 5 – الشهادة [68]. 6 – الفرضيات (ص ص 39 – 49) [69]. 7 – الإستقراء ، التماثل والحدس [70]. 8 – الإثبات والإعتراض [71]. 9 – التفسير [72]. 10 – الإقناع [73]

ثالثاً – طلاب كواين : المشاهير منهم :

  لاحظنا إن البروفسور كواين أشرف على عدد من الطلاب في الدكتوراه ومن خلال ذلك مر الكثير (أو ربما بدرجات ما بعض الأشياء) من أفكاره إلى مكونات أطروحاتهم في الدكتوراه . ولعل الأهم إن كواين هو تلميذ الفيلسوف الفريد نورث وايتهيد وهو الذي أشرف على إطروحته للدكتوراه وجرى الكثير من النقاش بينهما حول رائعته التي كتبها بالإشتراك مع تلميذه الفيلسوف البريطاني برتراند رسل ونعني برنسبيا ماثماتيكيا (ثلاث مجلدات تجاوزت الألف صفحة) . وكان إشراف وايتهيد وإطروحة كواين التي حملت عنوان منطق التسلسل : تعميم برنسبيا ماثماتيكيا  . وهي شواهد على حجم التأثير والحضور القوي للفيلسوف وايتهيد (وبالطبع رسل كذلك) في إطروحة كواين للدكتوراه [74].

  ولهذا نحن نتصور إطروحة الدكتوراه التي كتبها كواين تحت إشراف الفيلسوف الفريد نورث وايتهيد ، كونت مظلة فلسفية وايتهيدية عمل تحتها الفيلسوف وعالم المنطق الأمريكي كواين وقاد من خلال أفكارها الفلسفية الوايتهيدية نفر ليس بقليل من طلبة الدكتوراه في جامعة هارفارد ، ونُرجح إن الكثير (أو ربما درجات ما منها) قد لونت أطروحاتهم للدكتوراه وحملت معها بعض الأملاح الفلسفية الوايتهيدية . وهنا نقدم شواهد عليهم وعلى أعمالهم الأكاديمية التي أشرف علىيها الوايتهيدي الأمريكي البروفسور كواين . ونذكر منهم دونالد هربرت ديفيدسون (1917 – 2003) ، هيوبرت ليدرر درايفس (1929 – ) ، ديفيد لويس كيلوج (1941 – 2001) ، دانيال كليمنت دينيت (1942 – ) ، جيليبرت هارمان (1938 – ) وبروفسور الفلسفة النرويجي دايكفين فولسدل (1932 – ) وعالم المنطق والرياضيات الصيني الأمريكي هاو وانغ (1921 – 1995) وبالطبع هناك أخرون . 

  فلاحظنا مثلاً إن ديفيدسون عاد إلى جامعة هارفارد وكتب إطروحته للدكتوراه تحت إشراف الفيلسوف وعالم المنطق كواين وكانت بعنوان محاورة إفلاطون فيليبوس (وبالطبع هي من محاورات المرحلة السقراطية ، وفيها تغليب لمقام الفلسفة والتأمل على عمل الشعر والدراما) . وبدأ ديفيدسون بتأثير كواين يتحول شيئاً فشيئاً نحو الفلسفة التحليلية . وفعلاً فإن هذه التحول ظهر في أعمال ديفيدسون في فلسفة العقل والتي فيها صدى لتحليلات الأستاذ كواين . كما وإستلهم ديفيدسون الكثير من أفكاره في حول عدم التعيين في الترجمة من كتاب إستاذه كواين والذي حمل عنوان الكلمة والموضوع [75]. وكانت فترة الستينات من القرن العشرين من أهم فترات نمو الفيلسوف ديفيدسون وأكثرها إنتاجاً فلسفياً ، حيث كتب سلسلة مقالات وتحول بنجاح من خلال فلسفة الفعل إلى مضمار فلسفة العقل وفلسفة اللغة . إلا إنه إشتغل خرل هذه الفترة كباحث هاو في ميادين فلسفية أخرى شملت علم الجمال وعلم النفس الفلسفي وتاريخ الفلسفة [76].

   وكان كواين أستاذاً للفيلسوف هيوبرت درايفس وكان المشرف على إطروحته المباشر هو تلميذ كواين كذلك ، وهو الفيلسوف النرويجي دايكفين فولسدل والأخير النرويجي إنجز كتابة إطروحته للدكتوراه تحت إشراف الفيلسوف المعلم كواين وإنجزها فولسدل عام 1961. وكتب فولسدل بصورة مكثفة في موضوعات فلسفة اللغة والفينومنولوجيا والوجودية . ومن مؤلفاته الأولى : غموض الإستدلالية ومنطق الموديل [77] ، فان أورمان والموديلات [78]، كما كتب مقالاً مع مجموعة باحثين في كتاب جماعي حول أستاذهم كواين وكان بعنوان في أي معنى تكون اللغة جماهيرية ؟ [79] ومن ثم كتب بحثه الذي حمل عنوان التعامل بالإمتصاص ، هوسرل وهيدجر [80].  

ويبدو إنه من خلال كواين وتلميذه فولسدل ودروسهما الأكاديمية مر الكثير من أفكار الشيخ وايتهيد . ولاحظنا إن البروفسور دايكفين فولسدل قد درس في جامعة هارفارد للفترة الممتدة ما بين سنة 1961 وحتى سنة 1964 وخلالها أشرف على إطروحة الدكتوراه التي كتبها هيبورت درايفس والذي أنجازها وحصل على الدكتوراه في عام 1964 . ولعل أهمية البروفسور درايفس الفلسفية تكمن في إنه حول إهتمامه نحو فلاسفة القارة الأوربية . فهو مثلاً يُعدُ رمزاً كبيراً من المفسرين (أو قل الشراح) لأعمال الفيلسوف الألماني أدموند هوسرل (1859 – 1938) وأعمال الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو (1926 – 1984) وأعمال الفيلسوف الظاهراتي الوجودي (الماركسي = الماركسية الغربية) الفرنسي موريس ميرلوبونتي (1908 – 1961) وخصوصاً تفسيره الذي قدمه لفلسفة الظاهراتي الألماني مارتن هيدجر (1889 – 1976) [81].

  أما الفيلسوف ديفيد لويس كيلوج فقد تحول من دراسة الكيمياء إلى دراسة الفلسفة . وفعلاً فبعد دراسة الكيمياء وحضور عدد من المحاضرات في كلية محلية ، ترك الكيمياء وتحول إلى كلية سوارثموز (في سوارثموز – بنسلفانيا) وصرف سنة كاملة في جامعة أكسفورد (1959 – 1960) وهناك حضر محاضرات المؤلفة والفيلسوفة إيرس مردوك (1919 – 1999) كما وحضر محاضرات الفيلسوف البريطاني غليبرت رايل (1900 – 1976) ودرس على يد فيلسوف اللغة البريطاني هربرت بول غريس (1913 – 1988) وخصوصاً دروسه في السيمانطيقا والبراجماطيقا . وكذلك حضر محاضرات الفيلسوف الإنكليزي بيتر فردريك ستراسن (1919 – 2006) وهو بروفسور الفلسفة الميتافيزيقية في جامعة أكسفورد . ودرس على يد فيلسوف اللغة البريطاني جون لانجو أوستن (1911 – 1960) .

  وهذه السنة كانت حاسمة في حياة الفيلسوف ديفيد لويس ، فقرر دراسة الفلسفة وإختار الفلسفة التحليلية نهجاً فلسفياً له منذ ذلك الوقت . ومن ثم ذهب إلى جامعة هارفاد وحصل منها على درجة الدكتوراه وبالتحديد عام 1967 وكانت تحت إشراف الفيلسوف وعالم المنطق الأمريكي كواين . ومن بعد ذلك أخذ يُدرس لفترة قصيرة في جامعة كليفورنيا (لوس أنجلس) ومن ثم إنتقل إلى جامعة برنستون وظل يُعلم فيها حتى وفاته . ولعل أهم مساهماته الفلسفية كانت تدور حول فلسفة اللغة ، فلسفة العقل ، الميتافيزيقا والأبستمولوجيا والمنطق الفلسفي [82].

 كما ومن الفلاسفة الأمريكان الذين إنتقلت إليهم بعض الأملاح الفلسفية الوايتهيدية من خلال كتابات ومحاضرات تلميذ وايتهيد الفيلسوف وعالم المنطق كواين ، الفيلسوف دانيال كليمنت دينيت . ولعل البداية في حديثنا هو الإستشهاد بروايته التي لها دلالة خاصة في حياته ، حيث يذهب إلى إنه تعرف على مفهوم الفلسفة وذلك عندما حضر إلى معسكر صيفي وكان عمره لا يتجاوز الحادية عشرة سنة . وفي المعسكر سأله المشرف ” هل تعرف من أنت دانيال ؟ ومن ثم أردف المشرف فأجاب على سؤاله : إنك يادانيال فيلسوفاً [83].

  تخرج دانيال دينيت من أكاديمية أكستر عام 1959 وصرف سنة واحدة في جامعة وسيلن (كونيتيكت) قبل أن يحصل على درجة البكلوريوس في الفلسفة من كلية الأداب – جامعة هارفاد في عام 1963 . وكان طالباً من طلاب الفيلسوف كواين . وفي عام 1965 حصل على درجة دكتوراه فلسفة في الفلسفة من جامعة أكسفورد ودرس تحت إشراف الفيلسوف البريطاني غليبرت رايل . وإنتفع دانيال دينيت من الكثير من الساعات في الحصول على معلومات في حقول علمية شتى وبالتحديد معلومات عن بعض شخصيات علماء العلم القياديين التي أسهمت في تكوين عقليته عالماً معرفياً [84]

  ومن الفلاسفة الذين تدربوا على يد الفيلسوف وعالم المنطق كواين وتذوقوا من خلال محاضراته وأبحاثة درجات من الأملاح الوايتهيدية ، الفيلسوف جيلبريت هرمان والذي حصل على درجة البكلوريوس من كلية سواثمور . وهي كلية أداب أهلية تقع في مدينة سواثمور – بنسلفانيا . كما ونال درجة الدكتوراه في الفلسفة من جامعة هارفارد . وكان عنوان إطروحة هرمان للدكتوراه الشكية وتعريف المعرفة والتي أنجزها وسلمها إلى جامعة هارفارد في عام 1964 وبالطبع نُشرت لاحقاً في كتاب [85].   وكان من بعض أساتذته خلال إعداد إطروحته للدكتوراه كل من بروفسور الفلسفة مايكل جون سكريفين (1928 – ) والبروفسور فان أورمان كواين والبروفسور نعوم شومسكي (1928 – ) .

   ومن ثم بدأ رحلته الأكاديمية في التعليم في جامعة برنستون ومنذ عام 1963. ولاحظنا إن إبنته إليزابيث هرمان هي الأخرى فيلسوفة أمريكية وعضواً في قسم الفلسفة – مركز القيم الإنسانية التابع إلى جامعة برنستون  [86]. ووفاءً إلى الإستاذ كواين شارك البروفسور هرمان مع إرني ليبور في كتابة مؤلفها الذي حمل عنوان في صُحبة مع فان أورمان كواين [87]. وكتب جيلبريت هرمان في وقت مبكر من عمله الأكاديمي عن أعمال أستاذه نعوم شومسكي ، وكان بعنوان حول نعوم شومسكي [88]. كما ونتذكر جيلبرت هرمان في أعماله المنطقية والتي حملت أثار المعلم كواين والتي لا تخلو من أملاح وايتهيدية وخصوصاً مؤلفاته التي كتبها مع زميله دونالد ديفيدسن ومنها على سبيل المثال كل من ؛ سيمانطيقا اللغة الطبيعية (1972) [89]، ومنطق النحو (قواعد اللغة) (1974) [90].

  ومن طلاب الفيلسوف الأمريكي وعالم المنطق فان أورمان كواين الفيلسوف وعالم الرياضيات والمنطق الصيني الأمريكي هاو وانغ والذي أشرف كواين على إطروحته للدكتوراه في جامعة هارفارد . ولد هاو وانغ في جينان عاصمة محافظة شاندونغ في شرق الصين (جمهورية الصين أو كما تُعرف اليوم بجمهورية الصين الشعبية) . وتلقى وانغ تعليمه الأولي المبكر في الصين ، ومن ثم حصل في عام 1943 على درجة بكلوريوس علوم في الرياضيات من الجامعة الوطنية لجنوب غرب المتحدة . ونال في عام 1945 درجة الماجستير في الفلسفة من جامعة تسينغ – هوا في بكين .

  وبعدها غادر هاو وانغ الصين وتوجه إلى الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لإكمال دراساته العليا . وفعلاً بدأ يدرس علم المنطق في جامعة هارفارد . ومن ثم أكمل إطروحته للدكتوراه سنة 1948 وتحت إشراف الفيلسوف وعالم المنطق فان أورمان . وفي السنة ذاتها تم تعيينه بروفسوراً مساعداً في جامعة هارفارد . وخلال بواكير الخمسينات درس تحت يد عالم الرياضيات السويسري بول إسحق برنيز (1888 – 1977) [91]. وبالمناسبة إن برنيز كان واحداً من طلاب ومساعدي عالم الرياضيات الألماني الشهير ديفيد هلبرت (1862 – 1943)[92] .

تعقيب ختامي :

  نحسبُ إن الكثير من الأثار التي نزلت من كواين ومن ديفيد هلبرت قد مرت بسهولة إلى تفكير الطالب هاو ومن خلال دروس ومحاضرات أستاذه برنيز وخصوصاً ما يتعلق منها في نظرية المجموعات والفئات والمنطق الرمزي [93]، والمنطق الرياضي وأسس الرياضيات ومن ثم البحث في موديلات بديهيات جودل – برنيز لنظرية المجموعات [94] كونت أملاحاً فلسفية وايتهيدية مستمرة في تفكير برتراند رسل وطلابه وخصوصاً عالم الرياضيات والمنطق الأمريكي فان أورمان كواين وطلابه كل من دونالد هربرت ديفيدسون ، هيوبرت ليدرر داريفس ، ديفيد لويس كيلوج ، دانيال كليمنت دينيت ، جيلبرت هارمان ، والنرويجي درايكفين فولسدل وعالم المنطق والرياضيات هاو وانغ . وهذا في الواقع موضوع يحتاج إلى دراسة مستقلة في ملاحقة الأثار التي تركها المعلم الروحي الفريد نورث وايتهيد أولاً ومن ثم كشف الأثار التي تركها تلميذي وايتهيد كل من برتراند رسل وأورمان كواين على كتاباتهم وأفكارهم الرياضية والمنطقية وبدءً بإطروحاتهم في الدكتوراه .

—————————————————————-

الهوامش

 – أنظر : فيكتور لوي ؛ الفريد نورث وايتهيد : الرجل وأعماله (مصدر سابق) . [1]

 – أنظر :  روجرز جبسون (إشراف) ، في صُحبة كيمبريدج إلى كواين (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، كيمبريدج 2004 .[2]

 – أنظر : إيفور غراتان غينس ؛ بحث في الجذور الرياضية 1870 – 1940 : المنطق ، نظريات المجوعة وأسس الرياضيات من كانتور [3]

وخلال رسل وحتى جودل ، مطبعة جامعة برنستون ، برنستون 2000 .  

 – أنظر : برتراند رسل ؛ الديمقراطية الإشتراكية الألمانية (بالإنكليزية) ، دار نشر لونكمانز وكرين ، سنة 1896 ، ص 471 . [4]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ مقالة حول أسس الهندسة (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، كيمبريدج 1987 . [5]

 –  أنظر : برتراند رسل ؛ شرح نقدي لفلسفة لايبنتز (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، كيمبريدج 1900 . [6]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ مبادئ الرياضيات (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، كيمبريدج 1903 . [7]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ عبادة الرجل الحر ومقالات آخرى (بالإنكليزية) ، دار نشر كتب أنوين ، لندن (نشرة 1976) . [8]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ حول الدلالة (بالإنكليزية) ، مجلة العقل ، السلسة الجديدة ، المجلد 14 ، العدد 56 ، إكتوبر 1905 ، ص ص 479 – [9]

493 .

 – أنظر : فرانك بلمبتون رامزي وريتشارد بيفن برايثويت ، إشراف ريتشارد بيفن برايثويت ، أسس الرياضيات ومقالات منطقية آخرى [10]

(بالإنكليزية) ، دار نشر روتليدج ، المجلد الخامس ، سنة 2001 ، ص 263 .

 – أنظر : برتراند رسل ؛ مقالات فلسفية (بالإنكليزية) ، لونكمانز وكرين ، لندن 1910 . [11]

 – أنظر : الفرد نورث وايتهيد وبرتراند رسل ؛ برنسبيا ماثماتكيا ، المجلد الأول ، مصدر سابق . [12]

 – أنظر : الفريد نورث وايتهيد وبرتراند رسل ؛ المصدر السابق ، المجلد الثاني  .[13]

 –  أنظر : الفريد نورث وايتهيد وبرتراند رسل ؛ المصدر السابق ، المجلد الثالث . [14]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ مشكلات الفلسفة (بالإنكليزية) ، وليمز ونورجاتا ، لندن 1912 . [15]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ المدخل إلى الفلسفة الرياضية (بالإنكليزية) ، دار نشر جورج ألين وأنوين ، لندن سنة 1919 . [16]

 – أنظر ك برتراند رسل ؛ التصوف وعلم المنطق ومقالات آخرى (بالإنكليزية) / دار نشر جورد ألين وأنوين ، لندن 1917 . [17]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ وجهة نظر علمية (بالإنكليزية) ، دار نشر جورج ألين وأنوين ، لندن 1931 .[18]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ الدين والعلم (بالإنكليزية) ، دار نشر تورتن وبترورث ، لندن 1935 . [19]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ بحث في المعنى والصدق (بالإنكليزية) ، شركة نشر ونورتن ، نيويورك 1940 . [20]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ علم المنطق والمعرفة : مقالات 1901 – 1950 ، (بالإنكليزية) ، إشراف  روبرت مارش ، دار نشر جورج ألين [21]

وأنوين ، لندن 1956 .

 – أنظر برتراند رسل ؛ تطوري الفلسفي (بالإنكليزية) ، دار نشر جورج ألين وأنوين ، لندن 1959 . [22]

 – جوزييه بيانو هو عالم الرياضيات الإيطالي . ولد وترعرع في حقل من حقول مدينة سبينيتا – محافظة كونية الإيطالية . ودرس في ثانوية ليسو [23]

الكلاسيكية أو ثانوية ليسيوم الكلاسيكية في تورينو (والمنهج الدراسي فيها يتكون من دراسة لمدة خمسة سنوات . وفي عام 1867 سجل في جامعة تورينو . وفي عام 1880 تخرج بدرجات شرف عالية . ولذلك عينته الجامعة مساعداً أول لعالم الرياضيات الإيطالي إنجيلو جينوكي (1817 – 1889) رئيس قسم الحساب والمتخصص في نظرية الأعداد . ولتدهور صحة إنجيلو جينوكي ، تم تكليف جوزيه بيانو بتدريس الفصل الدراسي في علم الحساب وظل يدرسه لمدة سنتين . وكان من أولى أعمال بيانو ، كتاب منهجي بعنوان حول علم الحساب والذي طبعه عام 1884 وفيه إعترف بفضل إنجيلو جينوكي . وبعد بضعة سنوات نشر بيانو كتابه الأول والذي كان حول علم المنطق الرياضي . وتداول فيه بيانو الرموز الحديثة من مثل وحدة  (نظريات المجموعات) وتقاطع (نظريات المجموعات) والتي تداولها لأول مرة .. وفي 1897 حضر بيانو المؤتمر العالمي الأول لعلماء الرياضيات والذي إنعقد في زيورخ وقدم بحثاً حول المنطق الرياضي . وفي عام 1900 قدم بحثاً في المؤتمر الثاني والذي إنعقد في باريس ، وتساءل فيه عن الكيفية التي نُعرف بها الرياضيات وقاده ذلك إلى التساؤل عن الكيفية التي نُعرف بها التعريف ؟ والذي أصبح من أهم إهتماماته طول حياته . وفي الوقت ذاته إنعقد المؤتمر الفلسفي الأول وحضره برتراند رسل . وفي المؤتمر قابل بيانو برتراند رسل وأهداه نسخة من كتابه الذي يحمل عنوان الفورملة أو الصيغة . وعندما قرأه رسل كان في حالة صدمة وذلك للدور الذي قام به بيانو وبالتحديد في إصطناع الرموز المنطقية . وعاد رسل ومن ثم خصص وقته لقراؤة بيانو . وفي عام 1932 تذكر رسل بيانو فقال عنه ” إن بيانو أثار إعجابي منذ اللحظة الأولى التي قابلته فيها في عام 1900 وبالتحديد في المؤتمر الفلسفي الأول ، والذي هيمن فيه بيانو وكان يتمتع بدقة عقله ” . أنظر : هربرت كندي ؛ بيانو ، الحياة واعمال جوزييه بيانو ، دار نشر سبرنكر ، سنة 1980 (تألف من 230 صفحة) . وأنظر كذلك ؛ الأعمال المختارة لجوزييه بيانو ، إشراف وترجمة هربرت كندي (مع سيرة ذاتية) ، دار نشر جورج ألين وأنوين ، لندن 1973 .

 – أنظر : ف . ت . سميث ؛ تطوري الفلسفي لبرتراند رسل (بالإنكليزية) ، مجلة الأخلاق ، المجلد 70 ، العدد الأول ، سنة 1959 ، ص ص 93 – [24]

94 .  

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ في صُحبة الفلاسفة : 1 – لودفيغ جوزيف فيتجنشتاين ، مجلة فلسفية إلكترونية ، 14 يناير ، سنة 2016 . [25]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ حول فلسفة العلم (بالإنكليزية) ، إشراف شارلز فيرتز جنيور ، شركة نشر بوبز ميرايل ، إنديانا بوليس 1965 . [26]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ ألفباء النسبية (بالإنكليزية) ، دار نشر جورج ألين وأنوين ، لندن 1966 . [27]

 – أنظر : برتراند رسل ؛ ألفباء النسبية (بالإنكليزية) ، دار نشر بول كيكن وآخرين ، سنة 1925 ومن ثم أعاد نشره في عام 1966 . [28]

 – أنظر : جون جوزيف أوكونر وأدموند فردريك روبرتسون ؛ أرشيف ماكتوتر لتاريخ الرياضيات (بالإنكليزية) ، ويب سايت أسسها كل من [29]

أوكونر وروبرتسون ، 2015 .  

 – أنظر : ويلارد فان كواين ؛ منطق التتابع في برنسبيا ماثماتكيا (إطروحة دكتوراه في الفلسفة) بالإنكليزية ، دار نشر غارلاند ، نيويورك  ولندن [30]

، سنة 1990 . (وتألفت مما يُقارب الثلاثمائة صفحة) . للتفاصيل : مجلة المنطق الرمزي ، المجلد 56 ، العدد الرابع ، ديسمبر سنة 1991 (تصدرها جمعية المنطق الرمزي) ص ص 1487 – 1488 . وينظر إلى الإطروحة – الكتاب على إنها ” تعود إلى مرحلة المنطق ماقبل غودل وتارسكي . وإن المؤلف لم يقرأ جوتلوب فريجة على الإطلاق ” . وبالطبع غودل هو عالم المنطق الرياضي النمساوي – الأمريكي كورت غودل (1906 – 1978) . وتارسكي هو عالم المنطق الرياضي البولندي الفريد تارسكي (1901 – 1983) .  

 – أنظر : جون جوزيف أكونر وأدموند فردريك روبرتسون ؛ المصدر السابق . [31]

 – أنظر : فان أورمان كواين ؛ نظام اللوجستيقا (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1934 . [32]

 – جون أكونر وأدموند روبرتسون ؛ المصدر السابق . [33]

 – أنظر : المصدر السابق .[34]

 – أنظر : فان أورمان كواين ؛ من وجهة نظر منطقية : تسع مقالات منطقية – فلسفية (بالإنكليزية) ، مطبعة جامعة هارفارد ، ط الأولى ، سنة [35]

1953 ، ومن ثم أعيد طبعها سنة 1961 . ومن ثم ظهر في طبعة الناشرين هاربر ورو – نيويورك ، سنة 1963 (وتألف من 184 صفحة) .

 – أنظر : فان أورمان كواين ؛ عقيدتان للتجريبية (المصدر السابق )، ص ص 20 – 46 . [36]

 – أنظر : جون أكونر وأدموند روبرتسون : المصدر السابق . [37]

 – وهو المبدأ الذي طوره عالم المنطق فان كواين ، ومن ثم توسع فيه ماكلوسكي (1929 – 2016) والتي عُرفت بطريقة كواين – ماكلوسكي [38]

الكوارتمية (أو الخوارزمية) . وللإستشهاد على أعمال كواين ، أذكر منها : أولاً – كواين ؛ مشكلة تبسيط وظائف الحقيقة  ، المجلة الرياضية الأمريكية (تصدرها الجمعية الأمريكية للرياضيات) ، المجلد 59 ، العدد الثامن ، إكتوبر 1952 ، ص ص 521 – 531 . ومن ثم عاد كواين وكتب مقاله الذي حمل عنوان طريقة لتبسيط وظائف الحقيقة ، المجلة الرياضية الأمريكية ، المجلد 62 ، العدد التاسع ، ص ص 627 – 631 . وكذلك كتب أدورد ماكلوسكي مقالة بعنوان إختصار الوظائف البوليانية ، أنظر : أدورد ماكلوسكي ؛ إختصار وظائف المنطق البولياني (أي منطق الإنكليزي جورج بول (1815 – 1864) ، مجلة نظام بيل التقنية ، المجلد 35 ، العدد السادس ، نوفمبر 1956 ، ص ص 1417 – 1444 . والحقيقة إن قواعد جبر المنطق هي القواعد الجبرية التي قدمها جورج بول في كتابه الأول والذي حمل عنوان التحليل الرياضي لعلم المنطق (1847) ومن ثم توسع فيها في كتابه الذي حمل عنوان بحث في قوانين الفكر (1854) . ووفقاً لعالم المنطق هنري شيفر (1882 – 1964) فإن جبر المنطق عند جورج بول هو الذي ساهم في تطوير رئيسي وأساسي فيما أصبح يُعرف بالإلكترونيات الرقمية والتي ساهمت في البرمجة الحديثة للغات . أنظر : أدوارد هنتنغتون (عالم رياضيات أمريكي 1874 – 1952) ؛ مجموعة المصادرات المستقلة لجبر المنطق ، مع مرجعية خاصة إلى كتاب وايتهيد – رسل برنسبيا ماثماتكيا ، مجلة الجمعية الأمريكية للرياضيات ، العدد 35 ، سنة 1933 ، ص ص 274 – 304 .

 – جون أكونر وأدموند روبرتسون ؛ المصدر السابق . [39]

 – أنظر : فان أورمان كواين ؛ عقيدتان للتجريبية ، دورية مراجعة فلسفية ، العدد 60 ، سنة 1951 ، ص ص 20 – 43 .[40]

 – أنظر : هلري بوتنام ؛ معنى المعنى ، منشور في كتاب العقل ، اللغة والحقيقة ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، كيمبريدج ، سنة 1975 . [41]

 – للتفاصيل أنظر : دونالد ديفيدسن (وهو من طلاب عالم المنطق كواين) ؛ أبحاث حول الحقيقة (الصدق) وتفسيرها ، مطبعة كالردون ، أكسفورد [42]

، سنة 1984 . وكذلك : تايلر بورج ؛ الفردية والعقلي ، منشور في دورية دراسات الغرب الأوسط في الفلسفة ، العدد الرابع ، سنة 1979 ، ص ص 73 – 121 .

 – أنظر : فان أورمان كواين ؛ الكلمة والموضوع ، نشرة جديدة ، تصدير بتريشا شيرشلاند ، كيمبريدج 2015 . (تكون من 294 صفحة) .[43]

 – أنظر : روجر جبسون (إشراف) ، صُحبة كيمبريدج مع كواين ، مطبعة جامعة كيمبريدج 2004 ، ص 199 . [44]

 –  ويبدو لنا إنها من المقالات الأولى ، أو هي أول مقالة كتبها كواين وتصعدإلى عام 1946 . ومن ثم أعيد نشرها في كتاب كواين الثاني والذي حمل [45]

عنوان أبحاث كواين المختارة في علم المنطق ، مطبعة جامعة كيمبريدج .

 – أنظر : فان أورمان كواين ؛ حول ما هو هناك ، دورية مراجعات الميتافيزيقا ، سنة 1948 واعيد نشرها في : كواين ؛ من وجهة نظر منطقية ، [46]

مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1953 .

 – أنظر : كواين ؛ عقيدتان للتجريبية ، دورية مراجعات فلسفية ، العدد 60 ، ص ص 20 – 43 . وأعيد نشرها في : كواين ؛ من وجهة نظر [47]

منطقية (مصدر سابق ) .

 – أنظر : كواين ؛ الأسوار المنطقية وإتجاهات المنطق القضوي ، مجلة الفلسفة ، العدد 53 ، سنة 1956 . وأعيد نشرها في كتاب : كواين ؛ طرق [48]

التناقض ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1976 ، ص ص 185 – 196 .

 – نُميز في علم المنطق بين منطق الحدود ومنطق القضايا . وأغلب منطق آرسطو هو منطق حدود . إلا إنه تداول منطق القضايا بشكل محدود جداً .  [49]

والفلاسفة الرواقيون هم الذين إستخدموا المنطق القضوي وتوسعوا فيه .. للتفاصيل أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ تحليل العلم البرهاني (رسالة ماجستير تقدم بها صيف 1976 وبإشراف الدكتور ياسين خليل عبدالله) ، دار الحرية ، بغداد 1983 . كما وأشرنا إلى ذلك في الكثير من أبحاثنا المنطقية التي نشرنا بعضها في مجلة العلوم الإجتماعية في جامعة الكويت ، ومجلة دراسات عربية في بيروت ) .

 – وبالإنكليزية نيشرلايزد إبستمولوجيا والتي صاغها الفيلسوف وعالم المنطق الأمريكي فان أورمان كواين . وهي في الحقيقة مجموعة وجهات [50]

نظر فلسفية تتعلق بنظرية المعرفة ، وفيها تأكيد على دور الطرق العلمية الطبيعية . وبالطبع هذا التأكيد على دور الطرق العلمية في دراسة المعرفة يؤشر مرحلة تحول الإهتمام ومن ثم التركيز على العمليات التجريبية في إكتساب المعرفة كما وفيه هجران لكثير من الأسئلة الفلسفية التقليدية . ولعل الطرف الإيجابي من كل ذلك هو إحلال ميثديولوجيات العلوم الطبيعية محل الميثديولوجيات التقليدية في إكتساب المعرفة . وفي هذا ربح كبير لكل أنواع الأبستمولوجيات بما فيها الأبستمولوجيا التقليدية … أنظر : ويلارد كواين ؛ الأبستمولوجيا الطبيعية (أو تطبيع الأبستمولوجيا) ، منشور في كتاب : الأبستمولوجيا : مجموعة مقالات ، إشراف أرنست سوسا ، دار نشر بلاكويل ، ج2 ، سنة 2008 (تألف من 736 صفحة) . وهي منشورة كذلك في كتاب : النسبية الإنظولوجية ومقالات أخرى ، مطبعة جامعة كولومبيا ، سنة 1969 .  

 – أنظر : كواين ؛ الحقيقة بالإتفاق ، منشور في كتاب : قراءات في التحليل الفلسفي ، إشراف هربرت فايغل والفريد سيليرز ، شركة نشر إيليتون [51]

سنشري وكوفت ، سنة 1949 ، ص ص 250 – 273 .

 – أنظر : كواين ؛ نظام اللوجستيقا ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1934 . [52]

 – أنظر : أولنزو شيرش ؛ نظام اللوجستيقا عند ويلارد فان أورمان كواين ، مجلة الجمعية الأمريكية للرياضيات ، المجلد 41 ، العدد التاسع ، سنة [53]

1935 ، ص ص 598 – 603 .

 – أنظر : كواين ؛ المنطق الأولي ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1941 . وأعيد نشره سنة 1980 . [54]

 – أنظر : كواين ؛ طرق علم المنطق ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1950 . وأعيد نشره سنة 1982 . [55]

 – أنظر : كواين ؛ منطق الرياضيات ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1951 . [56]

 – أنظر : كواين ؛ من وجهة نظر منطقية ، مطبعة جامعة هارفارد ، سنة 1953 . وأعيد نشره سنة 1980 . وضم بحثه الرائد عقيدتنان للتجريبية . [57]

 – أنظر : كواين ؛ الكلمة والموضوع ، مطبعة جامعة ماسشيوست للتكنولوجيا (المعروفة بإختصار أم . إي . ت) ، سنة 1960 (تألف من 294 [58]

صفحة) . وأصل هذا الكتاب فكرة وردت في رائعته من وجهة نظر منطقية . ومن ثم توسع فيها فكانت ولادة هذا الكتاب . وكتاب الكلمة والموضوع هو من الرسائل الفلسفية القريبة إلى روح الفيلسوف وعالم المنطق كواين . وذلك لأنه عالج في الفصل منها إطروحته الفلسفية والتي كانت بعنوان الترجمة اللا معينة .

 – أنظر : كواين ؛ أبحاث منطقية مُختارة ، دار نشر راندم ، نيويورك ، سنة 1966 . [59]

 – أنظر : كواين ؛ جذور الإستنتاج (الإستدلال) ، شركة نشر الكورت المفتوح ، شيكاغو ، سنة 1971 . وأعيد نشره سنة 1974 .[60]

 – أنظر : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ إتجاهات الفلسفة الأمريكية المعاصرة : تأمل في محاضرات بول كاروس محاضرات الجمعية الفلسفية [61]

الأمريكية ، المجلة الفلسفية إلكترونية ، 2 أبريل سنة 1916 . وأنظر كذلك : الدكتور محمد جلوب الفرحان ؛ فلاسفة أمريكون معاصرون : الثلاثية الفلسفية الأولى ، المجلة الفلسفية إلكترونية ، 8 مايو سنة 1916 . وسيأتي الحديث عن الفيلسوف وعالم المنطق الأمريكي فان كواين في عدد قادم وفي ثلاثية فلسفية من ثلاثياتها الفلسفية.

 أنظر : كواين وجي . أس . يولين ؛ شبكة الإعتقاد دار نشر راندم ، نيويورك ، ط2 سنة 1978 (تألف من 147 صفحة فقط) . [62]

 – والكتاب موجود (أون لاين) . وحصلنا على هذه النسخة من النت وبعنوان : ماككرو – هيل للإنسانيات / العلوم الإجتماعية / اللغات ، ط2 ، 1 [63]

شباط سنة 1978 .

 – أنظر : كواين ويولين ؛ شبكة الإعتقاد (مصدر سابق) ، ص ص 3 – 6 . [64]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 6 – 12 . [65]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 12 – 21 . [66]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 21 – 30 . [67]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 30 – 38 . [68]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 39 – 49 . [69]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 49 – 58 . [70]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 58 – 65 . [71]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 65 – 75 . [72]

 – أنظر المصدر السابق ، ص ص 75 – 84 . [73]

 – أنظر للتفاصيل : كواين ؛ منطق التسلسل : تعميم برنسبيا ماثماتكيا إطروحة دكتوراه ، سنة 1932 وبإشراف الفريد نورث وايتهيد (مصدر [74]

سابق) وملخص منشور عنها في : مجلة المنطق الرمزي ، المجلد 56 ، العدد الرابع ، نوفمبر سنة 1914 ، ص ص 1487 – 1488 . ونشرتها دار نشر غارلند ، نيويورك ، سنة 1990 (تألفت من 290 صفحة) .

 – أنظر : كواين ؛ الكلمة والموضوع (مصدر سابق) ، ص ص 23 – 72 . [75]

 – أنظر : إرنست ليبور وبراين ماكلولين ؛ الأفعال والأحداث : وجهات نظر حول فلسفة دونالد ديفيدسون ، دار نشر بلاكويل ، أكسفورد ، سنة [76]

1985 .

 – أنظر : دايكفين فولسدل ؛ غموض الإستدلالية ومنطق الموديلات ، أوسلو ، سنة 1960 . [77]

 – أنظر : دايكفين فولسدل ؛ فان أورمان كواين والموديلات ، مجلة السينتاز ، المجلد التاسع عشر ، العددان الأول والثاني ، ديسمبر 1968 ، ص [78]

ص 147 – 157 .

 – أنظر : دايكفين فولسدل ؛ في أي معنى تكون اللغة جماهيرية ؟ ، منشور عند بولو ليوناردو (التحرير والإشراف) ؛ حول فان كواين : مقالات [79]

جديدة ، مطبعة جامعة كيمبريدج ، نيويورك ، سنة 1995 .

 – أنظر : دايكفين فولسدل ؛ التعامل بالإمتصاص ، هوسرل وهيدجر منشور عند : مارك رثيهل وجيف مالبس (الإشراف) ؛ هيدجر  ، الأصالة [80]

والحداثة : مقالات في تكريم هيوبرت درايقس ، مطبعة معهد ماسشيوست للتكنولوجيا ، كيمبريدج ، المجلد الأول ، سنة 2000 ، ص ص 251 – 257 .

 – أنظر للتفاصيل : 1 – مارك روثهل وجيف مالبس (التحرير واإشراف) ؛ هيدجر ، الأصالة والحداثة : مقالات في تكريم هيوبرت درايفس ، [81]

مطبعة معهد ماسشيوست للتكنولوجيا ، كيمبريدج ، المجلد الأول ، سنة 2008 (تألف من 423 صفحة) . 2 – مارك روثهل وجيف مالبس ؛ هيدجر ، التعاملوالعلم المعرفي : مقالات في تكريم هيوبرت درايفس مطبعة معهد ماسشيوست للتكنولوجيا ، كيمبريدج ، المجلد الثاني ، سنة 2000 (تألف من 428 صفحة) . 3 – هيوبرت درايفس ؛ الوجود في العالم : شرح على عمل هيدجر : الوجود في الزمن (التقسيم الأول) ، كتب برادفورد ، ط1 سنة 1990 (تألفمن 384 صفحة) . 4 – هيوبرت درايفس وبول رابنو ؛ ميشال فوكو : ما وراء التركيبية والتأويل ، مطبعة جامعة شيكاغو ، ط2 سنة 1983 (تألف من 256 صفحة) .

 أنظر : براين ويذرسن ؛ ديفيد لويس ، إنسكوبيديا ستانفورد للفلسفة سنة 2014 (أون لاين) . وكذلك : نيل دانيال ؛ ديفيد لويس ، دار نشر كيومان – [82]

جشمان ، سنة 2005 .

 – أنظر : حديث إذاعي لدانيال دينيت مع عالم الفيزياء الياباني الأمريكي ميتشو كاكو (1947 – ) بعنوان حول الإستكشافات ، حلقة بثت في 12 [83]

حزيران 2012 من إداعة كليفورنيا – براكلي .

 – أنظر : دانيال دينيت : ماذا أريد أن أكون عندما أكبر ؟ منشور في كتاب : جون بروكمان ؛ العقول الإستطلاعية : كيف يصبح الطفل عالماً ، [84]

دار كتب فانتج ، نيويورك ، سنة 2005 .

 – أنظر : جليبريت هرمان ؛ الشكية وتعريف المعرفة ، دار نشر كيرلاند ، سنة 1990 (تألف من 163 صفحة) . [85]

 – أنظر : جنيفر كريستين ألتمانا ؛ حال الأب حال البنت : عائلة مشدودة بقوة إلى الفلاسفة ، جامعة برنستون ، في 31 ديسمبر ، سنة 2011 .[86]

 – أنظر : جليبريت هرمان وإرنست ليبور (التحرير والإشراف) ؛ صُحبة مع فان أورمان كواين ، دار نشر ويلي – بلاكويل ، سنة 2014 (تألف [87]

من 600 صفحة) .  

 – أنظر : جيلبرت هرمان ؛ حول نعوم شومسكي : مقالات نقدية ، مطبعة أنكر ، سنة 1974 (تألف من 348 صفحة) . [88]

 – أنظر : جيلبرت هرمان ودونالد ديفيدسن ، سيمانطيقا اللغة الطبيعية ، دار نشر دي . ريادل ، سنة 1972 (تألف من 769 صفحة) . [89]

 – أنظر : جيلبرت هرمان ودونالد ديفيدسن ؛ منطق النحو ، سلسلة ديكنسن في الفلسفة ، شركة نشر ديكنسن المحدودة ، سنة 1975 (تألف من [90]

307 صفحة) .

 – عمل عالم الرياضيات السويسري بول برنيز مساهمات بالغة الأهمية في المنطق الرياضي ونظرية المجموعات البديهية وفلسفة الرياضيات .[91]

ودرس الرياضيات في جامعة برلين وتحت أشراف عدد من اامتميزين من علماء الرياضيات نذكر منهم عالم الرياضيات الألماني أدموند جورج لاندو (1877 – 1939) والمشهور بأعماله في نظرية الأعداد والتحليل المعقد . ودرس الفلسفة على عدد من الفلاسفة الأكاديميين المشهورين نذكر منهم الفيلسوف النمساوي الكانطي الجديد ألويس أدولف ريل (1844 – 1924) . ودرس الفيزياء تحت إشراف ماكس بلانك (1858 -1947) والمشهور بعمله في نظرية الكوانتم . وكتب إطروحته للدكتوراه الأولى تحت إشراف أدموند لاندو وكانت بعنوا حول نظرية الأعداد التحليلية . وفعلاً فقد حصل عليها عام 1912 . ومن ثم منحته جامعة زرويخ في السنة ذاتها على أطروحة الدكتوراه الثانية وكانت بعنوان حول التحليل المعقد ومبرهنة عالم الرياضيات الفرنسي أميل بيكار (1856 – 1941) . وفي عام 1917 عينه ديفيد هلبرت مساعداً له مع إجراء أبحاث في أسس الرياضيات . وفي عام 1918 منحته جامعة كوتنجن درجة دكتوراه أخرى وعل إطروحة بعنوان بديهيات حساب القضايا في برنسبيا ماثماتكيا (كتا وايتهيد – رسل ثلالث مجلدات) . للتفاصيل أنظر : زيغ ويلفريد ومارك رافجليا ؛ ديفيد هلبرت وبول برنيز ، منشور في كتاب : إيفور غراتن غينيس ؛ كتابات أساسية في  الرياضيات الغربية 1640 – 1940 ، دار نشر أليسيفر ، أمستردام ، سنة 2005 ، ص ص 981 – 999 .

 – ديفيد هلبرت هو عالم الرياضيات الألماني . وهو واحد من علماء الرياضيات الأكثر تأثيراً في تطور الرياضيات في القرن التاسع عشر والقرن[92]

العشرين . وكان هلبرت صديقاً في عام 1882 لعالم الرياضيات هيرمان مينكوفسكي الذي كتب عن النظرية النسبية وهو أستاذ البرت أنشتاين . وكتب هلبرت إطروحته للدكتوراه في عام 1885 وتحت إشراف عالم الرياضيات الألماني فردينناد فون يندمان (1852 – 1939) وترتبط بإسمه العديد من الأفكار الرياضية الجديدة من مثل نظرية المتغيرات وهي فرع من علم الجبر المجرد . كما صاغ نظرية مكان هلبرت وهو تعميم لمفهوم المكان الأقليدي . وكذلك قام هلبرت بإعادة صياغة الهندسة بديهياً . وتبنى نظرية جورج كانتور (1845 – 1918) في المجموعات . وبلغ عدد طلاب الدكتوراه الذين أشرف هلبرت على أطاريحهم تسع وستين طالب دكتوراه .  وكان هلبرت يعمل مع طلابه في تطوير أدوات لحقل الفيزياء الرياضية الحديثة وهو واحد من مؤسسي نظرية البرهان والمنطق الرياضي . وهو أول من ميز بين الرياضيات والرياضيات الفوقية . وظل هلبرت محاضراً في جامعة كونكسبيرك من 1886 وحتى 1895 . وفي عام 1895 ونتيجة لتدخل عالم الرياضيات الألماني فليكس كلاين (1849 – 1925) حصل هلبرت على بروفسور للرياضيات في جامعة كوتنجن . وخلال سنوات كلاين وهلبرت في جامعة كوتنجن أصبحت الجامعة معهداً أكاديمياً عالمياً في الرياضيات وظل هناك حتى وفاته . للتفاصيل أنظر : كونستانس ريد ؛ ديفيد هلبرت : سيرة ذاتية ، دار نشر سبرنكر ، سنة 1996 .

 – أنظر : جيرت مولر (المشرف) ؛ المجموعات والفئات ، حول أعمال بول برنيز ، دراسات في المنطق وأسس الرياضيات ، أمستردام ، سنة [93]

1976 ، المجلد الرابع والثمانون (كتاب جماعي ) .

 – للتفاصيل أنظر : ليف بكلاميشف ؛ البرهانية ، الحاسوبية والتأمل ، دار نشر إليسيفر ، سنة 2000 (تألف من 357 صفحة) . ومن الفصول التي [94]

لها علاقة بأطراف من بحثنا ؛ الأول وبعنوان نظام نظرية المجموعات . والثاني بعنوان دور الفئات في نظرية المجموعات . والفصل السابع وبعنوان مؤشرات حول موديلات جودل – برنيز لبديهيات نظرية المجموعات .

———————————————————————————

Posted in Category | Tagged , , , , , , , , , , , , , , ,