كتاب الإيساغوجي وأثره في الغرب والعالم الإسلامي

الفلسفة : حُب الحكمة      الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

—————————————————————————————–

(105)

إكتوبر 2012

——————————————————————————————

الفيلسوف

مجلة فلسفية إلكترونية

—————————————————————————————–

كتاب الإيساغوجي وأثره في الغرب والعالم الإسلامي

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس قسم الفلسفة سابقاً / رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

    كتب الفيلسوف الإفلاطوني المحدث الأول فرفريوس الصوري (232 / 233 – 305 ويرى البعض 309 م تقريباً)  ، العديد من الكتب في مضمار الفلسفة والنقد الفلسفي للدين وعلم المنطق . ولعل من أهم كتبه في مضمار علم المنطق ، مؤلفه المهم والمتفرد في تاريخ علم المنطق ، والمعنون ” الإيساغوجي ” والذي يعد من أفضل مساهماته في مضمار الفلسفة . وفي طرف منه قدم لنا نصاً يساعدنا  في دراسة المعقولات ، وهي في التقويم الأخيرخلاصة إفلاطونية محدثة أساسية للمقولات والتي تضمنت شرحاً لمقولات أرسطو  وهذا هو العنوان الحقيقي لكتاب الإيساغوجي .

  ولكن الأستاذ بيرنس يذهب مذهباً مغايراً ، فيعتقد إن العنوان الصحيح هو المقدمة أو الإيساغوجي . وعلى هذا الأساس فإن الكتاب ليس مقدمة للمقولات بشكل خاص ، وإنما هو مقدمة لعلم المنطق بصورة عامة ، والذي يضم نظريات الحمل (المحمولات) ، والتعريف والبرهان . والإيساغوجي يصف الطريقة التي يتم خلالها نسبة الكيفيات إلى الأشياء التي يمكن ترتيبها وتصنيفها . وإستناداً إلى ذلك قسم كتاب الإيساغوجي المفهوم الفلسفي ” الجوهر ” إلى مكوناته الخمسة الأتية : الجنس ، النوع ، الفصل ، الخاصة ، والعرض (أنظر: بيرنس ؛ مختصر تاريخ الأراء التي عناها فرفريوس بالإيساغوجي (مدخل إلى المقولات) ، نشرة 2003 ، ص 14 وكذلك أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ الفكر المنطقي الإسلامي ، ص ص 52- 56) .

أثر الإيساغوجي على الغرب

ترك كتاب فرفريوس الصوري ” الإيساغوجي ” آثاراً عميقة على صفحات تطور الفكر المنطقي في غرب العصور الوسطى وشرق العالم الإسلامي على حد سواء . إن هذا الكتاب هو مساهمة في المقولات ، والذي مزج منطق آرسطو في تعاليم الإفلاطونية المحدثة . وخصوصاً في مقولات الوجود والتي شرحت في حدود ” الموجودات ” والتي سيطلق عليها في دوائر الفلسفة إصطلاح ” الكليات ” . والشاهد على ذلك ترجمة الفيلسوف المسيحي ” بوثيوس ” (480- 524 م) لكتاب الإيساغوجي إلى اللاتينية والذي تحول إلى نص كلاسيكي في العصور الوسطى ، يدرس في مختلف المدارس والجامعات الآوربية (أنظر: هنري جاويدك ؛ بوثيوس ، وعزاء الموسيقى ، المنطق ، اللاهوت والفلسفة ، نشرة مطبعة كالريندون ، أكسفورد 1981) .

 وهذا الكتاب قدم توضيحاً مشجراً للتقسيم المنطقي لمقولة الجوهر ، وهذا التوضيح سيعرف في أوساط علم التصنيف وآلياته بشجرة فرفريوس . وفي العصر الحديث قد إنتفع كثيراً من شجرة فرفريوس الصوري في تصنيف الكائنات الحية (البايولوجيا) (أنظر: أي . ماير و ج . بوك ؛ التصنيف ونظم الترتيب الأخرى ، مجلة أبحاث النشوء والنظم البايولوجية ، 2002 / العدد 40) .

أثر الإيساغوجي في العالم الإسلامي

  أما أثر كتاب الإيساغوجي في العالم الإسلامي ، فله قصة أخرى تميزت بطعمها الخاص . فتذكر المصادر إلى أن أول ترجمة تم تداولها في العالم الإسلامي ، هي ترجمة ” عبدالله بن المقفع ” (قتله الخليفة العباسي عام 756 أو 757 بحجة الهرطقة) . والحقيقة لم يترجمه إبن المقفع كما نحسب من اليونانية مباشرة ، وربما كان النص متوافراً بالفارسية خصوصاً إذا تذكرنا بأن الإسكندر الكبير ، بعد تدمير الإمبراطورية الفارسية ، إستدعا عدداً من الفلاسفة والمناطقة والعلماء اليونان إلى بلاطه الجديد في بلاد فارس ، وحدثت حركة حوار ثقافي عميق بين مجوس (حكماء) الفرس وفلاسفة ومناطقة اليونان ، وكان الحاصل منها تفكير جديد فيه حضور لفلسفة ومنطق اليونان مع حضور لحكمة المجوس (الزرادشتية) . ولعل من المفيد أن نشير إلى إن كتب أرسطو المنطقية كانت متداولة في بلاط تلميذه الإسكندر .

   كما وإن من الثابت إن الأراضي  الإيرانية والعراقية قد حتضنت مدرسة فلسفية وعلمية ظلت تعمل بنشاط حتى ظهور الإسلام ، ونعني بها مدرسة جنديسابور . وعلى هذا الأساس نفهم دور إبن المقفع في الترجمة من اليونانية أو من السريانية . خصوصاً إذا وضعنا في الإعتبار بأن مدرسة جنديسابور كانت تغص بأعداد من الفلاسفة والعلماء اليونان والسريان . ولهذا يتعجب الباحث من عدد من الباحثين المتعجلين الذين أنكروا على إبن المقفع حقه في ترجمة كتاب الإيساغوجي .

  كما إن برامج مدرسة جنديسابور (إضافة إلى برامج مدارس فلسفية أخرى إحتضنتها الأرض العربية قبل الأسلام بأشواط زمنية مثل : الرها ، نصيبين وإنطاكيا ، خصوصاً بعد غلق المدارس الفلسفية في بلاد اليونان عام 529 وطرد الفلاسفة من قبل الأمبراطور الروماني جوستنيان الأول (483- 565) ، والتي أصبحت فيما بعد هذه المدارس ملاذاً آمناً لعدد كبير من الفلاسفة اليونان) قد ضمت منطق أرسطو والشروح عليه ، ولعل نصوص وكتابات الإفلاطونيين المحدثين قد تصدرت برامج التعليم في هذه الفترة خصوصاً إذا تذكرنا بأن معظم معرفتنا بالفلسفة والمنطق والعلم اليوناني قد وصلت إلينا من خلالهم .

    لقد عرب كتاب فرفريوس المنطقي ” المقدمة ” وأخذ يسمى بالعربية بالإيساغوجي . 

    وتحول هذا الكتاب إلى نص عربي منطقي كلاسيكي ، وفرض هيمنته في العالم الإسلامي لمدة طويلة ، ومن ثم ترك آثاراً في مختلف مفاصل الفكر الإسلامي مثل علم الكلام (اللاهوت) ، الفلسفة ، النحو وحتى التشريع . وبالإضافة إلى محاولات التعديل والتكييف التي تعرض لها كتاب الإيساغوجي على يد المسلمين . فأن عدداً من فلاسفة الإسلام قد كتبوا مقالات منطقية تحت عنوان ” الإيساغوجي ” (أنظر: محمد جلوب الفرحان ؛ أثر فرفريوس الصوري / مجلة دراسات الأجيال ، بغداد 1986) .

تعقيب

  والحقيقة إن مناقشة فرفريوس الصوري ، في كتابه الإيساغوجي لمقولة ” العرض ” قد أشعلت نار مناقشات حادة في العالم الإسلامي تحت عنوان ” الجوهر والعرض ” . ولعل قارئ موسوعات الفلسفة الإسلامية عامة ، وكتب الفلسفة الإسلامية خاصة ، يجدها متخمة بمناقشات الجوهر والعرض (أنظر مثلاً : محمد جلوب الفرحان : المنطق الإسلامي ، ص ص 47- 48) .

——————————————————————————

 

Advertisements
هذا المنشور نشر في Aristotle, Dr.MOHAMAD FARHAN, Logic, Neoplatonism, Porphyry of Tyre, فرفريوس الصوري اللبناني, مركز دريد للدراسات, أثر كتاب إيساغوجي على العالم الإسلامي, أثر كتاب الإيساغوجي على الغرب, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الإيساغوجي, علم المنطق وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.