ديوجانس لارتيوس مؤرخ الفلسفة اليونانية

الفلسفة  : حُب الحكمة        الفيلسوف : مُحب الحكمة

والفيلسوف هو الذي رهن جُل حياته في البحث عن الحكمة

———————————————————————————————–

(29)

ديسمبر 2010

———————————————————————————————–

الفيلسوف

مجلة فلسفية إلكترونية

—————————————————————————————————-

Diogens Laertius : A Philosopher and Historian of Greek Philosophy

Dr. Mohamad Farhan, Philosopher

ديوجانس لارتيوس

مؤرخاً للفلسفة اليونانية

الدكتور محمد جلوب الفرحان

رئيس تحرير مجلة أوراق فلسفية جديدة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تقديم :

   يعد ديوجانس لارتيوس (إزدهر في النصف الأول من القرن الثالث الميلادي) واحداً من المصادر التاريخية المحسوبة بعدد أصابع اليد الواحدة ، التي حفظت للإنسانية شهادات تاريخية عن حياة الفلاسفة اليونان وفلسفاتهم ومختلف مدارسهم . وكان كتابه : “حياة وأراء مشاهير الفلاسفة ” ، من الشمولية والعموم  ، ولهذا فهو من المصادر التي لا يستطيع الباحث الأكاديمي المدقق في مضمار الفلسفتين الهيلينية والهيلينستية ، إن يتجاوزه  ، واليوم يكون موسوعة رائعة ، تتألف من عشرة كتب .

    لقد ظن القدر علينا حين ضاعت الكثير الكثير من المعلومات عن حياة هذا المؤرخ الفيلسوف . ولكن في الوقت ذاته ، إننا محظوظون حيث حفظ لنا القدر كتابه  ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” . أقول هذا دون تردد وذلك لإن المؤرخ في الشأن الفلسفي ، حاله غير حال المؤرخ في شؤون التاريخ العامة .

   فمثلاً ديوجانس لارتيوس هو كاتب سير الفلاسفة اليونانين ، ويحسبه البعض من أتباع الإفلاطونية المحدثة (على الرغم من إنه لم يذكر كلمة واحدة عنها في كتابه “حياة وآراء .. ” ، وهي المدرسة الفلسفية التي إنطلقت شراراتها الأولى في الإسكندرية ونمت فيها ، ومن ثم فرضت هيمنتها على المدارس الفلسفية وحتى لحظة غلق الإمبراطور الروماني جوستنيان (إمتد حكمه أكثر من أربعين سنة ، وبالتحديد من عام 527 إلى 565 م ) المدارس الفلسفية في العام 529 م وشتت الفلاسفة ونفاهم خارج إمبراطوريته  . وعلى هذا الأساس نحسب لارتيوس مؤرخاً فيلسوفاً ، وفيلسوفاً لحركة التاريخ العقلي لليونان والرومان (في المرحلتين : الهيلينية والهيلينستية) على حد سواء .

    صحيح جداً إننا عرفنا بعض أسماء المؤرخين في الشأن الفلسفي قبل ديوجانس لارتيوس ، من أمثال المؤرخ اليوناني أكسانوفان (430 – 354 ق.م) الذي كان تلميذاً للفيلسوف سقراط (470 – 399 ق.م) وزميلاً للفيلسوف إفلاطون (428 – 348 ق.م) . فقد كتب أكسونوفان بعض المؤلفات التي غطت جوانباً من حياة سقراط ، وكان مؤرخاً وشاهد عين على محاكمة أستاذه سقراط ، وسجل لنا لحظات دفاعه ، ومن ثم إعدامه ، وكتب عن مؤلفاته وفلسفته  من زاوية المؤرخ والتي تختلف عن شهادات إفلاطون التي قدمها على شكل محاورات ، وكان سقراط  فيها المحاور الرئيس الذي يدافع في محاورات الشباب عن أرائه الفلسفية  ، ويفند أراء الخصوم ، ومن ثم أختلطت أراء سقراط ببضاعة إفلاطون الفلسفية في محاورات الفترة المتوسطة والكهولة والشيخوخة.

  ومن هذا الباب تلعب أراء أكسانوفان (وهو غير أكسانوفان (570 – 475 ق.م) الفيلسوف الإيلي الذي عاش قبل سقراط ، والذي كان يزعم : لو كان للثيران خيال ، فإنها ستتخيل آلهتها على صورتها) وكتاباته دور المرجعية التي تساعدنا في معرفة الحقيقي والمخترع من أفكار لسقراط سجلت بقلم تلميذه إفلاطون . كما تمنحنا فرصة لعقد مقارنة مع ما جاءت به محاورات إفلاطون من وجهات نظر تتفق أو تختلف مع ما أدلى به أكسانوفان.

  وصحيح كذلك إن إفلاطون كان زميلاً للمؤرخ أكسانوفان كما أشرنا ، وقد نقل لنا خلال محاوراته الكثير من المعلومات عن الفلاسفة قبل سقراط ، بل وقد عنون محاوراته بأسماء هؤلاء الفلاسفة . إلا أننا نترد في منح إفلاطون لقب مؤرخ للفلسفة ، وذلك لأن محاوراته لم تكتب بموضوعية وبراءة المؤرخ ، وإنما كتبت من وجهة نظر فلسفية حوارية فيها هيمنة لشخصية سقراط المتحدث بلسان إفلاطون ، وفيها نقد للفلسفة اليونانية قبل سقراط عامة ، وتشويه للفكر الفلسفي السفسطائي (الذي أقام بعض من ممثليه الديمقراطيين دعوة  ضد سقراط وإتهموه بإفساد الشباب والقول بآلهة غير آلهتهم) المخاصم لكل من  سقراط وإفلاطون .

  وصحيح كذلك إن أرسطوفان (446 – 380 ق.م) قد حفظ لنا شهادة تاريخية عن سقراط في مسرحيته الساخرة ” السحب ” . إلا إنها كتبت بقلم مسرحي ساخر وليست بيراع مؤرخ ، ولهذا إختلطت في عمل أرسطوفان المسرحي ، شهادات الحق بأوراق الإبداع الساخر على شخصية الفيلسوف سقراط ولصالح العمل المسرحي وهدف التهريج الساعي للترفيه ودفع الجمهور إلى الضحك .

  وكذلك صحيح جداً إن الفيلسوف أرسطو (384 – 322 ق.م) ، وبصورة محددة في كتابه ” مابعد الطبيعة ” ومن ثم في كتبه الأخرى ، قد سجل لنا معلومات أكثر دقة من عمل إفلاطون في المحاورات وإسلوبها الأدبي الروائي العالي . وصحيح إنها كتبت بقلم مؤرخ فيلسوف فهي تتمتع بموضوعية لصالح الفلاسفة اليونان قبله ومن ضمنهم إفلاطون كذلك . إلا أن أرسطو فيلسوف حاله حال إفلاطون ، راجع آراء الفلاسفة اليونان من زاوية منظوره الفلسفي المنحاز ، وأضاف ألواناً على عباراتهم الفلسفية لم تكون هي ألوانها الحقيقية (محمد جلوب الفرحان : الرواية التاريخية الفلسفية : بين مؤرخ الفلسفة أكسانوفان والفيلسوفين إفلاطون وأرسطو ، قيد الإنجاز \ سيظهر على موقع الفيلسوف ) .

   ومن هنا تأتي أهمية كتاب ديوجانس لارتيوس ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” فهو مرجعية فائقة الأهمية ، حيث تمكننا من إمتحان ما حكاه إفلاطون ، أكسانوفان وأرسطو ، سواء ما خص سقراط أو الفلاسفة قبل سقراط ، وما قاله أرسطو في مؤلفاته من أراء نسبها للفلاسفة قبل سقراط ، وعن سقراط وأستاذه إفلاطون .

  كما إن أهمية كتاب ديوجانس لارتيوس تتعدى ذلك ، فقد قدمت لنا شهادات تاريخية لواقع ورحلة الفلسفة الهيلينية والهيلينستية وحتى العقود الثلاثة من النصف الأول من القرن الثالث الميلادي (وصحيح جداً إن كل من شيشرون (106 – 43 ق.م) وبلوتارك (46 – 120 م) قد سبقا ديوجانس لارتيوس في مضمار الكتابة التاريخية  ، وحفظا لنا الكثير من الأخبار عن الفلاسفة وآراءهم فيما تركاه من كتابات ونصوص ، وهي في غاية الأهمية . إلا إن قصة هذا الموضوع سيعالجه مقال خاص ، سننجزه في القريب العاجل) .

 ديوجانس لارتيوس :

كاتب سير ضاعت سيرته

   تتفق جميع المصادر الإنكليزية التي كتبت عن ديوجانس لارتيوس ، على إنه كاتب سير ومؤرخ كتب عن الفلسفة والفلاسفة اليونانيين . ويذكرون بأن المعلومات عن حياته تكاد أن تكون معدومة . ولكن كتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” نجى من الضياع ، فظل خالداً ومن خلاله خلد  إسم مؤلفه ديوجانس لارتيوس . وهو اليوم من المصادر الأساسية التي تحكي لنا قصة  رحلة الفلسفة والفلاسفة اليونانيين في المرحلتين الهيلينية والهيلينستية وحتى العقود الثلاثة من النصف الأول من القرن الثالث الميلادي ( أنظر : هربرت . أس . يونك ؛ مقدمة لكتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، المكتبة الكلاسيكية 1972 ، ص 19 وما بعد) .

  كما يرجح الدارسون الأكاديميون في الجامعات الغربية الناطقة بالإنكليزية ، على إن ديوجانس لارتيوس قد عاش بعد الفيلسوف سوكس إمبيركوس (160 – 210 م) ، وهو طبيب وفيلسوف شكي تجريبي (عاش في الإسكندرية ، روما وأثينا ، وبقي له شرح كامل على الشكية اليونانية والرومانية )  ( أنظر : بيلي ألن ؛ سوكس أمبيركوس والشكية البيرونية ، أكسفورد 2000) .  وفعلاً فهو أخر فيلسوف ذكره ديوجانس في كتابه ” حياة وآراء الفلاسفة المشاهير ” ( أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ المصدر السابق ، الكتاب التاسع ، خصوصاً عندما تحدث عن النزعة الشكية عامة وبيرون خاصة ) .

  وكذلك لاحظوا إن لارتيوس عاش قبل كل من إستيفانوس البيزنطي الذي عاش في القرن السادس الميلادي (والذي إشتهر بمعجمه الجغرافي) (أنظر : سميث ويليم ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية ، دوبلن 1842 المجلد الثالث ، مادة إستيفانوس البيزنطي ) ، والفيلسوف سبوتر (الذي عاش بحدود 500 ميلادية) وهو سفسطائي ومن ثم إفلاطوني محدث (أنظر : سميث ويليم ؛ المصدر السابق ، مادة سبوتر) . وكلاهما قد إقتبسا من كتابات ديوجانس لارتيوس . الأول في قاموسه الجغرافي . والثاني في منتزعاته التاريخية .

  لم يذكر لارتيوس ، في كتابه : حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، شيئاً عن الإفلاطونية المحدثة . إلا إن الكتاب في حقيقته موجه إلى إمرأة متحمسة للإفلاطونية (أنظر : ديوجانس لارتيوس ؛ حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ترجمه إلى الإنكليزية روبرت هيكز ، نشرة المكتبة الكلاسيكية 1925 ، الكتاب الثالث ، ص 47) .  ومن المرجح إن لارتيوس  عاش في النصف الأول من القرن الثالث ، وخلال حكم الكسندر سيفروس (208 – 235 م) وخلفائه . وسيفروس هو الإمبراطور السوري من جهة أمه (أنظر : الإنسكلوبيديا البريطانية ،نشرة كسهولم هيك ، كيمبردج 1911 ، مادة الكسندر سيفروس) .

  ولاحظ الباحثون أن هناك إختلاف في إسم لارتيوس في المخطوطات القديمة لكتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، مما هو عليه في المخطوطات الأكثر حداثة . فمثلاً في المخطوطات القديمة ، كانت صورة إسمه جاءت بترتيب : لارتيوس ديوجانس . وهذا الترتيب جاء عند الفيلسوف سبوتر ، وبالتحديد في كتابه ” فوتوس ” الصفحة 161 وكذلك ورد بالصورة ذاتها عند سودا ، في موسوعته البيزنطية . أما الصورة الحديثة لإسمه ، فهي : ديوجانس لارتيوس ، (وهي الأكثر غرابة) والتي ظهرت عند إستيفانوس البيزنطي أولاً . أو مجرد لارتيوس ، أو ديوجانس فقط .

   وليس هناك إجماع مستقر بين الباحثين حول أصول إسم لارتيوس و من أين جاء إشتقاقه ، فمثلاً ينسب إستيفانوس البيزنطي ، في نص له ، ديوجانس لارتيوس إلى ” إصول مدينة ، ربما هي لارت التابعة لكاريا (أو كابيا) أو كليكيا وهوإسم قديم لإقليم الأناضول (تركيا الحالية) وكانت يومذاك (القرن الحادي عشر – السادس قبل الميلاد) من المستعمرات اليونانية الأيونية أو الدورية . وهناك من يرى إن أسلاف لارتيوس جاءوا من عائلة لارت الرومانية ( أنظر : سميث ويليم ؛ قاموس السير والأساطير اليونانية والرومانية ، مادة ديوجانس لارتيوس ) .

  في حين تذهب النظرية الحديثة إلى إن الأسم لارتيوس ، هو أسم كنية لتمييزه من الكثير من الأشخاص الذين يحملون الأسم ديوجانس في العالم القديم . ولارتيوس هو إسم مشتق من صفة كانت تطلق على ” أوديسا ” بطل ملحمة هوميروس (الشاعر الملحمي اليوناني الذي عاش حوالي 850 ق.م) بالإسم ذاته (أنظر : هربرت يونك ؛ المصدر السابق ، ص 16) .

  ويلحظ قارئ كتاب لارتيوس ” حياة وآراء .. ” بأن المؤلف قد ذكر إسم مدينته . وفعلاً وجد الباحثون بأن هناك نصاً في كتاب ” حياة وآراء .. ” وهو موضع جدل وتنازع بين الدارسين ، (جاء في الكتاب التاسع / ص 109) ، يقول فيه لارتيوس ” إن زميلي الشكاك ، هو مواطن مثلي من مدينة نيكيا ” وهي مستعمرة يونانية يومذاك (واليوم هي جزء من محافظة بورسا – تركيا) . وإذا قبلنا نيكيا إسماً لمدينته ، فإن النتيجة التي تترتب على هذا القبول ، هو نفي أية علاقة بين هذه المدينة وإسم لارتيوس (الموسوعة الفلسفية ، نشرة أدورد كريج ، طبعة روتليردج 1998 / المجلد التاسع ، ص 86) .

بين أبيقورية لارتيوس

وإنتماؤه إلى ” أصحاب الشكاك ” :

    صحيح إن هناك من الباحثين من ينسب ديوجانس لارتيوس إلى الإفلاطونية المحدثة. ولكن مثل هذه الدعوة ضعيفة من ناحيتين : الأولى إذا كان لارتيوس إفلاطوني محدث ، فلماذا لم يذكر كلمة واحدة عن الإفلاطونية المحدثة في كتابه ” حياة وآراء .. ” في حين تناول في كتبه العشرة جميع فلاسفة المدارس الفلسفية التي عرفها تاريخ الفلسفتين الهيلينية والهيلينستية . الثانية صحيح إن  ظهور الإفلاطونية المحدثة إرتبط بالفيلسوفيين : ” أمونيوس ساكس ” (علم الفلسفة من 232 وإلى 243 وتوفي عام 265 وكان مغموراً) وهو المؤسس الروحي لها . وإفلوطين (205 – 270 م) المؤسس الحقيقي لها . والأثنان ولدا وعملا فيما بعد العقد الثالث من القرن الثالث الميلادي (أنظر: أندرو سميث ؛ مكانة فرفريوس في التقليد الإفلاطوني المحدث ، نشرة سبرنكر 1974)  . ويومها كان ديوجانس لارتيوس قد نشر كتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” .

  كما نشعر إن هناك في هذه الدعوة ، خطأ تاريخي قد وقع حين نسب ديوجانس لارتيوس إلى الإفلاطونية المحدثة ، فقد كان معاصراً لأمونيوس ساكس ، وبحدود أقل لإفلوطين ، ولكونه الأكبر سناً والأشهر في كتابه ” حياة وآراء .. ” ، فأن لارتيوس يصبح هو المؤسس الروحي للإفلاطونية المحدثة في القرن الثالث الميلادي ، وليس واحداً من أتباعها . وهذه مسألة لم يناقشها أو يشير إليها أحد من الباحثين .

  ولكن على ما يبدو إن أمونيوس وتلميذه إفلوطين كانا في بداية عملهما في مضمار الفلسفة ، ولم يكونا من المشاهير من الفلاسفة ، ولذلك لم يدرج لارتيوس أسمائهما في كتابه . وعلى ما يبدو كذلك إن الإعلان الحقيقي عن ظهور الإفلاطونية المحدثة جاء في أواخر القرن الثالث أو بواكير القرن الرابع  الميلاديين وهذا ما يتناغم مع وقائع التاريخ ويفسر لنا لماذا تجاهل لارتيوس ذكر أي شئ عنها إذا إفترضنا إنه كان واحداً من أتباعها  .

  وفعلا فإننا نحسب إن الإعلان عن كتابات المؤسس الروحي لمدرسة الإفلاطونية المحدثة قد تم على يد تلميذ إفلوطين ” فرفوريوس الصوري ” (233 – 309 م) وذلك حينما قام بجمع ومن ثم نشر كتاب إفلوطين الوحيد والذي يحمل عنوان ” التساعيات ” في العام 270 م (أنظر : أندرو سميث ؛ المصدر السابق) . وعلى هذا الأساس كانت هذه السنة (270م) هي لحظة الإعلان الحقيقية عن إنبثاق مدرسة جديدة (وواضح جداً جداً إن هناك أربعة عقود تفصل بين تأليف كتاب لارتيوس والإعلان عن تأسيس الإفلاطونية المحدثة)، والتي تحول بعدها كتاب التساعيات إلى إنجيل هذه المدرسة  التي سيطلق عليها الباحثون في العصر الحديث (وأشدد هنا على العصر الحديث) مصطلح الإفلاطونية المحدثة .

  والحقيقة إن ما كان يعرف عن هذه المدرسة يومذاك ، وبالتحديد من خلال كتابات فلاسفتها : مشروع مقاربة أومصالحة بين إفلاطون وأرسطو . وعلى أساس مشروعها هذا أصبح لدينا إفلاطون مختلف عن المتداول في محاوراته ، وأصبح لدينا آرسطو مختلف عن الشائع في كتبه الأصلية (الشاهد على ذلك كتاب التساعيات لإفلوطين والذي أوقع الإسلاميين في وهم مشروع الجمع بين الحكيمين عندما نسب تحت عنوان ” أثولوجيا آرسطو ” نقول عندما نسب إلى آرسطو خطأً) . ومن ثم وجدت الرواقية لها مكانة في مشروع مدرسة إفلوطين ، وأصبحت رواقية جديدة ، والحال حدث مع الفيثاغورية التي أخذت إطاراً جديداً داخل مباني ما أخذ يعرف بالإفلاطونية المحدثة  .

    وهكذا فإن قضية ربط ديوجانس لارتيوس بالإفلاطونية المحدثة أصبحت مسألة مرفوضة من داخل نص كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ومن زاوية تاريخ ظهور مدرسة إفلوطين (وليس الإفلاطونية المحدثة الإصطلاح الذي ظهر في العصر الحديث) . نتحول بعد ذلك إلى مناقشة وجه آخر من قضية تصنيف لارتيوس فلسفياً. فقد لاحظ كاتب المقال إن هناك إختلاف بين الباحثين حول أرائه الفلسفية ، والمدرسة الفلسفية التي ينتمي إليها . فمثلاً هناك من يرى إن ديوجانس لارتيوس كان ” أبيقورياً ” أو ” من الشكاك ” . وفي ترجيح كفة إنه كان أبيقورياً ، إستند الباحثون على تعاطفه ودفاعه عن أبيقور (أنظر : كتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، الكتاب العاشر ، ص ص 3 – 12) . وفعلاً إن قارئ هذا الجزء من الكتاب العاشر ، يلحظ إن لارتيوس قد أعلى من قيمة ابيقور ، إضافة إلى أنه ضمن الكتاب ثلاثة رسائل طويلة ، كتبت بقلم أبيقور ، وهو يشرح عقائد الأبيقورية الفلسفية (أنظر: المصدر السابق ، ص ص 34 – 135) .

  أما الباحثون الذين يرجحون كفة إن لارتيوس كان ” من الشكاك ” ، فقد وجدوا إن هناك تشابهاً في طريقة الإثنين . فمثلاً عامل لارتيوس جميع المدارس الفلسفية بنهج موضوعي ليس فيه إنحياز . وهذه هي الطريقة ذاتها التي كان يعتمدها الشكاك اليونانين القدماء . ولاحظوا إن في دراسته للمدرسة الشكية ، كانت إعمق وأوسع معرفياً من المدارس الأخرى . إضافة إلى إنهم أنتبهوا إلى إسلوبه عند الإحالة إلى الشكاك . فمثلاً وجدوا إنه يستخدم تعابير عندما يتكلم عن الشكاك ، مثل : ” مدرستنا ” وهي عبارة تدل على الإنتماء (أنظر: المصدر السابق ، الكتاب التاسع ، ص 109) .

  كما إن هناك من يرى بأن هذه المشكلات في نصوص الكتاب ، هي في حقيقة الأمر مشكلات المصادر والنقول التي أخذ منها لارتيوس مادته المعرفية . ولذلك فإنه من الصعب التأكيد بصورة حاسمة على إن ديوجانس لارتيوس قد تبنى آراء واحدة من هذه المدارس الفلسفية . خصوصاً إذا أخذنا بالإعتبار الحقيقة القائلة : ” إن لارتيوس كان مولعاً بتفاصيل سير الفلاسفة ، أكثرمن عقائدهم الفلسفية (أنظر: هربرت يونك ؛ المقدمة لكتاب : حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ، ص ص 17 – 18). إضافة إلى كل ذلك فإن لارتيوس هو مؤرخ عن حياة المشاهير من الرجال ، الذين عاشوا في أزمان مختلفة وأمكان متباعدة .

المؤلف ومصادر الكتاب

في ميزان التقويم :

  إنشغل الباحثون ومن عصور مختلفة ، بالدراسة والتنقيب المستمرين عن حقيقة كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ومؤلفه ” ديوجنس لارتيوس ” والمصادر التي أعتمد عليها في تأليفه لهذا الكتاب ، والتي تعد اليوم من المصادر التي ضاعت وطواها النسيان . وحقيقة إن القراءة الداخلية لهذا الكتاب ، توفر للباحث الكثير الكثير من أسماء كتاب وفلاسفة تكلم عنهم لارتيوس أثناء حديثه عن هؤلاء الفلاسفة ، وذكر قوائم عديدة من الكتب . ومن الممكن أن تكون هذه الأسماء والقوائم من الكتب ، خطوة ميسرة ننطلق منها في عملية ترجيح المصادر المعرفية التي أخذ لارتيوس مادته في تأليف كتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” .

  ولاحظنا إن الفيلسوف الفرنسي النهضوي مونتاني (1533 – 1592) قد إنشغل هو الآخر بهذا الموضوع .  ولهذا نحسب في عبارة مونتاني شيئاً من الصدق  وذلك عندما تردد في نسبة كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” إلى لارتيوس واحد . ومعلوم إن مونتاني هو الآب الروحي للفلسفة أو المذهب الشكي الحديث (أنظر للتفصيل : رايموند سبوند ؛ مقدمة : حياة مونتاني وعصره ، طبعة هاكت 2003 ، ص 4 وما بعد) . ومن هذا الباب ، لا يشعر الباحث بنوع من الإندهاش ، عندما هتف مونتاني شاكاً في قضية ” تأليف لارتيوس لوحده ” لكتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . وعلى هذا الأساس رغب مونتاني بكل تأكيد أن يكون ” مؤلفو هذا الكتاب أكثر من لارتيوس واحد ، وربما يتجاوز عددهم ضعف أصابع اليد الواحدة ” (أنظر: مونتاني ؛ مقالات ، نشرة رايموند سبوند ، الكتاب الثاني ، الفصل المعنون ” الدفاع ” ) .

  حقيقة إن شك مونتاني يشكل طرفاً من قضية كتاب حياة وآراء مشاهير الفلاسفة . أما الطرف الآخر ، فتشكله نصيحة الباحثين الأكاديميين في شأن هذا الكتاب وأسئلتهم عن مصادره ومكانته في تاريخ الفلسفة اليونانية . فقد نصح هؤلاء الباحثون قارئ هذا الكتاب ، “بالعناية العالية” في التعامل مع شهادات لارتيوس الواردة في هذا الكتاب ، ” خصوصاً بعد إن فشل لارتيوس في ذكر المصادر التي إقتبس منها في تأليف كتابه حياة وآراء .. ” وكذلك بعد إن ضاعت ” المصادر الأولية والمصادر الثانوية المبكرة ” . وعلى كل ما قيل ويقال ، فإن هذا الحال منح لارتيوس أهمية إستثنائية ، وجعل من كتابه أن ” يكون المصدر الرئيس لتاريخ الفلسفة اليونانية ” (أنظر : هربرت يونك : المصدر السابق ، ص 19) .

  واثناء بحث الدارسين عن مصادركتاب لارتيوس ، وقفوا عند نقطة جوهرية تخص هذا الكتاب ومن ثم مصادره الضائعة . فقد لاحظوا إن تقسيم لارتيوس لكتابه إلى قسمين ، الأول يبحث في فلاسفة المدرسة الآيونية ، والثاني يركز على فلاسفة المدرسة الإيطالية . إعتقدوا إن هذا التقسيم يقودهم إلى مصادر هذا الكتاب . وفعلاً رجحوا إن لارتيوس قد أخذه من سوشين الأسكندراني (عاش للفترة ما بين 200 و 170 قبل الميلاد) وهو كاتب سجل كتابة آراء وعقائد الفلاسفة ( ويسمى بالإنكليزية داكسوكرفر) ، ويعتقد إن كتابه ” تسلسل أو تعاقب الفلاسفة ” والذي فقد ولم يبقى سوى عنوانه ، على إنه واحد من مصادر لارتيوس في تأليف كتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” . وفعلاً إن قارئ كتاب لارتيوس ، يشعر بأنه كان أميناً ، فقد أشار إلى سوشين وإلى إثينيوس وهذا مانبينه أثناء صفحات البحث .

  ويحسب كتاب ” التسلسل ” على إنه واحد من الكتب التاريخية الأولى التي صنفت الفلاسفة في مدارس ، ظهر فيها أثر المتقدم من المدارس على اللاحق منها . فمثلاً ضم إلى ما يعرف بالمدرسة الآيونية كل من طاليس ، إنكسيمندر وإنكسيمانس . وفعلا قد ظهرت آثار هذا التصنيف ، وهذا التسلسل للفلاسفة في كتاب لارتيوس موضوع بحثنا ( أنظر : ديوجانس لارتيوس : حياة وآراء .. ، الكتاب الثاني )

  كما ظهرت له صدى في كتاب أثينيوس (إزدهر في نهاية القرن الثاني وبداية القرن الثالث الميلادي) والمعنون ” فلاسفة المآدبة ” ، وهو خمسة عشر كتاباً ، وبقي منه الكتاب الأول والثاني وأجزاء من الثالث والكتاب الحادي عشر والخامس عشر (أنظر : أثينيوس وعالمه : قراءة في الثقافة اليونانية في الإمبراطورية الرومانية ، نشرة ديفيد براند وجون ويكنس ، مطبعة جامعة أكستر 2000) .

  ويبدو إن كتاب سوشين ” تسلسل الفلاسفة ” يتألف من ثلاثة وعشرين كتاباً . ويرجح إنه إعتمد جزئياً على الأقل على كتابات الفيلسوف المشائي ” ثيوفرستس ” (إزدهر 287 – 271 ق.م) الذي درس اولاً في أكاديمية إفلاطون ، وبعد موته تابع أرسطو ، وأصبح خليفته على مدرسته (اللسيوم) ومن ثم قاد المدرسة المشائية لمدة ستة عشر سنة (أنظر : تاريخ كيمبردج للفلسفة الهيلينستية ، كيمبردج 1999 ، ص ص 52 – 53) .

  وترك كتاب ” تسلسل الفلاسفة ” أثراً واضحاً على ” هيركليدس لامبوس ” (من منتصف القرن الثاني قبل الميلاد) وخصوصاً عندما قام بوضع تلخيص لهذا الكتاب وفقاً لشهادة ديوجانس لارتيوس في كتابه موضع الدراسة والبحث عن مصادره . وبتقديرنا إن كتاب ” تسلسل الفلاسفة ” أو تلخيصه الذي وضعه هيركليدس لامبوس ، هما من المصادر المباشرة لكتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” (أنظر : الكتاب الخامس على سبيل الإستشهاد) .

  كما وأشار لارتيوس بنفسه إلى كتب أخرى ، نحسبها كانت مصادراً مباشرة لتأليف كتابه ” حياة وآراء .. ” . فمثلاً نسب تحت عنوان ” تسلسل .. ” ، كتاباً للمؤرخ اليوناني ”إنتيسثينس الروديسي” (عاش في حدود 200 ق.م) . كما ونسب لارتيوس مثل هذا الكتاب ، وبالعنوان ذاته إلى “سيسقراط الروديسي” (إزدهر في العام 180 ق.م) (الكتاب الأول ، الثاني ، السادس .. ) .

  ولكن المراجع الرئيسة لكتاب لارتيوس ، هي ” فافرنوس ” (80 – 160م ) ، وهو سفسطائي هيلينستي ، معاصر للمؤرخ بلوتارك . وينسب له كتاب بعنوان ” العبارات البيرونية ” نسبة إلى أول فيلسوف من الشكاك ” بيرون ” (360 – 270 ق.م) وقد ذكره لارتيوس في كتابه موضوع بحثنا . والكاتب اليوناني ” دايكولس المكنيزي ” (عاش في القرن الثاني أو الأول قبل الميلاد) ، وهو مؤلف لكتابين مهمين : الأول بعنوان ” مسح مختصر عن الفلاسفة ” ، والثاني بعنوان ” في حياة الفلاسفة ” . وكلاهما كانا من المصادر البالغة الأهمية لكتابة لارتيوس لكتابه ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” (أنظر : ماكولم سكوفيلد ؛ فكرة الرواقية للمدينة ، مطبعة جامعة شيكاغو 1999 ، ص ص 11 – 12) . وخصوصاً في الجوانب التي كتب فيها لارتيوس عن الفلاسفة الكلبيين (الساخرين) والرواقية (أنظر للإستشهاد : لارتيوس : حياة وآراء … ، الكتاب الثاني ، السادس ، السابع والعاشر) .

  كما وأقتبس بصورة مباشرة أو غير مباشرة من مؤلفات كتبها كتاب من أمثال : إنتيسثينس الروديسي (ذكر أعلاه) ، الكسندر بوليستر (إزدهر في القرن الأول قبل الميلاد) ، وهو باحث يوناني ومعلم ، وقد ضاعت ولم يصلنا منها شئ ، سوى بعض المقاطع والتي حفظها لنا لارتيوس في كتابه ” حياة وآراء .. ” ( أنظر: وليم سميث ؛ معجم السير والأساطير اليونانية والرومانية ، ص 115 وما بعد) . وقد نسب له كتاب ” تسلسل الفلاسفة ” الذي ذكره لارتيوس مرات عديدة ( أنظر للإستشهاد : حياة وآراء .. ، الكتاب الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع ، السابع ، الثامن والتاسع ) .

  وكذلك أخذ من ” ديمترس المكنيزي ” (الذي عاش في القرن الأول قبل الميلادي) ، وهو كاتب سير وكان معاصراً لشيشرون (أنظر: وليم سميث ؛ المصدر السابق ) ، ويعد واحداً من أعماله وفقاً لشهادة لارتيوس ” ذو طبيعة تاريخية وفلسفية ” (أنظر : لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب الأول ، الثاني ، الخامس ، السادس ، السابع ، الثامن ، التاسع).

  وإضافة إلى ذلك ، وجدت كتابات بعض الفلاسفة والمؤرخين والكتاب ، طريقها إلى كتاب ” حياة وآراء مشاهير الفلاسفة ” ، وسجلت حضوراً ملحوظاً لها . منها كتابات مؤرخ الفلاسفة والمدارس الفلسفية ” هيبوتس ” (الذي عاش بحدود العام 200 ق.م) والذي إعتاد لارتيوس أن يستشهد كثيراً بكتاباته ونصوصه ( فقد ذكره في الكتاب الأول ، الثاني ، الخامس ، السادس ، السابع ، الثامن والتاسع) .

  ولعل من النافع أن نشير إلى أن هيبوتس قد ألف كتابين : الأول بعنوان ” حول الفرق اليونانية ” (ذكره لارتيوس في الكتاب الأول والثاني) ، والكتاب الثاني كان بعنوان ” سجل الفلاسفة ” ( وجاء ذكره عند لارتيوس في الكتاب الأول) . وقد عالج هيبوتس الفلاسفة  تحت تقسيم (أوائل وأواخر) وربما وجد له صدى في كتاب ” حياة وآراء .. ” . على كل قسم هيبوتس الفلاسفة إلى أوائل وأواخر ، ولهذا نظر إلى الفلاسفة الذين ظهروا في بدايات تاريخ الفلسفة على إنهم ” من الحكماء السبعة ” ، ومن ثم أضاف إلى قائمة الأوائل الفيلسوف والرياضي ” فيثاغوراس ” (570 – 495 ق.م) .

  وتقليدياً يمنح المؤرخون لقب ” الحكماء أو العقلاء ” إلى سبعة حكماء ظهروا في بدايات القرن السادس قبل الميلاد ، ومنهم فلاسفة ورجال دولة وقانون وسياسة .. مثل سولون الحكيم والفيلسوف طاليس وقولون وغيرهم .. (أنظر : كيرك ورافن ؛ الفلاسفة قبل سقراط ، الطبعة الثانية ، كيمبردج 1983 ، ص 76 وكان من مصادرهما كتاب : حياة وآراء .. حيث تم الإقتباس من الكتاب الأول). وهنا نجد من الإنصاف أن نشير إلى أن لارتيوس قد تابع هيبوتس ، فعنون كتابه الأول بالحكماء السبعة (أنظر : لارتيوس ؛ حياة وآراء .. ، الكتاب الأول) .

  أما قائمة آواخر الفلاسفة عند هيبوتس ، فقد ضمت :

أولاً – كريتس الطيبي (365 – 285 ق.م) وهو فيلسوف كلبي (ساخر) وهو زوج الفيلسوفة المشهورة هبريشا المارونية (أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة الغربية / موقع الفيلسوف ، سبتمبر 2010) .

ثانياً – منديموس (عاش في القرن الثالث قبل الميلاد) وهو فيلسوف كلبي وتلميذ كلوتس الأبيقوري (320 – 268 ق.م) .

ثالثاً – زينون الأكتيومي (334 – 262 ق.م) وهو مؤسس المدرسة الرواقية (وهو بالتأكيد غير زينون الإيلي) وبدأ تدريس الفلسفة في آثينا بحدود 300 ق.م وتعاليمه الأخلاقية مؤسسة على نزعة المدرسة الكلبية . وعلى اساس هذه الإشارة ، يرجح المؤرخون إن هيبوتس قد كتب مؤلفاته في القرن الثالث أو القرن الثاني قبل الميلاد .

رابعاً – شملت كتابات هيبوتس على قائمة باسماء طلاب زينون الأكتيومي (وقد أشار إلى ذلك لارتيوس في ” حياة وآراء .. الكتاب السابع) .

خامساً – ومن ثم ضم هيبوتس إلى قائمة الآواخر ، الفيلسوف الشكي تايمون (320 – 230 ق.م) وهو تلميذ مؤسس المدرسة الشكية ” بيرون ” (وجاء ذكره عند لارتيوس في ” حياة وآراء .. ” الكتاب السابع ) .

  ويرى لارتيوس في الكتاب الأول من ” حياة وآراء .. ” إن هيبوتس قد رفض إدخال المدرسة الكلبية ، المدرسة الإيلية (ايطالية المنبت وظهرت في فترة ما قبل سقراط أي في بواكير القرن الخامس قبل الميلاد) ومدارس الجدل إلى كتابه “حول الفرق اليونانية “

(أنظر المصدر السابق ، الكتاب الأول) . ويبدو من هذه الإشارة ، إن هيبوتس كان ملتزماً بصرامة عالية بالقاعدة التي صنف على أساسها كتابه ” حول الفرق .. ” ولذلك رفض ضم هذه المدارس التي لا تتناغم مع قاعدة التصنيف . ومثل هذا الحال سيواجهه  لارتيوس . إلا إن مؤلف ” حياة وآراء .. ” سيختار له طريقاً مخالفاً فيه إختراق لقاعدة التصنيف العامة لكتابه . وهذه قضية سنبحثا لاحقاً .

  كما وسجل الفيلسوف القورينائي ” إرستبس ” (435 – 356 ق.م) حضوراً في كتاب ” حياة وآراء .. ” (أنظر الكتاب الأول ، الثاني ، الثالث ، الرابع ن الخامس والثامن ) . وإرستبس هو مؤسس المدرسة القورينائية في الفلسفة ، وهو تلميذ سقراط ، وأستاذ إبنته الفيلسوفة ” إرنيت القورينائية ” ( أنظر : محمد جلوب الفرحان ؛ دور المرأة الفيلسوفة في تاريخ الفلسفة (مصدر سابق) ) .

  ومن ثم قائمة مصادر كتاب ” حياة وآراء .. ” شملت الفيلسوف الرواقي ” بانتيوس الروديسي ” (185 – 110 ق.م)  ، وهو تلميذ الرواقي العراقي ” ديوجانس البابلي ” (230 – 150 ق.م والذي ولد في مدينة أسسها عساكر الأسكندر على ضفاف دجلة الخالد ، ولما بلغ سن العشرين رحل إلى أثينا لطلب العلم وأصبح رئيساً للمدرسة الرواقية) وديوجانس البابلي قد جاء ذكره في كتاب ” حياة وآراء ..” في الكتاب السابع . أما بانتيوس الروديسي فقد ألف كتب عديدة ، إلا إن أهمها في موضوع بحثنا عن مصادر كتاب ” حياة وآراء .. ” الضائعة ، هو كتابه المعنون ” المدارس السقراطية ” .

  ولعل أهمية هذا الكتاب ، تعود إلى إنه دار حول سقراط وكتب إفلاطون والمدارس السقراطية الأخرى . وإن معلومات هذا الكتاب تمنح بانتيوس مكانة وسلطة على المصادر اللاحقة والتي يرجح إنها إقتبست منه . وفيما يخص كتاب ” حياة وآراء .. “

———————————————————————————————————

Advertisements
هذا المنشور نشر في Dr.MOHAMAD FARHAN, Greek Phiosophy, Neoplatonism, The Lives and Opinions of Eminent Philosophers, الفلسفة اليونانية ومؤرخيها, الفيلسوف الدكتور محمد جلوب الفرحان, الإفلاطونية المحدثة, ديوجانس لارتيوس وكلماته الدلالية , , , , . حفظ الرابط الثابت.